رواية صياد النايا الحانا الفصل التاسع 9 - بقلم اية العربي

 رواية صياد النايا الحانا الفصل التاسع 9 - بقلم اية العربي

بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .

اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين  ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين

الفصل التاسع من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي 

نحن قريبان بقدرٍ يسمح لنا استشعار أنفاسنا ، وبعيدان بمسافة تقدر بين الأرض والسماء 
نسبح عطشى في نهرٍ من الدماء ، ، نطوف حول قلوبنا الحبيسة النازفة ولا نملك لها دواء ، وإن رسونا على برٍ اهتز بنا وانزلقت أقدامنا ، نتعثر تارةً وننهض أخرى ، وكلما اتخذنا خطوةً نحو مستقبلنا دفعونا داخل حفرة ، أنا وأنتِ بحاجة إلى قدرٍ يرمم انكساراتنا ، يكفي ألا تفترق يدانا..

بقلم آية العربي 
❈-❈-❈

ترجل من سيارته التي ركنها جانبًا بالقرب من محل الفواكه المملوك لوالد مودّة ، لم يزُل من مخيلته كيف كان حديثهما الهاتفي أمس ، وكم كان والدها صلدًا في حديثه ، ولكنه قرر أن يسعى إليها  ، استشار والدته وشقيقته ورحبتا بقراره ، وها هو أمامه خطوة واحدة ليطلبها بشكلٍ رسمي ، ود لو ذهب مع والدته وطلباها من منزلها ورآها بأريحية ولكنه ينفذ من طلبه والدها ، لأجلها فقط  ..

اتخذ خطوته ودلف المحل يلقي السلام بهيأته الرجولية المنمقة المرتبة قائلًا  :

- سلام عليكم  .

رد عليه السلام ثم نظر له نظرة شاملة وتعرف عليه ثم أردف قائلًا :

- إنت الدكتور نوح ؟ اللي حكيت معايا امبارح ، صُح ؟

أومأ نوح يبتسم نصف ابتسامة ويجيبه وهو يتحرك نحوه ويمد يده للسلام  :

- أيوة يا حاچ طاهر ، أنا نوح البسيوني  .

- اتفضل  .

نطقها الرجل وهو يبادله السلام فجلس نوح على المقعد المقابل للرجل ، ونظر حوله نظرة سريعة لتختلط روائح الفاكهة الطازجة في أنفه لذا حكها بشكلٍ عفوي لينطق طاهر بترقب  :

- سامعك  .

تحمحم نوح ينظر إليه ويردف بشكلٍ مباشر نظرًا لرغبته :

- زي ما قولت لحضرتك امبارح ، أنا معيد في چامعة الأقصر ، وبدرس لمودة ، واشهد لها بحسن الخُلق وده اللي خلاني آخد خطوة چد واچي اطلب إيدها منك على سنة الله ورسوله  .

ابتسم بتباهٍ لكلمات نوح عن ابنته ، وبدأ يفرك حبات مسبحته وكاد أن يتحدث لولا دخول ابنه مسعود بشكلٍ مفاجئ يلقي السلام ويسحب مقعدًا ويجلس يطالع نوح بنظراتٍ فجة كطريقته ، ثم ألقى ما في جوفه بتهكم قائلًا  :

- إنت بجى الدَكتور اللي كنت واجف تتحدت وياها في نص الچامعة ، يصح بردك اللي عملته ده ؟

انكمشت ملامح نوح ونطق مستنكرًا يجيبه برسمية   :

- مش فاهم قصدك ؟ يعني إيه يصح ؟ مودّة طالبة عندي وكان عندها استفسار وطبيعي تسألني وطبيعي جدًا أشرح لها اللي مش فهماه  .

نطق ساخرًا وهو يبتسم باستفزاز  :

- ايوا ايوا ، واديك چاي تتجدم لها أهو  .

دنا منه وتبدلت ملامحه واحتدت نبرته وهو يستطرد  :

- إنت شايفني مختوم على جفايا  ؟

انزعج نوح ونهض يباغته بضيق بينما نطق والده معاتبًا :

- مايصحش إكده يا مسعود ، الراچل جاي طالب يد أختك على سنة الله ورسوله...  اجعد يا ولدي  .

قالها لنوح الذي استغفر سرًا وجلس ينظر نحو طاهر ويحيد عينيه عن ابنه الفظ ، ثم نطق بتروٍ  :

- يافندم تقدر تسأل عني كويس ، أنا معروف عني إني دوغري وجاي داخل البيت من بابه ، وأول ما حسيت إن الآنسة مودة هي البنت اللي بتمناها تشاركني حياتي كلمتك علطول ، وطبعًا حقها توافق أو ترفض علشان كده أنا هستنى منك مكالمة لو وافقتو هجيب والدتي ونيجي نقرأ الفاتحة ونتفق ع المطلوب  .

نظر الرجل لابنه الذي أخرسته كلمات نوح فلم يجد ما يضيفه ، لذا عاد إلى نوح يومئ ويردف بتعالٍ كاذب  :

- تمام يا ولدي ، ربنا يجدم اللي فيه الخير ، حنسأل عليك زين لول وهشيعلك خبر  .

زفر نوح وأومأ ثم نهض يهندم حلته ويرد مختصرًا قبل أن يغادر هذا المكان  :

- تمام ده حقكوا طبعًا ، وحنتظر منك مكالمة ، عن اذنك يا حاچ طاهر  .

تحرك يغادر وتركهما يجلسان يتابعانه حتى استقل سيارته وغادر ليلتفت مسعود إلى والده وينطق بغلظة  :

- جولتلك يابوي بتك ماحتجبهاش لبر واصل ، شوفت أخرة مرواحها الچامعة ؟

نطق والده بنفاذ صبر موبخًا  :

- بزياداك عاد ، الچدع رايدها في الحلال ، وبيجول في حجها كل خير ، إحنا حنعوز إيه أكتر من راچل محترم يطلب يدها ، عملت إيه اختك دلوك !

زفر بملل ولوح بيده ثم نهض ينطق بضجر قبل أن يندفع مغادرًا بغير تبرير  :

- اعمل اللي انت رايده ، أني ماشي  .

❈-❈-❈

وقفت عند أحد محلات الأدوات المنزلية تنتقي ما تريده ، تجاورها أسماء تثرثر كعادتها مرددة  :

- عندينا من دي كتير ، بس غطيانهم ضايعة ، اسأليه إكدة لو ينفع نشتري غطيان بس ونوفر الجرشينات .

لكزتها فرحة ونطقت موبخة نسبةً لصوتها العالي  :

- وطي حسك وملكيش صالح عاد ، حتدفعي من چيبك إياك !

- وه ؟ مش ده حديتك ليا يا أبلة فرحة ، دلوك ماعجبكيش؟

تأفأفت فرحة بنفاذ صبر توضح على عجل ٍ  :

- يا أم راس تخينة حنشتري غطيان بس كيف ؟ ناويلي دستتين من الكبابي اللي هناك دول ومدي جدامي علشان نحاسب ونرجع ع الدار ، زمان أم المحروج غارت  .

تحركت نحو البائع لتدفع ثمن مشترياتها ولكنها اصطدمت بإحداهن التي التفتت تنظر بضيق فوجدتها فرحة  .

علت الدهشة ملامحهما سويًا بينما نطقت الثانية معربة عن سرورها  :

- فرحة ؟ ده إيه الصدفة الزينة دي؟

أومأت فرحة وتفشى الحزن في عينيها تجيبها بابتسامة هادئة :

- الحمد لله يا سمية ، أهو.. بعافر مع الدنيا ، إنتِ عاملة إيه،وعايشة فين دلوك ؟

عبست ملامح سمية ونطقت بخفوت حزين  :

- جاعدة في أرمنت ، بس جولت انزل السوق اشتري شوية حاچات ، وهو زين اني شوفتك ياخت الغالي .

ابتسمت فرحة مجاملة لتستطرد سمية بتصيد  :

- مافيش چديد عن جضية التار؟

ترقبت إجابتها بدقة وتركيز تخفيهما نظرة خبيثة لتجيبها فرحة بابتسامة ساخرة ، ونظرة عجزٍ ترتدي عدستي انتقام   :

- فيه ، چدي جبل الصُلح ، وكمان أداني ليهم قُربان ، حتچوز اللي جتل مؤمن  .

تخشب جسد سمية وتجمعت نيران حارة في صدرها، حاولت بصعوبة السيطرة عليها قبل أن تصل لعينيها وهي تردد بصدمة  :

- كيف ده ، حتتچوزي عمار؟

أومأت فرحة بألم عصي ، بينما نطقت أسماء من خلفها بتعجل  :

- يالا يا ست فرحة إحنا معطلين الطريج ، الناس عايزة تعدي  .

انتبهت للمكان الذي تقف به لذا نظفت حلقها واستطردت :

- أني حروح أحاسب يا سمية ، استنيني برا علشان آخد رجمك وابجى اكلمك  .

أومأت سمية وخطت نحو الخارج تحاول مضغ هذا الخبر الذي سقط على رأسها كالمطرقة ، هل سينعم عمار وتعيش هي سنواتها في الحرمان ؟ إنها الآن تكرهه بقدر ما أحبته سابقًا ، ولكن كان يرضيها حالة العجز والخوف التي عاشها لسنوات ، أما الآن فهل ستنفتح جراح الماضي وتعيش ذات الألم والرفض مرةً أخرى؟...

بعد دقائق خرجت فرحة لتجد سمية تقف تبكي على جانب الطريق ، فتعجبت وأسرعت تقترب منها وخلفها أسماء متعجبة ، توقفت أمامها وتساءلت بترقب  :

- بتبكي ليه يا سمية ؟

نظرت نحوها باستنكار وأرادت فتح جراحها عن عمدٍ ، لذا نطقت بنبرة توبيخية يغلفها الحزن والصدمة  :

- إنتِ كيف توافجي ع الچوازة دي يا فرحة ؟ للدرچادي نسيتي مؤمن ؟ ده كان بيحبك أكتر من نفسه ، إزاي تجبلي تتچوزي اللي غدر بيه وجتله وحرج جلوبنا عليه ؟ أني ماجدراش استوعب ، آخر واحدة كنت أتخيل إنها تعمل إكدة هو انتِ.

صبت فوق همومها همًا، وهي لا تحتمل المزيد، لذا وقفت تسمعها بصمتٍ كأنها ترحب بجلد الكلمات، ولم تجد ما تجيبها به  ، تدرك أنها محقة وهذا ما استشفته سمية لذا تابعت تبصق كلماتها الحادة   :

- نسيتي لما وجف لچدك علشان تروحي الچامعة؟ ولا لما المعيد زعجلك وراح اتهچم عليه علشان بس دخل لجاكي بتبكي؟ ده كان كل ما ييجي في يده فلوس يجول لازمًا أفرح فرحة بهدية ، إنتِ بالذات كنتِ حتة من روحه  ، إزااااي جدرتي تعملي إكدة  ؟ تعذبيه في جبره ليه يا فرحة؟

ألقت ما في يدها أرضًا بغضبٍ وصاحت بحرقة وهي تحدق بها بنظرات مبطنة بالترجي  :

- بزيــــداكي، ماحدش ليه صالح بيا ، إنتِ ماحتحبيش أخويا أكتر مني ولا حتتوچعي عليه جدي، أنتِ خدتي حالك ومشيتي بعد موته وماخبراش اللي أنا عيشته، مين جالك إن ناري انطفت؟

اقتربت منها قليلًا ونطقت بخفوت وثبات وتوعد كأنها تطمئن الجميع  :

- ماحدش هيطفي ناري غير دم ولد الحنانوة.

ابتعدت عنها وابتسمت بألم كأنها بمجرد نطقها لذلك أسعدها، لذا انحنت تلتقط الأكياس ونطقت ببرود ونظرة ثاقبة استهدفت بها مقلتي سمية :

- هنتجابل تاني يا سمية ، ووجتها هكون رچعت حج أخوي ، يالا يا أسماء  .

تحركت من أمامها وتركتها تقف تفسر وتحلل ما قالته ، هل ستفعل ما لم يستطع مؤمن فعله آنذاك ؟

❈-❈-❈

دلف القصر يشم رائحة الطعام الزكية ، هو بالفعل يشعر بالجوع لذا تحرك نحو المطبخ يلقي السلام ثم بحث بنظره عن نهاد فلم يجدها كما اعتاد، لذا تساءل موجهًا حديثه إلى مروة  :

- أومال نهاد فين يا مروة؟ وأمي هي كمان فين؟

أجابته  :

- الست صابحة راحت تزور الست منصورة عمتك، والست نهاد خرچت مع حسناء ، جالت رايحة تشتري حاچات لحمزة  .

تعجب، فهو اعتاد أن تخبره إن احتاجت لشيء، أو حاولت الخروج من المنزل، لذا أسرع يلتقط هاتفه ويفتحه ليجدها بالفعل حاولت الاتصال به ولكنه فعل وضع الصامت ولم يتذكر تفعيل الوضع العام بعد خروجه من المشفى  .

ليجد رسالة نصية منها تخبره أنها ستذهب لتبتاع بعض الأغراض ، لذا زفر وأومأ يتساءل  :

- وحمزة فين ؟

- مع الست نوارة في أوضتها بتوكله  .

أومأ بتفهم وأردف قبل أن يتحرك  :

- طيب چهزيلي لجمة أكلها ، أني حروح أشوف حمزة  .

- عنيا

خطل نحو غرفة شقيقته وأسرعت مروة تتحرك لتجهز له الطعام  ...

❈-❈-❈

بعد وقتٍ في قصر آل حامد

جالسًا مع جده ووالده وأيوب في بهو القصر على الأرائك الأرابيسك ، جمعهم ليخبرهم بما يريد ، جاءت إحدى الخادمات تضع الشاي والنواعم فوق الطاولة التي تحتل جزءًا كبيرًا من المنتصف ، وضعتهما وغادرت ونظر الجد نحو حفيده يتساءل بترقب  :

- خير يا يونس؟ جول اللي عنديك يا ولدي، وانت يا أيوب جوم صب الشاي  .

أسرع أيوب يفعل ما أمره، بينما تحلى يونس بالثبات وتزينت ملامحه بابتسامة مبهجة برغم جديته لينطق بنظراتٍ مصوبة نحو زيدان  :

- أني عايز اتجدم لنوارة بت خالي يا چدي، لو بعد اذنكوا نطلب يدها وبدل الفرح يبجى فرحين، دا لو هي جبلت يعني  .

قطب الجد جبينه وظل يتفحصه لبرهة حيث تفاجأ بطلبه، فأطرق يونس رأسه بتوتر ليتحمحم الجد وينظر إلى حسان يتساءل  :

- رأيك إيه يا حسان؟ ابنك رايد يتچوز فجأة إكده ؟

برغم تعجب حسان إلا أنه لم ينكر فرحته لذا نطق  :

- يظهر كان مستني الصُلح يابوي ، وع العموم أني ماعنديش مانع واصل ، لو يونس رايدها وهي موافجة وعبد الوهاب راضي يبجى نتوكل على الله ، وكيف ما يونس جال ، بدل الفرحة تبجى فرحتين  .

اومأ زيدان وعاد إلى يونس يباغته بخبث ويردف  :

- كل ده حُصل علشان شيعتك حداهم تودي الهدية ؟ اه منك يا شيخ يونس  .

تفاجأ يونس من مداعبة جده له لذا نطق بحرجٍ  :

- وه ، انت تايه عني يا چدي ولا إيه ؟ الموضوع مهواش كيف ماعتفكر  .

نطق أيوب بعدما ناولهم الشاي وعاد يجلس مكانه يفشي سر يونس الذي أخبرته به فرحة قبل سنوات  :

- يا چدي يونس عينه من بت خاله من زمان جوي ، والصلح چاله ع الطبطاب  .

حدجه بنظرة حادة فأسرع الجد يلطف الأجواء بينهما قائلًا:

- ده لو صُح يبجى نطلبهاله من بكرة الصبح، احنا لينا بركة الا ولدنا يونس الغالي شيخ شباب الحوامدية   .

نجح في تنويم حدة يونس ولكنه أشعل فتيل غيرة أيوب نطق بتهكم  :

- ومالو يا چدي،هو الكبير بردك ،بس ماتنساش أيوب الغلبان  .

نطق الجد يراضيه بنبرة لينة  :

- إنت خابر زين مجامك عند جدك يا ولدي  ..

ابتسم أيوب بينما نطق يونس بحماسٍ مستتر  :

- نتوكل على الله بكرة يا چدي؟

نطق الجد موضحًا  :

- بت عمك جالت إن ولد الحنانوة اتصل النهاردة ، بكرة الصبح نتحدت وياه ونجوله ييچي ويچيب عبد الوهاب نحدد معاد الفرح ونشوف ، وربنا يجدم اللي فيه الخير  .

❈-❈-❈

عادت بصحبة حسناء التي تلتصق بها وتحدثها بخفوت، دلفتا القصر فلكزتها نهاد وأشارت لها نحو المطبخ وكادت أن تتحرك للأعلى نحو غرفتها ولكن أوقفتها مروة التي قابلتها لتوها تخبرها بما حدث :

- مهران بيه سأل عليكي يا ست نهاد، أني حضرتله الوكل وأكل وطلع فوج هو وحمزة  .

توترت نهاد ولكنها أومأت وتساءلت  :

- ومرت عمي رجعت؟

أومأت مروة تجيبها  :

- أيوة رجعت وجاعدة هي والحاچ في المكتب  .

توترت بشكلٍ مضاعف، فعلى ما يبدو أنها تأخرت في العودة، لذا تابعت صعودها لتراه وهي تحمل في يدها كيسين ورقيين وحقيبتها الخاصة  .

صعدت وفتحت باب غرفتها لتجده يجلس على الفراش يحاول تنويم صغيره ويربت عليه بحنان، حينما لاحظها التفت ينظر لها بتفحص فابتسمت بتوتر وتقدمت ترحب به فنطق مستفسرًا  :

- كنتِ فين كل ده؟

وضعت الأكياس جانبًا وجلست تجاوره وتجيبه بعدما ازدردت ريقها تحاول التشبث بالثبات  :

- لفينا شوية أني وحسناء ، مروة جالت لي إنك أكلت ، تحب أعملك حاچة تشربها ؟

هز رأسه بلا فنظرت لصغيرها الذي بدأ يغفو لذا أردفت وهي ترنو منه  :

- طب جوم انت خد شاور وأنا حنيم حمزة في سريره علشان تريح شوية  .

حدق بها فبدا له كما لو كانت تهرب بنظراتها لذا تساءل وعينيه التفتت نحو الأكياس  :

- وريني إكده اشتريتي إيه ؟

ابتسمت وتحركت يدها تنتشل الأكياس ثم بدأت تخرج منهما الملابس الناعمة لصغيرها وتعرضها عليه حتى توقفت عند قطعة ملابس نسائية جريئة ، قبضت عليها بحرجٍ فقطب جبينه وتساءل وهو يحاول تخليصها من بين يديها ليراها فازدادت قوة قبضتها ونطقت بترجٍ  :

- ماتشوفهاش دلوك علشان خاطري ، جوم بس خد شاور وهتشوفها عليا  .

استيقظت مشاعره وابتسم وأبعد يده عنها، ثم زفر ينهض ويتجه نحو غرفة الملابس ليأخذ منها ما يناسبه، ثم تحرك نحو الحمام وقد قرر أن ينغمس معها في وجبة المشاعر التي تعدها لتقدمها له ، هو بحاجة لها خاصةً الآن لتنتشله من التفكير في أي مواضيع أخرى  .

حينما دلف وسمعت صوت المياه وتأكدت أنه بدأ استحمامه أسرعت تفتح حقيبتها وتخرج منها قطعة مربعة من القماش على هيئة صُرّة ، مبطنة بشيءٍ ما لا تدرك مهيته بالكامل ، ولكنها أسرعت تلتقط صغيرها وتمدده في مهده ثم عادت وانحنت ترفع طرف المرتبة وتضع هذه القطعة أسفل السرير ، وتحديدًا أسفل الجهة التي ينام مهران فيها  .

نهضت وأسرعت تعيد ترتيب الفراش ثم التفتت تخرج زجاجة تشبه زجاجات العطور وبها نوعًا معين من الروائح الخاصة ، نثرت منها الكثير على فراشهما وعلى القميص النسائي الخاص بها، ثم تحركت نحو غرفة الملابس وباتت تنثر منها على ملابس مهران الداخلية ثم عادت سريعًا تخفيها في حقيبتها وجلست على الفراش تتنفس بصخب وتوتر حاد ، شيئًا ما بداخلها ينهرها عما فعلته ، وصوتًا مناقضًا يحثها على ذلك ويقنعها بأنه ربما هذا هو الحل، هي لم تستطع وضع خاتم في إصبعها مثل حسناء وإلا لاحظ مهران أمرها وكذلك نوارة وصابحة ، لذا اختارت استعمال هذه الأغراض لهذه المرة فقط، إن أتت بنتيجة ملحوظة كان بها ، وإن لم تأتِ فلن تجرب هذا الشيء مرةً أخرى  ...

بكا صغيرها فنهضت تتجه نحوه وتهز مهده وتنظر إليه بشيءٍ من الندم ، لذا نطقت بخفوت وهي على وشك البكاء  :

- غصب عني يا حمزة ، ماحعملهاش تاني ، بس أني بحب أبوك جوي ونفسي يحس بيا ويعاملني كيف الخلج  .

كفكفت مقلتيها سريعًا وزفرت بقوة، وحاولت هدهدته حتى غفا فتحركت تلملم الأغراض وترتب المكان وتجهز نفسها إلى أن يخرج  ..

❈-❈-❈

في غرفة نوارة

جلست على سجادة الصلاة ، تصارع رغبتها في النهوض ، أغمضت عينيها حينما شعرت بصداعٍ ولكمات بدأت تضرب جانبي رأسها، ثم أسرعت تبصر حتى لا تسمع ذلك الصوت البغيض  .

رفعت كفيها تدعو ربها وتناجيه برجاءٍ  :

- يارب، إنت بس اللي عارف إيه اللي فيا، أني مؤمنة بكتابك وعارفة إن السحر والحسد موچودين، بس أني ماعرفاش اللي بحس بيه ده تفسيره إيه، وخايفة أتحدت ويا حد يتجال عني مچنونة، ماعيزاهمش يعملوني كيف ما بيعاملوا البنات إهنة، ماعيزاش يوصل الأمر بيا إني أروح لناس چاهلة يزودوا وجعي ويجولوا حديت خايب ، وبعدين مين يارب اللي ممكن يئذيني إكده؟ أني بعدت عن الناس وعن زمايلي ومابجاش ليا علاقة غير بأهلي، معجول يكون اللي بحس بيه ده سحر؟ إيه اللي فيا ده يارب، أني خايفة وماعرفاش أعمل إيه ولا اتحدت ويا مين، فوضت أمري ليك يارب، أنت وحدك اللي جادر تطلعني من اللي أني فيه ده  ..

تنفست بقوة مع ازدياد صداع رأسها فأسرعت تدعو ربها  -

( اللهم أبطل كل سحر نفثوه في عقد ، اللهم أبطل كل سحر كتبوه بحروف ومربعات .
اللهم إنك أقدرت بعض عبادك على السحر والشر، ولكنك احتفظت لذاتك بإذن الضر، فأعوذ بما احتفظت به مما أقدرت عليه بحق قولك الكريم: (وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).
اللهم اكفني شر كل ساحر وساحرة، اللهم اقلب السحر على من سحر، أأعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق  .

شعرت بسخونة تستهدف جسدها،كأن شخصًا آخر يسكن بداخلها يرغب في تقييدها دومًا، أسرعت تقرأ المعوذتين وآية الكرسي بصعوبة وتلعثم كأن لسانها يتلوى، إلى أن انتهت وحاولت النهوض بصعوبة بالغة كأنها سقطت لتوها من فوق تلة عالية،  تستند على شيء ما لتنهض، كادت أن تسقط فاستعانت بربها ونهضت وقررت أن تخرج لتلتقي بأحد من عائلتها ولن تترك نفسها لتلك الأصوات تستفرد بها  ...

غادرت غرفتها فرأتها صابحة التي كانت في طريقها إلى المطبخ، حينما لمحتها أسرعت نحوها واحتوتها تنظر لملامحها بذعرٍ فارتمت نوارة على صدرها فأسرعت تجلس بها على الأريكة المجاورة وتحتضنها لتنطق نوارة بدموعٍ ووهن  :

- ساعديني يا أما، مابجتش متحملة  .

شددت من عناقها ونطقت وقد تكونت الغيمات في مقلتيها  :

- حاضر يا نور عيني، حاضر يا ضنايا..

أسرعت تسير بكفها على جسدها وتردد  :

- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم إني استودعتك بنتي يارب، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة.

ظلت تردد هذه الكلمات على رأس ابنتها ونظرتها معبأة بالتصميم والمضي قدمًا فيما نوته  ...

❈-❈-❈

خرج مهران من حمامه فوجدها تنتظره كما هي، طالعها متعجبًا وتساءل بترقب  :

- ماغيرتيش خلجاتك ليه  ؟

نهضت تنتشل قميصها واقتربت منه تنطق بدلال وهي تقترب منه  :

- هدخل آخد شاور أني كمان وارجعلك علطول  .

أومأ بتفهم وتوغلت إلى أنفه رائحة غريبة فتركها وتقدم من فراشه يجلس عليه ، يستشف هوية هذه الرائحة الغريبة ولكنه فشل في معرفتها، إلا أنه وجد عقله يأخذه إلى فكرة أنها تسعى لإسعاده فتنفس بقوة، ولا يعلم لمَ هجمت على مخيلته تيا حينما سألته عن زواجه ، ماذا كانت تنتظر؟ ولمَ عبست ؟ هل تأملت بشيء ؟ هل فعل شيء جعلها تفكر بتلك الطريقة ؟

تمدد على الفراش يضع كفيه أسفل رأسه وينظر لسقف الغرفة الأبيض ويفكر، ماذا يريد؟ هل بالفعل هو يعاني من الاحتياج لأشياء أخرى لم يجدها في نهاد؟ أم أنه يطمع في حياة جديدة أكثر ارتياحًا من هذه الحياة المملة نوعًا ما؟ هل بالفعل يحاول انتشال حقٍ قد سُلب منه أم أنه يسرق ما ليس من حقه؟

ولكنه طوال حياته لم يسرق شيءٌ من أحد، دومًا عُرف بعطائه، وربما هذا العطاء كان هو سبب إجباره بالزواج من ابنة عمه السيء، نعم نهاد ليس لها ذنب في ذلك ولكنها لا تريد أن تتخلى عن غضبها من عائلتها، وكلما غضبت واشتكت تذكره برفضه لهذه الزيجة وإجباره عليها  ..

خرجت بعد دقائق تنظر إليه فوجدته شاردًا فتحركت نحو مرآتها تتزين، ولكن حينما التقت بعينيها في المرآة تذكرت ما فعلته اليوم، وانتابها الندم، ولكنها لم تعد تستطع العودة.

انتهت وتحركت تتمدد جواره فالتفت يطالعها فابتسمت له، نظر لها كأنه يترجاها ألا تعيده لنقطة الصفر في الصباح، ثم أغوته عيناه لتتحرك أنظاره نحو زهورها الوردية، تضخمتا رئتيه حيث حبس الهواء فيهما رغبةً، ليرتفع قليلًا ويطلق زفرة حارة قبل تساعده يده وتتحرك  لتزيح خصلاتها التي تسبب عائقًا لعينيه وهو قد مل من العوائق ،  سرت الكهرباء في حواسه، ودنا منها يقبلها قبلة هنا وقبلة هناك،بملمس يشبه الحرير،ناعم كالقطن، مُسكر كالخمر حيث جعل عقلها يرفرف بجناحيه ليبتعد عن العاصفة ويستطيع التحليق فوق الغيوم بصفوٍ ، جعلها تذوب معه في فوهة علاقتهما الملتهبة برغم توتر سطحها وهشاشة محيطها  ..

هذا التواصل الذي يجعله يعيش حالة من الندم والتخبط بعد ذلك ، إن كان هذا ما يشعر به معها فكيف لا يحبها؟ 
إن كانت هذه حالته الآن فكيف لا تساعده هذه الحالة على تقبل شكواها ؟ 
إن كانت هذه الاعترافات الهامسة منها تضخم قلبه وتحرر نشوته دومًا يشعر أنه مقيد بالزواج منها  ؟؟؟

ماذا تريد يا مهران؟

❈-❈-❈

في اليوم التالي

في قصر آل حامد

وبناءً على رغبة زيدان

تجمع كلًا من عبد الوهاب وعمار وزيدان وحسان ويونس وأيوب في ردهة القصر، وضعت الضيافة وجاءت منصورة تلقي بالسلام فأسرع عبد الوهاب يقف ويستقبلها في عناقٍ حار غير مبالٍ بردود أفعال من حوله، اشتاق لها، لهدوئها، لحكمتها، لحنيتها، على عكس شقيقته نجوى  .

بادلته العناق بحرارة، وعينين باكيتين تأثرًا، ثم ابتعدت واتجهت ترحب بعمار وتعانقه بالمثل أسفل نظرات أيوب الغاضبة والذي جاهد ليكظم غيظه، بينما خلف أحد الأبواب تراقب فرحة ما يحدث بحالتها المعتادة ونيرانها المتوهجة  .

نطق الجد زيدان حينما وجدها تلتفت لتعود  :

- اجعدي يا منصورة ويانا  .

نظرت له بامتنان وجلست بينهم ليستطرد زيدان بترقب  :

- إيه رأيك يا عبد الوهاب لو نحدد فرحنا بعد شهر  ؟ نكتب الكتاب والدخلة في يوم واحد  .

نظر عبد الوهاب لابنه الذي ابتسم يومئ فنطق بهدوء  :

- ومالو يا حاچ زيدان، توكلنا على الله وخير البر عاچله  .

نظر يونس إلى جده كأنه يحثه على طلبه فتابع زيدان بترقب  :

- بس أني ليا عنديك طلب كمان   .

- أؤمر  .

نطقها عبد الوهاب بتأهب فتابع زيدان بنبرة ثاقبة  :

- يونس ولدنا طالب يد بتك نوارة على سنة الله ورسوله، لو انت راضي وبتك راضية يبجى نيجي نطلبها ونخلي الفرحة فرحتين   .

تفاجأ عبد الوهاب مما سمعه وتلقائيًا التفتت عيناه نحو يونس كأنه يستفسر منه فنطق موضحًا  :

- أني رايد نوارة يا خالي، ولولا اللي حُصل بيناتنا كان زماني طالب يدها من جبل سابج، بس كل شيء بأوانه، اتحدت وياها ولو هي راضية أني شاريها وشايلها فوج راسي  .

لا ينكر عبد الوهاب سعادته بهذا الطلب، وكذلك عمار الذي يوقن أن يونس شاب لا يُرفض، ولكنهما تفاجآ ، لذا نطق عبد الوهاب بنبرة مترددة  :

- على راسي يا ولدي بس انتوا فاچئتوني ، خليني أجعد ويا بتي واتحدت ونشوف اللي فيه الخير ربنا يجدمه  .

أومأ زيدان ونطق مؤكدًا  :

- خير ان شاء الله، يالا مدوا يدكم بسم الله  .

بدأوا يتناولون الضيافة ويتحدثون عن عدة تفاصيل عن التجهيزات والطلبات من العائلتين، ليتحمحم عمار وينطق بنبرة جريئة تحمل على متنها التوتر  :

- بعد اذنك يا چدي لو تسمح طبعًا، كنت رايد اتحدت ويا الآنسة فرحة  .

أومأ الجد بقبول فهو يتمنى لو تقبل حفيدته ذلك، لذا نظر إلى منصورة قائلًا  :

- جولي لفرحة تچهز يا ام يونس، الچدع من حجه يتحدت وياها بردك  .

أومأت بتوتر لمعرفتها ردة فعل فرحة، نهضت تتحرك نحو الغرفة التي تجلس بها، طرقت الباب ودلفت لتجدها تجلس مشدوهة بعدما سمعت، تطالعها بحدة وتنطق برفض  :

- ماعايزاش أشوف خلجته، جولي لچدي فرحة طجت ولا ولعت، هملوني لحالي  .

زفرت منصورة واتجهت تجلس قبالتها وتنطق بتروٍ  :

- عارفة إنك مامتحملاش كلمة مني، بس يابتي لازما تتحدتوا، ده كمان شهر وهيبجى چوزك، جوليله اللي عنديكي وهو يجولك اللي عنده، مش يمكن ترتاحوا؟

لم تقتنع مطلقًا بل نظرت لها ونطقت بتصميم  :

- ماخرجاش يا مرت عمي، چدي حكم عليا اتجوزه، بعد يوم بعد شهر بعد سنة أني خلاص اعتبرتها چنازتي مش چوازتي، ماعيزاش اتحدت وياه، أبوس يدك جوللهم أي حاچة  .

نطقتها بترجٍ وهي على وشك البكاء متجردة من حدتها أمام أنظار منصورة التي حزنت لأجلها ورأفت بها، لذا تنفست ونهضت تومئ وتحركت نحو الخارج تقف أمامهم وتنطق بحرج  :

- فرحة تعبانة شوية يابا الحاچ، خليها وجت تاني يا عمار  .

هبطت لهفته وابتسم يومئ بحرج ليردف حسان ليراضيه بنبرته وعينيه :

- واحدة واحدة عليها يا ولدي.

باغته أيوب بنظرة متشفية بينما أومأ عمار وأردف بثبات يواري حزنه :

- على راسي يا حاچ حسان .

❈-❈-❈

وصل مهران إلى مقر عمل الحاج عابد عم تيا بعد أن تأكد من وجوده هنا اليوم، دلف يلقي السلام فرد عليه العمال الذين يعملون معًا في صناعة المنسوجات اليدوية الثمينة.

نظر إلى كبيرهم والذي كان يلقي التعليمات عليهم وتساءل بترقب  :

- حضرتك الحاچ عابد؟

أومأ الرجل واقترب منه وكأنه استشف هويته ولكنه تساءل وهو يضع كفيه خلف ظهره متأهبًا  :

- مين حضرتك؟

بادر مهران بمد يده وهو يعرف عن نفسه قائلًا  :

- أنا مهران آل حانا، چاي اتحدت وياك في موضوع مهم، ممكن نجعد في مكان مناسب لاجل ما نتحدت براحتنا  .

بادله عابد السلام وأشار له نحو ركنٍ هاديء فاتجها سويًا يجلسان فوق أريكة خشبية فأردف عابد بعلو إلى أحدهم  :

- هات اتنين شاي يا احمد  .

تحمحم مهران وتمنى لو يتقبل عابد ما سيقوله، ولكنه استشف من ملامحه الجمود والضيق، لذا زفر بقوة ونطق بتريث مترقبًا ردة فعله  :

- خلينا ندخل في الموضوع طوالي يا حاچ عابد، أكيد إنت عرفت من اسمي إني چيت عند بيتكو جبل سابج، وكان معايا بنت اخوك بدران الله يرحمه ، هي راچعة بعد ما ابوها وامها اتوفوا ومحتاچة راعيتكوا، وانت راچل مايعديكش العيب ودي لحمكوا، ماينفعش صبية زينة زي دي تعيش بعيد عنيكو.

باغته عابد بنظرة مفصلة ولم يعِر كلماته اهتمامًا، بل باغته بسؤالٍ مشكك  :

- وانت مهتم بيها بصفتك ايه؟ وتعرفها منين؟ اللي اعرفه إن اولاد الحاچ عبد الوهاب آل حانا بردك ناس مايعدهاش الأصول  .

تضايق مهران من حديثه المشكك لذا نطق مدافعًا بنبرة جادة  :

- حاسب على حديتك يا حاچ ، بنتكم شوفتها صدفة مكان شغلي، ولولا حالتها ووضعها اللي خلوني أساعدها أني مكانتش جاعد جدامك، وماينفعش أجعد أحنن جلبك عليها، أني راچل غريب ودي لحمكوا، وامبارح كانت هتموت وطلع عليها بلطچية ضربوها وجالولها إنهم تبعك وكانت ممكن تبلغ عنك وتحبسك بس هي جالت لاء ماحبلغش عن عمي، استهدى بالله اكدة وماتخليش حد يجسي قلبك عليها، حرام دي وصية أخوك بردك  .

لم يتأثر بكلماته، كانت قسوته هي البادية، بل أن نظراته كانت معبأة بالشك والاتهامات التي استهدفت مهران وقرأها جيدًا، لذا شعر باليأس وأكد له عابد شعوره حينما نطق بقسوة  :

- اسمع يا ابن الناس الطيبين، أني ماعرفش إنت غرضك إيه، كل اللي اعرفه إن البت دي ماحدش في عيلتنا رايدها ولا طايجها ولا تلزمنا ولا مصدجين انها بنت اخونا من أساسه، جولها تبعد عنينا بخيرها بشرها، أخويا مالوش غير بنتين سابهم صغار وراح ورا واحدة امريكانية ونسي مرته ونسي عياله واحنا اللي ربيناهم وكبرناهم وچوزناهم، غير إكدة ملناش بنات أخ، جولها ترچع للمكان اللي چت منيه علشان لا سمح الله مايحصلهاش حاچة.

لم يستوعب مهران هذه الكلمات على الفور، بل ظل يحدق في الرجل ويعيدها على عقله وسط ذهوله، يبدو أنه من فعل بها ذلك، ويبدو أنه مهما حاول معه لن يفلح في شيء، ويبدو أن تلك المسكينة ستظل وحيدة  .

نطق مهران بعدما تجاوز صدمته  :

- معنى اكدة إن اللي حصلها كان صُح رسالة منك علشان ترچع.

لوح عابد بيده ونطق بحدة وانكار  :

- ولا رسالة ولا چواب، أني ماعرفش إنت بتتحدت عن إيه، كل اللي اعرفه إننا مش معترفين بالبنت دي، ودي آخر حديت عندي  .

نهض مهران يحدق به بضيق ، ثم فجأة خطر على عقله عمه حسنين وقسوته مع ابنته وكأن ضميره أراد أن يصفعه ويجبره على أن يتألم لزوجته بدلًا عن حزنه عن الغريبة، ولكنه برر لنفسه أن نهاد لها عمًا يعاملها كابنته، والده الذي يحبها بصدق، وربما يحبها أكثر من حبه له والدليل أنه نفذ رغبتها وتجاهل رفضه  .

زفر بقوة ثم نهض يتحرك ويغادر دون إضافة المزيد، وهو يبدل أفكاره سريعًا ويتساءل كيف سيخبرها بهذا الحديث؟؟؟.

❈-❈-❈

بعد عودته من قصر آل حامد

جلس عبد الوهاب في بهو قصره وقد جمع صابحة ونهاد ونوارة وچابر وعمار.

طالعته صابحة بترقب ، تستشعر ما سيقوله لذا نطقت بملامح ثاقبة   :

- خير يا حاچ ، حُصل حاچة.

برغم قراءته الجيدة لها ، إلا أنه لم يتوقع قط أن لها يدًا في هذا الطلب ، لذا ابتسم يومئ باطمئنان ونظر نحو ابنته ينطق  :

- يونس ولد عمتك طلب يدك مني يا نوارة، ومستني رأيك يابتي لو وافجتي هييچوا يتجدموا رسمي ويبجى فرحك مع فرح عمار أخوكي  .

أسرعت نهاد تطلق زغرودة سعيدة لأجلها وابتسمت صابحة تتنفس خفية بارتياح بينما نطق جابر مستنكرًا  :

- وه ؟ الشيخ يونس ؟ فچأة إكده ؟

ابتسم عمار يغمز له موضحًا بمزاح :

- اعتبرها فچأة ياخوي وعديها، المهم نوارتنا تجبل وماتكسرش بخاطره ، بأمانة الشيخ يونس راچل زين وولد حلال وجلبه أبيض ، مهواش شبه عروسة أخوكي الغلبان  .

قالها يبتسم فنهش القلق قلب صابحة ونطقت باستنكار  :

- أديك جولت أهو ، ماعرفاش حتتچوزها كيف  .

نطق عبد الوهاب وهو يوزع نظراته بين زوجته وابنته :

- فات أوانه الحديت ده يا حاچة ، إيه يا نوارة ساكتة ليه ؟

تعيش في حالة منعزلة منذ ثواني ، لا تصدق أن يونس طلب يدها بالفعل ، يونس نفسه الذي أحبته وتمنته منذ سنوات ؟ هل طلب يدها ؟ هل ستتحقق أمنيتها ؟

منذ أعوام وهي تواري حبها وترفض الارتباط بغيره بذرائع مختلفة ، لذا تفكر كيف ستقبل ؟ من المؤكد سينكشف أمر حبها المدفون هذا ؟

منذ زمنٍ لم تمر السعادة على قلبها هكذا ، لم تشعر بالفرحة والتميز هكذا ، طلب يدها ؟ يريدها زوجة ؟ ماذا ستفعلين يا نوارة ؟ هل تستطعين النظر الآن في وجوه الجميع أم سينكشف أمرك ؟

رفعت نظرها تطالع والدها الذي لمح لمعة عينيها وأدرك تقبلها وترحيبها بهذا الطلب ولكنه أراد أن يسمعها لذا استرسل  :

- فكري زين يابتي ، وأني معاكي في أي جرار ، صلي استخارة واللي فيه الخير ربنا يجدمه  .

أومأت ونطقت بتوترٍ من نظرات الجميع نحوها  :

- حاضر يابوي  .

❈-❈-❈

في اليوم التالي

وقفت نوارة أمام مرآتها تتجهز لتخرج من غرفتها وتخبر والدها بقرارها ، ربما اعتادت على حالة الخمول هذه ، وربما بات الصداع جزءًا لا يتجزأ منها ، لذا استطاعت أن تنتشل سعادتها من بينهما  .

انتهت من تجديل خصلاتها وتحركت نحو الخارج تبتسم ، سمعت صوت والدها يتحدث مع والدتها وشقيقيها مهران وعمار في الخارج حيث اعتادوا الجلوس في المندرة بعد تناول الفطور  .

خطت نحوهم بحماسٍ واتجهت تجلس مجاورةً لوالدها الذي رحب بها بدلالٍ خاص بها ، نظرت لهم بخجل وقبل أن تتحدث سمعت صوت عمتها نجوى فرفعت أنظارها لتجدها قادمة نحوهم تلقي السلام وتجلس كعادتها الفظة ، انسحب قلب صابحة ونظرت لها بضيق ، بينما استعدت نوارة أن تتحدث فقالت أمام الجميع  :

- أني موافجة يابوي  .

ابتسم عبد الوهاب ونطق بارتياح تحت أنظار نجوى المتأهبة :

- خير إن شالله  .

أسرعت نجوى تتساءل وعينيها تلتف بينهم  :

- خير يا چماعة ، موافجة على ايه يا نوارة ؟

توترت نوارة بينما نطق عبد الوهاب بنبرة ثاقبة  :

- يونس ولد اختك طلب يد نوارة وهي وافجت يا نجوى ، كل شيء جسمة ونصيب ، واهو يونس ولدك بردك  .

حدقت صابحة بها لترى ردة فعلتها، وما ظنته وجدته، لم تستطع إخفاء حقدها وغضبها لذا صاحت باندفاع:

- وه ؟ يعني مهواش همك العلام كيف ما جولتي ، دلوك وافجتي يا بت اخوي ؟

ابتلعت ريقها وتنفست ولم تستطع الرد بل نطقت صابحة بنبرة صلدة  :

- النصيب غلاب يا نچوى ، ربنا يلجيك في بت حلال تخطبيها لابنك ، بس الچواز لازم يكون بالتراضي ولا إيه ؟

نطقت بتهكم وغلظة  :

- بس أني وولدي أحج بنوارة من منصورة وولدها ، بأمارة إيه ولد الحوامدية ياخد بتنا يا عبد الوهاب ؟ مش بزيادة اخدتو بتهم .

استغفر عبد الوهاب ونطق بنبرة صارمة :

- ماعيزش حديت مالوش عازة يا نچوى ، جولنا الچواز بالتراضي وبتي راضية ، بزيادة عاد  .

قلبها المتفحم ينفث نيرانه داخل روحها فيساعدها على تصاعد أبخرة الحقد والغضب لذا زفرت مطولًا ثم أومأت مرارًا ونطقت وهي تحدق في نوارة  :

- ومالو ياخوي ، اللي تشوفوه ، مبروك يا بت اخوي ، ربنا يفرحك  .

كل كلمة خرجت من فمها الآن تنطق عكسها بداخلها ، وتتوعد لها بالأسوء ، فإن لم تحصل على أحد أولاد عبد الوهاب لتزوجه بأحد أولادها ، فليحترق الجميع مثلما أحرقوها وغدروا بها  .. 

❈-❈-❈

في مكتب جابر

كان يباشر عمله بجد ، برغم روعنته إلا أنه يحب التفاني في مجاله ، ليبتسم ويقرر التلاعب قليلًا ، وكأن هذا التلاعب هو الفاكهة التي تحلي فمه بعد طعمٍ مر  .

استل هاتفه وطلب رقمها وانتظر ثوانٍ حتى فتحت الخط تجيبه بترقب  :

- سلام عليكم ، خير يا مستر چابر ، حصل حاچة تاني ؟

ادعى توتره ونطق بتخابث  :

- لا أبدًا كله زي الفل ، بس أني حبيت اطمن عليكي واسمع صوتك ، واشكرك بردك ع اللي عملتيه ، انتِ تستحجي الشكر من اهنة للسنة الچاية .

ابتسمت برغم توترها ، وكأنه رأى تعبيراتها لذا كان متباهيًا ونهض يترك مكتبه ويتجه ليقف عند النافذة ويسمعها وهي تجيبه  :

- العفو صدقني أنا ماعملتش حاچة ، وشكرًا على اتصالك ، عن اذنك  .

أرادت أن تحيد بنفسها لأنها باتت تدرك أن الأمور بينهما تتخذ مسارًا آخر ، وهي لا تريد ذلك ، لم تكن يومًا خائنة ولا يجب أن تنقاد وراء رغباتها الداخلية وتنسى انتمائها لمعتز وشركته ، فهي لا ترى منه إلا كل خير  .

زفر جابر ونطق بتقبل حزين متعمد  :

- اتفضلي ، وبعتذر لو أزعچتك  .

صمت ينتظر إغلاقها فطال انتظاره لذا ابتسم وأدرك أنها تتواجه مع رغباتها ومحظوراتها ليغلق هو الهاتف ويضعه في جيبه ويتنفس بعمق مرددًا  :

- حتتعبيني معاكي يا بنت البسيوني ، بس ومالو نتعب ونحرج جلب معتز مهياش مشكلة  ..

ابتسم وعاد إلى مكتبه ليكمل عمله وهو يطلق صافرة موسيقية تعبر عن حالته المزاجية  ..

❈-❈-❈

بعد مرور شهر

ثلاثون يومًا مروا على الجميع ، ربما هي فترة زمنية قصيرة ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة لهم ، فكلٍ منهم عاش أحداثًا وتفاصيل كثيرة

تلقى نوح الموافقة في اليوم التالي ، فقد وجد ترحيبًا وتودد من قبل طاهر والد مودة ، ولكن لسوء ، حظه وحظها فقد دخل الأب في وعكة صحية بشكلٍ مفاجئ ، واضطر نوح للتعامل مع مسعود الذي يعامله بنفور ، ولكنه يتحمل لأجلها ، وقد أجل موعد التعارف إلى أن يتعافى الأب ، وقرر أن يتحمل رعونة مسعود لأجلها ، فقد شعر بأنها تستنجد به، تحتاجه، يراها يوميًا في الجامعة ولا يستطيع حتى التحدث إليها ، فقد تلقت تعليمات صارمة بألا تحاول حتى النظر نحوه ، ربما خالفت هذا البند وكانت تسترق النظرات إليه وكان يراها، وربما هذه النظرات هي من جعلته يتمسك بها أكثر، ويتجاوز عن تسلط شقيقها معهما  ..

نصحته والدته بأن يبتعد عنهم ، ولكن قلبه قد تعلق بها وحدث ما حدث  .

أما شقيقته ريم ، فقد استمرت مساعدتها لجابر خفيةً ، وبرغم وضعها للحدود بينهما ، إلا أنه كان ماهرًا في اختراق تلك الحدود والتوغل إلى قلبها كما هو المتوقع ، حتى أنها في الآونة الأخيرة باتت تهمل أعمال شركة معتز دون عمد ، وما يثير حنقها أنها باتت تحب هذه الحالة التي يسحبها إليها عن عمدٍ  ...

وبدوره جابر كان يستعمل حيله جميعها ليسرع في اقتناصها منه ، وبرغم أنه ظن أن الأمر لن يستغرق منه بضعة أيام ، إلا أنه لا ينكر أنها صعبة المنال ، نعم توغله إلى قلبها، ولكن جدرانها صلبة ، وما وراءها يثير فضوله ، لذا فهو مستمتعٌ بكل ما يعيشه معها حتى لو كان عن بعد  ..

وعمار الذي تعهد الحزن ألا ينفك عنه ، فقد رفضت فرحة طلبه المتكرر في رؤيتها والتحدث إليها قبل زواجهما ، وها هو برغم ذلك يجهز لزفافه بجدية وصبر بات على المحك ، لم يرِد حبها سريعًا ، ولكنه تمنى لو تتقبله ، يبدو أنها أصابته بلعنتها فتحولت سنواته الخمس الكئيبة إلى ثلاثين يومًا شغفًا ولهفةً لسرقتها .

برغم إن نيرانها لم تنطفئ ، وكلما اقترب زفافها منه تضخم كرهها له ، ولكنها باتت أكثر حذرًا من إظهار هذا الكره لمن حولها ، ونجحت في ذلك .

ليتها تتخلى عن عنادها وتسترق الفرحة كما يفعل يونس الذي باتت واضحةً له حالة نوارة ، مر الشهر عليه ثقيلًا حيث تمنى لو تركض الأيام ويتزوجها ، وها هي امنيته تتحقق أخيرًا، فهي قد ساءت حالتها عن ذي قبل برغم السعادة التي تظهر عليها أمام الجميع ، ولكن حينما تختلي بنفسها تتوحش وكأن مفعول السحر تضاعف منذ أن وافقت على طلب الزواج من يونس .

حيث الغيظ والحقد تملكا من نجوى أكثر وأكثر فأقسمت ألا تجعلها تهنأ بهذه الزيجة وأن تدفع ثمن رفضها لابنها وقبولها بيونس ، وبرغم ذلك فقد كانت تتبع نصائح من يونس لها عبر الهاتف وبالفعل تشعر ببعض الراحة ، إلا أنها تخجل بشدة منه ولم تستطع إخباره بكل ما يحدث معها ..

تتحلى بالصمود على عكس نهاد التي عجزت في الحصول  على السعادة ، فمهران بات أكثر انشغالًا من ذي قبل ، وهي باتت محاصرة بين أفكارها وأحزانها وندمها لما فعلت ويأسها في إيجاد حلول .

أما هو فانشغل بتيا التي باتت تعمل في الشركة منذ أسبوع ، شغلته بحركتها المفرطة وحالتها المزاجية المبهجة برغم كل ما تعرضت له ، لم ينسَ حينما أخبرها بكلمات عمها آنذاك كيف بكت ولم يمر يومان حتى وجدها تخبره أنها لن تقف عندهم ، ستعمل وتحقق أحلامها سواءً تقبلوها أم لا ، لن تجلس وتبكي على الأطلال  .

نهض من خلف مكتبه يسعد للعودة للمنزل الذي ينشغل أهله منذ أيام بتجهيزات زفاف عمار ونوارة  .

تحرك في الردهة فنادته تيا تردف وهي تتحرك نحوه مسرعة  :

- مستر مهران  .

توقف يلتفت لها فابتسمت وتوقفت أمامه تردف بتعجب  :

- إنت كنت هتروح من غيري ولا إيه ؟

تحمحم ونظر حوله ثم أجابها بخفوت  :

- أكيد لاء بس كنت هنزل تحت وارنلك  .

تفهمت مقصده لذا ابتسمت وأردفت  :

- أوكي تمام انا هجيب شنطتي واحصلك  .

أومأ يبتسم وتحرك يغادر قبل أن يلاحظه الموظفون  ..

بعد قليل في سيارته ، تجاوره وتتساءل بطريقتها المبهجة  :

- حمزة عامل إيه  ؟ تعرف اني نفسي أشوفه أوي على الطبيعة ، يعني من مجرد صور اتعلقت بيه ، مش عارفة لما أشوفه قدامي هعمل إيه ، احتمال اخطفه  .

قالتها وضحكت فابتسم يومئ يجيبها  :

- حتشوفيه جريب في الفرح  .

تحمست وصفقت بكفيها ثم لمحت محل ألعاب على جانب الطريق فصاحت تردف  :

- مهران اقف على جنب بسرعة  .

قطب جبينه باستفهام ولكنه توقف بالفعل يتساءل  :

- في إيه  ؟

فتحت الباب وترجلت ثم أغلقته ووقفت تطالعه من النافذة وتوضح  :

- إنت قولت إن حمزة بدأ يحبي صح ؟ خليني اشتريله هدية بما إنك صرفت لي مكافأة امبارح  .

قالتها وأسرعت تخطو نحو المحل وتركته يطالع أثرها بشرود وإعجاب ويهز رأسه بقلة حيلة من فرط حركتها  .

❈-❈-❈

أوصلها وعاد إلى القصر..

في الحديقة تجمع العمال لمباشرة أعمال و تجهيزات الزفاف ، بينما في الداخل تجمعت النساء استعدادًا لليلة الحناء التي ستقام غدًا  .

دلف يحمل في يده علبة كرتونية ، وجد نهاد تقف مع صابحة ونوارة تتحدثن فتحرك نحوهن يلقي السلام ، نظرت نهاد إلى ما في يده وتساءلت بفضول  :

- دي إيه يا مهران ؟

ازدرد ريقه ونظر لما في يده يجيبها أسفل نظراتهن  :

- دي مشاية لحمزة ، هو فين ؟

أردفت نهاد بهدوء  :

- هو نايم فوج ، اطلع صحيه وأني حچهزلك الوكل وچاية  .

أومأ وتحرك يصعد لغرفته سريعًا، دلف ينظر نحو صغيره النائم فابتسم واتجه يوقظه بحماس مرددًا  :

- اصحى يا حمزة شوف الهدية اللي جاتلك ، بس الحديت دي بيني وبينك ، جوم يالا علشان تچربها .

تمطأ الصغير فأسرع مهران يجلس على طرف السرير ويفتح العلبة ويخرج محتويات العربة ليبدأ في تجميعها ، ثم قرر أن يجلس أرضًا ليتحكم بتركيبها أكثر وبدأ بالفعل يجمع القطع وهو يردد على مسامع صغيره الذي يصدر همهمات وأحرف متقطعة على هيئة كلمة ( بابا)  :

- اصبر يا حمزة ، هانت أهي  .

كان قد أوشك على الانتهاء ولكن فلت منه أحد المسامير البلاستيكية وتدحرج أسفل السرير ، حاول دس يده من خلال الفتحة الصغيرة ولكنه لم يستطع التقاطه فزفر ونهض يرفع طرف المرتبة ليحصل عليه ، رفعها ومد يده يتحسس المسمار ولكن يده قبضت على شيءٍ ما فتعجب والتقطته يخرجه ليجدها قطعة القماش التي وضعتها نهاد  .

نظر لها باستنكار وصدمة ، ثم اعتدل وجلس على طرف الفراش يحاول فتحها ، كانت مغلقة بفعل حياكة تلو الأخرى فلم يتمهل بل قام بتمزيقها فظهرت محتوياتها الداخلية والتي كانت عبارة عن ورق مدون عليه طلاسم غير مفهومة ، يصاحبهم قطعتين صغيرتين ممزقتين من ملابسه وملابس زوجته الداخلية .

صُعق مما يراه وتجمد لبرهة ولم يعِ إلا على صوت الباب الذي فُتح وظهرت منه نهاد تحمل صينية الطعام وتدخل مبتسمة تردف  :

- چيبالك لجمة هتاكل صوابـــــــــــــ  ..

تجمدت الأحرف على لسانها حينما التفت لها يعرض مافي قبضته ويتساءل بنظرات غاضبة وصادمة في آن  :

- إيه ده  ؟


يتبع...

يهمن

•تابع الفصل التالي "رواية صياد النايا الحانا " اضغط على اسم الرواية

تعليقات