رواية لغز ملف 47 الفصل الأول 1 - بقلم مصطفى محسن

  رواية لغز ملف 47 (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم مصطفى محسن

رواية لغز ملف 47 الفصل الأول 1 - بقلم مصطفى محسن

اسمي حسام، عندي 42 سنة، وكيل نيابة، ومعروف عني إني دايمًا بحب أطلع على القضايا القديمة، سواء كانت مقفولة أو محفوظة، لأن في رأيي القضايا دي عمرها ما بتكون خلصت فعلًا، دايمًا بيبقى فيها حاجة ناقصة أو سر مستخبي، في سنة من السنين اتنقلت للصعيد، وبالتحديد محافظة سوهاج، أول يوم دخلت المكتب، سلمت على الناس وسألت شوية أسئلة عادية، أحاول أفهم طبيعة المكان، لكن الحقيقة إني ماكنتش مهتم أوي بالكلام ده، اللي كان شاغلني بجد هو الأرشيف، المكان الوحيد اللي بحس فيه إني قريب من الحقيقة، وبعد شوية استأذنت وروحت على طول على الأرشيف، فتحت الباب ودخلت، أول ما قربت للقضايا اللي موجودة حسيت بإحساس غريب كده… خليط بين الراحة والتوتر، كأني داخل على حاجة مستنياني، بدأت أطلع ملفات عشوائية، أقلب في قضايا قديمة، سرقة، قتل، اختفاء… كلها شبه بعض، لحد ما إيدي وقفت عند ملف مختلف، كان متعلم عليه رقم بس: 47، مفيش عنوان واضح، ولا توصيف زي باقي القضايا، مجرد رقم، فتحت الملف، أول ورقة كانت محضر، بتاريخ ١٩٩٠/١١/٠١، جريمة قتل، اسم الضحية عاطف علي المحمدي، عنده 30 سنة، من قرية صغيرة تابعة لمركز سوهاج، وبنهاية المحضر كانت الجملة المعتادة: "قُيدت ضد مجهول"، قفلت الملف شوية وأنا بفكر، الموضوع في ظاهره عادي، قضية قديمة زي غيرها، لكن وأنا بقلب في باقي الأوراق، بدأت آخد بالي من تفاصيل مش راكبة على بعض.

-

الفضول عندي بدأ يزيد واحدة واحدة، وكل ما أحاول أقفل الملف وأسيبه، ألاقي نفسي برجع له تاني، لحد ما الفكرة ثبتت في دماغي، إني آخد الملف رقم 47 معايا الشقة، يمكن وأنا لوحدي أعرف أقرأه بتفصيل أكتر وأفهم كل تفصيلة فيه، بصيت حواليّا بسرعة، وقمت قافل الملف وحطيته في الشنطة، وكملت يومي في النيابة بشكل طبيعي جدًا، ولكن تفكيرى كله مع الملف، مستني اللحظة اللي أرجع فيها البيت، رجعت شقتي، وغيرت هدومي، وعملت فنجان قهوة، وقعدت في هدوء، طلعت الملف من الشنطة، وحطيته قدامي، وفتحته وبدأت أقرا فيه بتركيز، من الأول، كلمة.

-

بدأت أقرا تقرير المعاينة، في الأول كل حاجة كانت عادية، وصف الشقة، مكان الجثة، مفيش كسر في الباب، ولا الشبابيك، ومفيش بعثرة في المكان، كله هادي بشكل غريب، كأن مفيش حاجة حصلت، كملت وأنا متوقع نفس النمط، لحد ما وصلت لتقرير الطب الشرعي، وهنا الموضوع بدأ يختلف، التقرير كان مكتوب بشكل رسمي، لكن التفاصيل اللي جواه كانت تقيلة، بيقول إن الجثة عليها آثار تعذيب واضحة، كدمات في أماكن متفرقة من الجسم، جروح سطحية كأنها اتعملت على مراحل، وآثار ربط في الإيدين، كأن الضحية ماكانش قادر يتحرك، وقريت السطر أكتر من مرة عشان أتأكد إني فاهم صح، التعذيب كان واضح ومقصود، ومش لحظة غضب عابرة، ده حد كان بياخد وقته، وبيعمل كده بهدوء، ومع كل كلمة كنت بقراها، الإحساس بعدم الراحة جوايا كان بيزيد، لإن كل اللي في التقرير بيقول إن اللي حصل ده مش بسيط، ومش ممكن يكون اتعمل من غير سبب قوي، أو من غير حد قريب من الضحية، بس اللي ماكنتش قادر أفهمه، إزاي بعد كل ده، مفيش متهم؟ مفيش حتى مشتبه فيه؟ قلبت بسرعة في باقي الورق، أدور على أي اسم، أي خيط، أي حاجة امسك فيها، لكن كل حاجة كانت بترجع لنفس الجملة: "قُيدت ضد مجهول"، ساعتها حسيت إن في حاجة أكبر من مجرد جريمة قتل، حاجة اتقفلت بسرعة، أو يمكن اتقفلت غصب، لإن التفاصيل دي كلها… مستحيل تكون من غير حكاية وراها.

-

فضولي كان بيزيد أكتر، ومابقتش قادر أكتفي باللي مكتوب في الملف، حسيت إن لازم أوصل للناس اللي اشتغلت على القضية وقتها، يمكن عندهم حاجة ما اتكتبتش، أو حاجة اتفهمت غلط، بدأت أدور في آخر صفحات الملف لحد ما لقيت الأسماء، اسم دكتور الطب الشرعي، واسم ضابط المباحث اللي كان ماسك القضية، وقفت شوية وأنا باصص عليهم، كأنهم خيطين ممكن يوصلوني لحاجة، مسكت ورقة وكتبت الاسمين، وبعدين طبقت الورقة وحطيتها في محفظتي، وقفلت الملف، وقومت نمت، لكن النوم ماكانش مريح، الأفكار كانت شغالة في دماغي طول الوقت، صحيت تاني يوم وأنا مقرر إني لازم أتحرك، بدأت أعمل اتصالات وأسأل على الاسمين، الموضوع أخد وقت ومجهود، وكل شوية كنت بحس إني بقرب، لحد ما وصلت لمعلومة مهمة، ضابط المباحث لسه عايش، لواء سابق، اسمه علاء أشرف، وموجود في إسكندرية، الخبر ده خلاني أقف لحظة، لأن ده أول خيط حقيقي أمسكه بإيدي، ما فكرتش كتير، قررت إني أسافر له بنفسي، لأن في أسئلة كتير محتاجة تتسأل، وإجابات أكتر محتاجة تتقال.

-

سافرت إسكندرية، طول الطريق وأنا بفكر في القضية، وفي كل التفاصيل اللي قريتها، كأنها بترتب نفسها جوا دماغي، أول ما وصلت، سألت على العنوان لحد ما وقفت قدام عمارة كبيرة، بصيت لفوق شوية، وبعدها دخلت، البواب كان قاعد على الكرسي قدام المدخل، سألته على شقة اللواء علاء أشرف، بصلي شوية وبعدين وصفلي الدور والشقة، طلعت على السلم، وكل درجة كنت بطلعها كان إحساسي بيقول إن المقابلة دي مش هتعدي بسهولة، وصلت قدام الشقة، وقفت لحظة، وبعدها خبطت على الباب، بعد ثواني الباب اتفتح، ست كبيرة في السن، بصتلي باستغراب، قدمت نفسي وقلت لها إني وكيل نيابة وعايز أقابل سيادة اللواء علاء أشرف، رحبت بيا ودخلتني، قعدت في الصالة وأنا مستني، مفيش صوت غير دقات الساعة، وبعد شوية سمعت صوت خطوات، دخل راجل كبير، ملامحه ثابتة وحدة، بصلي وقال أنا اللواء علاء أشرف، خير في حاجة؟ قمت وقفت وعرفته بنفسي ومكان شغلي، رحب بيا بشكل رسمي وقال اتفضل، حضرتك عاوز إيه؟ فتحت الشنطة وطلعت ملف رقم 47، حطيته قدامه، لكن الغريب إنه ما توترش، ولا حتى سأل، ولأ كأنه شايفه، بدأت أتكلم وقلت له إن القضية دي فيها حاجة غلط، وإني بحاول أوصل للحقيقة، ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال إن القضية دي انتهت من زمان، واتحقق فيها كويس جدًا، ومكنش فيها متهمين، ساعتها ماقدرتش أسكت، قلت له إزاي قضية فيها تعذيب بالشكل ده، ومفيش أي كسر في الشقة، ولا بصمات، ولا أي دليل، دي لوحدها لغز، هنا ملامحه اتغيرت، والتوتر ظهر عليه، قام وقف وقال بصوت حاد، انت مين ادالك الحق تطلع على الأرشيف أو تفتح قضية مقفولة؟ رديت عليه بهدوء وقلت له إني مش جاي في مهمة رسمية، أنا هنا بشكل شخصي، ساعتها بصلي نظرة مختلفة وقال وانت تعرفني منين عشان تجيلي وتسألني عن قضية اتقفلت من سنين؟ وبعدها قال بنبرة واضحة إنه بيحذرني إني أفتح الموضوع ده تاني، وإنه هيعتبر إن الزيارة دي ماحصلتش، لكن لو اتكرر الكلام ده تاني هيتخذ إجراءات قانونية ضدي، سكت شوية وأنا باصص له، وفهمت من كلامه إن الموضوع أكبر من مجرد قضية اتقفلت، في حاجة مستخبية، حاجة مش عايزة تطلع، ساعتها خرجت من عنده وأنا بفكر في الخيط التاني… دكتور الطب الشرعي.

-

•تابع الفصل التالي "رواية لغز رقم 47" اضغط على اسم الرواية

تعليقات