رواية ورقة التين الفصل العاشر 10 - بقلم داليا الكومي

 رواية ورقة التين الفصل العاشر 10 - بقلم داليا الكومي


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " أَلَمْ[mu1]  نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ "..

كانت الآيات القرآنية تنساب بلا انقطاع ويصدح بها والده بصورة متواصلة تبث الطمئنينة وراحة البال لكل المتواجدين.. " إن مع العسر يسرًا "

- هي تشعر بكل ما حولها لكنها تعجز عن التفاعل هناك حاجز يمنعها من الاستجابة للمؤثرات الخارجية.. صدمة شديدة جعلتها تتقوقع على نفسها في محاولة منها لتجنب المزيد من الأذى.. هي تحمي نفسها بهذه الطريقة بعيدًا عن الألم..

هذا كان رأي الطبيب النفسي في حالتها.. فخر راكعًا على ركبتيه يبكي كالأطفال..

صدمة ما يقوله الطبيب تفوق الاحتمال.. لا ربى لا.. عودي إلينا أرجوكِ.. لكنها لم تستجيب ولا تريد أن تستجيب.. ما فعله بها يجعلها تكرهه وتكره عيشته.. من كان هو ليعاملها هكذا ويحكم عليها ؟؟

اليأس!! اليأس تملكه..

وصرخ بانهيار.. - أنا السبب أنا السبب.. لن تعود إلينا أبدًا وأنا السبب..

لكن والده منعه من مواصلة انهياره وصرخ به بصرامة ..

- اليأس ليس من صفات المؤمنين يا ولدي استغفر ربك.. حينما كنت غبيًا عصبيًا متسرعًا ساءت الأمور وحينما بدأت في الإصلاح تحسنت قليلًا.. هي استردت وعيها لكنها لم تسترد بعد ثقتها فيك ولا قدرتها على مسامحتك واليأس الآن خيانة لها.. تحلى بالصبر وإلا سنفقدها حقًا.. ثم هناك عاصم سينهار هو الآخر لو شاهدك هكذا.. الفتى روحه معلقة بروحها.. تماسك منذر جميعنا بحاجة إليك..

لقد كان بين قوسين أو أدنى من اليأس الكامل لكن كلمات والده أعادت إليه همته.. هناك دائمًا أمل إذا ما نظرنا للجانب المشرق بدلًا من المظلم.. في البداية تخوف الأطباء من إصابة مباشرة تصيب دماغها بالتلف الدائم والحمد لله عدت على خير والأن الخوف على قلبها الضعيف من التلف الدائم وهذا لم يعد بيد الأطباء المهرة بل بيده هو..

 لكل شيء ثمن والثمن هذه المرة كان غاليًا حينما ترك الكراهية تتملكه .. كراهيته لهارون تيجان أعمت بصيرته قبل عينيه فأصبح أجوفًا من الداخل واحتلت العناكب فراغ قلبه حتى ملئته ربى بحيويتها ورقتها وطيبة قلبها وهو قابل الخضار الذي زرعته في نفسه بكل جحود وقسوة .. حينما رممت شقوق نفسه لم تكن تعلم أن هذا على حسابها هي لكن هذا دوره ليرمم شقوق قلبها ويعيد الحيوية إليها بالحب ..

وجفف دموعه على الفور ولملم شتات نفسه لأجلها أولًا ولأجل عاصم ووالده ثانيًا، الكل بحاجة إليه ليتماسك ويتوازن كما قال والده.. وربى بحاجة إليه لتعود فراشته المشرقة كما كانت ولن يخذلها هذه المرة.. إن كانت عادت جنينًا فالجنين ينمو ويخرج للنور ويحبو ثم يصير يافعًا وفي النهاية بالغًا.. سيغذيها بالحب مهما طال الأمر..

                                                **

- كم تدفع مقابل ما لدي من معلومات..

- انطق فورًا أنت لا تعلم مع من تتعامل..

زمجر عوض بتأفف وأكمل موجهًا حديثه ليزيد.. - رفض إخباري بما يعرفه وصمم على مقابلتك بنفسه..

ورفع يزيد حاجبه بشراسة وصرخ بعدم صبر.. - هيا يا صاح تكلم فورًا وإلا جعلت من وجهك شوارع..

- لقد تزوجها..

- ماذا ؟؟

- ما تسمعه صحيحًا قبل الحادث بيومين كتب عليها.. البلدة كلها تتحدث عن هذا..

الفتاة أصبحت زوجته رسميًا.. ولم يعد بإمكانك التدخل في علاقتهما ولا حتى الاقتراب شبرًا منها ..

وصرخ يزيد صرخة مرعبة وهو يتوعد.. ورقصت قدمي معوض من الرعب وهو يجذب مخلوف لخارج مكتب يزيد ولكن مخلوف كان يتمسك في الأرض كالأطفال ويرفض المغادرة ويطالب بالأموال قائلًا في سخط.. - لم أتحصل منكم على قرش واحد.. أين أموالي ؟؟

وهدده معوض بجدية.. - إن كنت تريد رأسك لا أموالك فأفضل لك الانتظار خارجًا الآن.. ثانية واحدة تقضيها هنا وستكون مسؤولًا بالكامل عما سيحدث لك..

                                               **

- ما هو أكثر شيء تحبه؟؟

كان سؤاله عفويًا تلقائيًا وسأله لعاصم فور ما تبادر لذهنه دون تفكير لكن نظرات عاصم الحزينة والتي كانت تحاول الفهم واستيعاب ما يحدث لربى تبدلت فورًا ليجيبه بحماس.. - ببغاء..

- ماذا ؟؟

 - نعم ببغاء.. لطالما كانت ربى تخاف من كل الحيوانات الأليفة لكنها كانت تتمنى امتلاك ببغاء لأنه ظريف ومسلي وغير مخيف كالكلاب هذا قبل احضارك لإيجي سباركي اللطيف بالطبع لكننا لم نستطع امتلاك واحد فوالدي سخر منا حينما طلبناه وقال بالحرف.. " اغربا عن وجهي يا أغبياء "..

وبارقة أمل ضربته.. ربما لو أحضر لها واحدًا فستتحسن حالتها.. إيجي سباركي فعل وحسنها من قبل فلربما يستطيع الببغاء أيضًا.. لن يترك أملًا إلا وسيحارب من أجله حتى ولو كان ضئيلًا.. وتمسك بكتف عاصم وحدثه بجدية.. - سأغيب لبضعة ساعات.. أريدك أن تظل تتحدث معها حتى عودتي.. لا تبكي يا بطل وفقط حدثها عن الأشياء التي تحبها.. اخبرها أن منذر ذهب ليحضر لها ببغاء وهذا فقط سبب غيابه عنها.. اخبرها أن منذر سيفعل المستحيل من أن أجل أن تشرق شمسها مجددًا..

" حضني سيكون الأمان.. هذا وعدي لكِ يا حبيبتي.."

ورحل يسابق الريح.. أما عاصم فتماسك ليحافظ على وعده لمنذر.. عقله الصغير البريء لا يستوعب ما أصابها كيف تكون تفتح عينيها ولا تراه، مستيقظة ولا تسمعه..

- ربى أنا هنا لن أتركك أبدًا مثلما لم تتركيني في حياتكِ .. ومنذر هنا أيضًا هو فقط ذهب ليحضر ببغاء لأجلكِ.. سيكون ببغاء ملونًا وجميلًا جدًا وسيتحدث معنا .. ربى هل تسمعيني أو هل تعرفيني؟؟ ربى أنا عاصم..

وغلبه البكاء الذي قاوم كثيرا لحبسه داخل مقلتيه ولحسن حظه دخل عم قدري الذي احتواه بين ذراعيه بحنان بالغ وقال..- هي تسمعك وتعرفك وتحبك وعادت لأجلك لكنها مريضة بعض الشيء فلا تستطيع الرد عليك  الآن لكنها ستفعل قريبًا جدًا بإذن الله .. المريض فقط يحتاج للوقت ليشفى .. لا تخف حبيبي ربى ستكون بخير وستعود كما كانت ..

وقاطعهما طرقات على باب الغرفة أعقبها دخول ممرضة ..- الطبيب النفسي يريد الحديث معك بالخارج ..

ونظر قدري لعاصم بتشجيع ..- واصل على الحديث معها ..

وخرج ليقابل الطبيب الذي بادره ..- أريد توقيعكم على إقرار بالموافقة على استخدام الجلسات الكهربائية  على الدماغ معها .. المريضة ستنقل من هذا القسم لقسم الطب النفسي لا حاجة لبقائها هنا بعد الآن ..

وصدم قدري بعنف " جلسات كهربائية "  وقال بتلعثم ..- لا اعتراض عندي على قرارات الأطباء طالما كان هذا في مصلحتها لكن زوجها وحده بيده القرار .. لا سلطة لي لإعطائك هكذا إذن .. عندما يعود منذر سيكون له وحده  القرار..

                                          **

- طلباتك هذه الأيام كلها غريبة .. منذر ماذا حدث لك ؟؟

شهادة على قران لم يتم وبعدها تطلب ببغاء .. لولا أني أعرفك جيدًا لقلت أنك فقدت عقلك ..

لولا حيائه وخوفه عليها  من مجرد ذكر اسمها أمام الغرباء لكن صرح هذا هو ما يسمي ب " العشق " حرفيًا..

لكنه اكتفي بابتسامة حزينة .. وقال ..- هل ستساعدني ؟؟

أه يا عاطف هل عرفت معنى العشق قلبي؟؟

وسأله عاطف بدهشة حقيقية ..

- هل ستدفع حقًا كل هذا المبلغ لأجل طائر ؟؟

- نعم وبكل سرور .. شرط أن يكون ملونًا زاهي الألوان ومتحدث لبق ..

لله في خلقه شئون .. منذ عام واحد لم يكن منذر يبدل ملابسه كثيرًا والآن ينفق بلا حساب .. وهز عاطف كتفيه بحيرة ليقول ..- صديقي من محل الطيور يقول أن الببغاء الأفريقي " الكاسكو " هو ما تطلبه تمامًا .. ذكر كاسكو أليف لديه حجل ومتكلم وودود جدًا  ومدرب.. لكنه بعشرين ألف جنية .. أين عقلك ؟؟

في المستشفى حيث ترقد ضعيفة حزينة متقوقعة على نفسها .. ما فائدة الأموال إن لم تسعد من نحب ؟؟

- خذني إليه إذًا في الحال  ..

لم يره من قبل بكل هذا الإصرار.. كان يعلم كم هو عنيد فاستسلم أخيرًا .. واصطحبه لمحل الطيور الذي يملكه صديقه في العاصمة .. - أين الببغاء يا رفيق ؟؟

واختفى رفيق بضعة دقائق في الداخل وعاد حاملًا لقفص ..

وقال رفيق بتوضيح ..- هذا الببغاء أليف متكلم .. لذلك هو يستحق كل قرش من ثمنه العالي..

وفتح القفص ومد يده فاستقر الببغاء على أصبعه بكل سلاسة ..

وشاهده .. كان ملونًا بلون رصاصي زاهي وله ذيل أحمر خلاب لكنه كان صامتًا .. لا وقت لديه .. فهز رأسه بإحباط .. - الطائر لا يتحدث ..

- تحلى بالصبر يا أستاذ .. الببغاء يجب أن يعتاد عليك ليتحدث أمامك .. هذا النوع يستطيع نطق حتى ألف كلمة على مدار عمره الطويل الذي يصل حتى ثمانين عامًا وهذا الطائرعمره فقط بضعة أشهر ولقد دربته على العديد من الكلمات وأصبح مستعدًا لتلقي المزيد لكن بالصبر وبالرشوة وبالحب ؟؟

ونظر للطائر وقال بلهجة آمرة ..- چوچو اعطيني قبلة ..  فمال الطائر بلطافة ليقبله.. ووضعه رفيق على إصبع منذر بحرص شديد وطلب منه تكرار سؤاله .. - اطلب منه اعطائك قبلة ..

فنظر منذر لعاطف بعدم تصديق..

هل سيطلب من طائر إعطائه قبلة ؟؟ فهز عاطف كتفيه مجددًا وكأنه يقول " أنت من طلب هذا ما شأني أنا "

وأصر رفيق .. - هيا اطلب منه لترى ..

فقال منذر بخجل ..- چوچو اعطيني قبلة..

ولصدمته صرخ الطائر قائلًا بوضوح .. " لاء" ..

                                      **

يا سِفرَ الخَنجَرِ في خاطرتي‘‘ ياغَلغَلةَ السِّكِّينِ 

زيديني غرقًا يا سيِّدتي‘‘ إن البحرَ يناديني

زيديني موتًا علَّ الموت‘‘ إذا يقتلني، يحيني..

- افعل المستحيل من أجل أن يتحدث اليوم ويقول ما أريد منه قوله .. 

كان هذا هو طلبه الوحيد حتى أنه  كاد يتخلى عن حيائه ليقولها أمامهما وبالأخص ليقول " منذر بيحبك"..

وقال رفيق ..- هو ليس زرًا اضغط عليه فيتحدث .. چوچو يخزن الكلمات وينطقها حينما يريد .. يعشق الاستحمام ويطلبه .. فقط ردد ما تريد منه قوله أمامه بصبر وبعدم عصبية وستجده كما تريد وأكثر .. قم برشوته بالطعام الذي يحبه وسوف يرضيك لكن ليس في الضرورة في نفس الوقت الذي تطلبه منه ..

ووضعه على المقعد لجواره في السيارة ووضع داخل قفصه الكثير من الفستق .. - چوچو أرجوك.. ربى بحاجة إليك.. تحدث أمامها ولا تخذلني ..  قل " منذر يحبك " منذر يعشقك منذر نادم ومنذر غبي .. قل ما تريد المهم أن تتحدث معها ..

وعاد حاملًا كنزه الثمين لا لثمنه العالي لكن للغرض من إحضاره .. كان أكثر شيء تحبه طبقًا لكلام عاصم الذي يعرفها جيدًا .. يعرفها كنفسها فعاصم وربى شيئًا واحدًا لا ينفصل عراه ..

وركض عبر أروقة المستشفى وحاول الجميع منعه من الصعود بما يحمله لكنه واصل ركضه لكن في النهاية أصر الأمن على منعه ونجح في هذا فشعر بغصة بالغة تخنقه.. هل سيفشل الآن؟؟

وقابله عاصم أمام غرفة ربى التي استطاع الوصول إليها بصعوبة لكن منع من التقدم أكثر من هذا بما يحمله ونظرات الصدمة على وجه عاصم علم منها أنه نجح ولو قليلًا .. إذا كان عاصم انبهر بالطائر فستنبهر ربى.. كما قال من قبل عاصم وربى شيئًا واحدًا..

وسلم القفص لعاصم الذي حمله بانبهار وقال له وهو يمد له إصبعه ..- مرحبًا .. فقلده چوچو ليقول بصوته الغريب ..- مرحبًا ..

فشهق منذر بقوة وصفق عاصم بجذل ..

وقال له والده بجدية ..- منذر أريد الحديث معك  في أمر هام جدًا..

فأشار منذر لعاصم قائلًا ..- اهتم به حتى أعود ..

واصطحبه بعيدًا ليخبره بما قاله الطبيب .. لكم منذر هز رأسه بقوة وتمسك بكتفي والده ..- لا يا أبى ربى لا تحتاج لأي جلسات .. سنأخذها للمنزل اليوم .. أنا لن أسمح لهم بذلك ..

وعلق والده بتردد ..- لكنه الرأي الطبي .. ربما نكون نتسبب لها بالضرر هكذا .. لا تتصرف بعاطفية وانفعالية مجددًا ..

وأحنى منذر رأسه ليقول بأمل ..- ليست انفعالية لكنه صوت العقل .. كما تقول يا أبي التسرع لم نجني من ورائه سوى الخراب إذًا فلنمنحها بعض الوقت أولًا قبل أي قرار.. ستعود لمنزلها معززة مكرمة وسنمنحها كل الحب والاهتمام وسنحاول وصدقني والدي سأقنع الطبيب برأيي وإن اقتنع سنجرب .. لم يفشل الحب يومًا في علاج ما أفسدته الكراهية .. ولم يفشل الصبر يومًا في الصمود أمام الأزمات .. لدي من الحب ومن الصبر ما يكفي ..

- حسنًا فقط إن اقتنع الطبيب ..

وهز منذر رأسه باقتناع وذهبا للطبيب .. يجب أن يقتنع .. سيفعل المستحيل ليمنحه الفرصة أولًا قبل أي تدخل..

وتسلل عاصم حاملًا چوچو لغرفة ربى دون أن يراه الأمن ووضعه على الطاولة لجوارها.. - ربى انظري منذر أحضر ببغاء لأجلك كما كنتِ تتمنين.. لا أعلم اسمه بعد.. سأسأل منذر حينما يعود .. هو يقضي كل وقته هنا ولا يغادر إلا بسبب .. منذر يحبك صدقيني .. هو قال اخبرها هكذا .. الببغاء جميل جدًا .. هل ترينه؟؟

                                           **

لم يدفع له هذا المسمى يزيد قرشًا واحدًا .. كان يغلي من الغضب .. لقد استغله أسوء استغلال بل وجعل رجليه يقيمان في منزله ليعلفهما ليل نهار دون مقابل ..

اللعنة!! غضبه غلب تعقله وخوفه من تهديد معوض رجل يزيد  له.. ماذا سيفعل له هذا الأخرق على أية حال؟؟ أموال ولن يعطيه في النهاية فلماذا يبقى عليه؟؟

لقد سخر منه الجميع وأهانوه جميعًا .. لكن من يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا ..

 سينتقم من يزيد ومن منذر ومن الجميع .. لن يجعل منه أحدهم أحمقًا بعد الآن..

سيجعلها حريقة .. علي وعلى أعدائي .. خبر زواج منذر من ربى يغضب الكثيرين وسيغضب شاكر بالتأكيد.. معرفة شاكر للخبر ستكون في مصلحته لا يعلم كيف لكنها ستخدم مصالحه فيكفي أن يتحول الوسط لحريقه ليرتاح ..

واتصل هاتفيًا بشاكر ..- شاكر .. كيف حالكم بعدما طردتم من البلدة ؟؟ بالمناسبة منذر عقد قرانه على ابنة خاله والجميع مازالوا لليوم يعلنون سيرتكم ..

                                            ** 

- هي نائمة الآن ..

وتنفس منذر بارتياح طاغي .. الحمد لله ربى عادت لمنزلها و لغرفته كزوجته ..

لن يجرؤ أحدهم على الاعتراض وهي تنام على فراشه و چوچو يقف كحارس أمين لها .. من الجيد أن الطبيب اقتنع بضرورة منحها فرصة وإلا لكان اضطر لاختطافها.. لن يسمح لهم بتعريضها لأي جلسات كهربائية أو أي علاج نفسي قاسي.. هي ليست مريضة نفسية هي فقط حزينة مجروحة وبسببه .. في الواقع هو لا يقلل من المريض النفسي أو حاجته للعلاج هو فقط يعرف علة ربى وسيعالجها بنفسه كما تسبب بها ..

نظراتها الثابتة الحائرة تعذبه ورفضها للطعام وللحياه يقتله ..

كانت لا تزال متقوقعة على نفسها ومنحنية بشدة وتضم ساقيها لبطنها .. كانت تضع حاجزًا بينها وبين الجميع.. حاجزًا يحميها من قسوته هو بالأخص ..  لقد اختارت ربى أصعب الطرق لعقابه وأفلحت ..

- سيد منذر ..

وانتبه على صوتها .. والتفت .. - سنتناوب أنا وزميلتي على التواجد معها .. التغذية ستكون عن طريق الأنبوب الأنفي المعدي والمحاليل ..

ليته يستطيع هو العناية بها دون الحاجة إليهما لكنه لا يستطيع تنفيذ التعليمات الطبية على الأقل لكنه سيكون متواجدًا في كل لحظة ..

- حسنًا .. ستقيم الممرضة المناوبة في الليل في الغرفة في الأسفل وأنا سأناديها إن احتجت لشيء ..

على الأقل سيراقبها هو ولن يغفل حتى تعود لطبيعتها .. - نحن في الخدمة دائمًا ..

وأوصلتها فوزية لغرفة مهند في الطابق السفلي .. الترتيبات التي وضعها منذر حقًا الأفضل .. ربى بحاجة للشعور بالحياة وبالحب .. الثنائي مهند وعاصم مفعمين بالحياة وبالحب وبالحيوية ووجودهما لجوارها في الطابق العلوي سيصنع فارقًا والطائر العجيب سليط اللسان الذي أحضره منذر يشيع جوًا من الفوضى في البيت الذي لطالما كان هادئًا .. " أنا يسميني فزو؟؟"

وجود ربى في المنزل حتى ولو كانت مريضة أعاد للمنزل روحه .. وبالصبر وبالحب سوف تتعافى بإذن الله..- تفضلي لغرفتك..

وأغلقت عليها الباب وعادت لغرفة منذر لتتأكد من أنه لا يريد شيئًا فطرقت الباب ودخلت من فورها .. وتخشبت عند الباب .. منذر لم يكن يشعر بها ولن يفعل .. كان يبلل مناشف صغيرة بماء له رائحة عطرية مميزة " ماذا وضع فيه ؟؟" ويمسح وجهها برقة شديدة ثم يلتقط كفها ويمسحه بنفس الرقة ومن ثم كفها الآخر ويهبط حتى قدميها ليكرر نفس ما فعله في كفيها ..

وأغرقت عيناها بالدموع وانسحبت في صمت .. هو ليس بحاجة إليها هو بحاجة ليختلي بنفسه معها ليبثها حبه.. وفي كل لحظة تتأكد من صواب قرارها وإقناعها لغندور بمشاركتها في فعلتها التي كانت الأصوب على الإطلاق ..

                                              **

كانت حقًا تشعر بالعار .. لا وجه لها لترفع رأسها وتنظر في وجه زوجها .. تصرفات ولديها فاقت كل التوقعات وسببت لهم العار والطرد والنبذ .. بسببهما اضطر زوجها لبيع منزله وأرضه بثمن بخبث واضطروا للسكن في بيت بالإيجار بعد أن كانوا يعيشيون في ملكهم ومع ارتفاع الإيجارات اضطروا بالطبع لتأجير شقة سكنية متواضعة من ثلاث غرف وصالة ومع هذا كان إيجارها يتعدى الألفين جنية وبعد أن كانوا يأكلون من خير الأرض والمنزل أصبحوا  يضطرون لشراء اللحوم وحتى الخبز .. وأصبح يعتمد على رأس ماله في مصاريفه اليومية فبدأ يتناقص بصورة مخيفة ..  

ووضعت الطعام على المائدة باستحياء شديد مصدره خلفة العار التي ابتليت بها وهتف حمدون بغضب عاتي وهو يصرخ ليسمعاه ..- خسارة فيهما الطعام .. أكل ومرعى وقلة صنعة .. بغلان لا خير يأتي من ورائهما .. اطلبي من ابنك البغل البحث عن عمل بدلًا من جلوسه في غرفته طوال اليوم كالنسوان .. نحن ننفق من ثمن الأرض والمنزل.. ننفق يا امرأة من رأس المال .. ليتهما يموتان لأرتاح منهما ..

وارتفعت حدة غضب شاكر لتصل لأعلى مستوى .. ما يحدث يفوق تحمله والسبب شخص واحد " برلنتي " لذلك لم يعد يستطيع الاحتمال وجذبها من شعرها بعنف وانهال عليها بالركلات والصفعات واللكمات وحتى صراخها المنهار لم يجعل والداها يتدخلان حتى انتهى شاكر تمامًا من فش غله ومن تغيير خارطة وجهها..

                                                    **

" تهذيب النفس أول الطرق للفلاح .. "

دروس الحياة لا تنتهي ولا تكون مجانية أبدًا .. الثمن المدفوع فيها يفوق التخيل وخاصة حينما تكون النتيجة خسارة من نحب أو القرب من هذا ..

والدرس الأكثر حرصًا على إتقانه الآن هو " الصبر" عدم صبره وتسرعه جعلاه يتسبب في الكثير من الدمار لذلك صبره لأيام وهو يعتني بربى ويعلم چوچو الكلام لم يكن شيئًا لن يكن له مردودًا وقريبًا ..

هناك شيء اختلف في المنزل على مدار الأيام القليلة الماضية .. ربما ربى لم تتحسن حالتها لكنها لم تسوء أيضًا .. لم تتخلى عن الأنبوب لكنها لم ترفضه .. لم تعود لحيويتها السابقة لكنها لم تغمض عينيها مجددًا وتقررعدم فتحهما مجددًا بل كانت تنام قريرة العين وهي تعلم أنها في فراشه وتعود للاستيقاظ .. لم تتفاعل مع لمسته لكنها أيضًا لم ترفضها بل يكاد يجزم أنها تستجيب بارتفاع نبضها الذي يتحسسه عبر جلد معصمها الرقيق كلما لمسها ..

حتى چوچو بدأ يألفه ولم يعد يخاف منه .. من البداية وهو تعلق بعاصم كثيرًا والتصق بها أينما ذهب هو ومهند وجلس ينظر لربى بالساعات من قفصه بلا ملل وكأنه يشفق عليها أو يحاول فهم حالتها ولماذا لا تتفاعل معه وأيضًا عاند فوزية وسبب لها الكثير من الفوضى في المنزل لكنه كان يقف على إصبعها بأريحية وكان يهابه هو فقط ويرفض التعامل معه لكن مع الوقت ألفه هو الآخر حتى أنه توقف عن نقر رأسه بمنقاره كلما حمله ..

تعليمات رفيق كانت واضحة .. يجب تمشيته كثيرًا حتى لا يمل ويجب تعريضه للشمس يوميًا ..

وكان اليوم دور فوزية لتمشيته فاصطحبته وذهبت للأرض حيث كان يعمل غندور بهمة .. وعلق غندور بسخرية ..- " اللي جابلك يخليلك " ..

واغتاظت فوزية من غندور .. هل يلقح عليها الكلام لأنها لم تنجب الأطفال للآن ؟

وشعرت بغصة في حلقها .. وحاولت تغيير مجرى الكلام قالت بغضب ..- اعمل بذمة يا غندور أنت لا تعمل كما ينبغي .. هناك بعض الحشائش وسط المحصول .. راعي أكل عيشك ..

وانسحبت تكتم دموعها ..

هذا ليس طبعها على الإطلاق .. فوزية مرحة .. لسانها متبري منها حقًا لكنها طيبة القلب ولا تجرح الناس لمجرد الجرح أو التقليل منهم .. لماذا غضبت ولماذا تكلمه بقسوة هكذا ؟؟

وانتبه !! ربما فهمت سخريته من الطائر بصورة خاطئة ..  فلحقها ليحاول تطيب خاطرها ..

- فوزية فوزية انتظري ..

لكنها لم تتوقف وواصلت الهرولة فلحقها ووضع قفص چوچو أرضًا وهو يجعلها تستدير لتواجهه ..- أقسم بالله لم أكن أقصد شيئًا ..

وفجأة هتف چوچو..- " اشتغل بذمة " ..

ورغمًا عنها ضحكت فوزية فشعر غندور بالغيظ وقال ل چوچو..- اصمت و كل زفت  ..

فرد چوچو عليه ..- كل زفت ..

                                                     **

وفتح النافذة لتدخل أشعة الشمس للغرفة لتملائها وتبعث فيها الدفء‘‘ وحمل ربى برفق شديد واحتواها بين ذراعيه ليجلسا سويًا على المقعد بجوار النافذة وهي تستكين كالطفل الرضيع بين ذراعيه..

وأخذ يملس على شعرها بحنان ويهمس في أذنيها بكلمات رقيقة من الحب .. " حبيبتي سامحيني .. أحبك بمقدار كل نفس يخرج من صدري وأحبك بمقدار أشعة الشمس التي تملأ الكون " ..

وضمها بقوة حتى امتزجت كل خلاياها بخلاياه .. أخيرًا حبيبتي في حضني وفي غرفتي .. " أنتِ زوجتي ربى .. زوجتي " .. ومس وجنتها برقة شديدة وعاد ليملس على شعرها الحريري وامتزجت أشعة الشمس بأشعة شعرها والذي لم يفقد جماله على الرغم من خسارة نصفه من آثار العملية الجراحية التي خضعت لها وقال بهمس ناعم..

 " لم تفقدي جمالكِ يا حبيبتي ولن تفقديه .. مازلتِ أجمل امرأة على وجه الأرض ".. جمالكِ سحرني منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها ولا يتوقف عن ابهاري حتى هذه اللحظة .. ربى أنا أحبكِ حقًا .. أحب وجهكِ وروحكِ وجمالكِ .. أحبكِ كما يحب الرجل امرأته ويرغبها بكل قوته .. أحبكِ في كل حالاتكِ ..

كان يريد تقبيلها لكنه تماسك .. لن ينكث بوعده للشيخ أبدًا .. الاحتواء الحار الذي يفعله الآن وأخذها بشوق بين ذراعيه لبث الحب والأمان فقط ولن يتخطى ذلك أبدًا .. جميلته مغرية حتى في مرضها وتثيره لكنه سيكون ندًا لوعده وقسمه الغالي على أغلى كتاب على وجه الأرض ..  

كان يريد البقاء هكذا للأبد لكن چوچو بدأ في افتعال ضوضاء شديدة .. أه منك هل تشعر بالغيرة؟؟ أم بالخوف عليها لأنها غيرت مكانها المعتاد ؟؟

 ونهض منذر على مضض وأعاد ربى لفراشها بحنان بالغ ثم هدد چوچو.. - اصمت وإلا أخرجتك من الغرفة..

 ولصدمته قال چوچو على الفور.. - كل زفت..

اللعنة .. ماذا يقول هذا الطائر من علمه هذه الجملة؟؟ مستحيل أن يكون عاصم أو مهند بالتأكيد هي فوزية ..

ومد يده بغضب ليمسكه عبر القفص وفر چوچو للركن وكأنه يعلم أن منذر سوف يعاقبه وهدده منذر بصرامة..- لو كررتها مجددًا سأنتف ريشك ريشة ريشة .. والآن كرر كثيرًا " منذر بيحبك وإلا ستكون غدائنا اليوم "..

                                          **

وصرخ منذر بغضب .. - فوزية!! من علمه قول تلك الجملة ؟؟

وأحنت فوزية رأسها بخجل لتقول.. - غندور ..

- فوزية أختي الصغيرة .. هذا الطائر هنا فقط من أجل إسعاد ربى .. ماذا ستفعل حينما تسمعه يسب الناس ؟؟

- ستضحك حينما يكررها چوچو لمن يستحق .. ربى من ألطف الكائنات الحية ومتفهمة لأقصى درجة ولم تغضب في حياتها سوى منك لأنك كنت تستحق .. وأنت إن أردت الصياح على غندور فافعل ما شأني أنا .. هو من علمه تلك الجملة ..

معها حق .. ماذنبها هي إذا كان غندور من علمه وإذا كان هو يستحق أن يسبه چوچو؟

لكنه كان يخشى أن تغضب منه ربى حينما تعصب رغمًا عنه على الطائر سليط اللسان .. يجب عليه ضبط أعصابه أكثر وبذل مجهود أكبر من أجل تحقيق ذلك ..

وعاد لغرفتهما ليحاول إصلاح ما فعله بغبائه وعصبيته ولكن فور دخوله صرخ چوچو..- منذر بيحبك.. منذر بيحبك ..

                                                **

اللعين يسبقه دائمًا بخطوة ..

الآن حتى الحجة التي كان سيتند إليها في المحكمة أسقطها .. عقد الزواج يدحض عقد  البيع شرعيًا .. فعقده كان سيستند إليه لا لإضفاء شرعية دائمة لاغتصابه لها لكن ليهرب من العقاب بحجة شرعية زائفة ..

ورفع هاتفه بغضب ليقول لزكريا بلهجة آمرة ..- نفذ اليوم ..

ستكون أرملة أولًا ثم سيقرر ماذا سيفعل لاحقًا .. لا يعلم لماذا يريدها هي بالخصوص لدرجة تفقده عقله ؟؟

لقد علم من مصادره في المستشفى أنها تحسنت ورحلت للمنزل .. لن يتركه يتهنى بجمالها الفتاك بمفرده .. ستكون له هو..

- أنا أضعه تحت المراقبة .. منذ عودتهم من المستشفى لم يغادر المنزل أبدًا .. لكنه سيفعل إن آجلًا أو عاجلًا وسأكون له بالمرصاد .. لكن هذه المرة سأضطر للعمل على المكشوف .. الأجر سيكون مضاعفًا ..

- لا تقلق على أجرك.. لقد استفزني هذا الرجل لدرجة أني على استعداد لأي مبلغ تطلبه شريطة أن تخلصني منه وعاجلًا وليس آجلًا ..

- اتفقنا إذًا .. قريبا سأبث إليك البشارة ..

                                         **

أفلح تهديده  للطائر الجبان ..

كان يكتم ضحكاته بصعوبة بالغة فمنذ أن هدد چوچو وهو يهتف فور رؤيته ..

 " منذر بيحبك " وكأنه يعلم أنها كلمة السر التي تمتص غضبه .. وفتح باب الغرفة بهدوء .. كان عاصم يستلقي بأريحية بجوار ربى ولجوارهما إيجي سباركي يلعق قدميها بحب و چوچو يحلق ذهابًا إيابًا فوقهما وفور رؤيته توقف عن التحليق وهتف..  " منذر بيحبك "..

وضحك ضحكة لم يضحك مثلها منذ زمن ..  ومس منظرهم العاطفي شغاف قلبه ..

من الجيد أن تحاط بمن يحبك من قلبه .. بمن يهمهم أمرك حقًا من القلب وللقلب حديث يصل بدون أي معاناة..

وحشر نفسه في الفراش لجوار عاصم واحتواهما بذراعيه .. ربى وعاصم شروة واحدة .. هو مزارع ويعلم معنى الكلمة جيدًا ..

وقال بحب ..- هل تسمح لي بمشاركتك لها ؟؟

وقال عاصم بفرح ..- بالتأكيد لكن بشرط .. احكي لي حكاية ..

وشهق منذر بصدمة ..- ماذا ؟؟

- حدوتة ألا تعرف كيف ؟؟

حتى ولو كان سابقًا لا يعلم كيف عليه الآن أن يعلم ..

وصمت قليلًا ثم بدأ في الحكاية .." كان يا مكان كان يوجد فتاة جميلة رقيقة تنشر الفرح أينما حلت ولها شقيق صغير رائع يتعلق بذيلها كجرو صغير .. شاءت الظروف أن يضعهما القدر في طريق شاب غبي لم يكن يعلم أنه بسبب الحب الذي لم يكن يعلم أنه حب سيتسبب في إحزان فتاته الجميلة .. أحيانًا عدم رغبتنا في الاعتراف بالمسميات الجديدة التي تغزو حياتنا يكون بسبب عجزنا عن فهمها  فنتسبب بالكثير من الضرر دون قصد .."

وسأله عاصم ..- ماذا فعل هذا الشاب ليحزن فتاته هكذا ؟؟

- ما فعله كان لا يغتفر ولن أستطيع سرده لك لكنه صمم على الإصلاح حتى ولو استغرقه ذلك عمره كله .. لكنه تعلم درسًا كل شيء قابل للإصلاح طالما هناك نفس يتردد في صدورنا وطالما هناك رغبة صادقة في الإصلاح  ..

- وهل مازالت فتاته حزينة ؟؟

ونظر إليها منذر بألم ..- نعم مازالت لكنه سيحاول بكل طاقته مسح الحزن عن وجهها .. عاصم ثق بي .. ربى ستكون بخير لأنها محاطة بكل من يحبها ..

هل يقول ؟؟ كان يشعر بتردد بالغ وكأنها أسرته سرًا ..

وحسم أمره أخيرًا وقال بهمس وكأنه يخشى أن تسمعه ربى..- اليوم قبضت على كفي..

- ماذا ؟؟

وصرخ منذر بأعلى صوته حتى أن أيجي سباركي اختفى تحت الفراش من فزعه وچوچو صرخ بنفس حدة صوته قائلًا " ماذا "..

وضمهما منذر بقوة أكبر .. هل ما يقوله عاصم صحيحًا أم يتوهم هذا ؟؟ لكن عاصم أكبر من عمره ويهمس له وكأنه لا يريد منها أن تعلم أنه أخبره ..

وفجأة دخلت فوزية الغرفة بدون استأذان ووجهها ممقتع بشدة وأشارت إليه ليلحقها خارجًا وعلم أن خطبًا ما حدث وفور خروجه هتفت برعب ..- غندور يقول  يوجد حريق في غيط الأرز..

اللعنة .. سيضطر لترك ربى .. لكنها الأرض والعرض .. من يفرط في أرضه يفرط في عرضه..

عنايته بالأرض كعنايته بها تمامًا.. الأرض مصدر رزق الكثيرين ومصدر سعادتهم ثم أنها تعتبر كائن حي يشعر ويتألم .. لأجلها عليه الخروج وتركها .. وعاد لعاصم ونظر إليه بتشجيع وهمس في أذنه .. - واصل ما تفعله وستقبض على كفك مجددًا بل وربما ستحتويك بين ذراعيها الحنونتين ..

وفتح الباب ليخرج لكن چوچو سبقه للخروج من الباب فهتف بسخط ..- چوچو عد فورًا .. لكنه لم يستجب ..

لا وقت لديه للحاق بچوچو لذلك تركه وهو يدعو ألا يغادر المنزل..

وركض للغيط وقلبه يخفق بعنف.. المصائب لا تأتي فرادى.. والحريق لو امتد لكل الأرض ستكون كارثة محققة وربما يمتد لأراضي الجيران.. سترك يا كريم..

وتعاون الجميع في ملحمة رائعة لاحتواء الحريق.. حتى فوزية كانت تحضر دلو الماء وتناول الرجال.. وكان والده من أوائل الحضور وعمل بهمة لا تتناسب مع سنوات عمره ومهند كان يسابق الريح لإحضار الماء من الترعة مع فوزية وفي دقائق قليلة تجمعت كل البلدة وقام بعض الرجال بالحفر حول منطقة الحريق لمنع امتداد اللهب وابتهلت السيدات لله ليسقط المطر هذا العام باكرًا فالسماء كانت غائمة والرياح تشتد فتحمل الشرر للأراضي المجاورة.. واستجابت السماء وسقطت الأمطار في معجزة خلعت القلوب.. كن مع الله يكن معك واحفظ الله تجده تجاهك..

" وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك"

وأخيرًا تم احتواء الحريق ووقف الجميع تحت الأمطار مبهوتين مهللين مكبرين..

وغسلتهم الأمطار من القلق ومن الخوف ومن الذعر.. وانصرف الجميع ولسانهم لا ينفك ينطق " الحمد لله " وهوى منذر على ركبتيه.. الحمد لله صحيح كانت الخسائر كبيرة لكنها ستعوض فالأمطار وأدت الحريق قبل أن ينتشر ولم تتضرر الأرض نفسها ولم يتضرر الجيران.. فقط خسر معظم محصول الأرز لكن الحمد لله حقًا.. لحسن حظه لم يزرع كثير من الأراضي بالأرز هذا العام توفيرًا للماء.. خسارته ستكون محدودة طالما لم يخسر بشر وطالما ربى ستكون بخير.. " اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها "..

كانت دعواته ترتفع إلى السماء مباشرة دون أي حجاب.. كان راضيًا بقضاء الله ويفوض أمره إلى الله عن حق وينتظر عوضه.. وهم بالوقوف لكنه لمح شخصًا غريبًا عن القرية يقف على بعد ويحمل بندقية ويصوب عليه السلاح..

                                              **

•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية

تعليقات