رواية فارس بلا مأوى الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ كانت غافيه رغماً عنها وهروباً من نظرات سليم المرتقبة لها طوال الطريق، أستيقظت علي وخز من شقيقها في زراعها:
_ يلا جومي فزي وصلنا.
فتحت عينيها بفزع و وضعت يدها تمسد موضع وخزته لها حيث ألمها قليلاً، تلفتت من حولها فوجدت إنهم يقفون أمام بناء ضخم يشبه القصور بل هو قصر بعينه، صاحت:
_ إحنا فين إكده؟.
أجاب سليم بإبتسامة تثير إشمئزازها نحوه:
_ نورتي قصرك يا عروسة.
أنتفضت وكأن لدغتها حشرة ما:
_ قصري!، كيف دي.
بعدما ترجل رافع وألتف نحو الباب التي تجلس بجواره، قام بفتحه قائلاً:
_ كفاياكي لت وأسئلة كتير، يلا همي أنزلي.
وكاد يمسك رسغها عنوة لكن أوقفه سليم ممسكاً بيده وبنظرة تحذيرية قال:
_ سيبها هي هتنزل لوحدها من غير ماتمد إيدك.
رمقته زينب لتجده ينظر لها:
_ تعالي ندخل جوه وهتفهمي كل حاجة.
صاحت في وجهه بإصرار:
_ أني ما هتحركش من مكاني غير ما أفهم الأول الي بيحصل عاد، وبنعملو أي في القصر بتاعك؟.
زفر رافع بنفاذ صبر:
_ أني جولتلك ما هتخلصش من حديتها واصل، خايتي وخابرها زين، هملني أتعامل معاها بطريجتي.
رمقه سليم بحده:
_ وأنا وسبق قولتلك إياك تقرب منها.
وألتفت بوجهه إليها:
_ أتفضلي أنزلي وزي ماقولتلك هتفهمي كل حاجة جوه.
نظرت لكليهما فوجدت لا فائدة وعليها أن تذعن له وتري ما سبب مجيئهم هنا، ترجلت وخلفها يسير شقيقها وجواره سليم، دلف ثلاثتهم إلي الداخل، تقدمهم سليم ليتبعانه إلي داخل غرفة شاسعة، حيث ينتظرهم صلاح مرتدياً حُلة سوداء وبجواره رجل يضع أمامه فوق المنضدة دفتر ورقي كبير، وهنا قد أدركت ما سيحدث للتو، أتسعت عينيها وتراجعت عدة خطوات للوراء فأصتدمت بصدر شقيقها الذي حاوطها ممسكاً إياها، أخذت تصرخ وتقاومه:
_ هملني، أني عايزه أمشي من أهنه.
صاح بها رافع من بين أسنانه ويقبض علي عضديها بقوة يدخلها إلي الغرفة غصباً:
_ عتتچوزيه ورچليك فوج رجبتك، يلا يا مولانا أبدأ.
نظر الرجل بشفقة نحوها وقال:
_ لابد من موافقة العروس، فهي شرط أساسي من شروط إتمام الزواج.
أقترب سليم وقال لرافع:
_ سيبها يارافع أنا هتكلم معاها شويه.
حدجته زينب بنظرة شرسة كأنثي ليث تريد الفتك بعدوها:
_ وأني معوزاش أتحدت وياك ولا عايزة أتچوزك، هو الزواچ بالعافيه!.
أغمض سليم عينيه ليواري ما بداخله وتصنع الهدوء الساكن فقال:
_ معلش تعالي علي نفسك وأعتبريه رجاء آخير لأن الي هقولهولك مهم جداً ليكي وبناءً عليه هيكون قرارك.
كلماته وأسلوب حديثه الذي بدي كالهدوء الذي يسبق العاصفة جعلها تفكر في الإستماع له، هدأت حركتها قليلاً، فأشار سليم لرافع بأن يتركها ثم نظر لصلاح الذي نهض وتبعه المأذون، خرج ثلاثتهم ينتظرون في الخارج.
ما زال يرتسم الهدوء قائلاً بصيغة أمر الملازمة في حديثه لها :
_ تعالي هنا.
وكان يشير إليها لتجلس علي الكرسي.
تقدمت وجلست وعينيها ترمقه بحذر وشئ من الوجل بداخلها، وهناك صوت من العمق السحيق يصرخ بها بأن ترفض هذا الزواج رفضاً باتاً، لكن في النهاية أرضخت له لتري ما الأمر الهام هذا فقلبها يخبرها بشئ تتمني أن لايكون هو.
تحك يديها معاً بتوتر وخوف، لاتريد النظر إلي عينيه مباشرة بسبب الرعب الذي تشعربه عند التحديق بهما، فجاءها صوته الرخيم قائلاً:
_ ممكن أعرف سبب رفضك القوي ليا؟.
كادت تجيب لكن قاطعها مبتسماً:
_ عشان فارس إبن عمك.
أنحني بجذعه للأمام قليلاً وأخرج من جيب سترته مقصلة السيجار وأخذ يفتحها ويغلقها بإبهامه وسبابته، أردف حديثه وعينيه يسودها الظلام، وبدون أن تنظر له قالت:
_ ولما أنت خابر ليه بتسأل ومُصر جوي تتچوزني؟.
جاء في ذهنها كلمات لعلها تجعله يأخذها علي محمل كبرياءه وكرامته ويبتعد عنها فقالت:
_ و مش بس إكده أني كماني بحبه جوي ومفيش راچل يملا جلبي ولا عقلي غيره هو عاد.
حاول بكل جهده عدم ظهور ما يموج بداخله من عواصف ثائرة، لو كانت زوجته الآن وتفوهت بتلك الكلمات فسوف يذيقها من العذاب ويلاته وجعلها قبل أن حتي مجرد التفكير بهذا الفارس أن تحذر مليون مرة، فما عليه بالصبر لأقسي درجاته حتي تقع بين يديه وفي براثنه الحالكة وسيعاقبها بشدة لاحقاً.
أنبلجت علي محياه تلك الإبتسامة التي لم تصل إلي عينيه وبدأ بالحديث:
_ أنا هاعتبر نفسي مسمعتش حاجة، أما بالنسبة لإصراري عليكي لأن عايزك، و دي معلومة هتعرفيها مع الوقت وهي لما سليم العقبي بيحط حاجه في دماغه بياخدها.
تظاهرت بالتماسك والقوة متحديه إياه:
_ مش لما تكون الحاچة دي الأول بتاعتك!.
نهض وتقدم نحوها وأنحني ليتكأ بيديه علي مسندي كرسيها محاوطاً إياها قائلاً بحسم:
_ ما أنتي فعلاً بتاعتي، وملكي أنا، وهكتب عليكي دلوقت، لأن لو حصل غير كده، تليفون صغير وفارس القناوي هيتمحي من الدنيا، ومش بس كده الآنسه ريهام بدل ما هتلبس الأبيض هخليهالك تلبس الأسود علي خطيبها أو ممكن هخليكي أنتي الي تلبسيه علي صاحبتك، وعارفه في الآخر برضو هتكوني حرمي المصون.
أبتلعت لعابها فكل كلمة يخبرها بها صادقة وليست مجرد تهديد، فطاقة الشر المفرطة المنبعثة من عينيه تؤكد لها هذا مائة بالمائة.
فسبق شقيقها قد هددها بقتل عشق عمرها إذا لم تبتعد وتطلب فسخ الخطبة والآن يساومها هذا الشيطان المارد علي زواجه منها مقابل حياة فارس قلبها يا إما قتله!، لايوجد أمامها خياراً منصفاً، ماعليها سوي أن توافق علي الزواج لكن لاحت في ذهنها فكرة وربما شرطاً ستمليه عليه الحين.
سألها مجدداً وبريق عينيه يضوي لها كحبة سوداء ملساء تعكس الضوء الساقط عليها:
_ ها يا زينب، قولتي أي؟.
تجمعت في عينيها دموع ساكنة، فأجابت بثبات وكأنها فقدت روحها في تلك اللحظة:
_ موافجة.
طلت إبتسامة عارمة علي وجهه، هيهات تحولت إلي تجهم حينما نهضت واقفة أمامه فأردفت:
_ عيندي شرط الأول.
تباً، فهي تريد إملاء شرط عليه!، لاتعلم مع من تتحدث، أجعلها تفعل ماتشاء فهي الآن كالفريسة تحوم أمام عرينك، إجعلها تشعر بالأمان حتي تدلف إليك بإرادتها و تحدد لك شروطها كما تحب وأتركها تشعر بأن زمام الأمور بيدها وعندما تصبح ملكاً لك فأفعل معها كما يحلو لك.
أرتفعت زواية فمه ببسمة تهكمية:
_ شرط!، ياتري أي هو شرطك يا زينب؟.
أجابت بكل إصرار وحسم:
_ چوازنا يبجي مچرد حبر علي ورج فقط.
لم يستطع كتمان ضحكاته، فأطلقها للعنان حتي توقف عن الضحك وقال مهاوداً لها:
_ حاضر يا زينب، همثل أننا متجوزين، ومش هاجي جمبك غير لو دي رغبتك، في أي شرط أو حاجة تانيه تحبي تقوليها؟.
_ لاء، متشكره.
وقد كان تمت مراسم عقد القران تحت أجواء مشحونة، فالإمتعاض لم يفارق تعابير وجهها وقلبها ينزف دماء الألم والقهر.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــ
_ أصوات زقزقة العصافير وبدأ الحركة في الخارج جعلتها تستيقظ من نومها، و عندما فتحت عينيها وجدته نائماً بجوارها، أخذت تتأمل ملامحه وكأنها تراه لأول مرة، تذكرت عنفه وقسوته معها ليلة أمس، فقالت له بداخل عقلها:
_ معقول أنت أكرم حبيبي الي بيخاف عليا من نسمة الهوا!، نفسي تفهمني ومتظلمنيش أكتر من كده، أنا هاستحمل أي حاجة منك لأن مهما عملت بحبك وهافضل أحبك.
رفعت أناملها الرقيقة نحو ذقنه الحليق، تتلمسها بحب فكم تعشق كل تفاصيل وجهه وتحفظ كل إنشاً بها، مازالت ترتفع أناملها لأعلي حتي تخللت خصلاته الذهبية الداكنة المبعثره علي جبينه، ثم هبطت تتلمس وجنته متجهة نحو شفتيه وتستمتع بأنفاسه الهادئة، كان كالملاك في وداعته وهو نائم برغم ملامحه التي لم تنساها البارحة، فكان كالليث الجامح يتعامل معها بعنف شديد كلما يتذكر إعترافها الذي يشعر بأن هناك حلقه بل حلقات مفقودة منه وسيكتشفها يوماً ما.
تقدمت بشفاها المليئة بالجروح الصغيرة نحو خاصته لتعطيه قُبلة هادئة عكس ما كان يعطيها بالأمس من قبلات إنتقام.
ألتفت بالدثار حول جسدها ونهضت لتدلف إلي المرحاض، وقفت أمام مرآة الحوض تنظر إلي إنعكاسها، وجهها شاحب وبدأت الهالات السوداء في الظهور أسفل عينيها التي أتسعت عند رؤيتها للعلامات الزرقاء والحمراء المنتشرة علي عنقها وجيدها وكتفيها وأعلي صدرها، ولم تسلم زراعيها من علامات قبضتيه التي كانت تعتصرهما بعنف حتي تركت أنامله آثارها عليهما.
وبينما هي تتأمل كل ذلك أنتفضت فجاءة عندما رأته يقف خلفها مباشرة ينظر لها عبر المرآه، وضع يديه علي كتفيها العاريين قائلاًبتهكم:
_ صباح الخير يا حبيبتي.
لم تتفوه، ألقي نظرة علي ما أقترفه بها بالأمس فدنا من أذنها وبهمس كالفحيح أردف:
_ عايزك من هنا ورايح تتعودي علي شكل البقع دي، لأنها هتبقي يومياً، عارفة ليه؟.
هبط بيديه ليقبض علي خصرها بقوة وعنف فتأوهت، أكمل حديثه بنبرته التي دبت الرعب في قلبها، تراه الآن كالوحش وليس زوجها التي تحبه:
_ عشان أنتي ملكي يا ندي، بتاعتي أنا وبس.
ضغط أكثر علي خصرها فتحولت آهاتها إلي صرخة، مما دفعته بقوة في صدره العاري وتركته مغادرة للمرحاض تبكي، جلست علي التخت تضع كفها علي فمها و دموعها منهمرة كالسيل، لم تصدق ما يحدث معها، توقفت عن شهقات بكاءها عند سماع رنين تنبيه رسائل واردة من التطبيق الشهير، تلفتت باحثة عن مصدرها فوجدت إنها صادرة من هاتفه هو المتصل بالشاحن، قادها الفضول للإمساك بالهاتف ورؤية الرسائل، وبمجرد أن فتحت محتواها شهقت بصدمة، صور عديدة تجمعها بهذا القذر المدعو علي، لكن مهلاً فملامحها وثيابها في تلك الصور ليست منذ أيام الجامعة بل في من زمن قريب وربما الأيام المنصرمة، كيف آتي بها!، هل يريد لزوجها أن يفهم بخيانتها له بعد زواجهما وليس قبله كما أخبرته! .
أسرعت بحذفهم جميعاً حتي توقفت عند نص مرفق بهم
(دي عينة صغيرة وغير الفيديوهات
مع تحياتي
فاعل خير )
قامت بحذف النص أيضاً وهي تتمتم بسب ولعن هذا الذي يريد تدمير حياتها بشتي الطرق.
و مالبثت تلتقط أنفاسها حتي أنتبهت لصوت زوجها الذي خرج من المرحاض للتو:
_ بتعملي أي عندك؟.
تركت هاتفه بدون أن يراها ولم ترد علي سؤاله، نهضت وأتجهت إلي المرحاض، جذبها من خصلاتها لترتد خطوتين إلي الوراء، قرب وجهها من وجهه ومن بين أسنانه قال:
_ لما أكلمك تردي عليا، فاهمة ولا لاء؟.
أجابت بتآوه من قبضته القوية علي خصلاتها:
_ آآه، فاهمة.
فأردفت ببكاء:
_ سيبني يا أكرم، كفاية بقي.
ترك خصلاتها ليقبض علي عضدها ودفعها نحو الفراش،صاح بصوت هادر مرعب:
_ لاء مش كفاية، و أعملي حسابك قبل ماتتحركي من مكانك يكون عندي علم بكده وتستأذني كمان، حتي دخولك الحمام.
ولكي تتفادي موجة غضبه الناري هذا قالت:
_ ممكن تسيبني أدخل الحمام؟.
_ مش دلوقت.
وقبل أن تفتح فمها بتعجب من رفضه، جذب الدثار الملتفة به وألقاه علي الأرض ثم دفعها علي الفراش ليعتليها ويكمل ما عزم عليه بقسوة وغضب وإنتقام.
ــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إزاي برئ وإحنا جايبين من تحت سريره شنطة المخدرات! .
قالها الضابط المحقق، ف رد عليه المحامي الذي قام بتوكيله عم جابر من أجل فارس بدلاً من عبدالمجيد
_ يا فندم أنا فاهم وعارف كل تفاصيل الواقعة، بس بالعقل والمنطق كده لو موكلي تاجر مخدرات ومن كمية الكوكايين الي لقتوها تدل أنها لتاجر من الكبار يعني أقل حاجه هيعملها هيخبيها في مكان غير بيته، معني كده دي تهمة باطلة وحد من أعداء موكلي هو الي دبر له المصيبة دي للزج به في السجن والتخلص منه.
قال الضابط:
_ المحامي الي كان قبلك كان بينفي للباشمهندس أن يكون ليه أعداء، حتي أساله بنفسك.
هنا تحدث فارس بعدما عقد العزم علي الدفاع عن نفسه ولم يخشي شيئاً:
_ لاء يا سيادة المقدم ليا أعداء، تجدر تقول هو عدو واحد وهو السبب إن أترمي حداكم أهنه، وحضرتك تعرفه زين.
أنتبه الضابط وأنصت له جيداً، فأردف فارس:
_ رافع خميس القناوي، واد عمي.
قال المحامي:
_ أظن دلوقتي وضحت الرؤية يافندم.
تعجب الضابط وقال بدهشة:
_ وأي السبب الي يخلي إبن عمك يعمل فيك كده؟، ده المعروف إن عيلة القناوي الله يرحمه من أكبر عائلات النجع يعني من الأشراف و والدك الله يرحمه كانت صلته بأخواته كويسه وعمرنا ما سمعنا عن عداء مابينهم ولا مشاكل.
أطلق فارس زفرة عميقة تجيش عما بداخله من حزن وآلام:
_ دي حكاية جديمة ياباشا، من أيام وإحنا لسه صغار، عمره ما حبني واصل وكان علي طول يسوي المصيبة ويلبسهالي كيف الخلچات، يمكن غيره، حقد، أو معاملة عمي ليه الي خلته إكده.
تنهد الضابط معقباً:
_ لا حول ولاقوة إلا بالله، بص يا أستاذ فارس لنفترض فعلاً إنك مظلوم وسعينا نثبت كده، لكن عندك الشهود دول شهادتهم أثبتت عليك التهمة خاصة العيال دول ديلرز وليهم سوابق عندنا، يعني دلوقتي أدامي أدلة الي هي الشنطة الي أتحرزت والشهود، يعني مافضلش غير حاجة واحدة وهي ترحيلك للنيابة.
تحمحم المحامي وقال:
_ يا باشا رجاء أخير، ياريت تأجل قرار الترحيل ده لحد ما نجيب إثبات إن موكلي مظلوم بسبب مكيدة قذرة أتدبرت له.
رفع كتفيه بقلة حيلة:
_ للأسف الأمر دلوقت مبقاش في إيدي، وكمان أتبعتلنا صدور قرار الترحيل وهيبقي غالباً بكره أو بعده بالكتير لأنها قضية مش بسيطة، دي تجارة مخدرات وكمان كوكايين، ف ربنا يستر وإن شاء الله خير.
نهض المحامي يلملم أوراقه من فوق المكتب قائلاً:
_ شكراً لتفهم حضرتك، وكنت أتمني معرفتي بمالملبسات دي من بدري كنت أتصرفت وقدمت لحضراتكم دليل براءة موكلي.
أومأ له الضابط بشبه إبتسامة وقال:
_ إن شاء الله خير، ربنا عادل ومبيرضاش بالظلم.
_ ردد جميعهم:
_ ونعم بالله.
خرج فارس ممسكاً بزراعه العسكري فقابله العم جابر بللهفة:
_ كيف الأخبار يا ولدي؟.
رمقه المحامي بأسف قائلاً:
_ للأسف يا حاج جابر هيترحل علي النيابة.
ربت جابر علي كتف فارس:
_ معلش يا ولدي، بإذن الله خير.
أمسك فارس يده وربت عليها:
_ أدعيلي يا عم چابر، وقول للخالة تدعيلي وهي بتصلي.
_ والله بندعيلك يا ولدي يفك كربك وتخرچ بالسلامة.
قال المحامي:
_ متقلقش يا باشمهندس بإذن الله هنعمل كل الي علينا والباقي علي الله.
فقال العم جابر:
_ ياريت يا متر حسان، وأني تحت أمرك من جنيه لمليون.
_ عيب يا حاج جابر الفلوس آخر حاجة بفكر فيها، المهم الباشمهندس يخرج براءه.
تدخل العسكري قائلاً:
_ عن أذنكو يا چماعة.
و دع فارس العم جابر مثل كل زيارة، يكتم عبراته وأحزانه ويعود إلي خلف القضبان منتظراً الأمل من جديد، وقلبه يخبره بأن هذا قريباً.
بينما العم جابر يغادر المخفر فقابل زوجته الخالة هنادي فتعجب من مجيئها:
_ أي الي چابك دلوق؟.
_ إكده يا چابر مش جولتلك لما تروحلو زيارة تاخدني وياك! .
_ الراچل مانجصش عويل وحزن زيادة وأنتي كل ما تشوفيه تجعدي تبكي وتزودي همه، أدعيلو وبإذن الله يخرچ وتشبعي من شوفته.
_ أني كنت ناوية أفرح جلبه وأجوله إن زينب رچعت بالسلامة، شوفتها ويا أخوها الله يحرجه نازلين من العربية قدام دارهم.
أمسك بيدها ليذهبا:
_ بعدين يا هنادي بعدين، خليه في الي هو فيه دلوق، ربنا يفك ضيقته ويچمعو بيها علي خير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ قامت بقلب غرفتها رأساً علي عقب تبحث عن شيئ ما، زفرت بتأفف قائلة:
_ وراحت فين دي دلوق، معقولة تكون وجعت مني في الحضانة!.
دلفت والدتها فشهقت من رؤية غرفة إبنتها المبعثرة محتواياتها في كل الأرجاء:
_ واه، بتسوي أي يا أخرة صبري؟ .
أجابت فاطمة وتعتلي الحيرة ملامحها:
_ دفتر صغير يا أمي، فيه حاچات مهمة كنت كاتبها، مالجيهوشي من وقت ما رچعت من الوحدة.
رمقتها والدتها بإمتعاض:
_ تجومي جالبه أوضتك بالمنظر العفش دي! .
_ هرتبها متجلجيش، بس ألاجيه الأول.
_ هملي الي في يدك وتعالي معاي عند خالك خميس، بته زينب رچعت الصبح، طلعت كانت عند واحدة صاحبتها في مصر، أدي أخرة خلفة البنيته والي بيچي من وراهم.
وضعت يديها في خصرها بإعتراض وقالت:
_ وكانو نفعوكي في أي عاد ولادك الرچالة، واحد عاملي فيها درويش وسارح في ملكوت الله، والتاني داير ورا الحريم ومنعرفش عنيه حاچة واصل، وبعدين جولتلك قبل إكده أنسي رچلي تخطي دار خالي.
_ تصدجي بالله أني كنت ظالمة رافع واد خالك، دلوق أني الي بجولك عنديه حق فالي عيسويه فيكي.
تقدمت نحوها والدتها تدفعها إلي خارج غرفتها:
_ طيب ممكن تهملني لحالي بجي، وخلي ولد أخوكي ينفعك.
خرجت جليلة بإندهاش وضيق من إبنتها:
_ شوف البت عتطردني كيف! ، ماشي يا فاطمة.
عادت تبحث عن دفترها مرة أخري حتي قاطع بحثها رنين هاتفها المُلقي أسفل الوسادة، سحبته لتري من المتصل فوجدت رقم غير مسجل، لكن ذلك التطبيق المثبت بهاتفها أخبرها بإسم صاحب الرقم (د/ يحيي)
قطبت مابين حاجبيها:
_ دكتور يحيي!، ليكون الدكتور إياه بتاع الوحدة، وچاب رقمي منين ده!.
ضغطت علي الإجابة و وضعت الهاتف علي أذنها، فأتاها صوت رجولي عذب:
_ مساء الخير يا آنسة فاطمة، أرجو إن مكونش أتصلت في وقت مش مناسب.
باغتته بحده قائلة:
_ چبت رقمي كيف؟.
لم يتعجب من إندفعها وحدتها بل هذا ما يجذبه نحوها، أجاب بهدوء:
_ واضح من هجومك عليا في الكلام إنك فاهمة غلط، عموماً رقمك جبته من حاجة تخصك وقعت منك في عربيتي.
_ تجصد دفتري إياك؟.
_ آه أچندة مذكراتك معايا ولو تحبي أجي لك زيارة أديهولك ومنها أطمن علي رجلك معنديش مشكلة.
قالت بإندفاع مرة أخري:
_ لاء إياك تيچي، أجصد يعني مفيش وجت مناسب، أجولك خليه معاك وأني هجابلك وأخده منك.
أدرك جيداً رفضها لزيارته بسبب خوفها من إبن خالها، تنهد وقال:
_ أوك مفيش مشكلة، شوفي أي الي يناسبك وأنا تحت أمرك، و رقمي عندك أبقي سجليه وبلغيني قبلها.
_ حضرتك بتمشي ميتي من الوحدة؟.
أجاب وهو ينظر في ساعة يده:
_ أدامي ساعتين وهخلص.
_ خلاص شوية وهكون عندك.
_ وأنا في إنتظارك.
_مع السلامة.
وأغلقت المكالمة علي الفور، لاتعلم لما هي خائفة، خاصة بعدما تذكرت إنها مراقبة من رجال إبن خالها، تخشي أن يخبره أحد، فهي لاتريد رؤيته مرة أخري أو يأذي الطبيب يحيي بسببها.
ــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــ
_ بدأت أعراض الحمل في الظهور لديها، فأستيقظت صباحاً علي الشعور بالغثيان وركضت إلي المرحاض لتلقي مابجوفها، ثم عادت إلي غرفتها قبل أن يشعر بها أحد، تتجنب رؤية شقيقها أو زوجته حتي لايلاحظ إحدهما حالة الإعياء التي تملكت منها للغاية.
عاد شقيقها من الحقل حيث عمله، يحمل أكياس بلاستيكية، منادياً علي زوجته :
_ يا أم محمد، يا أم محمد.
أغلقت غطاء الإناء وتركت المعلقة علي الموقد:
_ چايه أهو.
ركضت فوجدته يمد يديه بالأكياس:
_ خدي الحاچات دي وحطيها تسجع في التلاچة.
أخذتها منه وقالت:
_ أي كل الحاچات دي، في ضيوف هيجولنا إياك؟.
جال أرجاء المنزل بعينيه وتسائل:
_ فينها البت ورد، بجالي يومين مبشوفهاشي.
أجابت وهي تضع الأكياس في الثلاجة:
_ مخرچتش من أوضتها من ليلة إمبارح.
خلع عمامته وهم بخلع جلبابه وقال:
_ طيب أدخلي صحيها وجوليلها أخوكي رايدك في موضوع مهم.
أتجه نحو غرفة النوم فلحقت به:
_ مچاوبتنيش يا أبو محمد، ياتري الموضوع المهم الي هتتحدت فيه ويا خايتك ليه علاقه بالضيوف؟.
فتح الخزانه وتناول ثياب وجلباب مطوية:
_ أيوه، چايلها عريس.
أنبلجت الفرحة علي محياها فقالت:
_ يا ألف نهار أبيض، ويبجي مين؟.
تنهد وأجاب:
_ يبجي الواد طاهر ولد چليل الطحان.
_ ده لسه راچع من الچيش.
_ وهيمسك مع أبوه الشغل في الشونه، وبعدين إحنا هنتأمر بإمارة أي، أهله خابرين إن خايتي كانت بتخدم عند عمدة النچع الي چمبينا.
_ وماله يا أخوي شغلانه شريفة، يعني أمه الي كانت كونتيسه، دي بياعة فچل وچرچير في السوج، لا تعايرني ولا أعايرك.
_ روحي سوي الي جولتلك عليه، عجبال ما أخد لي دش يفوجني من حر الشمس الي كلت نفوخي.
ذهبت إليها، والأخري كانت تستمع من خلف باب غرفتها وعندما أحست بخطوات الأخري ركضت ترتمي فوق الفراش تصتنع النوم.
دلفت وضغطت علي زر الإضاءه:
_ بت يا ورد، كفياكي نوم بجي، جومي أخوكي رايد يجعد وياكي.
أجابت مصتنعة بصوت يغلبه النعاس:
_ أجفلي النور يا مرات أخوي، وهملني أنعس هبابة.
جلست جوارها وجذبت الدثار من فوقها:
_ يابت بجيتي تنعسي كتير ليه إكده؟، وجافله علي نفسك علي طول، جومي يلا أغسلي وشك چايلك عريس يابت، وخابره مين، الواد طاهر الحليوه أبو شعر مسبسب، فاكره لما كنتي بتيچي تجوليلي إنه كل شويه يجعد متنحلك كل مايشوفك، أتاريه مغرم بيكي يا چميل.
نهضت ورد بجذعها متأففه، فقالت:
_ جولي لأخوي أني مش موافجة ولا بفكر في الزواچ دلوق.
رمقتها الأخري بتعجب وقالت:
_ مبتفكريش ولا رايده العريس! ، بت يا ورد عتحبي واحد تاني إياك؟ .
_ ولا تاني ولا تالت، بجولك معوزاش أتچوز واصل، هفهمالك كيف دي!.
ضيقت عينيها ورمقتها بمكر قائلة:
_ أجطع دراعي لو مكنش فيه چدع بتحبيه ويحبك، ومستنياه يچي يطلب يدك من أخوكي.
رمقتها ورد بصمت لم تكن قادرة علي المجادلة، فأردفت زوجة أخيها:
_ إكده يا ورد عتخبي علي مرات أخوكي! ، ده أني بحكيلك كل حاچة وسري حداكي، ولا بتثقيش فيا عاد! .
أجابت ورد:
_ لع أبداً يا مرات أخوي، أني تعبانة شوي ومجدراش أتحدت، لما أروق هبجي أحكيلك كل حاچة.
نهضت بإستسلام وقالت:
_ علي راحتك يا حبيبتي، بس لازم تجومي وتتحدتي ويا أخوكي وتفهميه بنفسك.
أومأت لها ورد وقالت:
_ ماشي.
_ لما أروح أني أحط الغدا، عملالكو طاچن بامية باللحمة تاكلو صوابعكو وراه.
_ تسلم يدك، حاضر هاقوم أهه.
غادرت زوجة أخيها الغرفة، فأمسكت ورد بهاتفها تفكر، عليها أن تجد حلاً، قامت بمهاتفته:
_ الو يا زكريا، ريداك في حاچة مهمة جوي.
_ أستغفر الله العظيم، أني مش جولتلك معوزاش أسمع صوتك ولا أشوف خلجتك دي واصل؟.
_ أسمعني جبل ما تجفل السكة، أني چايلي عريس.
_ يا ألف مبروك، وعتجوليلي ليه أچي أرجصلك يعني! .
_ أوافج كيف وأنت خابر زين الي فيها، ولو خبيت حبلي دلوق كلها شهر ولا أتنين وبطني تكبر والمستور ينكشف.
_ عتلفي وتدوري علي أي يا روح..... ، جولتلك أنسي الي في دماغك دي.
_ أنسي كيف يعني!، أني عندي حل تتجدم لي ونكتبو الكتاب ونتچوز وبعدها بشهر ولا أتنين وتطلجني.
_ داجج زرازير أني إياك!، جولتلك مليش في الزواچ يابت الحلال، وحلي عن دماغي وأخر مرة أشوفك تتصلي عليا، بعدي عني أحسنلك، ومن غير سلام.
أغلق المكالمة للتو، ولجت إليها مرة أخري بعدما أستمعت لتلك الكارثة تضرب يدها علي صدرها غير مصدقة:
_ حبلي يا ورد!!.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تضع أصيص الصبار أمام قبر خالها، فيسكب الصغير الماء عليه و هو يبكي، ربتت عليه بحنانها الغادق:
_ ماتبكيش يا عمر وأدعيلو أحسن.
جفف الصغير دموعه في طرف كوم جلبابه:
_ مجدرش ياقمر، ده أبوي، كنت بنعس في حضنه، ولما بسوي حاچة غلط وأمي عتضربني كنت بچري عليه وأتحامي فيه، كان ياخدني في حضنه ويطبطب عليا، كان بيچيب لي كل يوم العسلية بسمسم الي بحبها ولو نايم يصحيني ويجولي چبتلك حبيبتك، كيف معايزاش أبكي عليه! .
برغم صغر سنه لكن كلماته كانت نابعة من رجل ناضج، جعلتها تبكي هي الأخري من جديد، وأخذت الصغير بين زراعيها تربت عليه، تستنشق رائحة خالها فيه.
_ أني عچبلك كل الي بتحبه يا حبيبي.
قال لها ببكاء تُقهر له القلوب:
_ أني ماعوزش غير أبوي.
فأخذت تبكي معه، ولنذهب إلي دار عبد الحق حيث زوجته وإبنتيها وشقيقها، كانت إبنتيها يعدان الطعام بينما نفيسة تجلس مع شقيقها في الغرفة.
_ طول عمرك غشيمة يا نفيسة، ده الي أتفجنا عليه؟.
أجابت بضيق وغضب:
_ بجولك أي هملني لحالي أني فيا الي مكفيني، ومطيجاش أسمع سيرة بت المركوب دي عاد.
لكزها شقيقها بسخرية:
_ أهو الي كان بيصرف عليكي راح يا خايتي، شوفي دلوق لما ضيعتي من يدك الفرخة الي كانت هتبيض لك دهب عتصرفي كيف عليكي وعلي عيالك، چوزك كان شغال بالأچرة ويوم ما يعطوكي فلوس، هتبجي ملاليم يدوبك تعيشكو يومين وتشحتو بعد إكده.
_ عايزني أعمل أي عاد، علي يدك أتحدت وياها لأچل أقنعها جلبت الدنيا.
فقال ساخراً:
_ والي سوتيه وياها إمبارح قدام النسوان يبجي أي يا ام مخ تخين!.
أشاحت وجهها ولوحت بيدها:
_ أهو الي حوصل بجي.
_ بصي بجي وفتحي علبة الصفيح دي.
أشار إلي رأسها وأردف:
_ دلوق البت إستحالة تتجبل منك أي كلمة ولولا ملهاش دار غير الدار كانت زمانها هچت منك، وعشان توافج علي الزواچ من الراچل خيرها مابين يا توافج يا إما ملهاش جعاد حداكي.
أستدارت له بكامل جسدها وقالت بتهكم:
_ كيف دي، ناسي إنها ليها في الدار يا أذكي أخواتك.
حك فروة رأسه ويفكر بشيطانية مطلقة:
_ عندك حق، بس لجطها.
عقدت مابين حاجبيها وقالت:
_ ناوي علي أي عاد؟.
إبتسم كأبليس حينما يخطط لمكيدة، وقال:
_ عايزك تفتحي دماغك وتسمعيني زين، وتنفذي الي أجولك عليه بالحرف الواحد.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خرجت من المنزل بعدما أطمأنت أن لايوجد أحد سواها و والدتها ذهبت إلي خالها، فهاتفت الطبيب وأخبرته بأنها آتيه لكن عليه أن ينتظرها في مكان ما خارج الوحدة.
وبعدما نجخت في تضليل من يراقبها من رجال رافع، وصلت إلي المكان المحدد، كانت حديقة متطرفة علي حدود النجع مليئة بشجر الصفصاف ذو الأغصان والأوراق المتدلية.
أخذت تتلفت من حولها تبحث عنه حتي أصتدمت به فأستدارت بوجهها له تشهق بذعر:
_ الله يسامحك خلعتني.
ضحك وقال:
_ ألف سلامة عليكي من الخضة، أنتي الي عماله تتلفتي زي الي عامل عمله ومش واخده بالك من طريقك، أي الي رعبك أوي كده؟.
أجابت بتوتر:
_ عادي يعني، ولا رعب ولا حاچة كل الحكاية خايفة لحدا من اخواتي يشوفك وأنت واجف معاي وتحوصل مصيبة.
قال بتعجب ودهشة:
_ ليه الأوڤر ده كله، أنا واقف معاكي في مكان عام يعني مش مختلي بيكي في مكان مقفول ولا بنعمل حاجة حرام.
_ دي عادتنا وتقاليدنا، معلش بجي ممكن تعطيني الحاچة خليني ألحج أعاود بسرعة.
رفع يديه الخالية وقال بمكر :
_ المذكرة مش معايا.
رمقته بحدة مقطبه مابين حاجبيها:
_ واه، كيف يعني مچبتهاش؟ .
أجابها:
_ بصراحة أنا جيت أقابلك عشان عايز أعرف حاجة ويمكن حاجات كتير ومقابل إجابتك هديهالك علي طول.
_ عتساومني إياك؟.
إبتسم فأزداد وسامة وجاذبية قائلاً:
_ حاجة زي كده.
زفرت بحنق وقالت:
_ خليها حداك ولا أرميها في الترعة، عن أذنك.
وكادت تذهب، أمسكها من رسغها وجذبها خلف إحدي الأشجار يخبئها عن الأنظار، فتحت فاها لتصيح فمنعها بوضع كفه علي فمها وأشار لها بسبابته بالصمت، و نظر بحذر من خلف الشجرة حتي تنفس الصعداء و أبعد كفه، وبخته بغضب:
_ أنت أتچننت يا چدع أنت، كيف تمسك يدي و توجفني وكماني تكتم لي خشمي إكده! .
_ كان فيه واحد من رجالة رافع إبن خالك بيحوم في المكان ولولا عملت كده كان شافنا وراح قاله.
حدجته بخجل ونظرت إلي أسفل:
_ أنت خابر بجي كل حاچة.
_ أيوه عارف كل حاجة ومش من مذكراتك وبس، رافع جالي بنفسه عندي في العيادة، وهددني لو مبعدتش عنك مش هيسبني في حالي ونظراته كانت كلها شر.
رفعت وجهها لتنظر له بإستفهام وهدوء:
_ ولما هددك، أي الي خلاك توافج تجابلني وخابر إن ممكن يأذيك؟ .
أطلق زفرة تنبع عن حيرة ومشاعر غير معروفة قائلاً:
_ أنا نفسي مش عارف، تقدري تقولي كان نفسي أشوفك تاني وأعرف منك إجابة أسئلة كتير جوايا.
أدركت تلميحاته وتلك النظرة التي توقنها وتعلم ما سيأتي بعدها، فقالت له:
_ أسمعني زين يا إبن الناس، خليك بعيد عني أحسن ليا وليك وكيف ما قريت في دفتري، حكايتي واعرة جوي كيف النار والي بيجرب مني بيتحرج.
_ أصدك بالنار رافع؟.
جاء صوت مثل العاصفة العاتيه:
_ أيوه رافع الي عيخلص عليك دلوق.
وعقب جملته بصوت شد أجزاء سلاحه الناري، صرخت فاطمة فأسرعت بالوقوف أمام يحيي لحمايته:
_ أبوس يدك يا رافع، همله يمشي من أهنه وأني هافهمك كل حاچة.
رمقها بنظرة آتيه من قاع الجحيم:
_ بعدي من قدامه، ومتجلجيش دورك چاي يا جلب رافع.
أبعدها يحيي من أمامه وتقدم نحو رافع فاتحاً زراعيه وبشجاعة قال:
_ وأنا أدامك أهو، بس قبل ما تدوس علي الزيناد عايزك تعرف تهديدك ليا المرة الي فاتت مسجله وباعت التسجيل لواحد عشان لو جرالي حاجة هيودي التسجيل للبوليس.
كان رافع يزفر نيراناً من أنفه، وبعدما أستمع لتهديد يحيي، حاول أن يكبح جموح غضبه العارم، أنزل سلاحه و وضعه في جيب جلبابه:
_ ههملك المرة دي، لكن الچاية ولا هيهمني تسچيل ولا حكومة، لأنهم ما هيلجوش چتتك عشان يجبضو عليا.
دفعه بكتفه حتي كاد يسقط يحيي، وأتجه نحوها وهي تتراجع إلي الخلف بخوف، قبض علي يدها بقوة ويدفعها أمامه:
_ قدامي، حسابك معايا عسير.
وصل بها إلي سيارته السوداء مثل عينيه الحادتين، دفعها بداخلها فتأوهت بألم، صفق الباب بقوة وألتف ليدلف إلي مقعد القيادة، أغلق الباب وضغط علي زر أغلق به أقفال أبواب السيارة بإحكام وأنطلق بها.
أتسعت عينيها عندما رأته ينحرف عن طريق العودة ويخرج من النجع إلي طريق آخر،صاحت وقلبها يخفق برعب:
_ واخدني فين يا رافع، رچعني دارنا قبل ما حد من أهلي يعاود.
قال وهو يجز علي أسنانه ويقود بسرعة جنونية:
_ ولما أنتي خايفة جوي أي الي خلاكي تخرچي من الدار.
كاد يصتدم بإحدي السيارات فتفادها بأعجوبة، صرخت:
_ أني خرچت من غير ما حد فيهم يعرف.
ضغط بقوة علي المكابح فأصدرت العجلات صريراً مزعجاً أثر إحتكاكها بالأسفلت، تعالي صوت أنفاسه الثائرة فألتفت إليها وليتها لم تنظر له، سوداويتيه يتطاير منها الشرر، وجهه مرعب للغاية، كانت ستفتح فاهها لكنه باغتها بصفعة قوية غليظة جعلت رأسها ترتطم في زجاج النافذة المجاورة لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أبوس يدك يا زينب أرچعي عن الي في دماغك دي، أخوكي لو عاود من بره وما لجاكيش في أوضتك المرة دي عيموتك، ولو فلتي منيه، ماتفلتيش من رچالة سليم بيه الي هيخابروه وفي ثانية هتلاجيه أهنه.
قالتها نوارة، رمقتها زينب بلا مبالاه وهي تكمل إرتداء حجابها الأسود:
_ ياريت حد فيهم يموتني، أهو يبجي رحمني من العذاب الي أني فيه.
أخذت هاتفها وغادرت الغرفة وفي طريقها إلي باب المنزل أوقفتها والدتها:
_ خارچة رايحة فين يابتي.
ألتفتت إليها لتجد خالتها سعاد وعمتها جليلة تجلسا مع والدتها، أجابت ببرود وهدوء تُحسد عليه:
_ رايحة أزور فارس ولد عمي.
غر ثلاثتهن أفواهن، تركتهن و غادرت المنزل، أوقفها إحدي رجال سليم وبدون أن ينظر إليها خوفاً من سيده:
_ علي فين يا زينب يا هانم؟.
دفعته من أمامها وقالت:
_ بلغ الباشا بتاعك أني رايحة القسم.
سار خلفها، فأستدارت لتحدجه بتهديد:
_ خطوة كمان ورايا، وأني بنفس هاتصل بيه وهجوله إنك كنت عتتحرش بيا.
توقف يزدرد لعابه من تهديدها الجرئ، فلم يجد سوي التراجع وأن يخبر رب عمله بكل شئ.
سارت وهي ترفع رأسها بشموخ غير مهتمة لهمهمات هؤلاء الرجال والنسوة، فالكل يتداول الشائعات عن سبب هروبها ومن ثم عودتها فالبعض خاض في عرضها بالقول الفاحش والآخرون قالو أن السبب أخيها الذي أراد أن يزوجها غصباً من الرجل الذي جاء منذ يومين وقلب النجع بحثاً عنها، وهكذا تداولت الأقاويل.
وصلت إلي المخفر ودلفت إلي المأمور وأخرجت له بطاقة هويتها وطلبت منه انها تريد رؤية فارس ولو خمس دقائق فقط، رفض في بادئ الأمر وبعد محايله ورجاء وافق بشرط أن لاتتعدي الزيارة عن العشر دقائق.
ذهبت إلي غرفة الزيارات وأنتظرته بالداخل، وعندما أنفتح الباب و دلف، نهضت وكأنها كانت كالميت الذي عادت إليه روحه مجدداً، بينما هو كان غير مصدق ماتراه عيناه، فهي أمامه الآن تمني أن تقف الحياة حولهما في تلك اللحظة فقط.
ركضت نحوه وأرتمت علي صدره وعانقته بقوة وكأنها تتشبث به:
_ واحشيني جوي جوي يافارس.
وأنطلقت في البكاء، أشتد من عناقه لها يستنشق رائحتها التي أشتاق لها كثيراً:
_ بلاش بكي أبوس يدك.
أبعد وجهها عن صدره لينظر بداخل عينيها مردفاً:
_ تخيلي أني وأنتي ويا بعض في مكان مفيهوش حد واصل، عتجضيها عويل برضك!.
أجابت بحزن نابع من قلبها المقهور:
_ غصب عني يا حبيبي، لو بيدي كنت خطفتك من أهنه وهروبت وياك علي أي مطرح، لايهمني رافع ولا أي حد واصل.
أمسك يدها و وضع كفها علي فمه يتلمس أطراف أناملها بشفتيه ثم قال:
_ هانت يا جلبي، كلها أيام والمحامي الچديد عيثبت براءتي جبل ما يتحكم فيها، هخرچ وأول حاچة عسويها هاتچوزك سواء أخوكي وافج ولا موافجش، ملهوش صالح.
وهنا تذكرت بأن ما يقوله للتو قد أضحي مستحيلاً فهي الآن أصبحت علي ذمة رجل آخر، لم تريد أن تخبره لكن عينيها التي تبكي مجدداً جعلته يتسائل ما الأمر.
_ عتبكي ليه تاني عاد؟، خبر كيف دي المفروض يفرحك.
تفوهت بكلمات تخرج بصعوبة:
_ مبجاش.... ينفع... نتچوز.
تراجع خطوة يرمقها بعدم فهم:
_ ليه بتجولي إكده؟ .
أخذت تبكي ولم تكن قادرة علي الإجابة، أمسك بعضديها وقال بغضب:
_ كفياكي عويل وچاوبي علي سؤالي، ليه مينفعش يا زينب؟.
_ الزيارة أنتهت يا باشمهندس.
قالها العسكري
ومازالت تبكي، أخذ يهز جسدها، يصرخ بها:
_ أنطجي.
جذبه العسكري من زراعه ليبعدها عنه:
_ هملها يا باشمهندس، مينفعش الي عتسويه.
رفعت وجهها لتنظر له آخر مرة وقالت قبل أن تهم بالرحيل:
_ عايزاك تعرف أني مهما حوصل، عمري ما حبيت غيرك أنت يا واد عمي.
قالتها وهربت من نظراته ومن المكان بأكمله، وفي كل خطوة لها تتطاير عبراتها في الهواء، ستعود إلي الجحيم المنتظر فداءً لحياة من تعشقه إلي آخر لحظة في عمرها.
يقف هذا في الزواية يحاول الإتصال بسيده وبعد أن أجاب بعد الإتصال العشرون حيث الأول كان مشغولاً، فأخبره الآخر بكل ما حدث وما تفوهت به إليه، فكان سليم حينذاك يقف خلف الحائط الزجاجي في مكتبه بالشركة يستمع و نيران بداخله تتصاعد ألسنتها تريد إحراق كل شئ يقابلها، أغلق المكالمة و الظلام يسود عينيه فقام بإرسال رسالة نصية لإحدهم:
_ نفذ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ حل المساء فعادت من المقابر برفقة الصغير لاتري أمامها سوي التخت التي تريد أن ترتمي عليه، فكثرة البكاء جعلت جسدها في حالة إرتخاء مطالباً بالراحة.
دلفت من باب المنزل وتعلم وصلة التوبيخ التي ستتلقاها من زوجة خالها، لكن حدث عكس ذلك، أستقبلتها الأخري بهدوء يثير الشك:
_ إكده تجلجيني عليكي يا قمر.
نظر عمر إلي والدته بتعجب وقال ساخراً:
_ ومن ميتي الحنية دي يا أماه!
لكزته في كتفه:
_ ملكش صالح يا أبو لسان طويل، ويلا روح أغسل يدك لأچل تتعشا وتنام.
_ مليش نفس، أني عايز أنام.
وتركهما ودلف غرفته، فقالت قمر:
_ عاوزه حاچة مني يا مرات خال جبل ما أنام.
ربتت عليها بحنان زائف:
_ كنت عايزة أجولك متزعليش من الي جولتهولك إمبارح، من جهرتي علي فراج خالك مكنتش عارفه أني بسوي أي عاد.
أومأت لها قمر بدون أن تبدي أي تعبير:
_ ولا يهمك يا مرات خالي، ربنا يصبرك ويصبرنا.
_ طب يلا تعالي كوليلك لجمة جبل ما تنامي، ده أنتي مدوجتيش حاچة بجي لك يومين.
زاد تعجب قمر مما جعل الشك يتملك منها نحو تلك المرأه، فقالت:
_ معلش ماجدرش، كل الي ريداه أروح أنام دلوق.
فقالت نفيسة:
_ خلاص يا حبيبتي ، أدخلي أرتاحي وأني هاحضرلك كوباية حليب وأچبهالك.
ذهبت قمر إلي غرفتها وقلبها يتآكل، فحدسها يخبرها أن لا تأمن لتلك الحية اللعينة، فلابد وراء هذه المعاملة الحسنة مصيبة كبيرة أو شيئ آخر.
بعدما أبدلت ثيابها بمنامة طويلة، تمددت علي الفراش، وبعد أن طرقت نفيسه باب الغرفة دلفت لتعطيها كوب اللبن:
_ أتفضلي يا حبيبتي ، عايزاكي تخلصي الكوباية لأچل ترد لك الدم في وشك الي بجي شبه الكركم.
أخذتها و وضعتها فوق الكمود:
_ تسلم يدك يا مرات خالي.
وحتي لا تثير الريبة لديها تركتها وخرجت، وبعد قليل دلفت مرة أخري فوجدت القدح فارغاً من الحليب أعلي الكمود وقمر تغط في النوم، خرجت لتأتي بشقيقها وينفذان مخططهم الشيطاني.
فقال عامر:
_ متوكده إنها شربت الحليب ونعست؟ .
_ أيوه ما هي قدامك أهه في سابع نومة والكوباية جارها فاضية.
أبتسم بخبث وقال:
_ روحي أنتي بجي علي أوضتك، عجبال ما أجلعها خلچاتها، ولما أرن عليكي تيچي وتنفذي الي جولتلك عليه.
_ أياك يا عامر تسوي فيها حاچة بحج وحجيجي؟ .
_ أطمني يا خايتي، هملينا أنتي دلوق.
ذهبت، وبدأ هو يقترب من تلك النائمة، وأن وقعت عينيه عليها، رمقها بإشتهاء فالأول مرة يراها بدون غطاء الوجه، دنا منها يجذب الدثار من فوقها ومد يده إلي تلابيب منامتها ليفك أزرارها، فباغتته بالقبض علي يده وفيروزيتيها ترمقه بعداء جلي، هم بالهجوم عليها:
_ عتضحكي علينا يا بت ال......
دفعته بكل قوتها فسقط علي الأرض، وكاد ينهض، فسارعت بإمساك القدح الزجاجي الفارغ وضربته بأقصي ما لديها في رأسه التي تدفقت منها الدماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية