رواية خلف أسوار الجليد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور سيف
في الثامنة صباحًا كانت صورة واحدة قد سبقت نور إلى كل مكان تقريبًا
إلى الشركة
إلى هواتف الموظفين
إلى جروبات العائلة
إلى صفحات الأخبار الخفيفة
وإلى أم كريم طبعًا لأن الأخبار في هذا العالم لها قانون ثابت
الضوء أسرع من الصوت وأم كريم أسرع من الاثنين
استيقظت نور على اهتزاز هاتفها بشكل متواصل كأن الموبايل نفسه دخل في نوبة فزع فوق الكومودينو
فتحت عينيها بصعوبة ومدت يدها تتحسس الهاتف ثم نظرت إلى الشاشة
سبع وعشرون مكالمة فائتة
ست وثمانون رسالة واتساب
إحدى عشرة إشعارًا من فيسبوك
رسالتان من كريم
خمس رسائل من سمية
وثلاث عشرة رسالة من أمها رغم أن أمها في الغرفة المجاورة
اعتدلت في جلستها فورًا
هناك شيء سيئ حدث
شيء سيئ جدًا
فتحت أول رسالة من كريم
كان فيها رابط
وفوقه جملة واحدة
متفتحيهوش لو طنط فاطمة قريبة منك
بردت أطرافها
وطبعًا فتحته
ظهر العنوان في أعلى الصفحة
صورة حصرية
هل يعيش رجل الأعمال آدم الصياد قصة حب سرية مع موظفة جديدة داخل شركته
وتحت العنوان مباشرة كانت الصورة
صورة الشرفة
هو وهي
ليست صورة واضحة تمامًا لكنها واضحة بما يكفي لتؤذي
واضحة بما يكفي لتفتح باب الكلام الرخيص على مصراعيه
هو منحني نحوها قليلًا
وهي قريبة منه
والزاوية الخبيثة التي التقطت بها الصورة جعلت المشهد يبدو أكثر حميمية مما كان
شعرت نور كأن أحدهم صب فوق رأسها دلوًا من الثلج
مررت إصبعها لأسفل وبدأت ترى التعليقات
أكيد ما وصلت للمكان ده بكفاءتها
البنات دي عارفة تلعبها صح
المدير والموظفة حكاية قديمة
شكلها صاعدة بسرعة الصاروخ
واضح ليه خدت ملفات كبار العملاء
أغلقت الهاتف فجأة
ثم فتحته من جديد
ثم أغلقت عينيها كأنها تريد أن تصحو من كابوس ثقيل
لكن الكابوس كان يقظًا ومكتملًا
وقد خرج بالفعل إلى الناس
فتح باب الغرفة ودخلت أمها
على وجهها ذلك التعبير الذي ترتديه الأمهات حين يشعرن أن الدنيا قررت أن تختبر قلوبهن مع الصباح
قالت بهدوء
صحيتِ
رفعت نور عينيها إليها وقالت بصوت مكسور
ماما
اقتربت أمها وجلست بجانبها وأخذت الهاتف من يدها دون استئذان وقرأت العنوان ثم قلبت شفتيها بازدراء وقالت
صحافة زبالة
رمشت نور بدهشة
إيه
قالت أمها بنبرة أكثر حدة
يعني إيه قصة حب سرية
هو أي اتنين يتصوروا من بعيد يبقوا مادة للنهش
ده قلة أدب وقلة ضمير مش صحافة
امتلأت عينا نور بالدموع
سألتها بصوت خافت
إنتِ مش زعلانة مني
التفتت إليها أمها وكأن السؤال نفسه أوجعها
أزعل منك ليه
عشان ناس ما عندهاش لا تربية ولا ضمير قررت تعيش على سمعتك
أنا بنتي عارفاها كويس
واللي مش عاجبه ييجي يتكلم معايا أنا
ثم هزت الهاتف في الهواء وأضافت
واللي كاتب الخبر ده لو وقع تحت إيدي أنا اللي هكتبه خبر
في تلك اللحظة دخل عمر دون استئذان كعادته التي تستحق محاكمة عسكرية
قال وهو ينظر في هاتفه
يا نور إنتِ تريند في جروب المدرسة
رفعت نور الوسادة وضربته بها فورًا
اطلع بره
لكن عمر أكمل ببراءة وقحة
أنا جاي أطمن بس
وصاحبي مصطفى قال جوزها المستقبلي آدم بيه وأنا قلتله هكسر سنانه
قالت أمها وهي تشير نحوه بإعجاب
برافو عليك
بس ما تكسرش سنانه
خليهولي أنا
ثم عادت إلى نور وقالت
إنتِ هتعملي إيه
صمتت نور لحظة ثم قالت
هنزل الشغل
سألتها أمها
بعد اللي حصل
أومأت نور
أيوه
لو ما نزلتش هبقى كأني معترفة إني عملت حاجة غلط
وأنا ما عملتش حاجة غلط
نظرت إليها أمها طويلًا ثم أومأت بفخر هادئ
يبقى انزلي وارفعِي راسك
واللي يبصلك بصّة مش عاجباك قوليلي عليه
في الوقت نفسه كان آدم قد رأى الصورة قبل نور بخمس دقائق
أرسلها له سيف عند السابعة واثنتين وأربعين دقيقة مع رسالة قصيرة مذعورة
يا باشا لازم تشوف ده فورًا
قرأ العنوان مرة
ثم مرتين
ثم لم يقل أي كلمة
وذلك في عرف من يعملون معه كان أسوأ من الصراخ
دخل عليه سيف بعد دقائق فوجده واقفًا أمام النافذة والهاتف في يده ووجهه هادئًا بطريقة مرعبة
هدوء ما قبل الانفجار
قال سيف بتوتر
يا باشا
قاطعه آدم دون أن يلتفت
القسم القانوني
أجاب سيف فورًا
بلغتهم
قال آدم
عايز بلاغ تشهير وإنذارين رسميين للموقع والصحفي والمصور لو أمكن
وعايز أعرف الصورة اتصورت إزاي وخرجت منين
قال سيف
حاضر
ثم أكمل آدم
وأي حد في الشركة يجيب سيرة الآنسة نور بكلمة واحدة يتكتب فيه مذكرة
ولو الكلمة مهينة يمشي
ابتلع سيف ريقه وقال
حاضر يا باشا
ثم أضاف آدم بعد لحظة
ولو وصلت محدش يسيبها تدخل لوحدها بين الناس
توقف سيف لحظة
هذه لم تكن جملة مدير
كانت جملة رجل يعرف جيدًا كيف يمكن لنظرة واحدة أن تترك أثرًا أعمق من ألف كلمة
في مجموعة عملية تذويب الجليد كانت الرسائل تتطاير كالرصاص
عم رضا كتب
الصورة نزلت عند أم كريم قبل ما تنزل على الموقع
الوضع خرج عن السيطرة
سمية كتبت
أنا مستعدة أعمى عين أي واحدة في الاستقبال تبص لنور بصّة مالهاش لازمة
كريم كتب
يا جماعة هدوء
محدش يتصرف لوحده
أم نور كتبت
أنا موجودة
واللي هيضايق بنتي أنا اللي هتصرف
كتب عم رضا
الله أكبر
الدعم الشعبي وصل
وكتب عمر
لو عايزين أعمل هجوم إلكتروني أنا جاهز
فكتبت نور فورًا
مين دخل عمر الجروب
وردت أمها
سيبوه
ده نافع وقت الحرب
حين دخلت نور مبنى الشركة شعرت أن الصورة دخلت قبلها ووقفت عند الباب تستقبلها
النظرات كانت أول ما قتلها
ليست الكلمات
بل النظرات
هناك من تظاهر بأنه لم ير شيئًا
وهناك من نظر بسرعة ثم أشاح بعينه في حرج
وهناك من نظر بفضول سخيف لا يحاول إخفاء نفسه
وهناك من نظر بشماتة باردة وهي النوع الذي كانت تكرهه أكثر من أي شيء
رفعت رأسها وشدت على حقيبتها ومشت
عند الاستقبال خرجت سمية فورًا من خلف المكتب واحتضنتها بلا مقدمات
قالت بحنان واضح
صباح الخير يا روحي
ابتسمت نور ابتسامة صغيرة باهتة
ده استقبال ولا عزاء
همست سمية
ده استقبال حرب
وأنا في صفك
وبالمناسبة الأستاذة منال من الحسابات كانت لسه بتقول أكيد في حاجة
وأنا رديت عليها وقلت لها آه في حاجة اسمها قلة ذوق عندك
ضحكت نور رغمًا عنها وقالت
ربنا يستر عليكِ
قبل أن تكمل انفتح باب المصعد
وخرج منه آدم
لم يكن وحده
كان معه سيف واثنان من الإدارة القانونية
لكن نور لم تر في تلك اللحظة سواه
ساد البهو صمت خفيف
حتى المارة تباطأت خطواتهم
نظر إليها مباشرة
لم يتردد
لم يتجنبها
بل تقدم نحوها بخطوات ثابتة حتى وقف أمامها تمامًا وقال بصوت واضح مسموع لمن حوله
صباح الخير يا نور
تجمد المكان لحظة
قالها باسمها أمام الجميع
رفعت عينيها إليه وردت
صباح الخير
ثم التفت إلى البهو كله وقال بنبرة حاسمة
من اللحظة دي أي كلام عن الأستاذة نور جمال داخل الشركة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر هيتعتبر مخالفة مهنية وإساءة لسمعة المؤسسة
واللي عنده اعتراض على وجودها أو كفاءتها يقدمه لي أنا شخصيًا بخطاب رسمي باسمه الثلاثي
لم يرد أحد
لم يتحرك أحد
حتى الموظفة التي كانت ترتب بعض الملفات أسقطت الدباسة من يدها
في اللحظة نفسها كتب عم رضا في الجروب
تم إطلاق الضربة النووية
أكرر تم إطلاق الضربة النووية
نظر آدم إلى نور مرة ثانية وقال بهدوء
تعالي معايا
ليست كأمر هذه المرة
بل كدعوة واضحة
لن تمشي وحدك
دخلت معه المصعد وشعرت لأول مرة منذ الصباح أنها قادرة على التنفس
سكتا لثوان
ثم قالت دون أن تنظر إليه
الحركة اللي برة دي شكرًا
قال
كان لازم تحصل
رفعت عينيها إليه وقالت
وكان ممكن تعملها من بدري
أغمض عينيه لثانية قصيرة وقال
عارف
فتحت أبواب المصعد عند الطابق الخامس
قال وهو يستعد للخروج
عندي اجتماع مع مجلس الإدارة
بعده هنتكلم
والمرة دي هشرح
هزت رأسها وقالت
ماشي
في اجتماع مجلس الإدارة كان حمدي الشرقاوي أول من تكلم
قال بنبرة من يظن نفسه حارسًا على الأخلاق والسمعة
لازم نكون واضحين
اللي حصل ده مش بسيط
الصورة منتشرة والكلام بقى على المواقع كلها
إحنا عندنا سمعة شركة
رد أنور الصياد بهدوء ثابت
وسمعة الموظفة اللي اتسحلت في الكلام ده من غير ذنب
دي مش ضمن السمعة
قال حمدي
أنا بتكلم عن المؤسسة
فقال آدم بصوت منخفض جعل الجميع يسكت
وهي جزء من المؤسسة
ثم فتح ملفًا أمامه وقال
المقالة تشهيرية وتم اتخاذ إجراء قانوني ضد الموقع والصحفي
والصورة اتصورت من زاوية خاصة أثناء مناسبة عمل وده في حد ذاته خرق
والآنسة نور موجودة في مكانها بكفاءتها ومش محتاجة شهادة مني لكن لو حد محتاج أرقام
الوفد الإسباني قيّمها بأعلى تقييم في خمس سنين
والوفد الإيطالي امبارح أنقذته حرفيًا من كارثة مهنية قدامكم كلكم
تحرك بعضهم في مقاعده في صمت
ثم أكمل آدم
ولو حد في المجلس شايف إن الحل هو معاقبة البنت لأنها اتصورت من غير إذنها
يبقى المشكلة مش في الصورة
المشكلة فينا
انتهى الاجتماع من غير أن يكسب حمدي ما أراد
ولأول مرة منذ زمن خرج أنور من القاعة وهو يشعر أن ابن أخيه لم يهرب
كانت نور في مكتبها حين جاءها اتصال من سكرتارية الطابق الخامس
آدم باشا عايز حضرتك
أغلقت الملف الذي أمامها ونهضت
لم تكن خائفة
كانت فقط مرهقة
دخلت مكتبه
كان واقفًا خلف المكتب بلا سترة وربطة عنقه محلولة قليلًا وكوب قهوة نصفه بارد أمامه
نظر إليها وكأنه يرتب كلماته بحذر رجل لا يريد أن يخطئ مرة ثانية
قال
اقعدي
جلست
وجلس هو أيضًا لكنه لم يختبئ خلف المكتب بل مال إلى الأمام قليلًا
قال مباشرة
أول حاجة أنا آسف
لم ترد
فأكمل
آسف لأن الصورة وصلت بالشكل ده
وآسف أكتر إني في اللحظة اللي كان المفروض أقرب فيها بعدت
وآسف على الإيميل
وعلى كل مرة خفت فيها ولبست خوفي شكل قرار
قالت بعد لحظة
كنت خايف على سمعتي
ولا على نفسك
سكت ثم قال بصراحة
الاتنين
بس اللي اكتشفته النهارده إني لما بخاف عليكِ وبسكت بأذيكِ أكتر ما بحميكِ
نظرت إليه طويلاً ثم قالت
صح
زفر ببطء وقال
في حاجة تانية لازم تعرفيها
القسم القانوني قدر يوصل للصحفي اللي نزل الخبر
واتضح إنه كان على تواصل مع رقم تبع شركة علاقات عامة في الزمالك
قالت بهدوء
ليلى
قرأ الاسم في عينيها قبل أن تقوله
فأومأ
لسه ما عندناش دليل قانوني مباشر يدينها شخصيًا
لكن عندنا ما يكفي يخليها تعرف إني عرفت
وبعت لها إنذار رسمي من الصبح
سكتت لحظة ثم قالت
وأنت عرفت توصل بسرعة
قال بنبرة حملت قدرًا خفيفًا من الغضب
لما الموضوع يخصكِ
أنا ما بسيبش حاجة للصدفة
شعرت بشيء دافئ يهتز في صدرها رغم تعبها
لكنها تماسكت وقالت
متعملش خطوة كبيرة عشان تنقذ موقف محرج وبس
فهمها على الفور
قال
تقصدي إيه
قالت
لو فكرت تقول للناس إن في حاجة رسمية بينا أو تعمل أي خطوة كبيرة
لازم تبقى عشان إحنا فعلًا عايزينها
مش عشان تسكتهم
نهض من كرسيه ومشى حتى وقف أمامها
قال
بصيلي يا نور
رفعت عينيها إليه
قال
أنا لو كنت عايز أسكتهم بس كنت عملت بيان بارد محترم وانتهى الموضوع
ولو كنت عايز أنقذ شكلي كنت بعدتك أكتر
ولو كنت عايز أهرب كنت سهل أعملها وأنا شاطر جدًا في الهروب
ثم أضاف بصوت أخفض
أنا مش بفكر في خطوة عشان الصورة
أنا بفكر في خطوة لأن الصورة وريّتني قد إيه أنا مش مستحمل إن اسمك يتقال بشكل مش لايق
وريّتني قد إيه أنا ما عدتش عايز أبقى مجرد يمكن في حياتك
أنا عايز أبقى حاجة واضحة
قدامك وقدام الناس وقدام نفسي
تسارعت أنفاسها ولم تستطع الكلام
فقالها أخيرًا
أنا بحبك يا نور
ساد الصمت
صمت ممتلئ
صمت وصلت فيه الجملة إلى قلبها بكل قوتها
بعد كل ما مر به
بعد الجليد والخوف والذنب والصورة
قالها أخيرًا ببساطة رجل حسم أمره
نزلت دمعة من عينها ثم أخرى
وابتسمت من خلالهما وقالت
يا أخي أخيرًا
كنت فاكرة هتموت قبل ما تقولها
ضحك ضحكة قصيرة جميلة وقال
أنا نفسي كنت فاكر كده
قالت وهي تنظر إليه بثبات
وأنا كمان بحبك
أغمض عينيه لثانية وكأن الجملة لامست جرحًا قديمًا في داخله ثم فتحهما وقال
النهارده بالليل
أنا هاجي البيت
بطريقة صح
اتسعت عيناها
النهارده
قال
أيوه النهارده
أنا ضيعت وقت كفاية
هكلم أمي
وعمي جاي معايا
همست
يا نهار أبيض
ابتسم وقال
ده غالبًا نفس اللي قالته طنط فاطمة لما عرفت عن الجاكيت
ضحكت من بين دموعها
ثم اقترب منها ووضع جبهته على جبهتها للحظة قصيرة دافئة وقال
استحمليني
قالت وهي تبتسم
ما أنا من أول الرواية بعمل كده
في السادسة مساءً كانت شقة الدقي تعيش حالة طوارئ قومية
أم نور ترتدي إسدال البيت وفوقه مريلة المطبخ وعلى وجهها هالة قائد ميداني في معركة مصيرية
كانت تصرخ من غرفة إلى أخرى
عمر شيل الشاحن من فوق التليفزيون
سلمى دخلي الغسيل من البلكونة
مين حاطط كتاب العلوم على السفرة
يا ساتر على الشبشب المقطوع ده
أما عمر فكان يتحرك في الشقة كضابط تجنيد ويقول
يا جماعة الراجل جاي يخطب مش جاي يعاين مصنع
ردت عليه أمه فورًا
اسكت يا واد
ده أول انطباع
والراجل جاي مع عمه
وقفت نور في منتصف الفوضى تضحك وتكاد تبكي من التوتر
أمها اقتربت منها وعدلت لها طرحتها المنزلية التي أقسمت نور أنها ترتديها في أي مناسبة مرتبطة بالحب وقالت
اقفي عدل
ومتبقيش تضحكي كتير
وخليكي رزينة
قالت نور بدهشة
يعني أضحك ولا أبقى رزينة
قالت أمها بمنطق حاسم
ابقي رزينة ومش رزينة
استخدمي ذكاءك
في الخارج كانت أم كريم تقف عند باب شقتها بحجة هز السجادة للمرة الثالثة في اليوم وعينها على السلم
لم يخب أملها
عند السابعة تمامًا صعدت الخطوات
آدم
ومعه أنور الصياد
يحملان علبتي حلوى كبيرتين وباقة ورد بسيطة أنيقة وهيبة جعلت عمارة الدقي نفسها تشد ظهرها
فتحت أم نور الباب بنفسها
ونظرت أولًا إلى الحلوى ثم قالت
يا ابني ده إنتوا فاتحين مولد
ضحك أنور وقال
أول مرة نطلع نخطب وما نجيبش حلو يبقى عيب في حقنا
قالت أم نور بابتسامة واسعة
اتفضلوا
نورتوا البيت
دخل الاثنان
وفي اللحظة نفسها أرسلت أم كريم رسالة صوتية طويلة إلى جروب الجيران عنوانها
تأكيد رسمي
الراجل جه بأهله
جلس الجميع في الصالون نفسه
الملاية المشجّرة نفسها
لكن الجو كان مختلفًا
أكثر رهبة وأكثر دفئًا في الوقت ذاته
عمر جالس مستقيمًا أكثر من اللازم كأنه ولي أمر إضافي
أم نور على الكنبة المقابلة بعينين تلمعان
نور تجلس بجوار أمها وقلبها يضرب في صدرها بعنف
وآدم هادئ على غير عادته
هادئ لأنه حسم أمره
نظر إلى أنور
فأومأ له الأخير بابتسامة مشجعة
التفت آدم إلى الست فاطمة وقال بصوت ثابت محترم
أنا جاي النهارده ومعايا عمي أطلب إيد نور من حضرتك بشكل رسمي
وأقول إن نيتي واضحة
وإن اللي بيني وبينها حاجة محترمة
وإن شاء الله أكون قدها
سكت الجميع للحظة
ثم وضعت أم نور يدها على صدرها وقالت
وأنا من ناحيتي بنتي ما تتطلبش
بنتي تتشال على الراس
بس لازم أسألها هي الأول
ثم التفتت إلى نور
هنا فقط شعرت نور أن ركبتَيها تريدان الانهيار
لأن الحب حين يخرج من الخاص إلى العلن يتحول من شعور إلى قرار
نظرت إلى آدم
كان ينظر إليها فقط
بلا ضغط
بلا استعجال
لكن في عينيه شيء واحد واضح
أنا هنا
واختياري محسوم
ابتسمت نور ودموعها تلمع وقالت بصوت خافت واضح
موافقة
في اللحظة نفسها حدثت ثلاثة أشياء
تنفست أم نور بصوت مسموع كأنها كانت كاتمة نفسها من العصر
وقال عمر أخيرًا ثم تلقى لطمة خفيفة من أمه
وابتسم آدم ابتسامة واسعة صافية أضاءت وجهه كله
ضحك أنور وقال
الحمد لله
كده نقدر نأكل البسبوسة واحنا مطمنين
ضحكت الشقة كلها
وضاعت رهبة اللحظة في دفء البيت
بعد الشاي والحلوى وجولة الأسئلة الأولى من أم نور عن الكوسة والباذنجان وإجازاته وصحة أمه وطريقة شربه للشاي استأذن آدم للحظة
قال
ممكن أخد نور دقيقة في البلكونة
رفعت أم نور حاجبها وقالت
البلكونة ليه
ما الصالون واسع
تدخل أنور بسرعة وهو يضحك
يا ست فاطمة سيبي الشباب يتكلموا كلمتين
هزت رأسها وقالت
ماشي
خرجت نور مع آدم إلى البلكونة الصغيرة
ليل الدقي كان دافئًا
والشارع هادئًا نسبيًا
واللمبة الصفراء فوقهما تضيف إلى اللحظة مسحة حميمة قديمة
وقفا جنبًا إلى جنب
ثم قال آدم بهدوء
إنتِ متأكدة
نظرت إليه بدهشة
إنت اللي بتسألني
قال
أيوه
لأن الموافقة تحت ضغط اللحظة غير الموافقة عن اقتناع
وأنا مش عايز أكون هروب من فضيحة
ولا رد فعل على صورة
ولا محاولة إصلاح غلط
أنا عايز أكون اختيارك
اقتربت منه خطوة وقالت
وأنا بقولك للمرة التانية
موافقة
مش عشان الصورة
ولا عشان الشركة
ولا عشان ماما وافقت على الكوسة
عشاني وعشانك
أخذ يدها هذه المرة بلا ارتباك
بشكل طبيعي هادئ وقال
يبقى من النهارده رسمي
ابتسمت
رسمي
ثم أضافت بخبث
يعني أقدر أقول لمجموعة عملية تذويب الجليد إنهم نجحوا
أغمض عينيه لحظة وقال
الجروب ده لازم يتحل
ضحكت
مستحيل
ده بقى مؤسسة
قال
عم رضا هيطلب ترقية بكرة
قالت
ويستحقها بصراحة
ضحك ثم مال ببطء وطبع قبلة هادئة على يدها
قبلة قصيرة رقيقة جعلت قلبها يتخبط بعنف
همست وهي تضحك من شدة توترها
لو ماما شافتنا هتقول الحمد لله البضاعة لاقت حد يقدّرها
رد لأول مرة بخفة صريحة
وأنا أوافق طنط فاطمة في التقييم العام
ضحكت حتى دمعت عيناها
في الداخل كان عمر قد فتح هاتفه بالفعل على مجموعة الواتساب وكتب
تم التنفيذ
أكرر تم التنفيذ
الموافقة حصلت
كتب عم رضا
الله أكبر
كتبت سمية
أنا بعيط
كتب كريم
فين الشبكة
وكتبت أم نور
لسه بدري يا كريم
واحدة واحدة علينا
وكتب حسن من سيوة
قولتلكوا التمر بيحلّي القلب
قبل أن يغادر آدم وأنور وقفت أم نور عند الباب وقالت وهي تشير بإصبعها إلى آدم بنبرة أم لا تمزح حين يتعلق الأمر ببناتها
بص يا ابني
أنا موافقة
وإنت واضح إنك ابن أصول
بس بنتي دي غالية
ولو زعلتها
ابتسم آدم لكنه لم يستخف بكلامها
بل قال بصدق
لو زعلتها
أبقى أستاهل اللى حضرتك تعملى
رضيت أم نور بهذه الجملة أكثر من أي كلام آخر
أما نور فكانت تقف خلفها وتكاد تضحك
أمها تهدد رئيس مجلس إدارة مجموعة كبيرة عند باب العمارة
وهو يتلقى التهديد بأدب كامل
نزل آدم وأنور السلم
وفي نصف الدور الثاني انفتح باب شقة أم كريم سنتيمترين فقط وخرج منه صوتها
مبروك يا جماعة
توقف أنور
أما آدم فرفع حاجبه
قالت بسرعة
أنا ما كنتش متنصتة والله
أنا بس كنت بسقي الزرع
نظر آدم إلى الأصيص اليابس بجانبها ثم إلى الساعة التي اقتربت من التاسعة مساءً وقال بكل وقار
ربنا يبارك في حضرتك
والزرع محتاج مية فعلًا
وأكمل نزوله
في السيارة نظر أنور من النافذة ثم قال
مبروك يا آدم
ابتسم آدم ابتسامة هادئة ناضجة وقال
الله يبارك فيك يا عم أنور
سأله أنور
حاسس بإيه
فكر لحظة ثم قال
حاسس انى رجعت
رجعت أمشي
أومأ أنور مبتسمًا
وهي ماشية جنبك
نظر آدم إلى الطريق أمامه وقال بصوت خافت دافئ
أيوه
والمرة دي مش هسيب إيديها
في شقة الدقي كانت نور تجلس على سريرها بعد أن هدأ البيت أخيرًا
أمها انتهت من الاتصال بنصف نساء العائلة تقريبًا
وعمر أعلن أنه سيأخذ لفة بالعربية قريبًا بحكم القرابة
وسلمى بدأت تسأل عن لون الفستان
والبيت كله صار أخف وأدفأ وأكثر حياة
فتحت نور هاتفها
وجدت رسالة منه
رسمية سعيدة يا آنسة نور
عضت على شفتها وهي تبتسم ثم كتبت
رسمية سعيدة يا أستاذ آدم
وبالمناسبة ماما بتقول الجمعة الجاية محشي ورق عنب
جاء الرد بعد ثوان
بلغي طنط فاطمة إني تحت أمرها
وبلغي نفسك إني مبسوط
توقفت أصابعها لحظة فوق الشاشة ثم كتبت
وأنا كمان مبسوطة
وخايفة شوية
وسعيدة أوي
وقلبي بيجري
ظهر أنه يكتب لثوان طويلة
ثم جاء الرد
خليه يجري
المرة دي أنا بجري معاه
أغلقت نور الهاتف على صدرها
وأغمضت عينيها
وتركت ابتسامة واسعة هادئة تملأ وجهها
في الخارج كان العالم كما هو
صاخب
فضولي
قاسي أحيانًا
لكن في الداخل
فى قلبين تعلما أخيرًا أن يتركا الباب مفتوحًا
كان هناك شيء جديد بدأ يتشكل
شيء أقوى من صورة
وأصدق من إشاعة
وأطهر من كل الكلام الذي قيل حولهما
•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية