رواية شاهد قبر الفصل الثلاثون والاخير 30 - بقلم اسماعيل موسى

 رواية شاهد قبر الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى


الاخيره
داخل مقصورة سيارة Jeep بدأ كل شيء يهتز ولم يكن الاهتزاز في الهيكل فقط بل في داخله هو حيث إن يديه على عجلة القيادة لم تعودا ثابتتين كما كان يتخيل وأصبحت استجابته متأخرة ولم تعد نقاط الكبح دقيقة وبدأ خط السباق يهرب منه وكأنه لم يعد يراه بينما كان الصخب من حوله ساحقًا حيث امتزج هدير المحركات مع هتاف الجماهير وصوت المعلقين حتى تداخل كل شيء وفقد الإيقاع الذى كان يظنه ملكه.
لأول مرة منذ بدأ هذا الطريق اهتزت ثقته تلك الثقة التي حملته من ورشة صغيرة إلى هذا المضمار وتحولت في تلك اللحظة إلى عبء ثقيل وأدرك متأخرًا أن غروره سبقه وأن اللحظة التي انتظرها طويلًا هي نفسها التي بدأ يخسرها
تأخر أكثر ثم أكثر وتجاوزته سيارات أخرى بسهولة حتى عاد خلف سيارة Ford Motor Company مرة أخرى لكنه هذه المرة لم يكن غاضبًا منها بل من نفسه.
في لحظة قصيرة أغلق عينيه لثانية واحدة فقط واختفى كل شيء فلم يعد هناك مضمار ولا جمهور ولا سباق بل عاد إلى مكان آخر إلى ورشة قديمة وصوت مفاتيح معدنية ورائحة زيت ويداه الصغيرة تعمل بصمت.
عاد إلى ناصر القديم ذلك الصبى الذي لم يكن يقود بل يسمع والذي لم يكن يرى السيارة كآلة بل ككائن حى
فتح عينيه ببطء وهمس أنا سامعك ثم تحركت يده على المقود بخفة مختلفة وبدأ يشعر بكل شيء من اهتزاز المحرك ونقلات التروس وضغط الهواء وتماسك الإطارات فلم يعد يقود بل يتحدث مع كل جزء داخل السيارة كأنه يعرفه منذ سنوات وكأنه صنعه بيده.
بدأ الاندماج وتحولت السيارة من جسم منفصل إلى امتداد له ولم تعد العجلات تدور على الأرض بل كأن جسده هو من يركض واستقرت السيارة تحته واختفى الاهتزاز والتردد ثم انطلقت بشكل مختلف تمامًا بانسيابية غير معتادة ودخول نظيف للمنعطفات وتسارع تدريجي لكنه عميق.
أنهى اللفة الأولى بهذا الإيقاع ثم الثانية بثبات أعلى لكن مركزه لم يتغير كثيرًا وظل متأخرًا
في غرفة الفريق نظر مدير المشروع إلى الشاشات بقلق واضح ثم التفت إلى أليكس وقال بحدة استعد!! ستعود مكانك.
لكن أليكس لم يتحرك وظل ينظر إلى الشاشة ثم قال بهدوء حاسم كيف تقول ذلك؟
وسكت لحظة ثم أضاف هو بدأ للتو بدأ ينسجم مع السيارة فعاد نظر المدير إلى الشاشة دون أن يتكلم.
جاءت الجولة قبل الأخيرة وكان مركز ناصر ثابتًا لم يتحسن كثيرًا لكنه لم يتراجع وهذا كان كافيًا ثم بدأ من نفس النقطة التي انتهى عندها لكن هذه المرة بسرعة أعلى ودقة أكبر حيث ضغط على السيارة بثقة هادئة وبدأ يقتنص المسارات الضيقة ويتجاوز سيارة ثم أخرى وكانت كل حركة محسوبة وكل قرار في لحظته حتى سرق مراكز لم تكن متاحة قبل دقائق.
ومع نهاية الجولة دخل منطقة الصيانة مرة أخيرة قبل الجولة الأخيرة حيث كل شيء سيتحدد
دخل ناصر منطقة الصيانة للمرة الأخيرة بعينين ثابتتين وقلب ينبض بإيقاع مختلف
ما إن توقفت سيارة Jeep حتى صرخ بصوت واضح نحو الفريق بدلوا الإطارات استخدموا المجموعة البديلة التي أحضرتها
تبادل الفريق النظرات لثوانٍ وكانت إطارات غير تقليدية أثقل وأكثر تحملاً لكنهم لم يناقشوا
تم التنفيذ بسرعة مذهلة وتم تثبيت الإطارات وضبط الضغط ثم جاءت إشارة الانطلاق،انطلقت السيارة من جديد
في اللفة الأولى لم يظهر شيء استثنائي لكن مع بداية اللفة التالية انفجر كل شيء
اندفعت السيارة بسرعة مرعبة وتسارع غير منطقي وتوازن حاد رغم الضغط
اتسعت أعين الفريق ووقف المنافسون في ذهول يتساءلون كيف
لكن ناصر لم يكن يسمعهم فقد اختفت الأصوات من حوله ولم يعد هناك جمهور ولا محركات ولا صراخ،بقي هو والسيارة وصوتها فقط،جاء صوت أليكس عبر الاتصال يخبره أنه وصل إلى السرعة المتفق عليها كما طلب منه ٣٠٠ عقده 
لكن الصوت بدا بعيدًا وكأنه قادم من عالم آخر
لم يرد ناصر بل ضغط أكثر وزاد السرعة حتى تجاوزت السيارة كل ما هو معروف، صرخ المحللون أن السيارة ستنفجر لكن ناصر كان يهمس لها تحملي هذه المرة فقط
كان يشعر بكل جزء فيها بكل اهتزاز وبكل نبضة داخل المحرك،لم يكن يقودها بل كان يتحدث معها وكانت تستجيب
كان في المركز الرابع خلف سيارة BMW
ثم بدأت السيمفونية الأخيرة، دخل المنعطف بسرعة مستحيلة وخرج بثبات كامل وتجاوز سيارة ثم أخرى، بحركات سلسة كأن الطريق يفتح له، انسياب كامل وتحكم مطلق،ثم انطلقت السيارة كالرصاصة نحو خط النهاية
اختفى كل شيء إلا الهدف، وفي لحظة حاسمة عبرت السيارة خط النهاية، تصاعد الدخان منها بعنف والمحرك يصرخ والجماهير تنفجر بالصياح، توقفت السيارة أخيرًا وفتح ناصر الباب وخرج ببطء، ثم التفت إليها ووضع يده عليها وقبلها، رفع يديه عاليًا بعلامة الانتصار، ثم انحنى وسجد شكرًا لله. 
عاد ناصر إلى الحارة التي خرج منها يومًا مثقلًا بالغضب والضياع لكنه عاد هذه المرة مختلفًا يحمل داخله صخبًا من الانتصارات وصمتًا أعمق من أي هزيمة،كانت الأزقة كما هي لكن نظرته إليها لم تعد كما كانت، الأصوات القديمة عادت تهمس في أذنه لكن قلبه لم يعد ينجذب إليها بنفس الطريقة
لم تمضِ ساعات على عودته حتى وصلته الأخبار
فتحى الرجل الذي كان يومًا يملأ الحارة ضجيجًا وسطوة سقط فجأة،أزمة قلبية حادة أصابته وأسقطته أرضًا ثم تركته أسير جسد لا يتحرك،شلل رباعي أنهى كل ما تبقى من قوته وهيبته،لم يشعر ناصر بالشماتة كما كان يتوقع
بل شعر بثقل غريب ،وقف للحظات أمام ورشتة القديمة  ثم استدار دون أن يدخل،كان هناك شيء أهم ينتظره
شيء تأخر كثيرًا.
اتجه ناصر نحو المقابر بخطوات بطيئة،كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها،حتى وصل أخيرًا إلى قبر نوال،توقف أمامه طويلًا دون أن ينطق
نظر إلى التراب الصامت وكأنه يحاول أن يرى من خلاله
ثم جلس على ركبتيه ومد يده يلامس الأرض برفق،همس بصوت مكسور،أنا جيت يا نوال، اتأخرت عليك بس كنت تايه
كنت بحاول أرجعلك وأنا واقف على رجلى، سكت لحظة وابتلع صوته ثم أكمل،أنا عملت حاجات كتير يا نوال
دخلت عالم مكنتش أتخيله،ركبت عربيات أسرع من الريح
وخليت ناس كانت بتضحك عليا تسكت،بس كل ده ملوش طعم،مش زي ما كنت فاكر، خفض رأسه أكثر وقال بصوت أهدأ  ،وحشتينى.
وحشني كلامك وضحكتك،وحشني إحساس إن في حد فاهمني من غير ما أتكلم
مرر يده على التراب كأنه يربت عليها،أنا خدت حقك يا نوال
متأخر بس أخدته،يمكن مش بالطريقة الصح،بس مكنتش أعرف أعيش غير كده،ارتجف صوته وهو يكمل،كنت نفسي تكوني هنا، تشوفي أنا بقيت إيه
يمكن كنتي تضحكي وتقوليلي إني لسه نفس المجنون
انحنى أكثر حتى لامس جبينه الأرض،وبدأ يبكي بصمت
بكاء طويل مكبوت خرج أخيرًا بلا مقاومة
رفع رأسه بعد لحظات وعيناه ممتلئتان بالدموع،وقال بصوت خافت،ربنا يرحمك يا نوال، ويريحك،ويجمعني بيكي على خير،ظل جالسًا هناك طويلًا،لا يسمع إلا صوته الداخلي
ولا يشعر إلا بفراغ تركته خلفها،فراغ لم تملأه سرعة ولا انتصار ولا ضجيج العالم كله.
عاد ناصر من المقابر وقلبه أخف قليلًا وكأن جزءًا من روحه عاد ليستقر مكانه أخيرًا
كانت خطواته هذه المرة أكثر هدوءًا لكنه كان يعرف أن ما تبقى من حياته يجب أن يُبنى لا أن يُهدم،حين رآه يحيى فتح ذراعيه دون تردد،احتضنه بقوة وضحك بصوت صادق كأن الزمن عاد بهما إلى أيام أبسط
قال وهو يربت على كتفه رجعت يا ناصر نورت مصر كلها
ابتسم ناصر لأول مرة ابتسامة كاملة لم يشوبها ثقل
ثم نظر إليه قليلًا قبل أن يقول بصوت ثابت لكنه يحمل رجاءً خفيًا،عايز أطلب منك طلب يا مستر  يحيى
لو ممكن  أنا عايز أتجوز تلا طبعا لو هى موافقه
 أنا معنديش حاجه اقدر أقدمها ليها غير حفنة أحلام ومستقبل غامض ،،ساد صمت قصير
نظر يحيى إليه بعمق كأنه يزن كلماته لا بميزان العقل فقط بل بميزان القلب أيضًا ،ثم نظر يحي إلى زوجته التى كان ناصر 
يتقدم خطوة نحوها  والتي كانت تقف تراقب الموقف بصمت،وقال بهدوء صريح
أنا عارف إني مش الشخص اللي كنتي بتتمنيه لبنتك
وعارف إن عندك تخوفات وتطلعات أكبر من اللي أنا أقدر أقدمه دلوقتى، بس أنا معنديش حاجه أقدمها غير 
إني أحافظ على بنتك،وإني عمري ما أسمح للحزن يقرب منها
ولو انتى رفضتى هحترم ده ومش هلومك أبدًا
ولو كنت مكانك يمكن كنت رفضت من غير تفكير.
نظرت إليه المرأة طويلًا،ثم تنهدت وكأنها تترك خلفها شكوكًا كثيرة،وقالت بصوت هادئ يحمل دفئًا غير متوقع
أنا متباعك يا ناصر،وشفتك وانت بتسابق العالم كله
وشفتك وانت بتقع وترجع تقوم،وأنا مبسوطة بيك
لو بنتي موافقة أنا معنديش مانع
في تلك اللحظة لم يكن هناك صوت أعلى من نبض قلب ناصر
وكأن العالم كله توقف ليمنحه بداية جديدة،
تلا قالت مفيش مانع بشرط انها اكمل دراستها سواء فى مصر أو بره مصر.
،مرّت الأيام سريعًا،وجاء يوم الزفاف،كانت الحارة مضاءة بأضواء بسيطة لكنها صادقة،الأغاني الشعبية تختلط بالضحكات،والوجوه التي شهدت سقوط ناصر يومًا تشهد الآن قيامه من جديد،وقف ناصر بجوار تلا،نظر إليها فوجد في عينيها سكونًا لم يعرفه من قبل،سكون يشبه الأمان الذي ظل يبحث عنه طوال حياته،لم يكن الزفاف فخمًا،لكن كان حقيقيًا
وكان كافيًا،وبعد أيام قليلة، كان ناصر يقف في المطار مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن يهرب،بل كان يسافر بإرادته
إلى جواره كانت تلا تمسك بيده،وعيناهما تتجهان نحو مستقبل لم يُكتب بعد،صعدا إلى الطائرة،جلس ناصر بجوار النافذة كما اعتاد،لكن هذه المرة لم يكن ينظر إلى الماضي
كان ينظر إلى السماء، همس لنفسه بصوت خافت الرحلة لسه بتبدأ،أغمض عينيه للحظة،ثم فتحهما،وكأن العالم كله أمامه طريق مفتوح،بعيد،واسع،ولا نهاية له.
خاض ناصر مجموعه كبيرة من السباقات حيث اشتهر بتهوره
وسرعته الفائقه وانهائه السباق فى اخر لحظه عندما يتوقع الجميع هزيمته ،أصبح ناصر رقم صعب، رفض عرض كبير من شركة BMW, وكان ينتقل من سياره الى أخرى وكل السيارات التى كان ناصر ينتصر بها كانت تفشل مع السائقين غيره وقبل وصوله لقمة الترتيب العالمى تعرض لحادثه بسيطه واصرت زوجته على ابتعاده عن مضمار السباقات إلى الأبد، عاش ناصر فى أمريكا ورزق بمجموعه من الابناء حتى قضى نحبه فى ليله ممطره وهو جالس فى الشرفه يتابع السيارات فى الطريق.

•تابع الفصل التالي "رواية شاهد قبر" اضغط على اسم الرواية
تعليقات