رواية ملك بلا مملكة الفصل الحادي والثلاثون والاخير 31 - بقلم اسماعيل موسى
الأخيرة
اندفعت المعركة كإعصار لا يمكن إيقافه بينما كانت محاربات الغابات يقاتلن وحدهن في مواجهة ذلك الطوفان الأسود، كانت حركتهن سريعة ومنظمة يعتمدن على الكر والفر والضربات الدقيقة لكن الأعداد أمامهن كانت مرعبة، جحافل الموتى الأحياء لا تنتهي وصفوف مصاصي الدماء تضغط من الخلف بلا رحمة
كان يامان يتقدم داخل هذا الجحيم بخطوات محسوبة ولم يعد يقاتل ليقتل فقط بل ليشق طريقًا واضحًا نحو هدف واحد، كانت عيناه ثابتتين على أمير الموتى الأحياء الذي يقف فوق الصخرة ممسكًا بالصولجان كأنه القلب الذي يضخ الحياة في كل هذا الجيش
في كل مرة يقترب فيها كانت صفوف الموتى الأحياء تتحرك بإشارة واحدة فتغلق الطريق أمامه، كانوا يتحركون كجسد واحد بلا خوف يندفعون نحوه ويسقطون بالعشرات لكنه لا يستطيع تجاوزهم بسهولة وكأن الجدار يعيد بناء نفسه مع كل ضربة
فوق التلال كانت تولين تقاتل بشراسة وعيناها لا تفارق يامان تدرك ما يحاول فعله وتعلم أنه لن يصل وحده، بينما كانت بريسا تتحرك بخفة على أطراف المعركة تراقب كل شيء بعينين حادتين وتنتظر لحظة لا تأتي إلا مرة واحدة
ومع استمرار القتال بدأت صفوف المحاربات تتآكل وسقط الكثيرات بينما ظل جيش سولين يتدفق بلا توقف، وفي وسط هذا الضغط بدأ بعض مصاصي الدماء المرتزقة يتراجعون بخوف بعد أن أدركوا أن الموت في هذه المعركة قد يحولهم إلى جزء من جيش لا يمكن الهروب منه
تكون شرخ صغير في صفوف العدو، شرخ لم يره الكثيرون لكنه كان كافيًا ليامان
توقف لحظة وسط القتال وأغمض عينيه واستدعى الوعد القديم ، قوة الجنى الذى تدرب معه يامان عندما كان فى أرض محاربات الانكا ، وفي لحظة غريبة تباطأ العالم من حوله وكأن الزمن نفسه تعثر، فتح عينيه وانطلق مخترقًا الصفوف بسرعة لا تُرى متجاوزًا الموتى الأحياء ومصاصي الدماء حتى وصل إلى الصخرة
رآه الأمير هذه المرة وقفز ليعترض طريقه قبل أن يصل إلى الصولجان فاصطدما بقوة هائلة شقّت الأرض تحت أقدامهما وعاد الزمن إلى طبيعته وعادت الأصوات والمعركة
في تلك اللحظة تحركت بريسا كظل خاطف مستغلة الفوضى وقفزت بين الصخور نحو الصولجان، كاد أحد الحراس أن يمنعها لكن رمح تولين اخترق صدره وأسقطه قبل أن يصل إليها، التقت أعينهما للحظة صامتة ثم اندفعت بريسا وأمسكت الصولجان بكلتا يديها
بدت وكأنها تضربه بالصخر بكل قوتها، تشقق الصوت واهتزت الأرض وظهر كأنه تحطم أمام الجميع، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا، ففي تلك اللحظة أطلقت بريسا تعويذة سريعة نقلت الصولجان إلى كهفها البعيد وخلقت مكانه صورة زائفة كاملة توهم الجميع بانكساره
اهتزت صفوف الموتى الأحياء وتوقفت حركتهم المنظمة، سقط البعض وبدأ الآخرون يتحركون بعشوائية بعدما فقدوا الرابط الذي كان يقودهم، أما الأمير فقد أطلق صرخة غضب مرعبة وانقض على يامان لكنه لم يعد كما كان، قوته ما زالت هائلة لكن توازنه اختل وإرادته لم تعد متماسكة
اندفع يامان نحوه بثبات واستغل ذلك الضعف وبدأ يضغط عليه بلا توقف، كانت ضرباته قاسية ومتتالية حتى سقط الأمير أرضًا وتحطم الحجر تحته، حاول النهوض لكنه لم يستطع استعادة سيطرته، وفي لحظة حاسمة أنهى يامان المواجهة وأسقطه نهائيًا
في بقية ساحة المعركة تحولت الجحافل إلى فوضى عارمة، بعض الموتى الأحياء توقفوا وبعضهم هاجم بلا هدف بينما بدأ مصاصو الدماء في التراجع بعد أن أدركوا أن المعركة انتهت، اندفعت المحاربات يطاردن فلول العدو ويثبتن مواقعهن فوق التلال
من بعيد رأت سولين جيشها ينهار وسلاحها الأقوى يختفي ولم تعد تبتسم هذه المرة، تراجعت بصمت وهي تدرك أن ميزان القوة قد انكسر وأن هذه المعركة قد انتهت
مع غروب الشمس ساد الصمت الأرض المحرمة من جديد، وقفت المحاربات وسط الدمار بينما وقف يامان في المقدمة يتنفس ببطء وعيناه تنظران إلى الأفق وكأنه يبحث عن شيء مفقود لا يعرفه
في مكان بعيد داخل الكهف عاد الصولجان إلى أرضه الحجرية بهدوء، ظهرت بريسا أمامه ونظرت إليه طويلًا بعينين لامعتين، كانت تعرف أنها الآن الوحيدة التي تعرف مكانه وأنها وحدها القادرة على التحكم في تلك القوة
لكنها لم ترفعه ولم تستخدمه بل تركته في الظلام مخبأ لا يُرى في توازن العالم
رفعت نظرها نحو مدخل الكهف حيث تمتد الأرض المحرمة وارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة
ابتسامة من يعرف أن النهاية لم تكن سوى بداية جديدة
_________________________
دخلت جود القرية وهي تترنح من التعب والعطش، كان حلقها جافًا إلى حد الألم وكل ما تريده هو جرعة ماء تعيدها إلى الحياة، تركها رفيقيها قليلا للبحث عن الطعام والشراب بصوره اسرع كل واحد منهم اتخذ طريق مختلف ،اندفعت جود نحو أول بيت رأته وكانت قوتها قد عادت إليها نوع ما
طرقت الباب بسرعة، انتظرت، ثم فُتح ببطء وظهرت امرأة تنظر إليها بوجه خالٍ من التعبير،قالت جود بصوت متقطع إنها تحتاج إلى ماء فقط، أي شيء، حتى قطرة
نظرت إليها المرأة للحظة طويلة ثم قالت بهدوء إنه لا يوجد ماء هنا وأغلقت الباب
وقفت جود في مكانها غير مستوعبة، نظرت حولها ثم اندفعت نحو بيت آخر، طرقت الباب بعنف هذه المرة، فتح رجل عجوز، كررت طلبها بصوت أكثر ضعفًا
هز رأسه وقال لا ماء، أغلق الباب
بدأ القلق يتسلل إليها، بيت بعد بيت، نفس الإجابة، لا ماء، كأن القرية كلها خالية من أبسط شيء للحياة
همست لنفسها بذهول كيف لبيوت أن تكون بلا ماء
واصلت السير حتى سمعت صوتًا خافتًا من داخل أحد البيوت، لم يكن حديثًا عاديًا بل كان أقرب إلى أنين مختنق
دفعت الباب دون استئذان ودخلت
كان الضوء خافتًا والهواء ثقيلًا، وعلى سرير خشبي صغير كان هناك صبي نحيل يحتضر، جسده ساكن وصدره يرتفع بصعوبة، أنفاسه متقطعة كأنها الأخيرة
وبجواره جلس رجل وامرأة يتحدثان بهدوء غريب، لا بكاء، لا هلع، لا حتى اهتمام حقيقي، كأن ما يحدث أمر عادي
تجمدت جود في مكانها ونظرت إلى الطفل ثم إليهما وقالت بصدمة ما به هذا الطفل، نظر الرجل إليها ببرود وقال إنه يموت،اتسعت عيناها أكثر وقالت لماذا لا تفعلون شيئًا خذوه إلى طبيب،رد الرجل بنفس اللامبالاة الطبيب لن يستطيع مساعدته
صرخت جود ما مرضة ؟
قال الرجل دفع دين والده والده باعه لى
ثم أضاف وكأنه يشرح أمرًا بسيطًا سُحب من عمرة 15 سنه ولم يتبق له سوى دقائق
تراجعت جود خطوة غير قادرة على الفهم، قالت بصوت مرتجف ماذا تعني سُحب من عمره
لم يجبها مباشرة بل نظر إليها بضيق وقال لا تزعجيني بأسئلتك طالما أنك غير مستعدة لمساعدته
ارتجفت الكلمات في صدرها وقالت كيف أساعده
نظر إليها الرجل لأول مرة باهتمام بسيط وقال إن كنتِ خائفة عليه فامنحيه بعضًا من عمرك
تجمدت في مكانها وقالت كيف، أشار بيده نحو الطفل وقال ضعي يدك على يده فقط، ساد صمت ثقيل
نظرت جود إلى الطفل، كان صدره بالكاد يتحرك، عينيه نصف مغلقتين، الحياة تتسرب منه أمامها،ترددت لثوانٍ
ثم تقدمت،مدت يدها ببطء ووضعتها على يد الصبي الباردة
وفي اللحظة التالية،اهتز جسدها بعنف
شهقت وكأن الهواء انتزع من صدرها دفعة واحدة، شعرت بشيء يُسحب منها بقوة، ليس ألمًا جسديًا بل اقتلاع من الداخل، كأن سنوات كاملة تُنتزع من روحها وتنساب عبر يدها
ارتعش جسدها، انحنت قليلًا، أنفاسها تسارعت بشكل مرعب، شعرت بالضعف يضربها فجأة،وتحت عينيها،بدأ التغير
خصلات من شعرها تحولت إلى الأبيض بسرعة صادمة، ملامح وجهها فقدت شيئًا من شبابها، وجسدها أصبح أخف وأضعف كأن العمر انزلق منها في لحظات،ثم، توقف كل شيء
سقطت يدها من على يد الطفل وهي تلهث،رفعت رأسها ببطء
والصدمة تملأ عينيها،الصبي الذي كان يحتضر منذ لحظات
فتح عينيه،جلس على السرير دفعة واحدة وكأنه عاد من الموت،تنفس بعمق ونظر حوله بارتباك،بينما وقفت جود أمامه
تتأرجح على قدميها بالكاد وسألت ماذا حدث الآن للتو
قال الرجل بابتسامة ظفر ،سدد دين الرجل كاملآ ،منحتى أبنه خمسة عشره سنه من عمرك وسنه اضافيه بعدها يموت اذا لم ينجح فى كسب عمر اضافى
اما انت؟ ونظر الرجل إلى جود بعيون كلها شهوة ،تحتاجين إلى العمل من أجل الطعام والشراب ولكسب سنين اضافيه اذا حالفك الأمر ، ثم نظر الى جود بدقه أكبر او يمكننى ان اتزوجك وامنحك مهر عام كامل
اتكأت جود على الجدار وهى تردد لا لا لا، لن يحدث ذلك
قال الرجل بسخريه، انت الان فى الأربعين مت عمرك واعتقد انك غريبه ولن تستطيعين كسب طعام يومك بهذا المعدل
ودون الحصول على عمل ستموتين فى ظرف أربعة أشهر او سته على الأرجح.
اجتاح جود يائس ضخم ،غير مصدقه تحدث نفسها، انا فى الأربعين، أكبر من يامان بخمسة عشر سنه ؟
الصدمه جعلتها تترنح وتمشى بالكاد خارج البيت، معتقده ان كل هذا حلم قذر ستفيق منه الان ،تبعها الصبى خارج المنزل ومشى جوارها فى صمت وجود تتجول بين بين اكوخ القريه المبعثره حتى تعبت ،ثم تفاجأت بالصبى الذى يمشى خلفها فى كل مكان فسألته لماذا تلاحقنى ؟
قال الصبى انت امى الان، لا مكان اذهب اليه غيرك، أمامهم امتدت الرمال والجبال والاكواخ والخلق الذين يرتدون ملابس رثه يترجون دقيقه او دقيقتين
دقيقه من فضلك اشرب بها
نصف دقيقه انا اموت من الجوع
يتسولون الوقت وهم على وشك الموت بعد أن لفظتهم مدينة أرض الساعه خارج اسوارها العاليه المنيعه
همس الصبى انا جائع وعطشان ،كان عثل جود فى مكان آخر ،حيث يامان هناك يقف بمفرده، هل يا ترى من الممكن أن يقبل امرأه تكبره بخمسة عشر عام حتى لوكان يحبها ؟
كانت هناك امرأه تقدم ارغفة خبز مدت جود يدها باستسلام ودفعة كلفة الطعام والشراب، فكرة انها فقدت يامان للأبد حتى لو التقت به كانت تدمرها، والى امامها امتدت الخيام ذات الاعلم الحمراء ،فتيات يقدمن المتعه من أجل بضعة دقائق ،من بعيد سمعت جود بوق مدينة الساعه وعندما نظرت إلى باب المدينه قال الطفل انه احتفال الساعه
فى كل شهر يقام فيه احتفال فى ساحة الساعه حيث يحكم القضاه على المجرمين والسرقه والخائنين ويسمح للعامه حضور الاحتفال ،رأت جود جحافل العامه تركض نحو بوابة المدينه وسحبها طوفان البشر معة نحو ساحة الساعه.
انتهت
يتبع الفصل كاملا اضغط هنا ملحوظه اكتب في جوجل "رواية ملك بلا مملكة دليل الروايات" لكي تظهر لك كاملة
•تابع الفصل التالي "رواية ملك بلا مملكة" اضغط على اسم الرواية