رواية فارس بلا مأوى الفصل العاشر 10 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ ولج من باب شقته يحمل حقائب وأكياس عديدة، جال ببصره في الأرجاء باحثاً عنها فلم يجدها، ترك ما في يده وذهب إلي الغرفة التي توجد بها، رأي الباب مفتوحاً تحمحم منادياً:
_ آنسة سمية، أنتي صاحية؟.
لم يتلق أي رد مما أثار قلقه، فأندفع إلي الداخل ليجد التخت مُرتب والمرحاض مُظلم، خرج يبحث عنها والقلق يساوره، حتي وجدها ممده فوق الأريكة أمام التلفاز وزراعها ملقاه في الهواء، مهلاً إنها ترتدي المعطف القطني الخاص بالحمام وخصلاتها الغجرية متناثرة بعشوائية فوق الوسادة التي جلبتها من غرفة النوم، أستدارت بأريحيه فوقع الدثار من فوقها، أصبحت ساقيها عاريتين في مشهد جعله وقف محدقاً بها وكأنه يري أنثي لأول مرة، أزدرد لعابه و فك رابطة عنقه ليتمكن من التنفس، أغمض عينيه وقال بداخل عقله:
_ مالك ياصلاح ماتجمد كده أول مرة تشوف واحده أدامك ولا أي!، ده أنت شوفت ستات عريانه بعدد شعر راسك.
_بس دي مش عارف، كل حاجه فيها بحس إنها غير كل الي شوفتهم، يمكن عشان هي مختلفه عنهم!.
_ طب يا حلو لم نفسك بقي عشان هي فعلاً غيرهم، دي ممكن تاكلك بسنانها لو بصتلها بصه كده أو كده.
أنبلجت علي محياه إبتسامة وقال بصوت لم ينتبه إنه مسموع:
_ و ده الي شدني ليها.
أستيقظت ونهضت بفزع لتراه يقف أمامها مبتسماً، ضمت تلابيب المعطف وجذبت الدثار عليها، صاحت به:
_ واجف ليه إكده يا چدع أنت؟ .
وبعدما أنتبه إليها قال مازحاً :
_ عيزاني أقعد، أديني قعدت أهو.
وجلس فوق كرسي مقابل لها، رفعت إحدي حاجبيها بتهكم قالت:
_ بچد والله!.
نهضت وتلف الدثار عليها تغطي شعرها وجسدها بالكامل فلم يظهر منها سوي وجهها فأردفت:
_ أجولك حاچة أني داخلة أكمل نومي في الأوضة أحسن وأضم...
لم تكملها حيث تعثرت قدميها بطرف الدثار فوقعت علي الأرض في مشهد كوميدي جعله يقهقه رغماً عنه، وقف أمامها ليساعدها علي النهوض، فحدقته بحنق قائلة:
_ معوزاش مساعدة، بعرف أجوم لوحدي.
ضحك مرة أخري قائلاً:
_ ماشي ياستي، براحتك أنا لسه راجع علي فكره من بره وأشتريتلك كل حاجه هتحتاجيها هدوم وشوية حاجات أحسن من البورنص الي أنتي لبساه ده.
أشاحت وجهها عنه خجلاً:
_ أني لبساه لحد ما خلچاتي الي غسلتها تنشف.
سار نحو الحقائب وحملها جميعاً:
_ أنا جبتلك خلجات أصدي هدوم أحسن منها هتعجبك، ألبسيها أحسن ماتبردي.
وبدلاً من أن تقول كلمة شكر رمقته بإمتعاض وإندفاع قالت:
_ جصدك خلچاتي عفشه ومش قد المجام؟.
رفع كفيه ويحاول أن يخفي ضحكة إنتابته تواً:
_ والله ما أقصد كده خالص، أنا أصدي أن الي جبتهم أجدد وكده شوفيهم هيعجبوكي.
تركته ودلفت إلي داخل الغرفة تبعها فكادت توبخه فقاطعها:
_ أنا داخل أحطلك الشنط وطالع بره.
رمقته بنظرة نارية:
_ معرفاش مش مطمنالك ليه عاد، جلبي بيجولي ناوي لي علي الغدر.
تنهد وقال بهدوء:
_ لو كنت عايز أغدر بيكي كنت رجعتك لسليم وهو هيعرف منك مكان زينب بطريقته إياها ولو أصدك حاجه تانيه خالص، أحب أفهمك إن مش عيل مراهق أو شاب طايش أنا واحد عندي أربعين سنة عشت حياتي بالطول والعرض.
أدركت مايرمي إليها فقالت بإندفاع:
_ وأني مليش صالح بالي بتجوله دي، كل الي ريداه ميتي تهملني أرچع لأهلي؟.
_ لما الظروف تسمح، ساعتها هوديكي أنا بنفسي، أسيبك أنا تجربي الحاجه وتغيري البورنص بتاعي.
قالها وحدجها بإبتسامة إستفزازية وتركها، ذهبت خلفه تغلق الباب بقوة وأوصدته من الداخل تزفر بغضب:
_ أبو برودك يا شيخ.
فتحت الحقائب لتجد العديد من الثياب الأنيقة فلديه ذوق رفيع ويفهم ما تفضله النساء، وبعد أن تفحصت بعض الحقائب، بمجرد أن فتحت الحقيبة ماقبل الأخيرة شهقت بقوة من الخجل لم ينس حتي شراء ثياب داخلية إليها وكيف علم مقاسها الخاص!،هل يعقل أن...
صفعت وجنتها من تخيل الأمر قائلة:
_ يا مُري أني إكده ما أجدرش أرفع خلجتي فيه واصل، الله يحرجك ياسليم الكلب أنت السبب في كل الي بيحصلي.
أمسكت بآخر حقيبه وهمت بفتحها فألقتها من شدة الخجل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ في غرفة الزيارات الخاصة بالمخفر، يجلس العم جابر مع فارس الذي قام بمهاتفته سراً وأخبره أنه يريده في أسرع وقت، لبي الآخر طلبه وجاء ليري ما الأمر حتي قص عليه ما قيل له من هذا المحامي.
_ بتجول أي يا فارس يا ولدي، عمر ما الحاچ قاسم الله يرحمه ما وصي ولا جال إكده، و من وجت وفاة چدك وهو مقسم الميراث بالعدل حتي الأملاك الي چدك كان كاتبها له أكتر عن أخواته باعها و وزع فلوسها عليهم وكان ديماً يجول عمري ما أجبل مليم ظلم ولا حرام ولا أخسر أخواتي، علي الرغم كيف ما أنت خابر عمك وعمتك عمرهم ما حابوه ولا أتمنو له الخير واصل وخصوصاً عمك خميس الله يسامحه، ربي ولده رافع علي إكده، كان بيزرع چواه الحقد والكره لحد ما بجي شيطان في هيئة بني آدم، والحمدلله ربنا نچد زينب خايته وأبوك الي يعتبر رباها كيف مارباك علي الخير والحب.
رد فارس والحيرة تسيطر علي تفكيره المشتت:
_ أني برضك هاتچنن ياعم چابر، لحد ما چه في عقل بالي إن ممكن يكون عبد المچيد موالس ويا عمي ولا إبنه.
_ ليه لأ يا ولدي، أتوقع أي حاچة في الزمن ده، أنا عن نفسي عمري ما وثقت في عبد المچيد ده واصل ولمحت لأبوك قبل إكده وجالي كفياك سوء الظن يا چابر، الراچل زين وعمري ماشوفت منيه حاچة عفشة.
نهض فارس وبجدية بالغة قال:
_ إكده مفيش غير حل واحد، لازماً تدور لي علي محامي غيره بأي طريجة لأن لو الي في بالي طلع صوح، يبجي شكلي هجضي باجي حياتي بالسچن.
أجاب جابر ويربت عليه:
_ عين العقل يا ولدي، وأني وياك في أي حاچة والفلوس موچودة والخير كتير الحمدلله، في خلال 24 ساعة إن شاء الله هجوملك محامي قبل مايرحلوك علي النيابة
رمقه فارس بإمتنان وجزيل الشكر:
_ الله لايحرمني منك ولا من الخالة هنادي.
_ ويطمنا عليك ونفرحو ببراءتك عن جريب إن شاءالله.
ردد فارس:
_ يارب، يارب.
ونظراته نحو النافذة الحديدية حيث يولج منها نور الشمس الساطعة وشعاع الأمل الذي دب في قلبه يخبره أن لاييأس فغداً سيكون أفضل بإذن الرحمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يدوي صوت الشيخ واصف وهو يتلو آيات سورة ياسين من مكبرات الصوت المنتشرة أعلي أخشاب السرادق التي بداخلها يجلس رجال النجع والحزن يخيم علي وجوههم، فكانت حادثة موت عبدالحق ليست بالأمر البسيط فكل من يعلم يحزن من أجله ويدعو له بالرحمة والمغفرة، بينما في منزله تجمعت النساء للعزاء، وتعالت الأصوات من بكاء ونحيب وعويل لاسيما زوجته نفيسه تتوسط النسوه جالسة فوق الأريكة تردد بأسلوب مبالغ فيه:
_ هملتني ومشيت يا عبدالحق، هنعيش كيف من بعدك يا رچلي، بناتك وإبنك هيطلتمو من غيرك.
ربتت إحدي السيدات لتهدأها:
_ وحدي الله يا أم عمر البركة في وچودك ويا عيالك وماشاء الله البنته بجو عرايس.
أكملت نحيبها وعويلها المزعج:
_ عرايس! ، ماخلاص الي كان هيچوزهم راح وهنشحت من بعده، يالهوي، يا خرابي.
كانت قمر تعد مع بنات خالها القهوة والشاي، تبكي في صمت علي فراق خالها سندها وما تبقي لها لكن ها هي أصبحت الآن وحيدة بدون من يحميها من ظلم زوجته.
قالت لها إبنة خالها:
_ خدي يا قمر وزعي الفناچين دي وتعالي خودي غيرهم.
تناولت الصينية وخرجت إلي الردهة وبدأت بتقديم فناجين القهوة للنساء وكانت بدون نقاب، أنجذبت لها الأعين فبعضهن لأول مرة يرونها، تمتمت إحداهن للأخري:
_ بسم الله ماشاء الله مين الصبية الي كيف البدر دي.
ردت الأخري:
_ هتلاجيها بت خايت المرحوم، أصلها منتقبة من وجت ما خالها چابها النچع لأچل يربيها ويا ولاده.
ظلت تحدق المرأه بها من أسفل لأعلي وتفكر في أمر ما.
مازالت نفيسة تصيح بصوتها الجهوري فتوقفت أمامها قمر لتربت عليها وتعطيها فنجان القهوة:
_ كفياكي عويل يا مرات خالي وأدعيلو أحسن.
رفعت وجهها بنظرات آتيه من الجحيم وكأنها أستغلت هذا الموقف والظرف لتفجر ما بداخلها علي تلك المسكينة، دفعت فنجان القهوة الساخنة فأنسكب علي يدها بل ودفعتها بغلظة لتقع علي الأرض وهي تصيح بها أمام الجميع:
_ غوري من خلجتي يا بومة، من يوم ما چابك حدانا والمصايب بتتحدف فوج روسنا، خلاص أهو مات وراح الي كان ليكي، جاعدة بتعملي أي.
رمقتها قمر بصدمة ولم تستطع الرد عليها أمام هذا الجمع من النساء، ساعدتها إحداهن في النهوض بشفقة قائلة:
_ لاحول ولاقوةإلا بالله، معلش يابتي أعذريها.
وأخري كانت تقول لنفيسة:
_ أهدي إكده يا أم عمر البت ملهاش ذنب، ده جضاء وجدر ومكتوب عند الي خلقه.
نهضت قمر تهرب من العيون المشفقة عليها، تمسك بيدها التي تؤلمها من الحرق لكن قلبها كان أكثر ألماً من كلمات تلك الأفعي المقيتة، تتهمها ظلماً وإفتراء وكأنها السبب فيما حدث لخالها.
أطلقت ساقيها بدون وعي، تركض بلا وجهه محددة، وهناك عيون ألتقطتها وهي تركض مهرولة نحو الطريق المؤدي إلي المقابر.
ظلام الليل يسطو علي السماء و القمر يشقه من بين الغيوم لينير الدروب الحالكة، توقفت أمام إحدي الشواهد وجثت علي ركبتيها تبكي:
_ ليه هملتيني ياماه، مبجاش ليا حد واصل من بعدك يا غالية، خالي أهو چالك وهملني لوحدي، دلوق بجيت يتيمة مليش غير ربنا.
أخذت تبكي بحرقة نابعة من داخلها ودموعها تتساقط علي الأرض كزخات المطر، متلألأه أثر سقوط شعاع القمر عليها، ذلك الشعاع الذي ساعده علي الوصول إليها بعدما كان يبحث عنها في وسط المقابر، حتي توقف بالقرب منها يستمع إلي كلماتها التي أخترقت صدره وقلبه بحزن، تمني لو جذبها من يديها و يعانقها وينسيها أحزانها، ساقته قدميه بخطي وئيده نحوها، لم يجد سوي أن يواسيها بكلمات تشرح صدرها وتخفف وجع قلبها:
_ وربك أحن عليكي من أي مخلوق، فليه البكا والعويل عاد! .
أنتبهت إلي هذا الصوت القادم من خلفها، فحالتها المزرية جعلتها لم تستطع تميزه، خفق قلبها خوفاً حينما أدركت وجودها في المقابر وفي ذلك الوقت والظلام الدامس يتخلله ضوء القمر الخافت، أخذت تتمتم بأذكار التحصين وتدعو أن ما سمعته للتو مجرد هلاوس ليس إلا، لكن هذا الظل الممتد بجوارها يؤكد لها إنها ليست بمفردها، فجاء صوته مرة أخري:
_ متخافيش أني چيت لأچل أطمن عليكي غير إكده وماهملكيش لحالك وسط المقابر.
أستدارت ببطأ وحين تلاقت العيون، شهقت بذعر وتراجعت إلي الوراء، بينما لديه الحال ليس هو علي الإطلاق، فكان متسمراً من ما رأي لذا أخفض بصره لأسفل متحاشياً التحديق في وجهها الفاتن، فهي عندما خرجت من المنزل تبكي لم تنتبه إلي عدم إرتدائها لغطاء وجهها.
_ شيخ بكر! .
قالتها بتعجب وتوتر في آن واحد، تنظر لتجده يغض بصره، شهقت مرة أخري بعد إكتشافها لعدم إرتدائها غطاء الوجه، فما بيديها سوي رفع طرف حجابها علي نصف وجهها فأصبحت كالملثمة وقالت بتوتر:
_ أي الي چابك وراي؟.
تعجب من سؤالها بتلك النبرة التي يتخللها الإتهام، فأجاب مدافعاً عن حاله:
_ أني چيت وراكي لما لاجيتك بتچري علي أهنه، وده كان من خوفي وقلقي عليكي.
أنهي كلماته الصريحة إليها وصدره يعلو ويهبط ، وهي أستقبلت إجابته بزمردتيها المتسعة، فقالت بتهكم مقصود:
_ و تخاف عليا بصفتك أي يا سيدنا الشيخ؟.
أبتلع ريقه بتوتر بعد أن أدرك سخريتها وهدفها من سؤالها الباغت له:
_ لأنك بت بلدي وخوفت لحد يتعرضلك في مكان وساعة كيف دي، تجدري تجولي من باب النخوه والمروءه.
لاتعلم لما إجابته أثارت حنقها، فهذه ليست ما كانت تنتظره منه، علي الرغم من حالة الحزن والهم التي بها لكنها أشد إحتياجاً لكلمة تثلج قلبها الملتاع.
_ وأني بجولك متشكرة علي شهامتك يا سيدنا الشيخ ويلا من أهنه لأحسن لو حد شافك واجف وياي في مكان وساعة كيف دي عيجول علينا كلام شين، وأني منجصاشي.
تلاقي حاجبيه بإمتعاض وضيق، كفاها تهكم منه، فأندفع بللهجة آمره وبحزم قال:
_ وأني ما هتحركش من أهنه غير لما ترچعي داركو ودلوق حالاً.
أنتفضت من داخلها عند رؤية ملامحه الغاضبة ولهجته الحازمة إليها، زفرت بضيق و ذهبت بدون أن تتفوه بكلمة، تبدلت ملامحه من الغضب المصتنع إلي إبتسامة مشرقة قائلاً:
_ سمعت كلامي من غير ما تچادل، زين جوي ياقمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستيقظ من نومه علي صوت طرقات مزعجة علي باب الغرفة يتبعها صوت أنثوي رقيق يتحدث باللغة العربية :
_ سيد رافع، أستيقظ سيد سليم ينتظرك في الحديقة .
وقبل أن يجيب جال بعينيه المكان من حوله فتذكر إنه في قصر سليم بعدما أستقبله بترحاب حار، ولم ينس إنبهاره بهذا القصر الفاخر والثراء الفاحش التي تصرخ به كل قطعة ديكورية وقطع الأثاث الفخمة ذات الصناعة الأوروبية.
_ أباه عليكي وليه ماخلاص بجي.
فتح الباب وكاد أن يوبخها لكنه صمت عندما رأي تلك الشقراء ذات الجنسية البولندية ترتدي زي أسود مكون من قميص بنصف أكمام وتنورة قصيرة إلي الركبتين، ويعلو رأسها قلنصوة بيضاء، حدجته بإبتسامة زادتها جمالاً فوق جمالها فجعلته غر فاهه وتمتم كالأبله:
_ يخربيت چمال أمك يا كيف لهطة القشطة يا عسل.
قطبت جبينها بعدم فهم قائلة بالعربية الفصحي:
_ عفواً سيدي، لم أفهمك.
حك ذقنه قائلاً:
_ بتتحدتي بالنحوي إياك!.
أقترب منها للغاية حتي يكاد يلتصق بها:
_ عجولك أنزلي جوليلو هيلبس خلچاته ونازل دلوق.
وأختطف قُبلة فوق وجنتها، أتسعت عينيها في صمت ولم يصدر منها أي فعل مقابل بل نظرت لأسفل قائلة:
_ هل تريد شيئاً سيد رافع؟.
أجاب بإبتسامة ماكرة:
_ ما تيچي تسبحيني بيدك الي كيف الشمع الأبيض دي.
لم تفهم معني جملته لكن نظراته الجريئة جعلتها تذهب بخطي مسرعة من أمامه، أخذ يقهقه وأغلق الباب:
_ يالهو بالي، الواحد ما عيشوفش نسوان واصل.
ليأتي صوتها في سمعه وهي توبخه:
_ عمرك ما تتغير عاد، سلاح وخمره ونسوان.
ظلت آخر كلمة تتردد في عقله بصوتها، تحولت ملامحه إلي المقت والغضب من حاله فصاح يمسك برأسه:
_ كفاياكي بجي يا فاطمة.
عروق عنقه وجسده نافره و وجهه محتقن بالدماء، أتجه نحو المرحاض و فتح الصنبور وأنحني برأسه أسفل الماء، وصوت أنفاسه يعلو صوت خرير المياه محاولاً بأقصي جهده أن يتخلص من التفكير بها.
وبالأسفل في الحديقة يجلس واضعاً ساق فوق الأخري يتصفح صفحات الأخبار علي الأنترنت بالجهاز اللوحي الخاص به، ويرتشف قهوته، أقتربت منه الخادمة وأنحنت نحو أذنه لتخبره بشيئاً ما فأشار لها قائلاً بالإنجليزية:
_ أذهبِ إلي الداخل وسأتصرف.
وبعد دقائق هبط رافع يتأمل القصر من الداخل ويقول بصوت غير مسموع:
_ يابت المحظوظه يا زينب، هاتعيشي وياه في النعيم ده كلاته، لو كنتي چيتي شوفتي الي أني شايفه دلوق، كنتي حبيتي علي يدي لأچل أچوزك لسليم.
خرج إلي الحديقة ليجد سليم في إنتظاره يبتسم له بتصنع:
_ صباح الخير يا رافع.
جلس علي الكرسي المقابل له:
_ صباح الورد يا باشا.
_ أخليهم يحضرولك فطار بلدي ولا إنجليزي؟.
أجاب الآخر وعينيه نحو الخادمتين اللتان تقفا بالقرب منهما:
_ أي حاچة من يد القشطة تبجي حلوة.
ضحك سليم وقال:
_ فينها المدام تيجي تسمعك.
_ دي لو چت وشافت الحريم الي حداك دول لهتروح تنتحر.
مد سليم يده إلي علبة من الفضة وفتحها ليلتقط سيجاره المفضل والذي يجلبه خصيصاً من كوبا:
_ مش كل حاجة جمال الشكل يارافع، أهم حاجة الجوهر، أو الروح، طول ما روح الي أدامك مختلفة و ليها جمالها هتشدك ليها غصب عنك، وخصوصاً لو كانت روح متمردة صعبة المراس هتجذبك أكتر وتعمل المستحيل عشان تكون صاحبتها ملكك.
ضيق رافع عينيه قائلاً:
_ كيف خايتي إكده؟.
ظل ينظر له في صمت وبداخله يشتعل كلما تذكر هروبها حتي لا يتزوجها إلي هذا الحد لاتريده، كم هي صعبة وعنيدة وهذا ما يثير رغباته الجامحة نحوها، يريد إمتلاكها بشدة وبأي ثمن حتي لو دفع ثروته الطائلة مقابل ذلك.
أنتبه لرنين رسالة واردة علي هاتفه، تناوله من فوق المنضدة، ليجدها مرسلة من صلاح يخبره بعنوان منزل ريهام صديقة زينب.
لاحت إبتسامة إنتصار علي محياه، مما دعا رافع يسأله:
_ خير ياسليم بيه.
أجاب الآخر بإبتسامة الذي ظفر بكنز ثمين:
_ تقدر تقول لقينا أختك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خلاص أنا يعتبر وصلت، ثواني خليكي معايا.
أبعدت الهاتف عن أذنها قليلاً وقالت لسائق سيارة الأجرة:
_ نزلني هنا ياسطا لوسمحت.
توقف فترجلت لتتابع حديثها مع صديقتها:
_ أنا واقفة أدام القسم وخايفة أوي، أول مرة أدخل مكان زي ده وقلقانه لو شافني جيتلو مكان شغله يضايق أكتر ويتخانق معايا.
_ لاء متخافيش، جمدي قلبك يا ندوش، بالعكس لو لقاكي جيت له بنفسك هيفرح إنك قدرتيه، والأهم من ده كله لازم تحكيلو عن كل حاجة مابينك ومابين علي.
_ ربنا يسهل، سلام بقي دلوقتي.
_ أغلقت مروة المكالمة وأستدارت له بإبتسامة خبيثة:
_ أي رأيك؟.
بادلها نفس الإبتسامة الكريهة جالساً خلف مكتبه:
_ كده حلو أوي أوي، خليكي متابعة معاها لحد ما تتأكدي إنها حكت له وأتمني من كل قلبي متحكلهوش بالتفاصيل المملة.
ألتفتت لتجلس فوق المكتب أمامه تمسك برابطة عنقه بدلال، رمقته بتساؤل:
_ لو أعرف أنت ناوي علي أي بالظبط.
وضع يديه علي خصرها لينزلها جالسه فوق فخذيه بجرأة فجة:
_ ما قولتلك يا مورو هاتعرفي كل حاجة في وقتها، ولا بتثقيش في اللول؟.
دفعت يديه من فوق خصرها ونهضت مبتعدة قليلاً:
_ آه طبعاً واثقة فيك، ده أنا بقالي معاك سنين من أيام الجامعة.
وأشاحت وجهها حتي لايري عينيها التي تجمعت بداخلها عبراتها قائلة بداخل عقلها:
_ وياريتك تقدر حبي ليك، مصمم تضيع وقتك وتنتقم منها، خدتك مني زمان وحتي بعد سنين واخده عقلك وتفكيرك مني وياعالم قلبك لسه منسهاش ولا لاء.
_ وبالعودة إلي ندي التي منذ أن دلفت إلي داخل المخفر وكل الأنظار تتوجه إليها بإعجاب وشهوة من قبل رجال الشرطة والمجرمين أيضاً، تقدم منها الأمين يحدجها كالجائع الذي وجد أمامه طبق طعام شهي:
_ أؤمري ياقطه.
أنتبهت له وحاولت أن لا تتوتر وأرتسمت الزهو والكبر علي ملامحها، أجابت بتعجرف:
_ ممكن توديني مكتب النقيب أكرم.
خلع قبعته ومسح علي خصلاته المجعدة قائلاً:
_ وعايزة سيادة النقيب ليه ياقمر، وإحنا قصرنا معاكي في حاجة يا جميل؟.
جزت علي أسنانها من هذا الوقح، يتحرش بها لفظياً بكل جرأه سوف تخبر زوجها لاحقاً، خلعت نظارتها الشمسية بعنجهية ورمقته بإزدراء:
_ كلامي واضح جداً يا بتاع أنت، يلا أدامي وديني مكتبه وإلا.....
قاطعها ملوحاً بيديه أمامها:
_ حيلك حيلك يا روح خالتك، عمال أتكلم معاكي بإحترام من صباحية ربنا وأنتي رافعه لي مناخيرك في السقف محسساني هيفاء وهبي الي بتكلمني، شكلك حتة بت من إياهم وأنا بقي هاشوف شغلي معاكي، يا عسكري خلف.
وقفت تستمع له واضعه كفها علي فمها من أسلوبه الفج و صوته الجهوري الذي جعل من حولهم ينتبهون إليهما.
جاء العسكري قائلاً:
_ أمرك يا أمين بدوي.
دفعها من كتفها كالحشرة:
_ خد البت دي أرميها في الحجز لحد مانشوف حكايتها أي.
وقبل أن يقترب منها الآخر صاحت بتحذير:
_ أقسم بالله الي هيقرب مني لأصوت واعملكو فضيحة في القسم كله.
ضحك الأمين ساخراً:
_ ومتنسيش تبقي تتصلي بالبوليس ولا تعمليلنا محضر.
وأطلق قهقه.
صاحت بغضب:
_ أنت متعرفش أبقي مين يا حيوان منك ليه!.
وبداخل غرفة مكتبه يحقق مع إحدي المجرمين الذي يمسك به المخبر من تلابيبه.
_ والله يا أكرم باشا معرفهوش وأول مرة أسمع عنه من حضرتك.
نهض من خلف مكتبه يزفر بنفاذ صبر،يخلع ساعة يده ويلقي بها فوق المكتب:
_ الظاهر يالاه الذوق والإحترام مش نافعين مع الأشكال العره الي زيك.
جذبه من تلابيبه وصاح بصوت مرعب:
_ ماتنطق ياروح..... وقول أنت شغال لحساب مين، بدل ما هخليهم ينزلوك أوضة التشريفة تاخد واجبك بضمير وساعتها هتفتكر كل حاجة.
رفع الشاب يديه في وضع الدفاع يبكي:
_ وربنا ياباشا ما أعرفه، أنا شغال لوحدي يا دوب علي أدي.
صفعه أكرم بغضب:
_ أنت هاتستعبط يالاه، ده إحنا قافشينك بدولاب يلبسك 15 سنة أقل حاجة يا حيلتها.
وفي نفس الوقت وصلت أصوات الصياح له من الخارج، أبتعد عن المتهم وهو يلتقط أنفاسه التي يزفرها بغضب عارم يلازمه منذ يومين.
فتح الباب وسأل العسكري الواقف بالخارج:
_ أي الزعيئ ده؟.
أجاب عليه:
_ ده الأمين بدوي بيتخانق مع واحدة بتقول عايزة تقابل حضرتك.
قطب مابين حاجبيه قائلاً:
_ واحدة!.
فقال بأمر:
_ روح لبدوي وقوله يجي لي علي المكتب ومعاه الي عايزاني دي.
_ تمام يافندم.
ولج أكرم إلي الدخل وقال بوعيد:
_ أنا هرجعك الزنزانه دلوقت وهديلك مهلة ساعة زمن عشان تفكر فيها كويس ولو لاقيت نفس الأسطوانه الي صدعتني بيها من الصبح، أنا بنفسي الي هرحب بيك لحد ما يبان لك صاحب، خدو يا فرج ورجعو الزنزانة .
_ يلا ياض أدامي كتكو البلا.
قالها المخبر وهو يدفعه بعنف أمامه ويركله خلف ساقه.
لم تمر ثوان ودلف ثلاثتهم وكانت تصيح بالأمين:
_ والله لأعرفك أنا مين دلوقت، أصبر بس عليا.
رفع رماديتيه فأتسعت عندما رآها في مكتبه، ركضت عليه وأرتمت علي صدره تبكي:
_ ألحقني يا أكرم شوف البتاع الي مشغلينه عندكو ده عايز يحبسني وقبلها عمال يتحرش بيا.
حدج أكرم الأمين بنظرات نارية:
_ أي الي أنا بسمعه ده يا أمين بدوي،أنت عارف دي تبقي مين؟.
وأمسك يدها ليتقف خلفه، أدرك الأمين خطأه الفادح فنظر لأسفل بخجل وإحراج:
_ والله يا باشا ما كنت أعرف إنها تخص ساعتك، هي أول ما دخلت افتكرتها جاية تقدم بلاغ قولت أساعدها لاقيتها هبت فيا وعمال تزعئ.
صاحت ندي من خلفه:
_ كداب، ده أول ما شافني وعمال يعاكس فيا ويبص لي بصات مش محترمه ولما أديتلو علي دماغه قالي شكلك بت من إياهم.
_ أنا كن......
قاطعهما أكرم بغضب:
_ خلاص أنت وهي، أمشي دلوقتي يا أمين بدوي وحسابك معايا بعدين، عشان الي كنت بتعاكسها دي تبقي المدام.
رفع عينيه بصدمة وبدي عليه الندم الشديد:
_ أنا آسف يا فندم وربنا ما كنت أعرف، ولو عايزني أبوس إيديها....
_ أنت أتجننت!، مش كفايه الي قولته ليها، يلا أمشي من هنا.
_ أمرك يا أكرم باشا.
وذهب ينعي حظه الأسود.
سار أكرم نحو الباب وأوصده من الداخل وعاد إليها بوجه متجهم:
_ وأنتي أي الي جابك هنا؟، مش محذرك إن مش عايش أسمع صوتك ولا أشوف وشك غير لما أتصل بيكي.
حاولت أن تتماسك ولاتنهار أمامه، أمسكت بيده وبرجاء قالت:
_ أنا جيت لك لحد عندك عشان بحبك، ده غير عايزة أفهمك وأحكيلك علي كل حاجة عشان أنت فاهم غلط، بس ياريت نروح مكان تاني غير هنا.
ظل ينظر إليها وعينيها التي تخبره بصدق كلماتها، سحب يده وأطلق زفرة عميقة، أمسك ساعة يده من فوق المكتب وألقي نظرة عليها:
_ خليكي هنا ومتتحركيش لحد ما أجيلك.
أرتدي ساعته وهم بالذهاب فأقتربت منه تحدقه بإشتياق و ولع تضع كفيها علي صدره :
_ واحشني أوي يا أكرم.
تنهد وهو يزيح كفيها قائلاً بنبرة جافة خالية من المشاعر:
_ خمس دقايق وراجعلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خلاص نزلني هنا يا حبيبي وروح أنت علي شغلك عشان متتأخرش.
قالتها ريهام، ف رد أحمد بإصرار:
_ أنا قولت هوصلك لحد البيت وهطلعك كمان لحد باب شقتكو هاطمن عليكي وأسلم علي مامتك وهاتكل علي الله.
تنهدت مبتسمة له وقالت:
_ أنا عارفه لو قعدت أتحايل عليك لسنة أدام هتنفذ الي في دماغك، حبيبي أبو دماغ ناشفة.
رفع إحدي حاجبيه قائلاً:
_ أنا فعلاً عنيد بس في الصح والأيام أثبتتلك في مواقف كتير.
حدجته بنظرة حالمة وقالت:
_ عشان كده كل مدي وبحبك أكتر، ربنا مايحرمني منك أبداً.
جز علي شفته السفلي بمكر:
_ الصبر من عندك يارب، أنا بقول أمشيكي من أدامي أحسن بدل ما هعمل حاجة هاموت وأعملها.
إبتسمت بخجل ولكزته في كتفه:
_ بس عيب.
_ ماشي، ماشي، كلها شهرين يا رورو وهتبقي في عرين الأسد، ساعتها أبقي عايز أسمع منك كلمة عيب ونفسي تقوليها عشان هعاقبك عليها.
قطبت جبينها وحاجبيها بتعجب:
_ عقاب؟.
قهقه من ردة فعل ملامحها التي يعشقها:
_ أطمني ده عقاب هاتحبيه أوي أوي.
غمز بعينه مما أثار حُمرة وجنتيها المشتعلة من الخجل، صاحت بتحذير مشيرة له بسبابتها:
_ أحمد، كفايه.
باغتها بعض إصبعها، تأوهت فقال:
_ معلش أصل لسه مفطرتش.
_ ماشي يا أحمد والله لأغفلك في يوم بس لما نتجوز وهديلك حتة عضة في ودانك الحلويين دول.
أكمل قيادة سيارته وهو يضحك:
_ بكره هانعرف مين الي هينزل عض في التاني يا قطتي.
وبمجرد دخولهم بالسيارة في الشارع، ضغط أحمد علي المكابح ليتوقف ويري من هؤلاء الرجال المنتشرين في الأرجاء وسيارتين من ذوي الدفع الرباعي يسدان الشارع فلم يمر أحد، أنقبض قلبها:
_ يارب مايكون الي في بالي.
تساءل أحمد بقلق:
_ تعرفيهم ولا أي؟ .
تلفتت من حولها وقالت:
_ أمشي من هنا بسرعه وأنا هقولك.
نظر بتجهم وقال:
_ مش هامشي من هنا غير لما أفهم، الناس دي واقفه أدام عمارتكو بيهببو أي.
أجابت وعينيها نحو هؤلاء الحوائط كالسد المنيع:
_ عارف زينب صاحبتي الي حكتلك عليها وقاعده عندنا.
_ مش دي الي هربت من أهلها عشان أخوها عايز يجوزها لواحد غصب عنها؟ .
أومأت وأكملت:
_ أيوه هي، وشكل دول رجالة الراجل الي عايز يتجوزها، بس عرفو إزاي بعنواني ولا عرفو إنها عندي.
ضغط أحمد علي قبضته عندما تخيل إنها لو كانت بمفردها الآن لأصبحت بين يدي هؤلاء، فقال من بين أسنانه:
_ أسمه اي الراجل ده؟.
أجابت بإقتضاب:
_ سليم العقبي.
أتسعت عينيه كمن لدغه عقرب، ينظر لها برعب فقالت:
_ أي يا أحمد مالك كأني قولتلك إسم اللهم أحفظنا.
أجاب:
_ إزاي متقوليليش حاجة زي كده، أنتي مش مدركة الكارثة الي سيادتك فيها أنتي واخوكي ومامتك.
_ مكنش فيه مناسبه أحكيلك تفاصيل، أصدك أي من كلامك ده؟ .
سألها وفي ذهنه آلاف الأفكار:
_ هي صاحبتك ومامتك فوق؟.
أخرجت هاتفها من حقيبتها:
_ زينب شكلها لسه في الشغل، وماما كانت من ساعة بتقولي راحت تزور خالتو معرفش رجعت ولا لسه، وتامر عند صاحبه من إمبارح.
بدأ بتشغيل محرك السياره ليعود للوراء قائلاً:
_ أتصلي عليهم التلاته وقوليلهم ميرجعوش خالص وقوليلهم يجو عندي علي الشقة أضمن.
صاحت ريهام:
_ ألحق يا أحمد.
نظر أمامه عبر الزجاج وجد رجلين يشير له إحداهما بأن يتوقف ويده الأخري يهدده بالسلاح، قال لها:
_ أهدي وخليكي عاديه خالص.
قالت وهي تتلفت من حولها بخوف:
_ أهدي أي ده أحنا في مصيبة.
طرق الرجل الضخم زجاج النافذة، فأنزلها أحمد ليقول له الآخر بصوت غليظ:
_ بطاقتك أنت والآنسه.
رمقه أحمد بإمتعاض وقال بإعتراض:
_ هو الأخ حكومة ولا أي بالظبط؟.
قال له الرجل الآخر بتحذير:
_ مش شغلك، إسمع الكلام بدل مانتصرف معاكو بطريقة مش هاتعجبك ولا مش خايف علي الي معاك! .
حاول أحمد كتم غضبه خوفاً علي ريهام التي تتمسك بزراعه ويشعر برجفتها، أخرج بطاقته الشخصية وأعطاها لهما بتأفف، قرأ بيانته وأشار نحو ريهام قائلاً:
_ وبطاقة الآنسة ولا المدام الي جمبك.
كادت تنطق لكن أمسك أحمد بيدها كإشارة لها بأن تصمت وقال:
_ وبطاقتها عايزاها ليه؟.
أجاب الآخر بجدية وحزم:
_ يا أستاذ أحمد أنا دلوقت طلبت طلب بسيط هبص علي بطاقتها وهاسيبكو تمشو براحتكو فملهاش لازمة الشوشرة دي أحسن ليك وللي معاك.
ألتفت لها أحمد وقال:
_ متتحركيش من العربية.
هم بالنزول فأمسكت به:
_ نازل فين يا أحمد.
_ ممكن مسمعش صوتك وتعملي الي بقولك عليه.
صاحت ريهام في الرجل:
_ أنتو عايزين مننا أي مش وراكو بطاقته.
أجاب الرجل:
_ ماتقوليلو هو.
قال أحمد له محذراً إياه:
_ لو سمحت كلامك يبقي معايا أنا.
وألتفت لريهام قبل أن ينزل:
_ وأنتي قولتلك متتكلميش خالص.
ترجل أحمد من السيارة و وقف أمام هذا الجدار:
_ ممكن أفهم أي جو المافيا الي أنتو عاملينو ده، أنا علي فكرة ليا علاقاتي برضو وبمكالمة واحدة بس هخليك أنت والي مشغلك تختفو من الشارع.
صمت الرجل ولم يرد فقام بمهاتفة رب عمله:
_ أيوه ياسليم باشا، في واحد موقفه علي ناصية الشارع معاه واحدة بقوله ممكن أشوف بطاقتها نزلي من العربية وعاملي فيه شبح وبيهددني بيقولي بمكالمة واحدة هخليكو تختفو.
جاء صوت سليم الذي ينتظر في الردهة بعدما أقتحم منزل ريهام ولم يجد أحداً وبيده يمسك السوار الذي أهداه لزينب بالمشفي:
_ أسمه أي؟.
أجاب الرجل متذكراً الأسم ثلاثي:
_ أحمد عبدالمعطي سلامة.
لاحت إبتسامة علي ثغره لم تصل لعينيه فقال:
_ أديلو الموبايل.
مد يده بالهاتف إلي أحمد وقال:
_ أتفضل كلم الباشا.
زفر أحمد بتأفف، و وضع الهاتف علي أذنه:
_ نعم.
جاءه صوت سليم الذي لاينذر بخير بتاتاً:
_ أستاذ أحمد لو حابب نتكلم بالعقل من غير همجية ياريت تطلعو أنتو والآنسة ريهام، مستنيكو في الشقة.
كاد يتحدث فأغلق الآخر المكالمة ويشعر ببرودة في أطرافه، يبدو من نبرة هذا الرجل أنه يعلم هويته جيداً و علاقته بريهام، فتح باب السيارة وقال لها:
_ أنزلي هنطلع فوق.
_ هو في أي؟، حصل حاجه؟.
رد أحمد بهدوء لايريد الإنفعال:
_ يلا تعالي وهاتعرفي لما نطلع.
أذعنت له وترجلت فقام بإغلاق النوافذ وباب سيارته بجهاز التحكم، وذهبا إلي البناء.
وبعدما صعد كليهما وخلفهما الرجلين، وجدت ريهام الباب مفتوحاً علي مصرعيه وموضع المفتاح مكسور، فأنتفضت عند رؤية هذا الذي يجلس في وسط الردهة طالما رأت صوره علي مواقع التواصل الإجتماعي والأخبارية وبجواره رافع الذي علمت من هو من خلال ثيابه حيث يرتدي جلباب يعلوه عباءه وتعلو رأسه عمه بيضاء ملفوفة بإتقان.
أمسك أحمد بيدها ودلفا إلي الداخل، فقال رافع بسخرية:
_ يا مرحب بالحبايب.
تجاهله أحمد ف وجه حديثه إلي سليم:
_خير يا سليم بيه؟.
أشار نحو ريهام وأجاب:
_ أظن أنا الي المفروض أسأل وآنسة ريهام تجاوب.
ضغط أحمد علي يدها لكي لاتتفوه وقال:
_ لو سمحت سيبها هي وخلي كلامك معايا أنا.
ضحك سليم وأعتدل في جلسته:
_ طيب يا أستاذ أحمد عشان منبقاش ضيوف تقيلة عليكو، ياريت تقول لخطيبتك تقولنا صاحبتها راحت فين، ومن غير لف ودوران.
ورفع أمامها السوار، رأته ريهام بأعين متسعة كما لاحظت حقيبة صديقتها بجوار شقيقها، أبتلعت لعابها بخوف، فأزدادت رجفة يدها، أشتدت قبضة أحمد علي يدها ليدعمها بقوته التي يتظاهر بها فقال:
_ هي فعلاً جت هنا ومشيت وخطيبتي متعرفش عنها حاجة من وقتها.
قهقه رافع بسخرية وقال :
_ بص ياچدع أنت لو فاكرنا شباب فرافير تضحك عليهم بحديت ميلدش علي عيل صغير تبجي غلطان، أحنا چايين أهنه وعارفين خايتي جاعده ويا الآنسه ريهام، وأني بصفتي أخوها أشكرها جوي إنها طلعت چدعة وياها و فتحت لها بيتها، فياريت تكمل الواچب وتدلنا عليها تجنباً للمشاكل.
هنا أندفعت ريهام بعدما تركت يد أحمد:
_ أسمعني أنت بقي، ياريت تاخد الباشا ورجالتكو وتمشو من هنا وسيب أختك في حالها كفاية الي عملتو معاها، سجنت فارس خطيبها و....
قاطعها سليم بأعين مظلمه واقفاً:
_ آنسه ريهام، زينب تبقي خطيبتي أنا، سليم العقبي، خدي بالك.
تمنت إنها لم تنظر في عينيه ورأت هذا الكم من الرعب والظلام، تذكرت حديث زينب عنه وعلمت ماذا كانت تقصد وجدت أن لديها حق، فبرغم مظهره الهادئ الوسيم لكنه يخفي وراءه وحش شيطان جاء من قاع الجحيم.
تدخل أحمد قائلاً:
_ مواضيعكو دي ملناش دعوه بيها وزي ما قولت لحضرتك هي مش هنا.
وحدث ما كان ينقص هذا الموقف المشتعل كالبركان، صدح رنين هاتفها، فدعت من داخلها أن لا تكون هي المتصلة، نظر سليم إلي رافع ثم إليها وقال:
_ طلعي موبايلك و ردي.
أمسكت حقيبتها بقوة وقالت:
_ والله ده تليفوني وأنا حرة أرد ولا ما أردش.
وجه سليم كلماته هذه المرة إلي أحمد بتهديد صريح:
_ أستاذ أحمد لو بتخاف علي خطيبتك زي ما حسيت بغيرتك عليها ياريت تخليها تديني تليفونها في هدوء أحسن ليك وليها وللكل.
أدرك أحمد جدية كلمات هذا الرجل ذو الهالة المرعبة فإنه قد سمع عنه الكثير في مجال عمله بالنادي من رجال الأعمال،ويعلم إنه لو أراد شيئاً سيفعله مهما كان حتي لو أراق الدماء كما يفعل مع منافسيه في السوق، كم أستمع لحكايات عنه يشيب لها رأس الرضيع في مهده.
نظرت ريهام إلي أحمد وشعرت برضوخه ونظرات الخوف عليها من بطش هؤلاء الشياطين، ومن فرط خوفها علي زينب وأنها لاتريد أن تقع في إيديهم خاصة في إيد هذا الوحش الكاسر أمامها.
أخرجت هاتفها لتجيب:
_ خليكي عندك أوعي ترجعي أخوكي وسليم هنا.
وفي أقل من لحظة أختطف سليم الهاتف من يدها ليضعه علي أذنه وجدها تتحدث:
_ أخوي وسليم كيف يعني، فيه أي ياريهام؟.
_ ماي بيبي، وحشتيني أوي يا زوزو ، ياريت ترجعي عشان مستنيكي أنا ورافع، وياريت متتأخريش عقبال ما آنسه ريهام تعملنا حاجة نشربها.
لم تصدق ما تسمعه للتو، شعرت بدوار وكأن ما حولها يدور وهي تقف متسمره، أستعادت قواها التي تنهار ببطئ:
_ أرچوك ممكن تهملهم أنت وأخوي لحالهم وأني چاية دلوق.
تنهد سليم وقال:
_ مضطر أصدقك وهنستني لأنك لو مجتيش هيبقي فيها كلام تاني مش هيعجبك.
ألتمست تهديده الوقح والصريح بأذية صديقتها وعائلتها إذا لم تأت، فقالت برجاء:
_ لاء أني چاية، بالله عليك ما تجرب لحد فيهم هم ملهمش ذنب واصل، أني الي لچأت ليهم.
_ ماشي يا زينب، عشان خاطرك يا حبيبتي، وعشان تعرفي غلاوتك عندي.
وبعد إنتهاء المكالمة، أبتسم لريهام وأحمد ومد يده إليهما بالهاتف:
_ شوفتو بقي الموضوع بسيط إزاي، كان لينا أمانة عندكو وجينا ناخدها ونمشي، ولا أي يا أستاذ أحمد؟.
أومأ له أحمد ولم يتفوه بحرف، يريد أن تسير الأمور بدون أن يتأذي أحد، كان لايتمني عودة صديقة خطيبته لهؤلاء لكنه يخشي علي حبيبته وعائلتها، حاول التصرف بكل هدوء وحكمة.
وبعد مرور دقائق لم تتعدي العشرون دقيقة، وتوقفت سيارة اجرة بالأسفل ترجلت منها زينب والخوف يكسو ملامحها، قلبها يخفق بقوة عند رؤية كم الرجال ذو البدل السوداء التابعين لسليم، تقدم منها قائدهم المدعو فوزي:
_ آنسه زينب، حمدالله علي السلامة.
أبتعدت عنه وركضت إلي داخل الفناء وظلت تصعد بسرعة رهيبة لتطمأن علي صديقتها، وعندما وصلت للطابق أفسح لها الرجلين مكاناً للعبور إلي الداخل تبحث عن صديقتها فوجدت جميعهم يجلسون في الردهة، نهض سليم عند رؤيتها وبإبتسامة شيطانية يحدجها، بينما رافع نهض بغضب مندفعاً:
_ هروبتي وچرستينا يا بت ال.....
أوقفه سليم قائلاً بهمس:
_ مش هنا، خلينا ناخدها ونطلع علي القصر، هناك صلاح مستنينا مع المأذون نكتب الكتاب ونطلع علي النجع نطمن والدك والدتك عليها.
ألتفت لهم وقال:
_ طيب يا جماعة بعتذر عن الزيارة المفاجئه دي وأشكر الآنسه ريهام علي أستقبلها خطيبتي عندها الكام يوم الي فاتو.
ثم ألتفت إلي زينب ومازال يرتسم تلك الإبتسامه المرعبة:
_ يلا يا حبيبتي عشان لسه ورانا حاجات كتير أوي مستنينا.
ومد يده إليها تركته ولجأت إلي شقيقها لتتحامي به حتي لو أراد قتلها لكن أهون بكثير من القرب من هذا الشيطان المرعب.
وقبل أن يرحلو صاحت ريهام وهي تركض عليها:
_ زينب، سامحيني.
عانقتها زينب بقوة تودعها وتربت عليها باكية:
_ ماتجوليش إكده، أني عارفه الي حوصل وكنت خابره هيحصل في أي وجت، ومكنتش هسامح نفسي واصل لو كان حصلكو أي مكروه بسببي.
_ خدي بالك من نفسك يا حبيبتي.
_ معاي ربنا أطمني وأبجي سلميلي علي ماما كتير وجوليلها تدعيلي في صلواتها.
_ عنجعدو للعويل وشغل النسواين دي لحد ميتي؟.
قالها رافع بسخرية، فأنسحبت زينب لتلقي أخر نظرة علي المكان ورحلت إلي جحيمها المنتظر.
دلف الجميع إلي داخل السيارات وكانت تتبعهم ريهام من الشرفة تبكي علي رحيل صديقتها وتعلم ما ينتظرها، أخذت تبكي، أمسك أحمد بيدها ويربت عليها بحنان لم يكن قادراً علي التحدث ماذا سيخبرها وهو أيضاً يشفق علي صديقتها.
وبداخل السيارة أنتهي سليم من مكالمة هاتفية للتو، فكانت المقاعد في الخلف مقابل بعضهما حيث يجلس سليم مقابل زينب ورافع جالساً بجوارها.
قال سليم:
_ حمدالله علي سلامتك يا عروسة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وبعد مرور عدة ساعات من السفر إلي محافظة الفيوم وتحديداً في وادي الريان توقف أكرم بالسيارة تحت نظراتها المتعجبة، ترجل وأشار لها قائلاً :
_ أنزلي.
نزلت وقالت:
_ أنا طلبت منك أي مكان هادي نتكلم فيه مكنش لازم نسافر ونيجي هنا.
وقف أمامها واضعاً يديه في خصره و بشرته شديدة الإحمرار من وهج الشمس الحار، يرتدي نظارة شمسية قاتمه.
تنهد وقال:
_ المكان ده مبيفكركيش بحاجة؟.
ظنت إنه يريد إستعادة لحظاتهم الرومانسية الشاعرة، فأجابت:
_ طبعاً فاكرة، كانت أول مرة تاني يوم من خطوبتنا خدتني هنا و وقفت عند الشلال زي أحمدالسقا وروحت قايلي بأعلي صوت بحبك وأنا الي كنت فكراك هتنط زيه لاقيتك شدتني من أيدي وخلتني أتزحلقت في الميه وقعدت تضحك عليا.
رفع زواية فمه وقال:
_ هو ده كل الي فكراه وبس؟.
أقتربت منه وأمسكت بزراعه كالقطة المتشبثه بصاحبها:
_ وفاكره لما قعدنا علي شط البحيرة وفضلنا نبص علي الطيور الي في السما.
أكمل ذكرياتهم بدلاً عنها:
_ قولتلك وقتها يا ندي حبي ليكي مش مجرد كلام رومانسي، ده عهد و وعد، وعد بالإخلاص والوفاء، إن مهما حصل مابينا من زعل أو مشاكل أو بُعد عمر ما حد فينا هيخلف الوعد ده.
أختلجها إحساس بالتوتر وضعت كفيها علي وجنتيه تتلمسهما بإشتياق:
_ وأنا علي وعدي ليك، ما حبتش ولا هاحب غيرك أنت وبس، أنت حبيبي وجوزي وأبو بنتي.
وبدلاً من أن يبادلها تلك المشاعر فاجئها بتحول ملامحه إلي غضب كالعاصفة التي هبت بعد هدوء ساكن، قبض علي رسغها ودفعها فأرتطم ظهرها بسيارته، وسألها بنبرة جعلت خلاياها ترتجف وجلاً:
_ ولو أنتي لسه علي وعدك يا مدام ندي، أي الي بينك ومابين علي الحسيني؟.
كادت تجيب فقاطعها بحزم:
_ وعايز إجابة من غير أي كدب إلا وربي زي ما عيشتك أحلي أيام عمرك في المكان ده، هخليكي برضو تشوفيه فيه أسود أيام حياتك.
أنتفضت وحاولت أن لا تبكي حتي تستطيع أن تخبره لكن لم يكن لديها الجرأه بسرد كل شئ حدث في الماضي.
أبتلعت ريقها وقالت:
_ والله مش زي ما أنت فهمت خالص، الموضوع كان لما كنا مخطوبين تحديداً بعد وفاة والدك الله يرحمه بفترة لاقيت معاملتك ليا أتغيرت وبعدت فجاءة وعرفت من نورا أختك إنك سافرت ومش قايل علي مكانك، الوقت ده كنت في أشد إحتياجي ليك، مر أسبوع والتاني، قافل تليفونك وأستنيت حتي منك مكالمه تطمني عليك مفيش، لهيت نفسي في أنشطة ورحلات كانت تبع إتحاد الطلبة والي كان رئيس الإتحاد وقتها علي الحسيني.
ألتقطت أنفاسها ولاحظت نظراته المرتقبه وهو يستمع إليها، فأستطردت حديثها:
_ كنت وقتها برسم بورتريهات لشخصيات مشهورة وساهمت بيها كنشاط فني في اللجنة الثقافية، شاف رسوماتي وعجبته جه قالي أد أي إن أنا موهوبة وليه معارف في معارض كبيرة هيوصلني ليهم وهيساعدوني أن بورتريهاتي ممكن تتعرض بره في معارض فنية مشهورة، و ده كان بداية تعارفنا أو قربه مني، أنا كان تعاملي معاه مجرد أصحاب مش أكتر لحد مالاقيته واحده واحده مشاعره أتحولت ليا من صحوبيه لإعجاب، كنت بتجاهل ده وفهمته أن بعتبره زي أخويا، لاقيته فاجئني وأعترفلي بحبه.
كانت تسرد و تحك يديها معاً بتوتر، فعندما ذكرت إعتراف علي بحبه لها، وجدت أكرم يخلع نظارته و رماديتيه تحولت للأسود المظلم يتخللها ألسنة لهب مندلعة، أومأ لها يُحسها علي تكملة سردها قائلاً:
_ وأنتي رديتي عليه لما قالك بحبك؟.
تهربت من النظر في عينيه وملامحه الغاضبة، أجابت بخفوت:
_ مردتش عليه، تقدر تقول سبته متعلق، أنا معرفش ليه عملت كده، يمكن عشان حبيت الكلام الي كان بيصارحني بيه من حب وغرام ومش قادر يعيش من غيري، كلام يخلي أي بنت تعيش في حلم وردي ده غير إهتمامه بيا، لاقيته بيعملي كل حاجة بحبها وأستغربت إزاي عرف، أتاريه كان بيسأل أصحابي من ورايا.
تعالت أنفاسه التي وصلت لأذنيها فتوقفت عن الحديث، ضغط علي رسغها بقوة وقال بأمر:
_ كملي، سكتي ليه؟.
تأوهت وأجابت وهي تجز علي أسنانها بألم:
_ هي دي كل الحكاية، أنا بعدت عنه وأنت رجعتلي ساعتها وحددنا ميعاد الفرح وأعتذرتلي عن فترة بعدك عني بس مقولتليش السبب، حبي ليك خلاني أنسي أي حاجة المهم أني بقيت مع الإنسان الي بيحبني وبحبه.
جز علي فكه وقال بحثيث من بين أسنانه:
_ أصدك الإنسان المغفل، الي ما صدقتي أداكي ضهرو تقومي تلفي من وراه، مش كنت قبلها محذرك إن مفيش حاجة إسمها صحوبية ولد معاكي في الجامعة، وإن أصلاً كدين وأخلاق بغض النظر إن بغير عليكي مفيش حاجة إسمها صداقة بينك وبين أي زفت!.
هزت رأسها بالإيجاب فأردف بصياح:
_ وكلامي متسمعش وأهي النتيجة يا مدام، بس الي عايز أعرفه ليه ظهر دلوقتي فجاءه، وليه لما بقي مديرك الجديد وشوفتيه في القرية أنكرتي معرفته وكأنك شوفتيه لأول مرة؟.
أجابت بخوف:
_ عشان، عشان....
قاطعها كالبركان الثائر:
_ عشان مكنتيش عايزاني أعرف الي كان بينكو وأفضل مغفل أدام الحيوان الي عاملي فيها شهم وجدع وحجز لنا شاليه فايف ستار وأكل وشرب، أتاري كل ده لأجل عيون حبيبة القلب الي شكله عايز يرجع الوصال مابينها وبينه، وأنا الزوج الأهبل المختوم علي قفايا.
أجهشت في البكاء مما أثارت غضبه أكثر:
_ بطلي عياط وردي عليا، الي بقوله ده صح ولا لاء؟.
_ ممكن تهدي وتوطي صوتك، أنت طلبت أحكيلك بصراحه وحكت لك.
_ يعني عايزه تقنعيني إن ده كل الي حصل ما بينكو بس، مجرد كلام وصحوبيه وبعدتي عنه!
مر في ذاكرتها كالشريط السينمائي كل اللحظات التي جمعتها بعلي من رحلات ونزه وتقارب وتلامس تجاوز بعض الحدود وآخر مقابلة بينهما كانت في منزله عندما علمت بمرضه فذهبت إليه للإطمئنان عليه ومداوته حتي أصبح بخير.
أجابت بإستنكار خوفاً:
_ أيوه محصلش أكتر من كده، ولو مش مصدقني روح أسأله.
_ متقلقيش أنا هاعرف كل حاجة بس مش منه، و لو أكتشفت إن الحكاية كانت غير كده خالص، متلوميش غير نفسك ساعتها.
تساءلت بتردد وخوف:
_ وأفرض جالك عشان يوقع مابينا أو حصل أي حاجة، هتطلقني؟.
لاحت علي فمه إبتسامة لم تصل لعينيه فأجابها بوعيد:
_ أنا مبطلقش يا ندي، بس هخليكي من الي هاتشوفيه مني تبوسي أيدي عشان أرمي عليكي اليمين ومش هنولهولك.
قالت من بين شهقاتها المتتابعة:
_ ليه بتقول كده وأنت متأكد وعارف بحبي ليك ومقدرش أخونك، والي حصل ده كان مجرد نزوه وراحت لحالها، حط نفسك مكاني، أنت الي لو كنت عرفت واحده تانيه وجيت لي بعدها ندمان، مش كنت هسامحك وأغفرلك!.
_ لاء يا مدام، تفرق وتفرق كتير أوي، أولاً دي مسمهاش نزوة، دي تحت بند ومسمي الخيانة، ثانياً أنتي عرفاني كويس من زمان ولو كنت عايز ألعب بديلي من وراكي، كنت عملتها ومن غير ما أحسسك بس الحمدلله أنا مش كده، ويوم ما هعملها هتكون بالحلال وبعلمك كمان وده متوقف عليكي.
رمقته بصدمة مما يشير إليه:
_ قصدك أي؟.
_ قصدي الي فهمتيه بالظبط، ولأخر مرة بسألك يا ندي فيه حاجة تانيه مخبياها؟.
أصرت علي الإستنكار خشية من تهديده الأخير لها:
_ قولتلك لاء مفيش.
_ طيب تمام أوي، بصي بقي عشان نبقي علي نور، شغلك ده تنسيه نهائي مش عشان أنا مش عايزك تشتغلي وجو سي السيد، عشان أنا عايز أقصر الشر، تاني حاجة ولا عندي ولا عندك يعرفو أي شئ حصل وده لمصلحتك، ثالثاً بقي بنتك لارا كبرت وأنا راجل مقتدر والحمدلله وعايز عزوة تملي علي البيت وحياتي، فسيادتك توقفي الوسيلة الي بتاخديها.
قالت بدون تفكير وإندفاع:
_ بس أنا مش مستعده للحمل دلوقت.
رمقها بحدة قائلاً:
_ ليه إن شاء الله؟ ، ما خلاص مفيش شغل ومش هيبقي وراكي حاجه غير تربية بنتك، أي المانع لا مؤاخذه أنك تحملي تاني؟ .
_ مش مستعده نفسياً.
إبتسم بسخرية من إجابتها الغير مبرره لديه، فقال:
_ معلش تعالي علي نفسك لأن ده مش إختيار، ده أمر وبرغبتك أو غصب عنك هتنفذيه.
ألتزمت الصمت، لم تريد إغضابه أكثر من ذلك، حمدت ربها بأن الأمر عبر بسلام ولو قليلاً.
_ يلا أركبي عشان نلحق نرجع قبل ما الجو يلليل علينا في الطريق.
فعلت ما أمرها به وقالت:
_ هنعدي علي ماما ناخد لارا؟.
_ لاء، خليها عند مامتك كام يوم.
وحدجها بنظرة تفهمت منها مايريد، بينما هو كان بداخله عاصفة هوجاء لم تهدأ بعد، لم يريد يوماً أن تصل الأمور بينهما إلي هذا الحد فهو يعشقها بقلبه وجوارحه، وعند علمه بأن هناك آخر يريدها له سبرت أغواره التي لم تسكن ولا تهدأ إلا بإقصاء وإبعاد هذا الآخر، وفي ذات الوقت يريد منها أن تثبت له حبها له بالفعل وعليها أن تنجب له مرة أخري سواء بالرضا أو ضد إرادتها، لاتعلم ذلك يكون إختباراً لها.
وفي طريق عودتهم توقف لدي محطة الوقود لملأ خزان السيارة وشراء بعض المأكولات، وهي تنتظره، أجرت الإتصال علي صديقتها التي أجابت علي الفور وكأنها تنتظر إتصالها:
_ ها عملتي أي؟.
قالت ندي:
_ هقولك بإختصار قبل ما يرجع من السوبر ماركت بسرعة، بصي أنا قولتله بس مش كل حاجة يعني فهمته إنها صداقة بريئة وعلي فهمني غلط وبعدت عنه أول ماقالي بيحبني، بس فضل يسألني كذا مرة أني مخبية حاجة تانيه ولا لاء، أضطريت أكذب وأنكر، كفايه وجع قلب أنا ما صدقت نرجع كويسين.
_ لاء كده كويس إنك مقولتلهوش كل حاجة جوزك متهور وممكن يطلقك فيها.
_ يطلق مين أنتي غلبانه، ده بيقولي هيخلني أتمني الطلاق وقتها ومش هطولو علي الي هيعمله فيا.
_ ربنا مايجيب حاجه وحشه، أنتو فين كده دلوقت؟.
_ مروحين البيت وهاسيب لارا زي ماهي عند ماما.
أطلقت صفيراً وقالت بمكر:
_ أيوه يا سيدي، عشان يستفرد بالمزه براحته.
_ بس يا مراهقة، أي الي بتقوليه ده، هو هدفه الأساسي عايزني أخلف تاني.
_ واو، هاتجبلنا نونو بقي.
_ أنا مش مستعده خالص للحمل دلوقتي، أنا عارفه هو طلب ليه مني كده، بيختبرني بالتأكيد.
_ حاولي متعارضيهوش وأعملي الي بيقولك عليه.
رأته أنتهي من الشراء وقادم إلي السيارة، فقالت مسرعه:
_ باي أنتي دلوقتي وهكلمك بعدين.
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــ
_ أغلقت مروة المكالمة التي سمعها علي الذي قال:
_ حلو أوي يا ندي، ودلوقتي جه وقت العرض.
تساءلت مروة:
_ مش ناوي تريحني وتقولي هاتعمل أي؟.
_ تعالي جمبي وأنتي هاتعرفي.
جلست بجواره وهي تراه يفتح ملفات صور تجمعه ب ندي، فبعضها مُعدل و من يراها يظن إنها لهما في الوقت الحالي وليست منذ سنوات مثل الصور الأخري.
قالت مروة وهي تتفحص الصور:
_ أي ده؟ ، إزاي شيلت صوري معاها وحطيت صورك؟.
رمقها بإبتسامة زهو وفخر قائلاً:
_ دي أسرار، و لو عرضها علي مليون فني عمر ما واحد ما هيشك أنهم متفبركين، هي فكراني كنت بخوفها لما هددتها خليها تدوق جزء من الي هعملو فيها.
ضغط إرسال عبر تطبيق الواتس آب لكن من رقم مجهول، وأخذ يقهقه ومروة ترمقه بإمتعاض، رغماً من إتفاقها معه علي صديقتها لكن تخشي أن تنقلب الأمور للأسوء ويعود من تعشقه إلي حبه القديم بعد تظاهره بالإنتقام.
عاد أكرم وندي إلي منزلهما، فتح الباب ف دلفت أمامه، قال لها بأمر و كأنها جاريته وليست زوجته:
_ أنا داخل هاخد شاور، أخرج ألاقيكي مظبطه نفسك ومستنياني في السرير.
وتركها متجهاً إلي غرفتهما غير آبه ل ردة فعلها المنصدمة، لاتريد قربه منها وهو في تلك الحالة من الغضب نحوها، أرادت حبه وحنانه وليست علاقة بدون مشاعر وكأنها جسد لتفريغ شهوته فقط ومن أجل إنه يريد منها الإنجاب مرة أخري.
أخرج متعلقاته من جيب بنطاله وألقاها فوق الكمود، تلقي تنبيه آخير من هاتفه بفراغ البطارية من الشحن، زفر بتأفف و ولج إلي المرحاض الملحق بالغرفة.
دخلت خلفه بخطي وئيدة تفكر فيما ينتظرها وماذا عليها أن تفعل، أنتبهت إلي تنبيه هاتفها برسالة واردة، أخرجته من حقيبتها، لتجد محتوي الرسالة كالتالي:
(حمدالله علي سلامتك أنتي وسيادة النقيب، أتمني لكو السعادة من كل قلبي)
ومرفق بالرسالة مقطع فيديو قصير، قامت بالضغط علي علامة التشغيل ليظهر لها مقطع من داخل المرحاض الذي كان في مطعم القرية حين أقترب منها وقام بتقبيلها، شهقت عند رؤية ذلك المشهد وأسرعت بحذفه علي الفور وألقت بهاتفها علي الفراش.
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية