رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور سيف

 رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور سيف

فيها روح بتفكرني بنفسي زمان قبل ما الأيام تنشفني
حافظ عليها يا ابني
البنت دي هي اللي هتحميك من نفسك
#خلف_أسوار_الجليد
#الفصل_الثاني_عشر
استيقظت نور في اليوم التالي وهي تشعر أن العالم قد قرر أخيرًا أن يبتسم لها بملء ما فيه

الجبل الجليدي قد انحنى أخيرًا لزهرة من الدقي

في الشركة تحول الهمس من شماتة إلى ذهول تام
الموظفون الذين كانوا يتبادلون النظرات الساخرة بالأمس صاروا اليوم يتسابقون لإلقاء التحية
صباح الخير يا آنسة نور
تحت أمرك في أي وقت يا أستاذة نور
مبروك يا عروسة الشركة

مشت نور في الممر برأس مرفوع وابتسامة هادئة
لم تكن فخورة بالمنصب أو بالمال
كانت فخورة بالرجل الذي وقف أمام الجميع وقال هي اختياري
دخلت مكتبها لتجد باقة ورد ضخمة حمراء تغطي نصف المكتب تمامًا

ومعها كارت صغير مكتوب بخط آدم القوي
أول يوم رسمي لنا
أتمنى أن يكون هادئًا كما تستحقين

لكن الهدوء في حياة آدم ونور هو عملة نادرة جدًا

دخل كريم المكتب وهو يكاد ينفجر من الضحك والفضول
كتب في مجموعة عملية تذويب الجليد
يا جماعة الورد وصل وغطى على ملفات الترجمة
أكرر الورد احتل المكتب

نظرت إليه نور بطرف عينها وقالت
كريم ارحمني النهاردة أنا مش حمل غلاسة

ضحك كريم وجلس أمامها
غلاسة إيه يا بنتي ده أنا النهاردة بقيت حماة العريس

بس قوليلي طنط فاطمة عملت إيه في البسبوسة بعد ما مشيوا
قالت نور وهي تتذكر

ماما شالت الصينية في الثلاجة وحلفت إن محدش يلمسها لأنها بسبوسة مباركة
حتى عمر أكل منها قطعة بالعافية تحت الرقابة الأمنية المشددة

في الطابق الخامس كان آدم جالسًا خلف مكتبه يشعر براحة لم يعرفها منذ سنوات

لكن هذه الراحة تبخرت تمامًا حين انفتح الباب فجأة ودخلت امرأة
امرأة يفوح منها عطر فرنسي باهظ الثمن وترتدي طقمًا كلاسيكيًا باللون اللؤلؤي
بملامح تشبه آدم في حدتها وجمالها البارد
السيدة نيفين الصياد
والدة آدم

وقف آدم فورًا والدهشة تملأ وجهه
ماما إنتِ رجعتِ من السفر إمتى

وضعت نيفين حقيبتها على المكتب ونظرت إليه بنظرة فاحصة
رجعت لما سمعت إن ابني الوحيد خطب موظفة عنده وراح بيتها في الدقي من غير ما يكلمني

رجعت لما لقيت صورة ابني مالية المواقع مع بنت مجهولة
رجعت يا آدم عشان أفهم إيه اللي بيحصل في غيبتي

اقترب آدم وقبّل يدها بهدوء
نورتِ يا ماما
بس الموضوع مش زي ما وصلك
أنا خطبت البنت اللي قلبي اختارها
واللي قدرت ترجعني للحياة تاني

رفعت نيفين حاجبها تمامًا كآدم حين لا يقتنع
بنت من الدقي يا آدم
إحنا عيلة الصياد والنسب لازم يكون مدروس
مش مجرد مشاعر عابرة بعد أزمة نفسية
سارة الله يرحمها كانت من مستوانا ومن عيلتنا
لكن دي

قاطعها آدم بنبرة حازمة ولكن مهذبة
سارة كانت اختيار الماضي يا ماما
ونور هي اختيار الحاضر والمستقبل

وبالمناسبة هي مش مجهولة
هي مرشدة سياحية عبقرية وبنت بطل حقيقي

وهي اللي خلتني أبتسم تاني
ده لوحده سبب يخليكِ تحبيها من غير ما تشوفيها

لم تلن ملامح نيفين
أريد رؤيتها يا آدم
عايزة أشوف البنت اللي قدرت تذوب جبل الجليد بتاعك
رتب غداء غدًا في البيت
وعايزاها تيجي هي ووالدتها

تجمد آدم لثانية
نور ووالدتها الست فاطمة في فيلا التجمع الخامس أمام نيفين الصياد
كان يتخيل الصدام الكوني الذي سيحدث

بين الرقي البارد والمبالغ فيه وبين العفوية الشعبية المنطلقة
لكنه لم يجد مفرًا
حاضر يا ماما غدًا في الغداء

في شقة الدقي كانت الصدمة لا تقل قوة
أم نور كانت تمسك بالمغرفة وتلوح بها في الهواء بذهول
إيه يا نور
أروح فيلا في التجمع عند أم آدم بيه

يا بنتي دي الناس دي بتأكل بشوكة وسكينة وأنا آخري المعلقة المعدن
وهلبس إيه وهقول إيه

ضحكت نور وهي تحتضن أمها
يا ماما البسي أحسن حاجة عندك وخليكي طبيعية
آدم حبني عشان طبيعتي وأنا متأكدة إن مامته هتحبك لما تعرفك
إحنا مش بنمثل إحنا هنروح كأهل

دخل عمر المطبخ وقال بحماس
وأنا هاجي طبعًا عشان أشوف الجنينة وحمام السباحة

وهلبس القميص المكوي بتاع العيد
قالت أم نور بحزم
إنت تقعد ساكت خالص هناك يا عمر
مسمعش صوتك إلا لو حد سألك سؤال وجودي

في اليوم التالي كانت الترتيبات في قمة التوتر
نور ارتدت فستانًا بسيطًا وأنيقًا باللون الزيتوني

وأمها ارتدت عباءة كريب فاخرة باللون الكحلي وشيلان حريرية
كانتا تبدوان في غاية الرقي والبساطة في آن واحد

وصلت السيارة السوداء أمام العمارة
نزل آدم بنفسه ليفتح الباب لهما
كان يرتدي قميصًا أبيض وبنطلونًا كحليًا وبدا في غاية الوسامة

نظر لنور بهيام وهمس
إنتِ زي القمر النهاردة
قالت نور بتوتر
آدم أنا خايفة بجد
أمسك يدها وضغط عليها
أنا جنبك وماما قلبها طيب بس غلافها ناشف شوية
استحمليها عشاني

وصلوا إلى فيلا التجمع
المكان كان فخمًا لدرجة جعلت الست فاطمة تشهق في سرها
حدائق شاسعة وحمام سباحة يلمع تحت الشمس وديكورات داخلية تشبه القصور

دخلوا إلى الصالون الرئيسي لتجد السيدة نيفين تجلس بهيبة الملوك
تقرأ كتابًا وتضع نظاراتها الذهبية

وقفت نيفين ببطء ورمقت نور بنظرة من الأعلى للأسفل
أهلاً بكِ يا آنسة نور
وأهلاً بكِ يا سيدة فاطمة

قالت أم نور بابتسامة واسعة محاولة كسر الجليد
اهلا بيكى يا ست نفين

إحنا تشرفنا بمعرفة آدم بيه والنهاردة الشرف زاد بمعرفتك
ما شاء الله البيت جميل والزرع يفتح النفس

ابتسمت نيفين ابتسامة باهتة
تفضلوا بالجلوس
الغداء سيكون جاهزًا بعد قليل

جلسوا جميعًا وساد صمت ثقيل
بدأت نيفين في إلقاء الأسئلة كأنها في تحقيق دبلوماسي
أخبريني يا نور عن دراستك
وكيف كانت تجربتك في الصحراء مع آدم
سمعت أنكِ كنتِ مرشدة بارعة

تحدثت نور بذكاء ولباقة مذهلة
حكت عن حبها للتاريخ وعن كيف ترى أن الأماكن تحكي قصص أهلها
تحدثت عن والدها وكيف غرس فيها حب المعرفة
نيفين كانت تستمع بانتباه وبدأ الجمود ينكسر قليلًا أمام منطق نور القوي

لكن الكوميديا الحقيقية بدأت عند طاولة الغداء
المائدة كانت مرصوصة بأطقم صيني فاخرة وعشرة أنواع من الملاعق والسكاكين

أم نور كانت تنظر للمائدة بحيرة
ثم نظرت لآدم الذي غمز لها بعينه كأنه يقول لا تقلقي

بدأت نيفين تأكل ببطء شديد وبإتيكيت صارم
أم نور أخذت قطعة لحم بالشوكة لكنها انزلقت منها وكادت تطير في الهواء

ضحكت أم نور بعفوية وقالت
يا ساتر يا رب الشوك دي عاملة زي ريش العصافير مبتمسكش حاجة
أنا لو في بيتي كنت مسكتها بإيدي وخلصت

تجمدت نيفين للحظة ونظرت إليها بدهشة
آدم كتم ضحكته ونظر لنور التي كانت تكاد تموت من الإحراج
لكن نيفين فعلت شيئًا مفاجئًا
وضعت شوكتها وسكينتها وقالت بهدوء
تعرفي يا سيدة فاطمة
أنا كمان أحياناً بزهق من الإتيكيت ده
بس للأسف اتعودت عليه من صغري

ضحكت أم نور
وقالت الراحة أحسن من أي حاجة
والواحد لما يشبع وهو مرتاح أحسن من مية شوكة وسكينة

والأكل ما شاء الله طعمه جميل بس ناقصه شوية دقة وملح
أنا المرة الجاية هجيبلك دقة من اللي بعملها في البيت هتخليكِ تأكلي صوابعك وراها

ابتسمت نيفين لأول مرة ابتسامة حقيقية
دقة
أنا مأكلتش دقة من سنين طويلة
أمي الله يرحمها كانت بتعملها لنا في العزبة

بدأت الحواجز تنهار
الحديث تحول من رسمي إلى إنساني
نيفين بدأت تحكي عن ذكريات طفولتها في العزبة
وأم نور تحكي عن مواقفها في الدقي
وآدم ونور يتبادلان النظرات بانتصار

بعد الغداء في الحديقة انفردت نيفين بنور قليلًا
قالت نيفين بجدية
نور أنا كنت رافضة الموضوع في الأول

كنت خايفة إنك تكوني طامعة في آدم أو في فلوسه
وكنت خايفة أكتر إنك متفهميش طبيعة جروحه

نظرت إليها نور بصدق
يا طنط نيفين أنا حبيت آدم المدير القاسي قبل ما أعرف آدم صاحب الشركة

حبيت الراجل اللي بيعزف عود في الضلمة وبيحس بالنجوم
أنا مش عايزة حاجة غير إني أشوفه سعيد
والسعادة مابتتحسبش بالمستوى الاجتماعي
بتتحسب بقد إيه القلوب شبه بعض

تنهدت نيفين وقالت
آدم كان دايمًا بيحب الحاجات الصادقة
وضوحك وصراحتك هم اللي شدوه

أنا مش هقول إني موافقة ١٠٠٪ لسه
بس هقول إني مستعدة أديكِ فرصة تثبتي لي إنك فعلًا تستاهلي قلبه

ابتسمت نور
وأنا عند وعدي يا طنط

في طريق العودة كانت أم نور تشعر بانتصار عظيم
شفتِ يا نور الست نيفين دي طلعت غلبانة والله

بس محتاجة حد ينكشها شوية ويطلعها من القالب اللي حابسة نفسها فيه
دي حتى طلبت مني طريقة عمل البصارة

ضحك آدم بشدة
ماما طلبت طريقة البصارة
ده يوم تاريخي يا جماعة
أنا لازم أكتب ده في ملفات الشركة

وصلوا إلى الدقي
نزل آدم معهم ليودعهم
أمسك يد نور عند باب العمارة وقال
شكرًا يا نور
شكرًا إنك خلتِ اليوم ده يمر بالشكل ده
أنا كنت خايف أخسرك أو أخسرها
بس إنتِ سحرتيها زي ما سحرتيني

قالت نور بمرح
ده سحر الدقي يا آدم بيه
المرة الجاية هخليها تيجي تأكل محشي عندنا ونشغل الراديو

ضحك آدم وقبّل يدها
أنا موافق جدًا
تصبحي على نور يا نوري

طلعت نور الشقة وهي تشعر بالخفة
أمها كانت تحكي لأم كريم في التليفون عن "نيفين حبيبتها" وكيف أنهما صارتا صديقتين
وعمر كان يحكي عن حمام السباحة الذي سيغرق فيه المرة القادمة

نامت نور وهي تشعر أن الأسوار بدأت تتساقط فعلًا
سور وراء سور
جليد وراء جليد
والشمس بدأت تشرق بجدية على قلبين تعبا من البرد

في التجمع الخامس كانت نيفين تجلس في غرفتها
تنظر لصورة قديمة لآدم وهو طفل يضحك
دخل آدم وقبّل رأسها
ماما شكراً

نظرت إليه نيفين وقالت
هي مختلفة يا آدم
مش زي ليلى ولا زي أي حد عرفته
فيها روح بتفكرني بنفسي زمان قبل ما الأيام تنشفني
حافظ عليها يا ابني
البنت دي هي اللي هتحميك من نفسك

ابتسم آدم وخرج
وهو يشعر أن العالم أخيرًا صار له طعم

طعم يشبه القهوة بسكر
ويشبه ريحة الياسمين في بلكونة الدقي
ويشبه الحب الذي لا يهتم بأسوار الجليد

•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية

تعليقات