رواية خلف أسوار الجليد الفصل العاشر 10 - بقلم نور سيف

 رواية خلف أسوار الجليد الفصل العاشر 10 - بقلم نور سيف


في الحب ليست أول خطوة هي الأصعب... الأصعب هو ألا تُفسدها في اليوم التالي

في صباح اليوم التالي لليلة البسبوسة اكتشفت نور أن السعادة رياضة خطرة جدًا.

لأنها تجعلكي تستيقظين وأنتي مبتسمة بلا سبب

فتظن أمكِ أنكى مخبولة ويظن أخوكي أنكي ربحتى يانصيبًا

وتظنين أنتى أنكى قادرة على الطيران من شدة الخفة... ثم تفتحين هاتفكى فتجدين رسالة من الرجل نفسه

فتموتين وتعيشين وتموتين مرة أخرى في أقل من خمس ثوانٍ.

كانت الساعة السادسة والربع صباحًا حين فتحت نور عينيها ومدّت يدها نحو هاتفها فرأت إشعارًا من آدم.

11:47 PM
آدم وصلتي أوضتك؟

حدّقت في الشاشة.

ثم رمشت.

ثم رفعت الهاتف أقرب لوجهها وكأنها ربما قرأت خطأ.

— أوضتي؟

همستها وهي جالسة في سريرها بشعر منكوش ووجه نصفه غارق في الوسادة.

— هو أنا كنت فين لما سابني عند باب الشقة؟ في موقف عبود؟

نزلت للرسالة التالية.

11:48 PM
آدم قصدي... تصبحي على خير.

ثم التالية.
11:51 PM

آدم وبالمناسبة... لو طنط فاطمة جادة في موضوع المحشي أنا موافق.

وضعت نور الهاتف على صدرها وأطلقت صرخة مكتومة في الوسادة.

صرخة طويلة مأساوية لا يعرف أحد إن كانت صرخة فرح أم انهيار عصبي أم الاثنان معًا.

ودخلت أمها في اللحظة نفسها تحمل صينية فطار وتوقفت عند الباب بعينين ضيقتين مريبتين

— هو إنتى بتصرخي في المخدة ليه يا نور؟ في فار جوّا؟

رفعت نور رأسها بسرعة وخبأت الهاتف تحت الوسادة

— لا يا ماما... كنت بتمطّع

— بتمطّعي وبتحمري كده؟ يا حبيبتي ده وشك عامل زي لمبة الفرن.

وضعت أمها الصينية على السرير وجلست، ثم ضمّت عينيها أكثر بنظرة أم مصرية خبيرة لا يفوتها شيء:

— بعتلك؟

صمتت نور.

— بعتلك.

أكّدت أمها لنفسها ثم شبكت يديها بسعادة طفل اكتشف لعبة جديدة

— قال إيه؟ قال "بحبك"؟ قال "صباح الخير يا نور حياتي"؟ قال "المحشي إمتى"؟

دفنت نور وجهها في الوسادة من جديد

— يا ماما والنبي سيبيني أموت في سلام.

ضحكت أمها ورفعت الوسادة عن وجهها بالقوة

— يا بنتي أنا صاحبتك وريني الرسالة

— لأ.

— يا نور

— لأ يا ماما

— أنا اللي ولّدتك

— وأنا اللي معي الموبايل

وقبل أن تشتعل معركة دستورية حقيقية بين حقوق الأمومة

وحقوق الملكية الرقمية

دخل عمر — أخو نور الصغير وعلى وجهه نفس وقاحة سن الرابعة عشرة

— صباح الخير يا جماعة. هو آدم بيه بعت "صباح الفل" ولا لسه؟

رفعت نور وسادة وضربته بها

— اطلع برا!

ضحك عمر وهو يهرب

— أنا بسأل عادي! الشفافية مطلوبة في الأسرة!

أغلقت نور باب الغرفة بالمفتاح هذه المرة، ثم فتحت الرسائل مرة أخرى.

نظرت إليها طويلًا.

ثم كتبت:

نور أنا كنت في أوضتي يا أستاذ آدم 😄

بس تصبح على خير متأخرة والمَحشي الجمعة لسه عرض قائم.

ترددت قبل الإرسال.

ثم ضغطت.

وصلت الرسالة.

رأتها تتحول إلى "تم التسليم".

ثم "تمت القراءة".

ثم...

لا شيء.

لا رد.

وضعت الهاتف جانبًا ثم التقطته ثانية ثم وضعته ثم التقطته.

— رد يا آدم. رد. أي حاجة. حتى لو إيموجي بطاطس.

رنّ الهاتف.

قفز قلبها.

فتحت الشاشة بسرعة.

أم كريم جارتهم
"صباح الخير يا عروسة"

أغلقت الهاتف ببطء شديد.

— أنا هقتل ماما.

الساعة الثامنة إلا ربعًا.

في الطريق إلى الشركة كانت نور ترتدي بلوزة بيضاء وبنطلونًا أسود وشعرها مربوط في ذيل حصان بسيط وتحمل في حقيبتها شيئًا لم تضعه هي.

شيئًا له رائحة ورق عنب وتوابل ومحبة أم مصرية لا تعرف الحدود.

علبة محشي

لآدم الصياد.

اكتشفتها بعد أن خرجت من البيت بعشر دقائق

حين فتحت حقيبتها لتخرج كارت المواصلات فوجدت علبة الألومنيوم ملفوفة جيدًا ومعها ورقة صغيرة بخط أمها

ده لآدم بيه.
سخنيه قبل ما ياكل.
وقوليله الست فاطمة بتسأل إذا بيحب الكوسة أكتر ولا الباذنجان.
— ماما

حدّقت نور في الورقة لحظة كاملة.

ثم رفعت رأسها نحو السماء وقالت:

— يا رب... أنا بحاول أعيش قصة حب مش أفتح مطعم عائلي.

لكنها رغم ذلك لم ترمِ العلبة.

وضعتها بعمق أكبر في الحقيبة.

ليس لأنها تنوي أن تعطيها له.

طبعًا لا.

مستحيل.

إطلاقًا.

كانت فقط... تحتفظ بها.

لأسباب لوجستية

دخلت مبنى مجموعة الصياد للسياحة وهي تتوقع

لا تأمل — أن ترى آدم في البهو أو عند المصعد أو حتى من بعيد

لكن أول ما قابلها كان كريم الذي وقف أمامها بكوب قهوته وابتسامة تفوح منها رائحة المصايب.

— صباح الحب يا كابتن.

— صباح الزفت يا كريم لو قلت كلمة واحدة عن البسبوسة هبلعك كوب القهوة ده.

رفع يديه مستسلمًا

— ولا كلمة. بس عندي ملاحظة صغيرة.

— إيه؟

— وشك منوّر.

— ده كريم أساس.

— وكريم الأساس كمان بقى بيخلي الناس ترد على رسائل الساعة 11:47؟

تسمرت في مكانها.

— إنت عرفت منين؟!

ربت كريم على صدره بفخر

— أنا يا حبيبتي محقق خاص في وقت الفراغ ثم إن وشّك مكتوب عليه بخط بنط 72 آدم بعتلي

وقبل أن ترد تغيّر تعبير وجهه فجأة نظر خلفها.

التفتت نور.

آدم.

خارج من باب المصعد.

بذلة رمادية فحمية. قميص أبيض. كرافتة سوداء. شعر مرتب بعناية. وجه هادئ... أكثر مما ينبغي.

كانت نظرة واحدة كافية لتدرك نور أن شيئًا ما تغيّر.

ليس ذلك الرجل الذي جلس على سجادة بيتهم وقال لها إنه لا يريد أن يمشي الطريق وحده.

أمامها الآن النسخة الأخرى.

النسخة الرسمية.

المدير.

تقدم بخطوات ثابتة وما إن وصل إليهما حتى قال بنبرة عملية باردة

— صباح الخير.

رد كريم فورًا

— صباح الخير يا آدم باشا.

ونور بعد ثانية تأخير خانتْها قالت

— صباح الخير يا أستاذ آدم.

نظر إليها.

مجرد نظرة قصيرة.

ثم أخرج ملفًا من تحت ذراعه ومده إليها:

— دي تعديلات على برنامج الوفد الإيطالي. عايزها متراجعة خلال ساعة. وبعدها ابعتي النسخة النهائية لسيف.

أخذت الملف آليًا.

— حاضر.

— كويس.

ثم التفت ومشى.

ببساطة.

بهدوء.

وكأن الليلة الماضية لم تحدث.

وكأن يدها لم تكن داخل يده عند باب العمارة.

وكأن "مش عايز أمشيه لوحدي" كانت جملة من فيلم قديم شاهدته هي وحدها.

ظلّت نور واقفة في مكانها تمسك الملف، وابتسامتها الصباحية الجميلة تنطفئ ببطء، مثل شمعة نُفخ فيها دون رحمة.

نظر لها كريم بحذر:

— أوكي... أنا شايف إننا رجعنا لبرنامج ما قبل البسبوسة

لم ترد.

فتحت الملف.

ثم أغلقته.

ثم قالت بهدوء مخيف:

— لو اتكلمت زيادة يا كريم... هحطلك المحشي في جيب القميص.

— في محشي؟!

أغلقت عينيها.

— يا رب خده وصبرني.

بعد نصف ساعة كانت نور في مكتبها تراجع البرنامج بعقل حاضر ظاهريًا وغائب فعليًا

حين دخل سيف وعلى وجهه ذلك التوتر الإداري المعتاد الذي يعني أن هناك مصيبة ترتدي ربطة عنق وتنتظر في الطابق الخامس.

— نور... خلّصتي التعديلات؟

— قربت.

— خلّصي بسرعة وفي حاجة تانية.

رفعت عينيها:

— خير؟

تنحنح سيف ثم جلس أمامها وقال بصوت منخفض

— بصّي... الكلام ده مش رسمي لسه. بس لازم تعرفي.

شعرت نور بانقباض في معدتها

— تعرف إيه؟

— في شكوى وصلت للإدارة الصبح.

— شكوى؟ ضدي؟

— مش ضدك لوحدك... ضدك وضد آدم باشا.

جمدت يدها فوق الورق.

— يعني إيه؟

أخرج سيف نفسًا طويلًا

— شكوى مجهولة المصدر بتقول إن في تمييز غير مهني في توزيع المهام عليكى

وإنك أخدتي ملفات كبار العملاء بسرعة رغم إنك جديدة

وإن في تجاوز للحدود المهنية بينك وبين رئيس مجلس الإدارة. ومذكور فيها حكاية التوصيل بالعربية... والمصعد... ورحلة الصحراء.

شعرت نور بحرارة تصعد إلى وجهها:

— مين اللي عمل كده؟

— مجهول
لكن مش صعب نخمن

ليلى.

الاسم لم يُقل لكنه جلس بينهما كضيف ثقيل.

— وآدم؟

— عمل اجتماع سريع مع الإدارة القانونية والموارد البشرية أول ما وصل
ومن ساعتها... يعني... واضح إنه قرر يشدّ الدنيا شوية.

تنفست نور ببطء.

فهمت الآن.

البرود ليس تراجعًا كاملًا.

إنه حماية.

لكنها، رغم ذلك، لم تشعر براحة.

لأن حماية آدم — كما عرفت حتى الآن — غالبًا تأتي في هيئة سكين.

تحميك من الخارج... وتجرحك من الداخل.

— وهيحصل إيه؟

— مش عارف لسه. بس غالبًا هيبقى في فصل صارم بين أي حاجة تخصّك وأي حاجة تخصه. مؤقتًا.

— مؤقتًا يعني إيه؟

هز سيف كتفيه بعجز

— يعني مؤقتًا.

ثم وقف ليخرج لكنه توقف عند الباب والتفت إليها

— بيني وبينك... الراجل باين عليه من جوّه مولّع.

بس بدل ما يشرح بيشدّ أكتر وده طبعًا أسوأ طريقة ممكنة.

ابتسمت نور ابتسامة باهتة

— دي طريقته المفضلة في كل حاجة تقريبًا.

الساعة الحادية عشرة.

وصل القرار.

ولأن الحياة تحب أن تضربكِ بالمطرقة لا بالكف لم يصل شفهيًا ولا حتى برسالة لطيفة.

بل جاء في إيميل رسمي.

من مكتب رئيس مجلس الإدارة
إلى نور جمال عبد الحميد
الموضوع تعديل مهام مؤقت

حتى إشعار آخر يتم تحويل تكليفك الحالي من مرافقة الوفد الإيطالي في حفل التوقيع المسائي إلى مهام الترجمة المكتبية ومراجعة المواد الدعائية الخاصة بالشركة.

يرجى التنسيق مع الأستاذ سيف لتسلّم الملفات.

مع الشكر
آدم الصياد

قرأته مرة.

ثم مرتين.

ثم أغلقت الشاشة.

ثم فتحتها من جديد.

كأنها تتوقع أن تتغير الكلمات في المرة الثانية وتصبح

بهزر يا نور. انزلي تحت هنوصل الدقي.

لكن الكلمات لم تتغير.

ظلّت كما هي.

جافة. رسمية. ملساء. بلا روح.

دخل كريم بعد دقيقة واحدة، وبمجرد أن رأى وجهها فهم.

— بعتلك الإيميل؟

أومأت بصمت.

قرأه من الشاشة وقال

— يا ابن الـ... يا نهار أسود.

— متشتمش.

— ده مش شتيمة، ده توصيف حالة.

نهضت نور ببطء أخذت العلبة الصغيرة من حقيبتها وحملت الإيميل مفتوحًا في هاتفها.

— رايحة فين؟

— عنده.

— أروح معاكي؟

— عشان نعمل إيه؟ ثنائي كوميدي؟

— بصراحة آه بس شكلك مش في مود الكوميديا.

— ولا ذرة.

ومشت

الطابق الخامس.

طرقت الباب مرة واحدة.

— ادخل.

دخلت.

كان آدم واقفًا أمام النافذة الخلفية للمكتب يقرأ شيئًا في جهازه اللوحي

لم يرفع رأسه فورًا وكأنها أي موظف عادي آخر.

وضعت العلبة الألومنيوم على مكتبه أولًا.

ثم الهاتف المفتوح على الإيميل.

ثم وقفت أمامه وقالت

— ده إيه؟

رفع رأسه أخيرًا.

عيناه كانتا متعبتين. حادتين. أهدأ من اللازم.

— واضح من الإيميل.

— لا مش واضح. لأن اللي واضح في بيتنا إمبارح مش هو اللي واضح في الإيميل النهارده.

شدّ على فكّه.

— الوضع اتغيّر يا نور.

— عشان الشكوى؟

— أيوه.

— فقررت تِركنّي على الرف؟

— ماقولتيش كده.

— ده اللي حصل أنا كنت المسؤولة عن الوفد الإيطالي من أول الأسبوع

فجأة بقيت ترجمة مكتبية؟ ليه؟ عشان الناس هتتكلم؟ طيب ما الناس هتتكلم أكتر لما تبعدني فجأة!

اقترب خطوة من المكتب

— أنا بحاول أحميكي.

ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح:

— لأ. إنت بتحاول تحلّ مشكلتك بالطريقة اللي ترياحك.

— مشكلتي؟

— أيوه مشكلتك.

لأنك متعود إنك لما الدنيا تضيق تقفل الباب وتاخد القرار لوحدك. من غير ما تفهمني.

من غير ما تسألني. من غير ما تعتبر إن ليّ رأي أصلًا.

سكت.

كانت أصابت الهدف.

لأن هذه بالضبط واحدة من أكبر عيوبه.

وأكبر جروحه أيضًا.

— الموضوع مش لعبة يا نور.

— وأنا مش لعبة يا آدم.

أول مرة تناديه باسمه في مكتبه.

الاسم وقع بينهما ساخنًا وصريحًا.

— لو في كلام هيتقال عني سيبني أنا اللي أقرر أواجهه إزاي.

ماينفعش تمسحني من الصورة وتقولي بحميكي. دي مش حماية. دي إهانة.

انخفض صوته لكنه صار أخطر

— إهانة إيه؟ أنا صاحب الشركة ولو عايز أحطك على أكبر وفد في أوروبا أقدر.

— بس معملتش.

— عشان عايز أحافظ على اسمك.

— اسمي بيتحافظ عليه إني أشتغل شغلي بكفاءة مش إني أستخبى ورا الملفات

أنا مش وصمة عار يا آدم تتحط في الدولاب لحد ما الكلام يهدى.

لثانية واحدة اهتز وجهه.

الكلمات أصابته حيث يجب.

نظر لها طويلًا.

ثم قال بصوت منخفض متعب

— إنتى فاهمة الموضوع غلط.

— طب فهمني صح.

صمت.

وهنا كانت الكارثة.

لأنه لم يفعل.

لم يشرح بالشكل الكافي.

لم يقل إن الإدارة القانونية حذّرته من أي ظهور مشترك في الفترة الحالية.

لم يقل إن عمه قال له: "لو بتحبها بجد متخليش الناس تاكل في سمعتها.

لم يقل إن مجرد مجيئه لبيتها الليلة الماضية — لو عرف به أحد — قد يحرقها هي لا هو.

بدلًا من ذلك قال الجملة الأسوأ الممكنة

— دلوقتي مش وقت شرح.

أغمضت نور عينيها لثانية.

ثم فتحتهما وهي أكثر هدوءًا... وأكثر ألمًا.

— تمام.

أخذت هاتفها.

ثم نظرت إلى علبة الألومنيوم على مكتبه.

— ده محشي. من أمي. كانت موصياني أسأل حضرتك بتحب الكوسة أكتر ولا الباذنجان.

بس بما إننا رجعنا "حضرتك" و"إيميلات رسمية"، فاعتبره ضمن ملفات الترجمة.

استدارت لتخرج.

لكنه قال خلفها:

— نور.

توقفت.

— أنا مش برجع لورا.

لم تلتفت.

قالت بصوت خافت لكنه واضح:

— يمكن. بس إنت كويس جدًا في إنك تخلّي اللي قدامك يحس بكده.

وخرجت.

أغلقت الباب خلفها.

وتركت وراءها رائحة محشي... ورجلًا يقف في مكتبه كمن ارتكب غلطة يعرفها جيدًا لكنه لا يعرف كيف يصلحها.

نظر آدم إلى العلبة على مكتبه.

ظل يحدّق فيها ثواني.

ثم جلس ببطء، ومرّر يده على وجهه بعنف.

— غبي.

قالها لنفسه.

ثم فتح العلبة.

كانت رائحتها دافئة، بيتية، حقيقية.

مثلها.

أخذ قطعة كوسة.

ثم ابتسم رغمًا عنه.

— الكوسة.

همسها كأنه يجيب أمها بالفعل.

لكن الابتسامة انطفأت سريعًا حين تذكر عيني نور وهي تقول أنا مش وصمة عار.

الساعة السادسة مساءً.

حفل التوقيع مع الوفد الإيطالي كان سيُقام في قاعة فاخرة بأحد فنادق الزمالك المطلة على النيل.

الوفد مهم.

العقد أهم.

ومجلس الإدارة حاضر بالكامل.

وهذا يعني أن أي خطأ لن يكون مجرد خطأ... بل فضيحة

نور، بحكم القرار الجديد كانت في غرفة جانبية بالطابق السفلي تراجع الترجمة النهائية لكتيب دعائي بالإيطالية.

تحت.

بعيدة.

تسمع همسات الحدث من فوقها ولا تشارك فيه.

وكان ذلك أسوأ كثيرًا من ألا تكون هناك أصلًا.

دخل كريم عليها ومعه كوب قهوة:

— جبتلك كابتشينو.

— مش عايزة.

— فيه سكر زيادة.

— مش عايزة حتى لو فيه دنيا زيادة.

جلس أمامها ومال برأسه:

— لسه زعلانة؟

رفعت حاجبًا:

— إنت شايف وشي عامل إزاي؟

— عامل زي واحدة لو معاها مقلاة دلوقتي هتعمل مجزرة.

— ممتاز. يبقى الوش معبّر.

وقبل أن يرد انفتح الباب بسرعة وظهر سيف بلون وجه لا يبشّر بخير.

— نور! بسرعة.

وقفت فورًا

— في إيه؟

— مشكلة فوق. كبيرة.

— مشكلة إيه؟

— المرشد اللي مسك الوفد الإيطالي... مهزوز.

الراجل اللي جاي من نابولي بيتكلم بلهجة محلية سريعة ومحمود مش فاهم نص اللي بيتقال.

والعميل بدأ يتضايق والجو متوتر وآدم باشا على وشك يولّع القاعة كلها.

التقطت نور الملف من على الطاولة بلا تفكير:

— طب ما نطلع.

لكن سيف تردد:

— المشكلة إن... القرار.

نظرت له نظرة أنهت الجملة قبل أن تبدأ.

— سيب القرار على صاحب القرار. يلا.

وانطلقت

القاعة في الطابق العلوي كانت مشتعلة بالأناقة والتوتر.

ثريات ضخمة
موائد مرتبة بعناية. موسيقى بيانو خافتة. رجال أعمال ببذلات باهظة. ممثلو الصحافة الاقتصادية. أعضاء مجلس الإدارة.

وفي وسط كل هذا كان آدم واقفًا بجوار الضيف الإيطالي الرئيسي السيد لورينزو مانشيني — بينما المرشد محمود يتلعثم في الترجمة تلعثمًا مهينًا.

لورينزو قال بالإيطالية بحدة واضحة:

Io ho chiesto una guida professionale, non un dizionario ambulante che ha paura della propria lingua.*

أنا طلبت مرشدًا محترفًا، لا قاموسًا يمشي ويخاف من لغته.

تجمّد محمود.

لم يفهم الجملة كاملة لكنه فهم الإهانة.

وأمامهم كان عضو مجلس الإدارة الأكثر تحفظًا — الأستاذ حمدي الشرقاوي — ينظر لآدم

وفي تلك اللحظة دخلت نور القاعة.

بهدوء.

بثبات.

وكأنها لا تدخل معركة... بل تدخل مكانًا تنتمي إليه.

التقطت عينا آدم وجودها فورًا.

ولثانية واحدة مرّ على وجهه شيء يشبه الراحة المفاجئة.

لكن حمدي سبق الجميع وقال بحدة

لأ مش دي إحنا اتفقنا إنها تبعد عن الواجهة مؤقتًا.

نظر إليه آدم.

نظرة واحدة جعلت الرجل يسكت ثانية.

ثم التفت إلى نور.

كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء بسيطة وشعرها مربوطًا بإحكام وعيناها ثابتتين رغم الغضب الكامن في صدرها.

اقتربت منه وقالت بصوت منخفض لا يسمعه أحد سواهما

— أقدر أمشي ولا لسه مش وقت شرح؟

نظر لها ثانيتين.

ثم أمام الجميع قال بصوت واضح هادئ لكنه يحمل قرارًا لا رجعة فيه:

— الآنسة نور جمال هي أفضل شخص في الشركة لهذه المهمة.

وأي حد عنده اعتراض على كفاءتها... يبقى بيعترض على قراري أنا شخصيًا.

سرت همهمة خافتة في القاعة.

ولأول مرة لم يكن دفاعه عنها خاصًا أو خلف الأبواب.

كان علنيًا.

صريحًا.

قاطعًا.

التفتت أنظار الجميع إليها.

ثم إلى آدم.

ثم إلى بعضهم.

ونور شعرت بشيء في صدرها يهتز.

ليس لأنها انتصرت.

بل لأنه أخيرًا وقف في الجهة نفسها.

استدارت نحو لورينزو وابتسمت ابتسامة مهنية وقالت بإيطالية سلسة بنبرة نابولية خفيفة أدهشت الرجل نفسه

— *Buonasera, Signor Manzini. Mi scusi per l’attesa. Adesso possiamo continuare in modo serio... e magari con un po’ meno dramma.*
مساء الخير سيد مانشيني. أعتذر عن الانتظار. الآن يمكننا أن نكمل بجدية... وربما بدراما أقل قليلًا.

تجمّدت ملامح لورينزو ثانية، ثم انفجر ضاحكًا:

— *Finalmente! Una persona viva!*

أخيرًا

ضحك بعض الحضور وانكسر التوتر.

وبدأت نور.

خلال عشرين دقيقة فقط، كانت القاعة كلها قد تغيّرت.

نور لا تترجم فقط.

نور تُنقذ.

تلتقط الجملة قبل أن تكتمل وتعيد صياغة الفكرة بما يناسب الطرفين وتشرح وتخفف التوتر بنكتة صغيرة في الوقت المناسب

وتضبط الإيقاع بين الدبلوماسية والدفء.

لورينزو صار منبهرًا بها.

حتى إنه قال بعد إحدى الترجمات الدقيقة:

— *Sei sicura di lavorare qui? Dovresti lavorare con noi a Milano.*
هل أنتِ متأكدة أنكِ تعملين هنا؟ ينبغي أن تعملي معنا في ميلانو.

ابتسمت نور وقالت:

— *Grazie, ma il mio capo diventerebbe insopportabile per una settimana intera se mi rubaste da lui.*
شكرًا لكن مديري سيصبح لا يُطاق لأسبوع كامل إذا سرقتموني منه.

قالتها وهي تنظر للورينزو.

لكن عينها مرّت — لجزء من الثانية — على آدم.

ولأن الغيرة لغة عالمية لا تحتاج ترجمة

شدّ آدم على فكه ونظر للورينزو نظرة لو كانت سكينًا لوقع الرجل قتيلًا فوق المقبلات مباشرة.

كريم الواقف في الخلف مع سيف همس

— شوفت؟ شوفت؟ الراجل هياكل الطليان نيّ

سيف ابتلع ضحكته:

— اسكت. لو بصّ هنا هنترفد إحنا الاتنين.

استمر الحفل.

نجح التوقيع.

تمت الصور الرسمية.

وصافح لورينزو آدم بحرارة ثم صافح نور مرة ثانية وقال بالإيطالية أمام الجميع:

— *La vera firma della serata non è sul contratto. È lei.*
التوقيع الحقيقي لهذه الليلة ليس على العقد... بل هي.

كانت جملة كبيرة.

كبيرة جدًا.

وآدم بدلًا من أن يضيق بها كما يفعل عادة مع أي مبالغة تخص أحد موظفيه قال بكل هدوء:

— وأنا متفق معك.

نظرت إليه نور.

وكانت تلك ثاني مرة في الليلة نفسها يختار أن يقف علنًا في صفها.

بعد انتهاء الجزء الرسمي انسحب الضيوف إلى منطقة الاستقبال الجانبية

وبقيت نور للحظات وحدها تقريبًا قرب الشرفة المطلة على النيل.

كانت يداها لا تزالان ترتجفان قليلًا من الأدرينالين.

نجحت.

لكن الغضب لم يختفِ بالكامل.

والوجع أيضًا.

سمعت خطواته قبل أن تراه.

وقف بجانبها.

ليس قريبًا جدًا.

لكن قريبًا بما يكفي لتشعر بوجوده وبرائحة عطره وبصمته وهو يملأ المسافة.

نظر كلاهما إلى النيل أولًا.

ثم قال آدم

— أنا آسف.

التفتت إليه فورًا.

لأنها لم تتوقعها بهذه السرعة.

ولا بهذا الوضوح.

— آسف على إيه بالظبط؟

— على إني خوّفتك وعلى إني جرحتك وعلى الإيميل الغبي

وعلى جملة "مش وقت شرح". وعلى إني افتكرت الحماية تبقى أوامر.

رفعت حاجبًا:

— حلو. في تقدم. إنت ابتدّيت تتكلم عربي

مرّ شبح ابتسامة على فمه.

ثم عاد جادًا:

— لما وصلت الشكوى الصبح... أول حاجة جت في دماغي مش اسمي. كان اسمك.

سمعت وأنا في الاجتماع جمل زي "البنت الجديدة" و"أكيد في سبب غير الكفاءة" و"لازم نفصل بين الشخصي والمهني"...

وكل اللي شفته وقتها هو إن أي قذارة هتقع مش عليا أنا. هتقع عليكِ.

صمت لحظة.

ثم أكمل بصوت أخفض:

— وأنا... اتخضّيت.
اتخضّيت من فكرة إني أكون سبب أذى ليكي

نظرت إليه نور طويلاً.

كانت ترى الصدق هذه المرة.

بلا قناع.

بلا دفاع.

مجرد رجل خائف يحاول أن يتعلّم لغة لم يتكلمها منذ سنوات.

— وأنا اتخضّيت من فكرة إنك ترجع تبعدني من غير ما تفهمني.

أومأ ببطء.

— عندك حق.

— طبعًا عندي حق.

— عارف.

— والجملة دي تتسجل في التاريخ.

التفت إليها كاملًا هذه المرة.

عيناه عسليتان داكنتان تحت ضوء الشرفة الخافت.

— أنا بتعلّم يا نور.

كانت الجملة بسيطة.

لكنها وصلت لقلبها مباشرة.

— وأنا مش طالبة منك تبقى مثالي. أنا طالبة منك بس... لما تخاف متعاقبنيش بدل ما تحكيلي.

مرّت لحظة صمت.

ثم قال بصوت خافت جدًا:

— حاضر.

وهنا حدث شيء لم يكن دراميًا ولا مصطنعًا.

لم تتعثر. لم يهبط مطر. لم تنطفئ الأنوار.

فقط وقفت هي صامتة مرهقة جميلة عنيدة ووقف هو أمامها بكل أخطائه وتعلّمه ومحاولاته.

ثم فتح ذراعيه قليلًا.

حركة صغيرة جدًا.

لكنها كانت أوضح من ألف كلمة.

نظرت إليه.

ثم إلى ذراعيه.

ثم إليه مرة أخرى.

وقالت بنبرة جافة متعمدة

— ده حضن اعتذار ولا حضن اتفضلي لو حبيتي؟

لأول مرة منذ ساعات ضحك فعلًا

— الاتنين.

اقتربت خطوة.

ثم أخرى.

ودخلت بين ذراعيه.

احتضنها ببطء... كمن يخاف أن يضغط كثيرًا فيكسر شيئًا ثمينًا.

لكن حين استقرّت بين ذراعيه شدّها إليه أكثر.

وضعت نور خدها على صدره وسمعت دقات قلبه.

سريعة.

أسرع مما توقعت من رجل يبدو دائمًا هادئًا إلى هذا الحد.

همست وهي لا تزال في حضنه

— قلبك بيجري.

رد بعد ثانية

— بيجرى ليكي

أغلقت عينيها.

وشعرت لأول مرة منذ بدأت هذه الفوضى كلها

أن العالم — ولو للحظة قصيرة في مكانه الصحيح.

رفع يده ببطء ومرّر أصابعه على شعرها ثم أبعدها عنه قليلًا ونظر إليها.

لمعة عينيه كانت أقرب شيء إلى الاعتراف الكامل.
ثم مال إلى جبينها.

وطبع قبلة هادئة طويلة فوقه.

قبلة لم تكن نزوة.

كانت وعدًا.

وكانت نور الغريبة الصاخبة صاحبة المقلاة والنعال المقلوبة تظن أن هذه القبلة وحدها تكفيها عمرًا كاملًا.

لكن لأن القدر لا يملك ذوقًا رومانسيًا محترمًا اختار تلك اللحظة بالذات لتقتحمها الكوميديا.

— آحم آحم آحم

ابتعدت نور عن صدره كأنها لمست سلك كهرباء.

التفتا معًا.

كريم.

واقف عند باب الشرفة ويحمل في يده صينية ميني إكلير ووجهه يصرخ

أنا شفت كل حاجة

وراءه مباشرة سيف واضعًا يده على عينه وكأنه طفل شاهد مشهدًا للكبار بالخطأ.

— أنا قلتله ما ندخلش والله قلتله
قالها سيف بسرعة دفاعية.

أما كريم فرفع الصينية وقال

— أنا جيت أسأل إذا كنتم عايزين الإكلير قبل ما يخلص. لكن واضح إنكم مشغولين بنوع آخر من التحلية.

— يا كريم!
قالتها نور وهي تكاد تموت من الإحراج.

أما آدم بدلًا من أن ينفجر غضبًا كما كان سيف يتوقع فقد نظر إلى كريم وقال ببرود رسمي غريب

— حطّ الصينية وامشي.

ابتسم كريم ابتسامة عريضة شريرة:

— حاضر يا باشا. بس كده نعتبر إن مجموعة "عملية تذويب الجليد" كسبت الجولة الرسمية؟

نور شهقت

— إنت هتموت النهارده.

أما آدم فالتفت ببطء شديد إلى كريم، وقال

— المجموعة دي هنتكلم فيها بعدين.
اختفى وجه كريم من باب الشرفة فورًا:
بعد دقائق كانت نور تستعد للانصراف.
الحفل انتهى.
الضيوف غادروا.
الليل تمدد فوق القاهرة والنيل يعكس أضواء المدينة كسلسلة من نجوم مكسورة.
وقف آدم عند باب السيارة وفتحه لها.
رفعت حاجبها
— الدقي في طريقك النهارده برضه؟
أجاب وهو ينظر إليها نظرة فيها شيء من المرح الجديد الذي بدأ يتعلمه
— لا..... أنا اللى في طريقي للدقي.
ابتسمت.
وركبت.
كان الطريق هذه المرة مختلف
لا صمت
لا جفاء.
لا حاجة للتمثيل.
المدينة ليلًا تبدو ألطف قليلًا حين تكون بجوار شخص تريدين البقاء معه حتى لو في زحام كوبري أكتوبر.
قالت نور وهي تنظر من النافذة
— على فكرة... لورينزو كان لطيف.
تشددت أصابع آدم على عجلة القيادة.
— لطيف؟
— آه. خصوصًا لما عرض عليّا ميلانو.
— ميلانو مش أحسن من القاهرة.
— دي أول مرة أسمع حد يقول الجملة دي بجدية.
— أنا جاد.
— وغيران كمان.
نظر لها بطرف عينه
— أنا؟
— آه إنت عينك كانت هتسفّه مع طبق المقبلات لما كلمّني.
— أنا مغيرتش.
— طبعًا
صمت لحظة ثم قال ببرود متعمّد

•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية

تعليقات