رواية ملك بلا مملكة الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى

 رواية ملك بلا مملكة الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى


وقف يامان أمام الرموز المنقوشة على جدران القبو، وأدرك أن السجن الذي يحبس الفتاة ليس من حجرٍ وحده، بل من تعاويذ متشابكة تُغذي نفسها من عُمق الغابة.
كانت الخطوط المحفورة تلتف حول بعضها كجذورٍ سوداء، تتوهّج بخفوت كلما اقترب منها،سألها كيف يُكسر هذا السجن.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت إن القيود لا تُكسر بالقوة، بل بتغيير مسارها.
 طلبت منه أن يضع كفه على الرمز الأوسط، وأن يغلق عينيه، وألّا يقاوم ما سيشعر به،فعل.
ما إن لامست كفه الحجر حتى اندفع في عروقه دفءٌ مألوف، كأن سدًّا داخليًا قد انشق فجأة، عاد إليه ذلك التيار الذي يعرفه جيدًا؛ الحرارة التي تبدأ في صدره وتمتد إلى أطرافه، تنفّس بعمق، وشعر أن الجدار الشفاف الذي كان يفصل بينه وبين قوته قد تحطم.
ارتعش الهواء حوله لحظة قصيرة، وارتجفت الرموز على الجدار، ثم انطفأت واحدة تلو الأخرى،
سقطت الفتاة إلى الأمام قليلًا، فالتقطها قبل أن تمس الأرض،
قالت بصوت أضعف لكنها ثابتة: لقد أعادت إليه الغابة ما حجبته، ولو مؤقتًا، فعلت ذلك لا ليهرب، بل ليتذكر إحساس قوته كاملة… وليختار بعدها.
صعدا معًا الدرج الحجري إلى ضوء النهار، ما إن خرج إلى الهواء الطلق حتى امتلأت رئتاه بروائح الشجر، وشعر بقوته تسري في عضلاته كما اعتاد،لو أراد، لاستطاع الآن أن يشق طريقه عبر نصف المحاربات في لحظة غفلة،لكن الفتاة وضعت يدها على صدره،وتبدل كل شيء،
تراجع التيار فجأة، وخفت وهج الطاقة داخله كما انطفأت الرموز في القبو، لم يُسلب تمامًا، لكنه عاد محدودًا، بشريًا، عاديًا،نظر إليها بحدة، لا غضبًا، بل استفسارًا.
قالت إن بمقدورها أن تعيد إليه قوته كاملة متى شاء، وأن تُضعف سحر الغابة من حوله، ولو لوقتٍ قصير،لكنها أرادت أن تعرف أي طريق سيختار
هل يريد مساعدتها عبر السحر، معتمدًا على قدراته الحقيقية، فيكسر ميزان الغابة وربما يُغضب ميثاقها القديم؟
أم يريد أن يخوض النزالات بقوته البشرية وحدها، متحررًا من عادته في الاتكاء على ما وُهب له؟
تقدّمت خطوة للأمام، وعيناها الرماديتان لا ترمشان،
قالت إن الانتصار بالسحر سيحرره جسديًا،لكن الانتصار بدونه سيحرره من شيء أعمق،ساد الصمت بينهما،
نظر يامان إلى يديه قبضهما، فشعر فقط بصلابة العظام والعضلات، لا بذلك النبض الخارق الذي اعتاد عليه،تذكر كيف سقط في الساحتين السابقتين لأنه لم يفهم الأرض، تذكر السؤال الذي تسلل إليه: هل يعرف القتال حقًا بلا قوته الخاصة؟
رفع رأسه وقال إنه سيقاتل بما تبقى له… بجسده وعقله فقط،
لم يكن قراره تحديًا لها، بل لنفسه،
ابتسمت الفتاة، وكأنها كانت تنتظر تلك الإجابة تحديدًا، قالت إن هذا يعني أنه اختار الطريق الأصعب، لكنه الطريق الوحيد الذي يُغيّر نتيجة الغابة، لا نتيجة المعركة فقط،أشارت إليه أن يتبعها.
سارت بين الأشجار بخطوات واثقة، كأن الجذور تفسح لها الطريق، قادته إلى أطراف بعيدة من الغابة، حيث الصخور ترتفع وتكوّن كهفًا مخفيًا بين شقوقٍ ضيقة،كان المكان بعيدًا عن مسارات المحاربات، صامتًا إلا من قطرات ماء تتساقط من سقف صخري.
دخل يامان الكهف، وشعر أن المكان معزول عن شبكة السحر الأخضر التي تخنق أنفاسه في الساحة،لم تكن قوته قد عادت، لكنه شعر أن ذهنه صار أوضح.
جلست الفتاة عند مدخل الكهف وقالت إن اليومين لن يكونا عن الضرب والركل، بل عن تعلّم الإصغاء للأرض دون محاولة إخضاعها.
في عمق الكهف، وقف يامان مستقيمًا، لأول مرة منذ زمن طويل، بلا درعٍ غير جسده، ولا سلاحٍ غير إرادته البشرية،
والتدريب الحقيقي… لم يبدأ بعد.
جلست الفتاة على صخرة ملساء عند مدخل الكهف، وكانت الصخرة نفسها منقوشة برموز دقيقة تتوهج أحيانًا بضوء خافت.
 بدت وكأنها تعرف مكانها فوقها كما يعرف العرش صاحبه، أخرجت ثمرة حمراء من جراب صغير إلى جوارها، وبدأت تأكلها بهدوء، وعيناها تتابعان يامان بلا انفعال.
أشارت بيدها إلى عمق الكهف وقالت له إن يبدأ بإخراج الصخور الكبيرة إلى الخارج، واحدةً تلو الأخرى. لم تشرح لماذا، ولم تُضف كلمة تشجيع.
دخل يامان إلى الداخل حيث تراكمت كتل حجرية ثقيلة، بعضها نصف مغروس في الأرض.
مدّ يده إلى أول صخرة، وشدّها بكل ما يملكه من قوة بشرية، لم تتحرك، دفع بكتفه، فانزلق قليلًا وكاد يفقد توازنه، شدّ مرة أخرى، فاهتزت بالكاد قبل أن تسقط يده عنها.
تنفّس بعمق، لم يكن معتادًا على هذا النوع من الجهد الخالص. كانت قوته سابقًا تختصر المسافة بين الإرادة والفعل، أما الآن فكان عليه أن يمر بكل طبقات العجز التدريجي: شدّ العضلة، احتراق الألياف، ارتجاف اليد.
حاول بصخرة أصغر،تحركت قليلًا دفعها ببطء نحو الخارج، كل خطوة تستهلك أنفاسًا كاملة،حين وصل إلى ضوء المدخل، كان عرقه يتساقط على التراب، وذراعاه ترتجفان.
رفعت الفتاة نظرها إليه دون أن تنهض، قالت بهدوء إن هذا ليس حملًا، بل بداية التعرف على جسده.
في الساعات الأولى، كان يتوقف كل بضع دقائق قبضته تضعف، ظهره يؤلمه، وأنفاسه تتقطع،عند الغروب، سقط جالسًا إلى جوار مدخل الكهف، وكتفاه يرتعشان من الإجهاد،
ظن أن اليوم انتهى،لكنها قالت إن اليوم لا ينتهي حين يتعب الجسد، بل حين يتوقف العقل،استمر.
في اليوم التالي، كانت عضلاته تؤلمه كأنها تُعاد صياغتها، حاول رفع صخرة كانت مستحيلة في البداية، فتحركت ببطء، بعد محاولات متكررة، استطاع أن يزيحها خطوة إضافية، الألم لم يختفِ، لكنه صار جزءًا من الإيقاع.
مرّ يوم… ثم آخر… ثم أيام لا يستطيع حصرها،
لم يكن يعرف عدد الشروق والغروب، لأن السماء في ذلك الموضع كانت تظل معتمة غالب الوقت، إلا أن عضلاته بدأت تتضخم تدريجيًا، كتفاه اتسعتا، وساعداه صارا أكثر صلابة، صار يحرك الصخور التي استعصت عليه في البداية بثباتٍ أكبر.
في إحدى اللحظات، جلس أخيرًا يلهث وقال إن يومين لن يكونا كافيين لكل هذا.
ضحكت الفتاة ضحكة خفيفة، لم تخلُ من غموض، وقالت إن الزمن هنا تحت سلطتها.
أكدت له أن ما يمر عليه من أيام، وربما أعوام، سيظل في تقويم البشر يومين فقط،الغابة لن تشعر بتغير الزمن داخل حدود الكهف الجسد يمكن أن يُعاد بناؤه، دون أن يتقدم العمر خارج هذه المساحة، لم يسألها كيف،فقط نهض وأكمل.
بعد أن أفرغ معظم الصخور من الداخل، أشارت إلى جدار صخري شاهق خلف الكهف،كان مرتفعًا، حاد الزوايا، بلا عتبات واضحة.
قالت له إن يحمل جسده إلى الأعلى بيديه العاريتين، دون أدوات، دون حبال، ودون استعانة بأي قوة غير ما بناه بنفسه،
نظر إلى الجدار، ثم بدأ.
في المحاولة الأولى، لم يصعد سوى خطوات قليلة قبل أن تنزلق قدمه ويسقط على الأرض. تناثر الغبار حوله. نهض وأعاد المحاولة،في الثانية، وصل أعلى قليلًا، ثم خانته قبضته وسقط مرة أخرى، وظهره يضرب التراب بقسوة.
المرة الثالثة والرابعة والخامسة لم تكن أفضل بكثير، كانت أطراف أصابعه تتشقق، وراحتاه تنزفان خطوطًا رفيعة،صدره يعلو بعنف، وقلبه يخفق كطبلٍ منفرد.
في كل مرة يسقط، كانت الفتاة تراقب بصمت، تمسح أثر فاكهة أخرى من شفتيها، ولا تُسعفه بكلمة.
مع تكرار المحاولات، بدأ يتعلم قراءة نتوءات الحجر، أماكن دقيقة لم يكن يلاحظها من قبل.
 صار يوزع وزنه أفضل، يشد بكتفه بدل ذراعه فقط، يستخدم الساقين لا الدفع الأعمى.
مرّ وقت طويل، حتى لم يعد يتذكر عدد السقوطات،
وفي إحدى المحاولات، عندما التصقت يداه بالنتوء العلوي، وشدّ جسده بالكامل، شعر أن الحركة جاءت متكاملة، بلا ارتباك.
لم يعتمد على اندفاع، بل على اتزان،دفع نفسه أخيرًا إلى القمة، واستلقى فوق الحافة الصخرية يتنفس بعمق، ويداه تنبضان ألمًا حيًا.
من الأسفل، رفعت الفتاة رأسها نحوه وقالت بهدوء إن الجبل لا يُغلب بالقفز، بل بالصعود درجة فوق درجة،كان جسده متعبًا، لكنه لم يشعر بالانكسار،لأول مرة منذ دخوله غابة الإنكا، شعر أن التغير يحدث من داخله… لا من قوةٍ تُمنح له.

•تابع الفصل التالي "رواية ملك بلا مملكة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات