رواية عطر الخيانة الفصل العاشر 10 - بقلم داليا الكومي

 رواية عطر الخيانة الفصل العاشر 10 - بقلم داليا الكومي


حد الخطر

حرفيًا لا أحد نام في فراشه تلك الليلة ومع أول خيوط الفجر دب النشاط مجددًا في العقول التي كانت أرهقت من التفكير ..

الضوء الأول في اليوم هو ملهم رائع للبشرية وسعيد الحظ من يلهمه الضوء الصواب ..

 - سيد حسام انتظر أنت لا تستطيع القيادة بعد ثم لماذا لم تطلب مني نقل حقيبتك ..؟؟

- صباح الخير يا عطية ... أنا اريد استعادة حياتي ولو اعتقدت أني مريض سأظل مريضًا ..

- ولو سيدي .. أنا سأقلك بسيارتك ..

 - وكيف ستعود عطية ..؟؟

- لا تشغل بالك سيد حسام سأجد أي موظف عائد للمزرعة واعود معه أو مع سيارة نقل المزروعات ..

الحياة غريبة .. عادلة جدًا لدرجة تبعث على الحيرة ..

تعاقبك بقسوة علي كل أفعالك وربما على أفعال لم ترتكبها وفي المقابل تمنحك التعويض ..

لم يكن ذنبه أنه كان يتيمًا لا عائلة له.. لذلك لم يحاسبه أحدهم على هذا الذنب بل وضع القدر خالد في طريقه ليعوضه ويكون بمثابة شقيق له ..

والداه توفيا فى حادث سيارة فانتقل للاقامة مع عمه الذي قرر بعد مضي عام واحد على وفاة والديه أنه اصبح رجل ولا يجوز تركه في المنزل مع زوجته وبناته فطرده في الشارع وهو في الثانوية العامة ولولا دعم خالد صديقه له لكان انهار ..

خالد وفر له المأوى وعمل في شركة والده حتى تخرج من كلية التجارة وبدأ يشق طريقه حتى أصبح رجل أعمال له اسمه ..

لكن حاسبه القدر بكل قسوة على خيانته لسلمى .. وعقابه الأعظم تمثل في حرمانه من عائلة ..

لطالما تمنى عائلة تعوض اليتم والوحدة ..

كان يريد انجاب عشرات الابناء وفي النهاية شارف على الاربعين ولم يتزوج بعد بسبب غلطة ..

سيكمل الثامنة والثلاثين بعد ثلاثة أشهر لتمر ستة سنوات كاملة على سقطته..

وغمغم بسخرية " عيد ميلاد جرحي أنا " ..

- شكرًا عطية على التوصيلة .. اصعد معي حتى ترتب توصيلة تعيدك للمزرعة ..

- لا سيد حسام سأقابل سائق الشاحنة بعد ساعة لنعود سويًا ..

هل اجرى عطية الاتصالات  وقام أيضًا بترتيبات مع السائق الذي سيعيده وهو لم يسمع  كل هذا من شدة انهماكه في التفكير ..؟؟!!

لم يعد كسابق عهده مطلقًا ..

ولوح لعطية باشارة تحمل الكثير من الشكر والتقدير وترك له مبلغًا محترمًا وصعد لشقته ..

مغلقة كئيبة بها رائحة العفن على الرغم من فخامتها .. العفن لم يكن عفنًا حقيقيًا ملموسًا بل كان في أنفه هو فقط ..

كان عفنًا داخليًا متأصلًا بداخل مفاصله ..

وفتح كل النوافذ ليدخل هواءً جديدًا .. هواءً يغسل الماضي .. يغسل صدره أولًا ..

يارب .. لقد تبت وأنت تعلم ..

لو كان يستطيع طرق باب منزلها في السابعة صباحًا لكان فعلها لكن سيصبر حتى الخامسة عصرًا ..

هي ما مازالت في عدتها وفتاة بأخلاقها لن تمنحه أي موافقة ولو شفهية حتى تنهي العدة تمامًا لكنه سيشعر بالتغيير في موقفها إن فعلت ..

سيقضي الشهرين القادمين حتى تتم العدة في محاولة طلب العفو والسماحة منها ولو فشل فشالية الفيوم سيكون وقتها هو الملجأ الأخير ..

                              **

وعلي الرغم من استنكاره لكل ما يحدث لكنه اهتم باعداد الفطور لسيده فحتى ولو صدم بالأمس لكن مواقف الطبيب معه لا تنسى وفي النهاية هو يؤدي عمله ويخدمه بغض النظر عن رأيه فيما فعل ..

صحيح لم تهبط لقمة واحدة في جوف أحدهم ورفع الفطور كما هووهو لم يمس لكن في النهاية الأصول أصول ..

بعدما جعل فاروق يتخلص من الأريكة لخارج الشقة جلس متصلبًا على مقعده ولم يجرؤ على الحركة .. ربما ليجعل أشقاء آريام يطمئنون إلى أنه لا ينتوي الغدر أو سحب كلامه .. حضور المأذون ضرورة حتمية له ولها ولأشقائها وللجميع .. حضوره هام للانسانية جمعاء ,,

في الواقع لقد جعل من نفسه حشرة لذلك لن يلوم سوى نفسه حينما يجلس منكس الرأس ولا يجروء في رفع عينه في عيني رجال حقيقين ..

حقًا ستكون قاتلة أن يُفعل في شقيقته ما فعله هو بفتاة ولا تفرق في الواقع إذا ما كانت تلك الفتاة بريئة أم عاهرة ويستحق القتل كعقاب عادل له لا فقط الاحتقار ..

لحظة غضب وتهور قضت على كل مستقبله ..

فقط بالأمس كانت الصحف تكتب عن تحركاته ويضرب له تعظيم سلام واليوم ثلاثة من العمال البسطاء يحتقرونه ويرفضون وضع يديهم في يديه أو حتى النظر لوجهه ..

كان يتخيل ردة فعلهم لو كان ذهب لمنزلهم بطريق رسمي ليطلب يد شقيقتهم .. ربما وقتها كانوا سيموتون من الفرح .. سيموتون فعليًا من شدة المفاجأة والسعادة والآن سيموتون من شدة الغضب ومن شدة الاحتقار والقرف ..

واخيرًا مر الوقت ..

وحينما ارتفعت الشمس واضحة في كبد السماء حان وقت المواصلة ..

وتجرأ أخيرًا وضغط علي نفسه ليدخل ويري ضحيته .. كان قد ادخل لها الفطور منذ بضعة ساعات ورفضت الأكل ..

اليوم بها قوة قليلة عن الأمس وبكل قوته لن يستطيع مقابلتها بمفرده ..

لن يستطيع رفع عينيه في عينيها على الرغم من أخلاقها التى يعلمها جيدًا ..

والموضوع الذي يريد التأكد منه هو اذا ما كانت تنزف أو شيء من اثر الاغتصاب ..

من المميت أنه كان يتمنى عذراء وحينما امتلكها لم يكن يعرف وعاملها بخشونة لا تتناسب مع وضعها وحتى لم يستمتع بنشوة اللحظة التي انتظرها كثيرًا وتمناها ..

واخيرًا تمكن من الدخول بعد محاولات عدة من تشجيع نفسه..

كانت شاحبة كالموتى .. وابتل شعرها بدموعها .. لأول مرة يرى شعرها بالكامل .. اسود حريري لكنه تلبك على هيئة تموجات بسبب ما حدث لها ..

وكانت على الرغم من شحوبها تعابيرها ملغمة بالألم وبالكراهية ..

تجربة الاقتراب من الموت صدمتها بالتأكيد ربما أكثر من تجربة الاغتصاب نفسها ..

وفتح خزانة الملابس بتوتر ووجه كلامه لأم قاسم:

- أم قاسم .. اختاري للسيدة آريام شيء مناسب من ملابس هيلين يصلح للزفاف ..

كان يضغط على ثلاث كلمات عن عمد لتفهم أم قاسم قصده ..

علي  " السيدة آريام " ليجعلها تحترمها كزوجة له على الرغم من أي شيء و على  " فستان مناسب " أي غير مكشوف ففساتين هيلين أحيانًا تكون مكشوفة قليلًا والثالثة " يصلح للزفاف "  يعنى أبيض اللون ليغطى على تلون جسدها بالحمار ..

وليرحم أم قاسم من حيرتها توجه هو للخزانة ووجد ضالته على الفور ..

فستان أبيض اللون ناعم التصميم بأكمام طويلة من مجموعة الملابس التي كانت تعدهم هيلين لزيارات مصر ولم يرها ترتديه من قبل وجذبه من على شماعته ووضعه على الفراش ..

لكن قبل ارتداؤه آريام تحتاج لحمام .. بالأمس بالطبع لم تستطع نظرًا لحالتها الصحية لكن اليوم ينبغي عليها فعل ذلك ..

- ساعديها على الاستحمام يا أم قاسم ..

وقادتها أم قاسم بعنف يعبر عن احتقارها لها .. وآريام كانت تتطوح ولا تتحمل مثل هذه المعاملة القاسية ..

- حسنًا أم قاسم انتظري في الخارج ..

هتف بصرامة ..

تلك السيدة قاسية القلب ولا تتقبل وجود اريام وتتحملها فقط لأنها مجبرة وتعاملها بقسوة لذلك يجب عليه هو التصرف ..

فاروق وأم قاسم بحاجة لدفعة منه .. صمتهما الحالي امتنانًا منهما لما فعله لهما سابقًا لكنه لا يكفي هو لا يريد أن يرى نظرات الاحتقار ,, يريد استعادة احترامهما له ولو بالرشوة .. لاحًقا أم قاسم سأرى ما يمكنني فعله في هذا الأمر لكن حاليًا تلك المسكينة هي الأهم .. هي لن تتحمل قسوتكِ ..

وبانفراده بها كان يضع نفسه في مواجهتها في موقف قمة في الاهانة لكن عليه فعل ذلك الزلزال الذي تسبب به له توابعه وسيتحملها لا مناص ..

وفور خروج أم قاسم اقترب ومد يده محاولًا سندها وهو يقول بتوتر.. - سأساعدكِ على الاستحمام ..

والمفاجأة الغير متوقعة التي هزت كيانه تمثلت في بصقة كبيرة جمعت آريام فيها كل قوتها واطلقتها لتستقر علي وجهه ..

واغمض عينيه بألم وهو يسمعها:

- لا اريد مساعدة من خنزير .. اخرج فورًا لا اريد رؤيتك أو الحديث معك وفقط سأتم الزواج لأني استحق خنزير مثلك وعلى الجهة الأخرى عائلتي لا تستحق الفضيحة ..

وبالمناسبة اليوم هو اليوم الوحيد الذى فعلًا احتاج فيه لفرك مناطقي الحساسة لأتخلص من رائحتك النتنة التي تملأ كل جسدي ..                           

                                        **

  اليوم المشهود ..

لم يكن يومًا عاديًا كان يومًا مختلفًا ..

يوم سيكون عليها فيه تعلم التمثيل لتصبح كبطلة من احدى رواياته الرومانسية التي يكتبها لغيرها..

عليها أن تمثل السعادة والاستقرار .. عليها كتم كل مشاعرها والتعامل معه وكأن شيئًا لم يكن ..

عليها لمسه والاقتراب منه حد الخطر ..

وكل هذا لأجل نور ..

مع شروق الشمس وحينما ارادت التراجع وجدت نور يبكي بألم على غير عادته وحينما ضمته لصدرها خفف من حدة بكائه لكنه لم يتوقف ورفض الرضاعة واثناء ضمها له وجدت حرارته مرتفعة قليلًا فانخلع قلبها وتأكدت..

تأكدت أن لا حياة لها بعيدًا عن هذا الطفل .. روحها أصبحت مرتبطة بها وكأنها انجبته فعلًا ..

وحينما كشف عليه الطبيب واخبرها عن اصابته بالتهاب ما كادت تموت حسرة وتخشبت يداها وهى تقوم بعمل الكمادات له حتى انخفضت درجة حرارته وعاد يبتسم وطلب الرضاعة فاطمئنت..

آه يا نور .. لو تعلم ماذا تفعل بي ..؟؟

ومرضه جعلها تحسم أمرها .. الحقيقة الغير قابلة للجدال أنها ستفعل أي شيء لتحتفظ بنور حتى لو عادت لياسين ..

والحقيقة الأخرى أن نور ليس كأي طفل ولا يوجد من يسد مكانه فحينما حاولت المقاومة وأوهمت نفسها بأنها ستستطيع المعيشة بدونه وأن أي طفل من أي ميتيم سيعوضها عن نور كادت تموت لوعة ..

لا,, هى لا تريد أي طفل غيره .. هي تريده هو بالذات وهل لو عرض على أي أم استبدال طفلها بطفل آخر ستوافق ..؟؟!!

وكان القرار  ..

أنه نفس الحي الذي عاشت فيه عمرها كله لكن يبدو الآن مرعبًا وهي تتقدم خطوة بخطوة حتى أصبحت بداخل منزل ياسين .. فيلته كانت ملحقة بمنزل والدته الكبيرالذي فقط يفصله سور عن منزل عائلتها ..

منزل كانت تعتقد أنه بنى بالحب لكن للأسف اثبت أنه كان حبًا زائفًا من طرفه على الأقل .. حب كانت تظنه خالدًا واثبت هو في لمح البصر أنه لم يكن حتى عشرة .. كان لا شيء على الاطلاق.. ربما لو فقط تزوج لأجل الخلفة وتمسك بها لكانت تفهمت وضعه لكنه باع بالرخيص .. جملة بسيطة أنهى بها حب العمر كله " ورقة طلاقكِ ستصلكِ في أقرب وقت "..

جملة قاتلة مميتة واليوم لأجل نور تعود لوضع رقبتها تحت حذائه ..

في أي لحظة قد تعود إليه ذاكرته ويعود ليقول نفس الجملة مجددًا لذلك عليها تحصين نفسها جيدًا.. عليها وضع ألف درع ودرع على قلبها كي لا يخونها ويضعف فينسى فيجرح من جديد  ..

عليها أن تجيد التمثيل لدرجة تخدعها هي شخصيًا .. تجيد تمثيل شخصية لا تمثلها لكنها ستكون الغطاء الرسمي الذي سيحميها من جرح جديد سيكون هذه المرة قاتلًا.. عليها فقط تمثيل أنها هنا لأجل نور وهي  تساعده على النوم في الفراش بعدما أوصله رجال الاسعاف لغرفته ..

وهى تسمح له بأن يستند عليها وتسمع صوت تنشقه لعطرها الخفيف بشغف واضح ..

وتشعر بها يدفن رأسه في صدرها ولا تقوى على نبذه وتواصل التمثيل الجيد بأنها تتحمل وهي على وشك الاغماء ..

- لا ..

دفعته بقوة وابتعدت كالتى لسعتها عقربة .. ياسين سيتمادى ..

احسدك ياسين على النسيان فهو نعمة حرمت أنا منها .. ليتها هي من فقدت الذاكرة لا هو واغمضت عينيها بألم وهو يقول بنبرة كلها حب:

- احبكِ شيماء .. احبكِ لدرجة أني لا اهتم لفقدان نظري طالما ستكونين أنتِ عيناي ولا اهتم لعرجي طالما سأستند عليكِ ..

لا ياسين أنت مخطىء .. في الواقع أنت توقفت عن حبي منذ ما يقرب من العام .. للأسف يا ياسين لست أنا من تعني .. من تعنيها توفت بعدما حققت لك حلم حياتك ..

وكادت تصرخ وتصرح بتلك الكلمات لولا دخول مفاجىء لحماتها وهي تحمل نور ووضعته في حجر والده وطلبت منه احكام ذراعيه حوله كي لا يسقط أرضًا:

- غرفة نور تحتاج للاعداد لذلك سأبقى هنا لمساعدة شيماء على ادارة الأمور بوضعها الجديد ..

- ماذا تقولين يا أمي ..؟؟ هل تطلبين اذنًا للبقاء في بيتكِ ..؟؟

- الأصول أصول يا ولدي .. هذا منزل شيماء ..

ونظرت لشيماء نظرة مفادها " لا تخافي سأبقى لحمايتكِ كما وعدتكِ"

- وأيضًا على شيماء البقاء في غرفة الضيوف الأخرى حتى يتحسن وضعك,, هكذا أمر الطبيب..

واطرق رأسه باستسلام ولم ينبس ببنت شفة .. وحينما تأكدت من أن الامور هدأت حملت نور مجددًا واشارت لشيماء:

- نور يحتاج للرضاعة .. تعالي شيماء واتركي ياسين يرتاح قليلًا ..

وتنفست الصعداء .. مرت المرحلة الأولى من خطتها بنجاح لكن على ياسين أن ينصاع لتهديدها.. كانت أمرته بعدم خداع شيماء لدرجة استعادة حياتهما الزوجية كاملة .. كان هذا شرطها الوحيد للمضي قدمًا في خطته .. اجبارها للعودة للمنزل شيء وعودتها لفراشه شيئًا اخرًا لا يجب أن يتم إلا بموافقتها الكاملة وبدون أي خداع لذلك ستبقى هنا لتحرص على عدم حدوث ذلك فهى أصبحت لا تعرف ياسين ولا ما قد يفعله  ..

                                           **

- فاروق,, لا تحاول فهم الأمر بطريقتك,, فقط احكم علي ككل لا بناء على موقف..  هناك  أشياء أنت تجهلها ..

- من أنا لأحاكمك يا دكتور,, ولن انسى ابدًا ما تفعله لأحمد ابنى .. أنه سعيدًا جدًا بالمقعد المتحرك الذي ارسلته له من المانيا ومع المركز المتخصص الذي تدفع مصاريفه له بدأ في الجلوس بمفرده,, قدره كان أن يصاب بشلل دماغي مع الولادة لكن عرضك على الاقامة هنا في القاهرة والاعتناء ببنايتك سهل له الكثير لكن على الرغم من ذلك صدمتى فيك كبيرة.. أنت متزوج ولديك امرأة واخشى عليك من عقاب الله الذي يصل للرجم ..

 - مجددًا ارجوك ألا تعلق لي المشانق والله غفور رحيم ..  واحمد هذا نعمة ستدخل بها الجنة ولأجل اخلاصك سأتكفل بمصاريف دراسة قاسم في كلية طب خاصة اعتقد أنه في الثانوية الآن اليس كذلك؟؟ 

هز رأسه بالايجاب وتفادى أن يتطلع لعينيه .. هل يشتري الطبيب سكوته بالأموال؟؟

لكن الحق يقال الطبيب لم يكن يومًا سوى سند لكل النجع لا له هو فقط ومع أنه لا يحضر لمصر كثيرًا لكن كان يحاسب لكل المحتاجين وكان يستقبل الحالات الصعبة  في الخارج ويذلل لها العقبات ويسهر على راحة أهل نجعه حتى ولو كانوا من البسطاء أمثاله..

كان يستمع للحكايا التي تمجد من كرمه ومساعدته لأهل النجع الذين يسافرون للبلدة التي يقيم فيها خصيصًا لمقابلته وطلب مساعدته وكان يهرع لمساعدتهم على الرغم من أشغاله ..

- وسأعطيك فدانين بيع وشراء في الجهة الشرقية لتتقاعد فيهم وقتما تحب..

الطبيب يساومه ,, " اكمل دكتور قلها بصراحة الفدانين ومصاريف كلية قاسم الخاصة التي ستجعله طبيبًا بشرط أن تخرس " ..

وأكملها غسان لكن بصيغة أخرى..

-  ولكن كل ما اطلبه منك هو اعطائي فرصة لأصلح ما افسدته .. على كل حال احضر المأذون ولنا حديث آخر بعدما اقلل من هذه الفوضى ..

واغمض وزفر بتوتر ليجبر نفسه المتسارع على الهدوء .. المأذون سيجعل من آريام زوجة له .. سيتزوج فتاة التقطها من الشارع وهو الذي كان نادمًا على عدم زواجه من عذراء ..

كم كانوا حكماء اولئك القدامى  وصدق المثل الشعبي القائل" اللي بيشيل اربة مخرومة بتخر عليه "  وهو لم يحملها بل هو من خرقها من الأساس .. لفترة سيكون عليه تحمل انتساب آريام له لكن هذا سيكون أقل تعويض لها بعد جريمته ..

 (وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) ..

صدقت يا رب العالمين ..

والفترة القادمة ستحدد إما ان تضع آريام رأسه في الوحل تمامًا أو تتوب لرب العالمين ويتقبل الله توبتهما ويبدأن صفحة جديدة وتطوي هذه الصفحة بلا رجعة ..

ما سيأتي لاحقًا سيكتب فقط  بعدما يقرران أي الطريقين سيسلكان ..

طريق الندم أو العودة لطريق الهلاك ..؟؟

والخزي الذي يشعر به منعه من الاجابة على إياد وهو يتصل به عشرات المرات منذ ليلة الأمس.. لماذا لم يذهب إلى المدرسة ..؟؟

وتذكر أن اليوم هو يوم  الأحد ..

ما فعله بنفسه جعله لا يستطيع التركيز ولا التفكير لكن الشيء الوحيد الصحيح في كل الأمر أنه يحاول ..

بالتأكيد إياد اشتاق اليه ويريد الحديث  معه فلو كان الأمر جادًا لا سمح الله لكانت هيلين اتصلت أو والدتها لكن طالما الاتصال من جانب إياد فقط فلن يستطع الرد ..

لن اتجرأ واكلمك يا إياد حتى أعود محترمًا كما كنت ..

والحل السريع لاستعادة جزء من هذا الاحترام هو وجود المأذون .. بعد عقد القران سيكتب لآريام مبلغًا محترمًا من ستة أصفار وسيبقيها علي ذمته لفترة بعدما يعلن اشقائها الزواج في نطاق الحي وبعد عدة شهور سيطلقها بهدوء وسيتركها لتنعم بالأموال التي كانت تريدها..

ستخرج من هذه الصفقة رابحة لثروة لم تكن تحلم بها .. ثروة لن تعوضها الاهانة ولا الاغتصاب لكن على الأقل ستحميها من الانحراف مجددًا لطلب المال ..

لقد ضمن صمت فاروق وزوجته وبرد قليلًا من نار أشقاء آريام لكن فعلته ما زالت تدمر لأجلها بلاد وعليه مواجهة كل تلك الفوضى وبمفرده ..

                                     **

وعلى الرغم من بشاعة ما سيحدث إلا أنه ارتدى حلة سوداء أنيقة تليق بعريس ..

وقبض على السوار بقوة كادت تحطمه ثم اعاده لعلبته التي لم يكن تخلص منها ..

من عجائب القدر أن يشتريه لها كثمن لجسدها في الحرام واليوم يهديه لها كشبكة عرس وذلك اقل تعويض يفعله لها لرفع رأسها وسط أشقائها ..

كان لا يعلم أي الاعترافين سيقلل من حسرتهم .. الأول ظنهم الذي توصلوا له بمفردهم أنه توجد علاقة عاطفية بينهما وأن آريام سلمت له بسهولة لأجل ذلك والثاني سيكون الاعتراف الكامل الذي يتضمن اغتصابه لآريام وأنها لم تسلم له بارادتها بل اغتصبها بالقوة لكن في المقابل سيكون عليهم أن يعلموا مهنتها الأساسية ..

أي الحلين أسلم لعقولهم ..؟؟ في الواقع هو معترف بذنبه في كلتا الحالتين لذلك سيترك لآريام حرية الاعتراف وهذا هو الشيء المهذب الوحيد الذي سيقدمه لها ..

وأخيرًا خرجت آريام من الغرفة بعد وصول المأذون .. كانت مازالت تترنح بشدة ووجهها باهت لكنها تحولت لملاك في فستان هيلين الأبيض ..

ملاكًا مزيفًا يخدع الناظرين الذين لا يعلمون لكنه ملاكًا مكسور الأجنحة وهذه هي الحقيقة الوحيدة المؤكدة  ..

فارق الطول بين آريام وهيلين جعل الفستان يجرجر على الأرض وكأنه له ذيل وفارق تكوين الجسد جعله يظهر مفاتن آريام واضحة وخصوصًا في منطقة الصدر والأرداف لكن ما البديل..؟؟

وزينة وجهها الوحيدة كانت الدموع ..

وتعجب من رؤيته لها ترتدي طرحة بيضاء .. من أين تحصلت عليها؟؟

 بالتأكيد  ليست من ضمن أغراض هيلين ..

فستان أبيض وطرحة بيضاء جعلاها عروس حقيقية لكن عروس لابليس وأم فاروق خرجت من الغرفة خلفها وهى تقول بتأكيد:

- لقد احضرت للسيدة طرحة بيضاء من أغراضي لكني غسلتها أمامها وكويتها بالمكواة حتى جفت  ..

ونفس التفكير غزا عقليهما سويًا ..

" ماذا تقولين يا امرأة..؟؟ أنتِ انظف مني \ منها,, مئات المرات " ..

لكن لا تعليق تجاوز الجمجمة وخرج عبر اللسان ..

اطلالتها كلها كانت مستعارة من سيدتين استعارت ثيابهما لتغطي عريها الذي تسببت فيه لنفسها.. ستظل شحاذة تشحت الملابس لتغطي نفسها وهذه حقيقتها المقرفة ..

وسأل المأذون باهتمام:

- من وكيل العروس ..

وتبادل الأشقاء الثلاثة النظرات ..

لا أحد يريد هذا القرف لا الشرف ..

لقد انتزعت آريام منهم ذلك الحلم وسرق غسان منهم فرحتهم ..

غسان لص خبيث سرق شقيقتهم ولو الأمر بيدهم لكانوا تجرأوا وغسلوا عارهم بيديهم لا يضعوا يديهم في يده وكأن شيئًا لم يكن لكن القتل ليس بالسهولة التي يظنها البعض ولا يتجرأ كل البشر على فعله حتى ولو كان معهم كل الحق ..

وحينما أشار ثلاثة من الحضور لسامي على أنه الوكيل لما ينطق الرفض لكن لم  ينطق القبول ..

وتغاضى المأذون عن ردة فعله وعاد ليقول:

- بطاقتك يا سيد ..

من أصعب اللحظات على قلبه أن يمد يده في محفظته ليخرج بطاقته ليكون بها شاهدًا على زواج آريام بتلك الطريقة المشينة .. هو أيضًا يسلب والده حقه في تزويج ابنته الوحيدة والفخر بها لكن ما باليد حيلة ..

الوضع الذي وجد آريام عليه يجعل وزن الكرة الأرضية كلها فوق كتفيه ..

 - لحظة من فضلكم ..

وهوت القلوب في الأقدام ..

- هل سيتراجع غسان ..؟؟

لكنه سريعًا وليقطع الشك باليقين أخرج العلبة من جيبه وأعطاها لآريام وهو يقول:

- شبكتكِ يا عروسة ..

السوار الذي ذبحها .. وبعدما وجده غسان أمام عينيها وتأكد من أنها لم تسرقه يهديه لها  ببساطة هكذا ..

كانت على وشك لطم يده التي تحمل السوار حينما تعالت الطرقات على الباب فسحب غسان يده سريعًا ووضع السوار بجوارها وتابع فاروق بنظراته وهو يذهب لفتح الباب ليصدم بأن الطارق هو والده بشحمه ولحمه..

 " الحاج مبارك الهلالي " شخصيًا حضر في لحظة غير مناسبة على الاطلاق ..

                                       **

كان يرتعد من الخوف .. لم يشعر مطلقًا بمثل هذا الخوف في حياته ..

وحينما لم يجيبه والده شعر بالضياع والرعب ..

- أين أنت يا أبي ..؟؟

والدته لأول مرة في  حياتها تقضي الليلة بكاملها خارجًا وانتهى دوام   " ماجي " جليسة الاطفال في الحادية عشر ورحلت وتركته بمفرده في كل هذا المنزل الكبير.. والخادمة كعادتها تأخذ يوم ليلة الأحد عطلة وتكتفي والدته بطلب جليسة الأطفال اذا ما كانا سيتغيبان هي ووالده عن المنزل..

وأمام عينيه اتصلت ماجي بوالدته فلم تجب فاتصلت بجدته التي اجابتها على الفور واخبرتها أنها خارج المدينة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وأن هيلين ستعود في موعدها طالما لم تتصل وتخبرهما غير ذلك فلا داعي للقلق..

ورحلت ماجي بعدما طمئنتها أن والدته على وشك القدوم ..

وانتظر وانتظر وبكى حتى لم  يعد يستطع البكاء ..

كان يستمع لأصوات الرياح في الخارج فيرتعد  ويتوهم أنه يسمع أصوات خطوات بداخل المنزل فتدحرج لأسفل فراشه ليختبيء من اللصوص ومن الوحوش وتمنى لو أنه كان أكبر من السادسة كي يستطيع الدفاع عن نفسه..

لم يستطع فتح جهاز الكمبيوتر ليتصل بوالده أوبصديقه طلال ابن عمه مكالمة مرئية  فيطمئن بهما من شدة رعبة وعدم قدرته على البقاء في العلن عرضة للمقتحمين المحتملين لكنه بدلًا من ذلك تناول جهاز اللاسلكي التابع للهاتف الأرضي وأخذ في الاتصال بوالده ووالدته بالتبادل حتى نام من شدة انهاكه على البلاط تحت الفراش ..

وحينما استيقظ في الصباح كان متخشبا من شدة البرودة وخرج بحذر يتفحص المنزل وكانت والدته لم تعد بعد وما زالت لا تجيب على اتصالاته لا هي ولا والده وفجأة توقف كل شعر رأسه من الرعب حينما سمع الباب الخارجى يفتح وعاد للاختباء تحت فراشه لكنه شعر أن القادم هي والدته من الفته مع خطواتها وكانت بالفعل هي فركض لغرفتها ليلقي نفسه بين ذراعيها ,,

ولصدمته دفعته عنها بقوة وبدأت في الصراخ  وتكسير كل الغرفة وكانت تصرخ وتقول:

- خنتك يا هلالي .. شربت حتى فقدت الادارك  وسكرت وخنتك مع رجل آخر لكن أنت تستحق..

•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات