رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثالث 3 - بقلم جاسمين محمد

 رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثالث 3 - بقلم جاسمين محمد

• ​"أنا ممكن أدخل معاك.. أنا عارفة الخطوات كويس."
​نظر إليها آسر بذهول وسخرية مبطنة: "تدخلي فين يا ليل؟ دي غرفة عمليات، مش وقت مجاملات ولا فرجة، إنتي إيه عرفك بالتمريض وتعقيم الأدوات؟"
​قبل أن تجيب، تدخلت والدتها التي كانت تقف قريبة: "خدها يا آسر وأنت مطمن.. ليل خريجة كلية تمريض بتقدير امتياز، وكانت أشطر واحدة في دفعتها، بس هي اللي كانت بعيدة الفترة اللي فات لسبب هي عارفاه."
​اتسعت عينا آسر بدهشة، ونظر لـ "ليل" التي أومأت برأسها قائلة بجدية: "العملية دي محتاجة سرعة، وأنا جاهزة.. أي أسئلة تانية خليها بعد ما ننقذ المريض."
​داخل غرفة العمليات
​كانت المفاجأة الكبرى لآسر هي "ليل". لم تكن مجرد مساعدة، بل كانت تقرأ أفكاره، تسبقه بخطوة في تحضير المشرط، ثابتة الانفعال رغم دقة الجراحة. في تلك اللحظة، لم يرَ فيها الفتاة التي يحاول مساعدتها، بل رأى شريكة كفء تلمع عيناها بالذكاء خلف الكمامة.
​بعد ساعات، خرج آسر من الغرفة، خلع رداءه الطبي وجلس في مكتبه يحاول استيعاب ما حدث. "ممرضة؟ وبالمستوى ده؟ ليه كانت مخبية؟"
​قطع حبل أفكاره رنين هاتفه.. إنه والده.
• ​"آسر، خلص اللي وراك وتعالى البيت حالاً.. الموضوع ميتأجلش."
​في منزل العائلة
​دخل آسر ليجد والده بانتظاره، ملامحه صارمة ولا تقبل النقاش.
الوالد: "لحد إمتى يا آسر؟ بنت عمتك الخطاب بيخبطوا بابها كل يوم، وإحنا قاعدين نتفرج. البنت كبرت، والناس بدأت تتكلم."
​آسر بضيق: "يا بابا، أنا مش بفكر في الموضوع ده دلوقتي، وبعدين هي لسه صغيرة.."
​قاطعه والده بحدة: "لا صغيرة ولا حاجة! إنت لازم تروح تتقدم وتخطبها الأسبوع ده عشان نقفل الباب ده خالص، وتعرف الكل إنها محجوزة ليك."
​في هذه اللحظة، قفزت صورة ليل وهي داخل غرفة العمليات أمام عيني آسر.. ثباتها، قوتها، والسر الغامض في عينيها. وجد نفسه يقول دون وعي:
• ​"بس أنا مش عايز أخطبها يا بابا.. مش هي دي اللي تناسبني."
​وقف والده بصدمة: "مش عايزها؟ ده إنت كنت بتقول من وإنتوا صغيرين مش عايز غيرها! إيه اللي غيرك يا آسر؟ إيه اللي حصل في السفر قلب حالك كده وخلاك تتخلى عن وعودك؟"
​آسر وهو يشعر بصراع داخلي: "السفر بيغير يا باب.. وهي كمان مبقتش البنت اللي كنت بشوفها زمان اتغيرت خالص عن الاول ....وأنا شفت إن في حاجات تانية أهم من مجرد وعود قديمة.. أنا محتاج وقت."
​خرج آسر من الغرفة ووالده ينادي عليه، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً.. كان يسأل نفسه: "هل فعلاً ليل هي السبب في اللي قلته؟ وإيه السر اللي مخبياه ورا مهنتها اللي سابتها؟"
خرج آسر من بيت والده والكلمات لسه بترن في ودنه، لكن صورة ليلى وهي بتتحرك في أوضة العمليات ببراعة كانت مسيطرة على خياله أكتر. "إزاي كاتبة رقيقة وبتحس بالكلمة، وفي نفس الوقت ممرضة قوية ومشرطها مبيغلطش؟"
​دخل المستشفى بخطوات سريعة، عينيه بتدور في كل ركن لحد ما لقى هبة (الممرضة) واقفة بتجهز كشوفات.
​آسر (بنبرة حادة وقلقة): هبة! ليلى فين؟ مشوفتهاش من وقت العملية.
هبة (بتعجب): ليلى؟ زمانها وصلت البيت يا دكتور. هي سألت على حضرتك كتير عشان تستأذن وتطمن علي والدتها قبل ما تمشي، بس لما ملقتكش، أخدت والدتها ومشيت من بدري.
​سابها آسر من غير ولا كلمة ودخل مكتبه، قفل الباب وقعد ورا مكتبه يحاول يربط الخيوط ببعض. "ليلى.. إنتِ مين فيهم؟" قعد الساعات تعدي وهو غرقان في تفكيره، وصورة ملامحها وهي بتساعده في أصعب لحظات العملية مش بتفارق خياله.
​لما الليل دخل، والهدوء سيطر على المكان، قام آسر وخرج لهبة تاني، المرة دي كان حاسم.
آسر: هبة، محتاج عنوان ليلى.. ضروري.
هبة (بتردد): بس يا دكتور..
آسر (مقاطعاً): قولت ضروري يا هبة، الموضوع ميتأجلش للصبح.
آسر مكانش قادر يستنى للصبح، الفضول والأسئلة كانوا بياكلوا في دماغه. أخد العنوان من هبة وطار على هناك. وصل قدام العمارة، طلع السلالم وهو بيحاول يرتب كلامه.. هيقول إيه؟ جاي يطمن على المريضة ولا جاي يفك شفرة ليلى؟
​خبط على الباب، وفتحت ليلى وهي لابسة لبس البيت البسيط، ملامحها كانت تعبانة بس أول ما شافته عينيها اتسعت من الصدمة.
​ليلى (بهمس وذهول): دكتور آسر! حضرتك بتعمل إيه هنا في وقت زي ده؟ 
آسر (انبهر بجمالها حتي وهي بلبس البيت بس حاول ميظهرش ده وببتسامه):هو مش المفروض بنقول للضيوف يتفضلوا ! ولا نقف متانحين ليهم!ده حتي اول مره اجي عندكم ! اعزميني علي كبايه مياه فاضي حتي ههه.
ليلي (فاقت من صدمتها):ها لا انا اسفه اكيد اتفضل!بس مستغربه اي اللي جابك لحد هنا في وقت زي ده؟
آسر (وهو بيبص في عينيها بتركيز): كان لازم أجي يا ليلى.. سألتي عليا ومشيتي فجأة، وأنا عندي أسئلة محتاج إجابة ليها.. إزاي الممرضة "البروفيسور" اللي أنقذت الموقف هي نفسها الكاتبة الرقيقة؟
​ليلى اتوترت وسمحت له بالدخول عشان الجيران، دخل آسر الصالة وقعد، وسلم علي مامتها ويطمن عليها.
كان آسر جالساً بهدوء، يتبادل أطراف الحديث مع والدة ليلى، يسألها بفضول لم يستطع كتمانه:
آسر: "بصراحه بقا انا جيت عشان عايز اعرف ازاي ليلى ممرضة عبقرية،.. إزاي سابت التمريض وبقت كاتبة مبدعة؟ وليه التغيير المفاجئ ده؟"
​قبل أن تفتح الأم فمها لتجيب، دوى صوت خبطات قوية على الباب. قامت ليلى، فتحت الباب، وتجمدت الدماء في عروقها. 
جوه في الصالة، والدتها استغربت السكوت الطويل ده، وبدأت تقلق..
الأم (بقلق): "يا ليلى؟ مين اللي على الباب يا بنتي؟ واقفة كدة ليه؟"
​لما ملقيتش رد، الأم قامت بصعوبة تسند نفسها، وآسر قام وراها تلقائياً بدافع الخوف عليهم. وأول ما قربوا من الباب، عم ليلى زق الباب ودخل بهيبته وصوته العالي اللي ملاه المكان.
آسر (بعصبيه وحدة):انت إزاي تدخل البيت بالهمجي دي ،اطلع بر.
العم (وهو ينظر لآسر بحدة): "أنت اللي  مين يا جدع أنت؟ وبتعمل إيه هنا في بيت فيه حرمتين ومافيهوش راجل؟! إزاي تسمح لنفسك تدخل بيت حريم في وقت زي ده؟"
​انتصب آسر في وقفته، كبرياؤه لم يسمح له بالصمت، ورد بصوت ثابت وقوي:
آسر: "أنا اللي بسألك أنت مين؟ وداخل بالطريقة دي إزاي؟ أنا دكتور والدتها وجاي أطمن على مريضتي."
​هنا، تدخل ابن عمها بخطوات مستفزة، ووقف في المواجهة مباشرة:
ابن العم: "أنا خطيبها! ودي مرات عمي، وده أبويا.. يعني إحنا أصحاب البيت ورجالته. أنت بقى بأي حق تتكلم معانا كده؟ اطلّع بره، البيت ده ملوش مكان لأشكالك!"
​وقع الكلمة على آسر كان كالصاعقة.. "خطيبها!". شعر وكأن الأرض تهتز من تحته. التفت ببطء نحو ليلى، كانت عيناه تصرخان بالأسئلة، تبحث عن تكذيب، عن صرخة منها تقول إن هذا كذب.. لكن ليلى كانت واجمة، مطأطأة رأسها في الأرض، والدموع تنهمر في صمت يقتله.
​لم يجد آسر ما يقال. ابتلع غصته بمرارة، وأخذ أنفاساً ثقيلة وهو يتمتم بجمود:
آسر: "أنا بعتذر.. واضح إني دخلت مكان مش مكاني. عن إذنكم."
خرج آسر بخطوات مثقلة بالخيبة، تاركاً خلفه قلباً يتحطم.
​أغلق ابن عمها الباب بعنف، والتفت العم لليلى ووالدتها بغضب أعمى:
العم: "أنتِ إيه اللي جرالك يا ليلى؟ نسيتي أصلك لما جيتي إسكندرية؟ إزاي تدخلي راجل البيت والبيت مافيهوش رجالة؟ نسيتي إحنا مين؟!"
ابن العم: "مافيش قعاد هنا واصل.. بكرة الصبح ترجعوا معانا الصعيد، هناك هنعرف نربيكي ونحكمك صح."
​هنا، رفعت ليلى رأسها، وعيناها تشتعلان بنار القهر التي انفجرت أخيراً:
ليلى (بصراخ يملأ الشقة): "أنا مش هرجع الصعيد تاني! أنتم فاهمين؟ أنا مش هرجع!"
ابن العم: "هترجعي ورجلك فوق رقبتك!"
​ليلى (بانهيار وقوة): "أنا تركت حلم التمريض اللي كنت بتمناه بسببكم! تركت كل حاجة وهربت وجيت هنا وغيرت نفسي وحياتي عشان مش عايزة أفتكركم ولا أفتكر الماضي بتاعي! أنا مش عايزة أشوفكم ولا أسمع سيرتكم.. أنا ما بقتش عايزاكم في حياتي واصل!"
كانت ليلى واقفة، صدرها بيعلو ويهبط من كتر الغضب والقهر، عينيها في عين ابن عمها وعمها بكل تحدي، وهي بتصرخ بكل الوجع اللي كتمته سنين:
ليلى: "أنا مش هسيب حياتي هنا.. مش هسيب إسكندرية وأرجع لسجنكم تاني! أنتم دمرتوا حلمي في التمريض، ودلوقتي جايين تدمروا اللي فاضل مني؟ اطلعوا بره حياتي.. بره!"
​لم يتحمل العم كلمة "بره" من ابنة أخيه، شعر وكأن هيبته في الارض. وفي لحظه، ارتفعت يده الغليظة وجه ليلى بـ "كف"هز أركان الغرفة، لدرجة أن ليلى ارتمت في الارض من شدته، وساد صمت رهيب لم يقطعه إلا صوت أنفاس العم الثائرة.
​العم (بفحيح مرعب) : انا هقطع .لسانك عشان صوتك ما يعلاش عليا تاني! بتعلي صوتك على عمك يا ليلى؟ نسيتي إننا أهلك وناسك؟"
​الأم صرخت برعب وارتمت فوق ابنتها تحميها بجسدها الضعيف وهي بتبكي بحرقة:
الأم: "حرام عليك ! عايزين مني انا وبنتي اي تاني .. ارحمونا بقى!"
​العم (وهو بيشاور لابنه): "نرجمكم إيه وزفت إيه! انتو تلموا لبسكم في الشنط ، وبكرة الصبح مع أول ضوء شمس هتكونوا في العربية وراجعين معانا الصعيد غصب عنكم.. والجدع اللي كان هنا ده لو شفت خياله تاني، حسابه هيكون بالدم!"
يتبع...

•تابع الفصل التالي "رواية لقاء خط بمشرط وقلم" اضغط على اسم الرواية
تعليقات