رواية ورقة التين الفصل الحادي عشر 11 - بقلم داليا الكومي
. وعسى أن تكرهوا شيئًا
الموت نهاية حياة وبداية حياة أخرى إما في النعيم أو في الجحيم ..
حينما تواجه الموت المؤكد يتبخر كل شيء حتى الخوف من الموت نفسه وتتبقى فكرة واحدة فقط في رأسك وهي مدى استعدادك للقاء خالقك.. هل أنت مستعد فعلًا لهذا ؟ ما هو رصيدك من الطاعات ؟؟
هل صلاتك على وقتها والحرص على عدم ظلم العباد يكفيان لتكون مستعدًا ؟؟ هل الحرص على عدم أكل حقوق الغير وحفظ لسانك عن الغيبة والنميمة والخوض في الأعراض يشفعان لك؟؟ متى تقول حقًا أنا مستعد للموت الآن ؟؟
هل سيقولها أحدهم أبدًا ؟؟
لم يحاول حتى محاولة الفرار وتخشب.. مصيره لا يهمه بقدر خوفه من أن يكون غير مستعد للقاء خالقه بعد وخوفه على ربى من بعده..
كانت لحظة واحدة فقط تفصله عن الموت واختار أن يحمد الله فيها.. فلتكن آخر أفعاله
" الحمد ".. سيحمد الله على أنه لم يكن جبانًا أو رعديدًا ولم يكن منافقًا وعاش مستورًا راغبًا في إرضاء الله وسيموت مستورًا شجاعًا مدافعًا عن أرضه وليمن الله عليه بلقب " شهيد " حتى أنه لم يغلق عينيه وانتظر الموت..
لكن أيضًا هناك لحظة واحدة فارقة تتبدل فيها الأقدار بمشيئة الخالق عز وجل.. وقد يكون صنيعًا صغيرًا تفعله خالصًا لوجه الله في يومٍ من الأيام يكون مردوده " يحفظك الرحمن بحفظه وبعينه التي لا تنام ".. فمن حيث لا يعلم ظهر إيجي سباركي وطار في الهواء ليهجم على حامل السلاح ويقبض بأسنانه بكل قوته على كفه فيصرخ من الألم وتغير الرصاصة مسارها لتصيب كتفه بدلًا من قلبه..
حقًا لقد اختبر سابقًا كل أنواع الألم وكان يفتخر أن قوة تحمله قدت من فولاذ لكن الألم هذه المرة فاق الاحتمال.. صاروخ من نار اخترق كتفه وأشعل كل جسده بالألم الذي جعل قلبه على وشك التوقف من شدته لكن تفكيره انصرف عن الألم بخوفه على إيجي سباركي من المعتدي الأثيم فإيجي سباركي كان يغرز أسنانه في كفه وهم المعتدي بتخليص نفسه وربما يطلق عليه هو النار قبل أن يعود له.. وصرخ بآخر قوة لديه وهو يخر أرضًا " إيجي سباركي اهرب "
لكن إيجي سباركي لم يهرب وواصل هجومه على المعتدي الذي اضطر لإفلات البندقية من يده من شدة الألم وترك إيجي سباركي كفه للحظة واحدة كانت كافية ليعيد المعتدي التقاط السلاح لكن إيجي سباركي هذه المرة لم يكن ينوي إعادة الكرة بل هجم على رقبته محاولًا غرز أنيابه فيها وكانت الحرب الدائرة بين إيجي سباركي والمعتدي هي آخر صورة مهزوزة استطاع رؤيتها وحاول تحذير إيجي سباركي مجددًا لكنه لم يستطيع وخارت قواه وبدأ يشعر ببرودة قاتلة وتحول نزيف كتفه لبركة داكنة من حوله وفقد الوعي بعدما تحولت الغيمة التي تقترب من عينه لحجم هائل غشى عقله بالكامل..
**
العناية الإلهية تحفظه..
مجددًا يكون ترتيب العلي القدير كله لطف فغندور الذي لم يطاوعه قلبه للمغادرة دون منذر عاد لحيث تركه وفجعه ما رأى..
كان منذر غارقًا في دمائه وإيجي سباركي الصغير يصارع مجرم حاملًا لسلاح ناري وبدون تفكير ألقى حجر كبير في اتجاه المجرم ليصيبه في منتصف ظهره.. لم يفكر في أنه يعرض نفسه للخطر لكن كل ما فكر فيه إنقاذ منذر وإيجي سباركي وتصاعدت صرخات فوزية الملتاعة من خلفه وهي تصرخ بانهيار ... " منذر قتل "
وشعر المجرم بالخطر فهو لن يستطيع مواجهة كل هؤلاء فأطلق رصاصة في الهواء وألقى إيجي سباركي بعيدًا بكل قوته وركض هاربًا..
الاختيار.. الاختيار كان صعبًا وغندور شعر بالحيرة لجزء من الثانية.. هل يطارد المجرم المسلح ويعرض نفسه للخطر ويترك فرصة لإنقاذ منذر تضيع هدرًا أم يوجه كل قوته لإنقاذ منذر ؟؟ وصوت العقل تردد فورًا..
" حالة منذر الصحية أهم حاليًا "..
لذلك حسم أمره واتجه لمنذر الفاقد الوعي وصرخ بفوزية بصرامة.. - منذر حي فأل الله ولا فألكِ توقفي عن الصراخ وساعديني لنحمله للمنزل..
وابتلعت ألمها لأجل خاطر منذر وساعدته على حمله لكن چوچو الذي تبعها كظلها التقط الكلمات من فمها وعاد للمنزل يسبقهم وهو يصرخ " منذر قتل منذر قتل "
**
" الخير الذي تفعله يومًا يعود إليك ركضًا "
المنزل الذي أعده منذر ليكون كمشفى لحبيبة قلبه لم يكن يعلم أنه سيكون سبب إنقاذه.. فالممرضة التي أحضرها لتعتني بربى كانت متواجدة فور وضع غندور له في الصالة وهو يصرخ " النجدة "..
والألم الذي شعر به والده المنهك بدنيًا فاق أي ألم.. هل سيخسر ضناه وبدأ في البكاء بانهيار لكن الممرضة صرخت بعصبية.. - هكذا لن تفيدوني.. المريض ينزف وبحاجة للذهاب لمستشفى فورًا لكني أولًا سأسعفه الإسعافات الأولية فليساعدني أحدكم وليتصل آخر بالإسعاف..
وصراخها جعل الجميع يتماسك.. من حسن حظه أن الممرضة خبيرة فهو استقدم الأفضل والأدوية والمحاليل متاحة وبوفرة..
في لحظة كان غندور يمزق قميصه ويسكب المطهر على جرحه النازف ووالده يتماسك ويتصل بالإسعاف وصنعت الممرضة ضمادة كبيرة من القطن والشاش وغرزتها في جرحه ثم لفته جيدًا بالشاش وعلقت ذراعه ووضعت له الابرة الوريدية ثم حقنته بالمحلول..
ووسط الهرج والمرج شعر عاصم بالرعب.. لم يستطع احتمال فكرة إصابة منذر ووفاته فركض يشهق من الفزع ومن الخوف ليحتمي بحضن ربى وحتى ولو كانت غير مدركة فحضنها يحميه وفور فتحه للباب سبقه چوچو للغرفة وهو يصرخ.. " منذر قتل "
**
منذ أن خلق الله الأرض بكل ما عليها والإنسان هو الحلقة الأضعف جسمانيًا وسط كل الكائنات الأخرى فلا يتحمل المبيت في العراء لفترات طويلة ولا يتحمل الجوع ولا العطش ولا حتى يستطيع التلون ظاهريًا ليختفي من أعدائه ربما يستطيع التلون فكريًا لكن جسديًا لا يستطيع..
وتذروه الرياح الشديدة وتسبب له الشمس الحارقة ضربات تستحيل معها الحياة.. يعجز عن السباحة في الأمواج العالية ويموت جفافًا في الصحراء وفقط ما يجعله قوي هو إيمانه
لذلك فقدانه لهذا الإيمان هو فقدانه لقوته الوحيدة التي يملكها..
واختيار الانعزال عن العالم ربما يكون خيارًا صائبًا وقت الأزمات لتحمي القدرالضئيل الباقي منك لكن حينما لا يتبقى حتى هذا القدر فهذا يعني الموت المؤكد..
هي أشياء لا تقال لكن يستشعرها القلب فحالة عاصم اخترقت الغلاف النفسي اللا تفاعلي الذي غلفت به نفسها وجعلته ينهار فجأة ويتركها دون حماية وترددت كلمات أصابت قلبها في مقتل بدون غلافها الآمن الذي انهار لتصبح قابلة للعطب الدائم وعادت إليها كل المشاعر دفعة.. مشاعر الخوف والحزن.. مشاعر الهم والغم والغدر والخيانة والألم.. وحتى عاودتها نفس الرغبة الملحة في الموت بالإضافة لمشاعر جديدة بثها عاصم إياها وصدى صوت مرعب يتردد لقول أكثر رعبًا من مما حدث لها " منذر قتل " في الواقع هي كانت تشعر في الفترة الماضية وتحاول أن تظل في شرنقتها متجاهلة لكل ما يحدث طالما عاصم كان بخير لكن الآن عاصم لن يكون بخير ومنذر أيضًا وصرخت صرخة مدوية جعلت عاصم ينتفض ويصرخ هو الآخر ومجددًا صرخ كائن في الغرفة مثلها وهو يطير فوق رأسها مما جعل عقلها المنهك المعطل عن العمل لفترة عاجزًا عن الاستيعاب..
لكن صرختها استنزفت كل مشاعرها وكل مجهودها.. صرختها بكل ما فيها قوة انتزعت آخر رمق من قوة فيها فعادت لغيبوبتها وهذه المرة غيبوبة مع رجفة شديدة أشبه بالتشنجات..
وصرختها وصلت لمسامع كل من في المنزل حتى أن منذر استفاق من اغمائه على صوتها وصرخ بضعف.. - ربى؟؟
وصرخات عاصم تلاحقت حتى أن الممرضة شعرت بحيرة بالغة.. - ماذا عليها أن تفعل فالإسعاف لم يصل بعد..
لكن الوضع في الأعلى كان حاليًا الأكثر خطورة وحقًا حينما عاينتها كانت في حالة.. " صرع " حالة مؤكدة كعرض جانبي لحادثة رأسها حتى أن الأطباء وصفوا علاجها تحسبًا وفورًا حقنتها بمضاد الصرع بعدما وضعتها في الوضع الآمن فهدئت على الفور..
وخرت الممرضة أرضًا تتنفس بصوت عال.. المهمة تتحول لمستحيلة..
تلك المسكينة الجميلة حالتها غريبة ب الوجه الملائكي ونصف الشعر الأحمر الناري والنصف الآخر الذي تمت حلاقته بعد الحادثة وقبل الدخول للعمليات..
وتذكرت المصاب الآخر بالأسفل لكن صوت الإسعاف الذي يقترب جعلها تهدئ كثيرًا..
**
أحيانًا تجبرنا الظروف على تحمل آلامًا تفوق احتمالنا من أجل من نحب.. ويمنحنا هذا قوة خارقة للنهوض والمقاومة..
ربى بحاجة إليه وسينهض حتى ولو كان هذا آخر شيء يفعله في حياته.. سينهض بآخر نفس لديه لأجلها.. ودخل رجال الإسعاف ركضًا ووضعوه بالقوة على طاولتهم المتنقلة لكنه صرخ.. - لن أغادر لأي مكان قبل رؤيتها..
العناد والاندفاعية لازماه دائمًا وتسببا له في الكثير من الضرر سابقًا لكن اليوم هو وقتهما حقا ولن يتراجع.. وأصر فحمله الرجال لأعلى حينما علموا أنه لن يتزحزح عن موقفه.. كانت غرفة ربى تعج بالفوضى وچوچو يطير في حالة من الذعر لكنه فور رؤيته هتف.. - منذر يحبك..
شكرًا چوچو حفظت العيش والملح.. وربما ربى لم تستجب أيضا لكنها بالتأكيد سمعت حتى في نومها الذي أكدته الممرضة قائلة بارتياع.. - هي نائمة الآن وزال عنها الخطر لكن أنت تقتل نفسك هكذا..
حتى ولو مت.. حتى ولو مت..
عمر الانسان لا يقاس بعدد سنواته بل يقاس بتأثيره على الأخرين وما فعله لأجلهم حتى ولو في سنوات قصيرة.. يقاس بمدى تأثيره على أب تخشب من هول الصدمة لكنه تماسك حينما رأى قوة ابنه التي يجاهد لإظهارها من أجل من يحب.. من أجل زوجة تحتاج إليه لتتجاوز محنتها ومن أجل عاصم الذي سيكون بلا حول ولا قوة بدونه ومن أجل مهند الذي مازال لم يشق طريقه بعد أو يصلب طوله..
وكلمات تتردد في أذنيه " أنت لست بطولك يا منذر لتستلم " وهتف بصوت ضعيف.. - ربى.. وردد چوچو خلفه " ربى ربى " كلمة جديدة تعلم نطقها اليوم.. كل يوم هو هبة من الخالق عز وجل ولا ينبغي علينا اهداره فيما لا يفيد واليوم سيكون مثمرًا كغيره.. حتى ولو كان صراخًا لكنه سمع صوتها وتفاعلت من الأجواء المحيطة ولم تعد في شرنقتها.. خلف كل بلاء رحمة وفي باطن كل ابتلاء أمل.. وتحامل على الرغم من اعتراضات المسعفين وهبط من الطاولة ليمسك كفها بحب وحنان.. - ربى أنتِ بخير فقاومي لأجلي لقد سمعت صوتكِ العذب اليوم بعد غياب شهر.. ربى ستكونين بخير صدقيني..
قالها بآخر قوى لديه وهوى فاقدًا للوعي ...
**
كل شيء في هذه الدنيا ميسر لقدر.. لا شيء عشوائي ولا شيء بدون بسبب..
إصابته وحرق أرضه كانت ابتلاءً لكنه ابتلاء أعاد الأمل إليه حينما سمع صوتها.. ومن لطف الله أن الرصاصة استقرت في العضلة بصورة سطحية وتمكن الأطباء من إخراجها في وقت قياسي.. وفقط يومان قضاهما في المستشفى وأصر على الخروج وهو بحالة أفضل.. وعاد للمنزل واستقبله أهالي القرية بحفاوة وحضر جميعهم للاطمئنان عليه لكنه ترك الجميع وذهب لغرفتها رأسًا..
كانت ماتزال تنام في فراشها ومر يومان لم يجلسها فيهما أحدهم بجوار الشمس التي تهب الصحة والأمل.. ليته يستطيع حملها لكن ذراعه في جبيرة وستظل هكذا لعدة أسابيع.. لا يهمه الآن من كان السبب في حرق أرضه ولا من كان السبب وراء محاولة قتله مع أنه لديه فكرة جيدة عن الأمر.. كل ما يهمه الآن أنه هنا لجوارها..
الأزمات تبين معادن الرجال وتفرق بين الصفيح والذهب..
في كل الحالات يبقى الصفيح صفيحًا ويبقى الذهب ذهبًا والأزمة الحالية ستكشف عن معدنه وعن مقدار ندمه وعن رغبته الخالصة في التصحيح.. - حبيبتي..
وملس على شعرها بحنان طاغي..
كانت ماتزال منفصلة عن الواقع لكن وضعها تحسن قليلًا فلم تعد في وضعية الجنين التامة لكن تحسنت كثيرًا.. - سأظل أحبكِ للأبد..
واقتحم عاصم الغرفة يتبعه چوچو كظله.. - منذر الحمد لله لقد خفت كثيرًا.. لن أتحمل فقدانك أنت وربى..
وألقى نفسه بين ذراعيه يتمسح فيه بشدة وعلى الرغم من ألمه الشديد ضمه منذر وقال بتأكيد.. - لن تفقد أي أحد.. أنا وربى بخير..
الصغير بحاجة لجرعة مكثفة من الحنان والطمأنينة.. لقد عانى خلال سنوات عمره القليلة من الكثير..
واستقر چوچو على كتفه.. كان صامتًا على غير عادته وأكمل منذر بتأكيد.. - ستكون بخير يا عاصم ستكون بخير لأننا لا نقوى الحياة بدونها وهي تعلم هذا وأعلم أنها تسمعنا الأن..
**
- اللعنة.. ما هذه المصيبة التي ورطتني فيها ؟؟
كان زكريا يجلس بأريحية مختفيًا في منزل مخلوف.. - هذه أوامر يزيد بيك..
اللعنة عليك وعلى سيدك.. سيدك اللعين هذا لم يعطيني حتى جنية واحدًا..
لقد استغله أسوء استغلال وليس هذا فقط بل وجعله يخفي الشخص الأكثر طلبًا في كل القرية " قاتل منذر " ورطة لا يعلم كيف يخرج منها.. الجميع في الخارج يبحث عن القاتل ولو اشتموا خبرًا عن تورطه في الأمر سيسون منزله بالأرض ثم يعلقون رأسه على مدخل القرية..
وهتف بسخط.. - هذا الأمر لا يعنيني غادر منزلي فورًا..
وبهدوء أخرج زكريا سلاحًا أبيضًا من طيات ملابسه وأخذ يمرر على كفه بحركة تهديد واضحة.. التهديد واضح ولا يحتاج للذكاء ليفهمه.. سيقتله عن تجرأ وفتح فمه مجددًا.. وكان يعلم أنه لا يمزح.. هذا الشخص مجهول الاسم قاتل محترف.. وبدأ يرتعد بشدة.. الخوف من الخارج يماثل الخوف من الداخل لم يعد له أي مكان آمن وزاد رعبه حينما اتصل القاتل بيزيد وسمعه يخبره.. - استعد سنهجم على المنزل في الليل.. ستكمل عملك المبتور وستخلصنا من هذا الشخص المزعج وستحضر لي الفتاة.. كان يستمع للتفاصيل التي ترتب للحدث وكأنهم في شيكاغو..
وشهق بعدم تصديق.. أين هم.؟؟ كيف سيفعلها هذا المجرم وبكل بجاحه ؟؟
الليلة ستكون مجزرة وعليه الفرار قبل أن تبدأ فلن يرحمه أحدهم..
**
- منذر بيحبك ..
- شكرًا چوچو..
وألقى إليه قبلة في الهواء فكان رد فعل چوچو الطيران الفجائي ثم العودة ليقول له..- كل زفت ..
ورغمًا عنه ابتسم ..
- خذيه يا فوزية لغرفتك واربطي لسانه لا أريد سماع صوته اليوم لدي ما يكفي من الصداع.. وردد چوچو.." صداع صداع "..
وحملته وهي تضحك ..- لقد كانت فكرتك منذ البداية .. لقد جلبت لنا كلنا وجع الرأس ..
- لأجلها يا فوزية .. ربى لطالما رغبت في واحد .. لكن هذا الشيء تبين أنه سليط اللسان لكنها ستحبه ..
- هيا چوچو لديك بعض الدروس مع غندور .. سنجعله برابنت ..
- لا فوزية أرجوكِ لا أريد له أي دروس من غندور أريد فقط الراحة لساعة واحدة ثم سأعلمه الكلام بنفسي..
وضحكت مجددًا ..
- حسنًا كما تريد أنت الخاسر سنذهب طالما لا تحتاجني ثم أكملت بجدية ..
- لقد حممتها وغيرت لها ثيابها بالكامل وغسلت لها شعرها والممرضة أطعمتها الطعام في الأنبوبة لكنها ذهبت ولن تعود اليوم لكن الأمور مستقرة لحد كبير ستأتي مع الفجر ونحن نستطيع الاهتمام بها هذه الساعات القليلة فاليوم لا محاليل إضافية ولا أدوية لها من التي تجعلها نائمة دائمًا فسيقيمها الطبيب مجددًا غدًا صباحًا بعد مرور الثماني والأربعين ساعة الحرجة من بعد نوبة الصرع ..
ونظر إليها بامتنان شديد ..- شكرًا فوزية ..
- على ماذا تشكرني ؟؟
- على اهتمامكِ الفائق بربى .. هذا معروفًا لن أنساه مهما حييت ..
- وهل شكرتكم يومًا على اهتمامكم بي ؟؟ الشكر لا يكون باللسان صدقني .. ربى زوجة أخي وسأهتم بها كلما لزم الأمر .. لا تحمل الهم وارتاح فأنت بلا لون حاليًا .. وغادرت تحمل چوچو المزعج..
فاندس في الفراش لجوار ربى برفق شديد‘‘ مازالت أجمل شيء رأه في حياته والمرض زاد من حبها في قلبه ووجودها لجواره يمنحه طاقة كافية للتصليح وللبناء وكان على استعداد ليظل يتأملها للأبد ولا يرتوي من جمالها ولا من دفئها لكنه كان بحاجة للراحة حقًا كما قالت فوزية وبحاجة أكثر لاحتوائها بين ذراعيه لتشفى جراحهما سويًا..
وعلى الرغم من ألمه الشديد لم يتوقف عن الكلام.. كان أكيدًا من أنها تسمعه وكلامه هو البوابة الوحيدة التي تربطها بالواقع من حولها..
ورغمًا عنه سقط في النوم ولا يعلم كم ساعة مرت لكنه استفاق على شعور غريب بالقلق والضوء النافذ عبر الزجاج كان ضوء القمر.. يا الله لقد نام لساعات عدة من شدة تعبه.. وتضخم الشعور بالقلق لديه فاستجاب لقلقه الفطري وقبل كفها بحنان وخرج ليستكشف الأجواء..
ظاهريًا كان كل شيء في موضعه والهدوء يعم المكان لكن لم يستطع هذا انهاء قلقه ..
لا يعلم لماذا لكن كان قلبه يخفق بعنف.. لن يوقظ غندور في منتصف الليل وينتزعه من فراشه الدافئ لأجل بعض التوتر.. ربما أحداث الأسابيع الماضية هي ما تجعله يشعر بكل هذا القلق .. لكن قلقه تضاعف فجأة حينما لم يلمح إيجي سباركي في أي مكان .. وفي لحظة واحدة انقلب كل الحال وشاهد من بعيد خمسة رجال يتشحون بالظلام ويقتربون من السور الخلفي للمزرعة.. صدق حدسه وشعر باليأس فمن بينهم كان ذاك القاتل الذي أطلق عليه النار .. نيتهم واضحة بالتأكيد وسيحاولون النجاح فيما فشلوا فيه في المرة الأولى..
مصيره لا يهمه لكن كل من في المنزل مسؤوليته وفي رقبته .. وخوفه عليهم يجعله بقوة ألف رجل مما يعدون .. لن تمس شعرة واحدة منهم وهو على قيد الحياة .. طلب المساعدة الآن مستحيل فحتى الاتصال بالشرطة التي لن تأتي إلا بعد خراب مالطا غير ممكن فهو لم يصطحب هاتفه النقال معه ..
"وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا"
ونطق الشهادتين واستعد.. سلاحه الوحيد حاليًا هو مجرفة التبن الحديدية الثقيلة المتواجدة في الحظيرة .. وتسلل للحظيرة ليحضرها وفجأة خطرت له فكرة ..
هؤلاء الحيوانات لطالما كانوا أصدقائه ويعز عليه تعريضهم للخطر لكن عائلته في خطر فعلي وفي النهاية جميعهم في خطر فالمعتدون أشعلوا النار في أرضه من قبل ولا ريب أنهم سيشون كل من في المنزل أحياء بعدما يقضون غرضهم الذي لا يعلمه بعد.. وفتح الباب بهدوء وضرب فخذ البقرة الأقرب له بعنف فهاجت وخرجت من باب الحظيرة وبدأ في ضرب كل الخراف والعجول فاهتاج الكل وخرجوا يثيرون الفوضى.. وكان يبتهل ألا يستيقظ أحد من المنزل حتى لا يتعرض للخطر هو فقط كان يحاول إرباك العدو وكسب الوقت ولسوء حظه شعر غندور بالضجيج فأشعل النور وخرج من غرفته يتساءل بصوت عالٍ..- من هناك؟؟
وتعثر في جسد صغير ملقى على الأرض ليكتشف أنه الجرو الصغير .. كان متخشبًا ويبدو أنه مات .. ماذا يحدث ؟؟؟
ثم شاهد الحيوانات التي تركض بلا هدف ففهم على الفور وصرخ ..- لصوص مواشي .. فوزية ابلغي الشرطة فورًا ..
وحمل فأسه خرج يضع ذيل جلبابه الطويل في فمه لمواجهة اللصوص الذين يهددون كل من يحمي وكل ما يحب ..
**
وانتفض من نومه وجلس فجأة مما دعي زوجته للتعليق بخوف ..- خيرًا يا حاج فتيحة ماذا حدث ؟؟
كان لا يستطيع الكلام وشرب جرعة ماء أولًا ثم قال..- لا أعلم لكن كأني سمعت ضجيج يأتي من منزل عائلة أبو الحسن .. العائلة هادئة في العادة ولا يثيرون الضجيج في منتصف الليل لعله خير ..
- يبدو وكأنهم حسدوا .. منذ دخول حمدون الملعون وأولاده عليهم وحالهم يقطع القلب وكأنهم نحسوا .. الزوجة أقدام حقًا وبرلنتي كان قدمها النحس ..
وغادر الحاج فتيحه فراشه ليستنشق الهواء ..- ألا لعنة الله عليهم أينما حلوا .. كانوا ينشرون الخراب كيأجوج ومأجوج .. الحمد لله أننا تخلصنا منهم ..
ونظر مطولًا لمنزل الجيران ..- قلبي يأكلني عليهم يا حاجة .. انظري هناك الكثير من الأنوار وهناك أيضًا ضجيج بسيط يصدر من منزلهم الهادئ .. سأذهب لاستكشاف الأمر ..
- الآن يا حاج وبمفردك ..؟؟ لقد اقترب الفجر ..
- نعم الآن الجيران أولى ببعضهم .. يا ليت زينهم كان هنا ..
زينهم ولدهم الوحيد الغائب الحاضر ..
لا تعلم ربما يا حاج من الأفضل لنا جميعًا أنه يعمل في الخليج في الوظيفة التي دبرها له منذر منذ سنوات لأن حدس زوجها لا يخطئ .. الله يسترها بستره ..
وخرج فتيحه وهو يضع عباءته الشتوية الثقيلة لاستكشاف الأمر وفي الطريق مر بمنزل جارهم الشيخ علي ليصطحبه في طريقه ..
**
الكثرة تغلب الشجاعة لا جدال في هذا والخسة تنتصر دائمًا لأنها مجردة من أي مبدأ .. على الرغم من محاولات منذر وغندور المستميتة للدفاع عن الأرض والعرض لكنهما سقطا أرضًا حينما تكالبت عليهما الذئاب وتعمدوا ضربه على جرحه الذي عاد للنزف من فوره لكنه لم يستسلم وقاوم بكل قوته وهو يستمع لكلام أحدهم ..
- قاوم كما تريد هؤلاء الرجال لديهم أوامر بعدم قتلك الآن .. ستراني أولًا أخذها وأرحل ثم سيقتلونكم بعدها..
وعلم عن هويته .. على جثته .. إذًا هذا هو وحضر بشحمه ولحمه ولقضائه ..
لن يتعرض هذا الحيوان لربى لزوجته لعرضه وشرفه.. وزاد في المقاومة تحت ضحكات رنانة من عدوه الذي كان يتشفى في ضعفه أمام رجاله العديدين..
وصرخ منذر ..- واجهني رجل لرجل يا جبان وسأجعلك تأكل روث حظيرتي ..
لكنه بالطبع لن يفعلها ..
وخرج والده من المنزل فجأة ليروع بما يرى .. لا أبي أرجوك اهرب ..لكنه لم يهرب وتخشب في مكانه ..
ثم خر أرضًا هو الآخر لكن فاقدًا للنطق و للوعي ..
علم أنها النهاية هذه المرة.. وحمد منذر الله أن غرفة مهند وعاصم في الأعلى وعلى نومهما الثقيل الذي كان يشتكي منه سابقًا أثناء إيقاظهما لصلاة الفجر فلربما لا يستيقظان الآن على الضجيج وربما لن يكتشف المجرم وجودهما وربما سيستطيع التغلب عليهم وهما نائمين في أمان .. لا يعلم كيف لكن الله معه .. لكن لو كانت النهاية فسيموت شهيدًا مدافعًا عن عرضه وقاوم مجددًا بكل شراسة حتى استطاع إصابة العديد من الرجال وشجع هذا غندور فقاوم هو الآخر لكن مقاومتهما الشرسة قابلها شراسة أكثر وانهال عليهما الرجال بالضرب حتى فقد منذر وعيه فاستسلم غندور بانهيار..
- احملوه للداخل..
كان يزيد يأمر رجاله بحمل منذر لداخل المنزل.. سيجعله يراه وهو يأخذها بعينيه ثم يقتله بعدها.. هذا هو انتقامه منه ومنها.. لا أحد يعبث مع يزيد أبو الخير ويبقى حيًا.. وزكريا سيخلصه من كل الفوضى كالمعتاد..
ومن مكانها راقبت فوزية ما يحدث برعب شديد.. كانت لا تعلم ما عليها فعله.. صحيح هي اتصلت بالشرطة لكن الشرطة لن تأتي.. منذ متى أتت الشرطة حينما تم الاتصال بهما ؟؟
ونظرت لچوچو بأمل.. وهمست.. - چوچو نحن في خطر هناك لصوص في المنزل..
اللعنة ماذا تفعل ؟؟ هل تتحدث مع طائر؟؟ لكن چوچو خرج من القفص ووقف على الأرض وأخذ يقطع الغرفة ذهابًا إيابًا.. يبدو أنه يفهم.. وهمست "لصوص مواشي لصوص مواشي "..
كان أولئك المجرمون الذين لم يعلموا عن وجودها قد اختفوا داخل المنزل وخرج چوچو كالرصاصة من غرفتها..
ربما سيفعل شيئًا.. سيسمعه الجيران ربما وهو يصيح قائلًا" لصوص مواشي".. هي أيضًا عليها فعل شيء..
وتسللت للوحة الكهرباء الرئيسية خلف المنزل وهي تبتهل ألا يكون اللصوص قد تركوا أحدهم بالخارج..
اقتحامهم للمنزل يدل على أنهم ليسوا مجرد لصوص مواشي عاديين.. هل للأمر علاقة بمحاولة قتل منذر السابقة.. ستفصل الكهرباء عن المنزل ثم ستذهب لطلب النجدة من الجيران حتى لو أدى الأمر لقتلها.. وربما حينما يحل الظلام التام يستطيع منذر وغندور التحرك بحرية أكبر لأنهم يعلمون خبايا المنزل على عكس اللصوص.. وراقبت عم قدري المسجي على الأرض وواصلت الابتهال أن تمر الليلة بدون فقدان أحد الأحباء..
**
الشعور بالفشل في حماية أحبائك شعور قاتل.. يومًا كره خاله لأنه كان السبب في حرمانه من حضن الأم لكن ما يشعر به الآن يفوق الكراهية بمراحل.. شعور لا وصف له لكنه يعيد شحن عروقه بطاقة هائلة من القدرة على التدمير..
استعاد وعيه في اللحظة التي اقتحم فيها الحيوان غرفة حبيبته.. كانت لحظة قاسية أن يرى زوجته المسكينة النائمة كالملاك تنتهك هكذا ومن سوء حظ هذا الحيوان أنه استعاد وعيه في هذه اللحظة بالذات.. دمائه الحامية ستكون هي سبب نجاتهم جميعًا.. واستعد للعودة للمقاومة حتى آخر نفس.. لكن هتف يزيد فجأة بقرف بالغ وهو يشير لربى بصدمة ثم يبصق أرضًا..
- ما هذا القرف ؟؟ هل هذه الجثة العفنة هي التي فعلت المستحيل من أجل الحصول عليها ؟؟ إنها مقززة مثيرة للغثيان..
•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية