رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثاني 2 - بقلم جاسمين محمد
مر أسبوع كامل على ذلك الاتفاق الغريب في الكافتيريا. كانت ليلى تجلس في مكتب آسر الفخم، حيث يختلط عبق الأثاث الجلدي العتيق برائحة المعقمات. اللابتوب الخاص بها كان يكاد يختفي وسط جبال من الأبحاث الطبية "الناشفة" والتقارير التي لا تنتهي. كان الجو هادئاً بشكل يدعو للتوتر، لا يقطعه سوى صوت نقرات كيبورد ليلى السريعة، وصوت صرير قلم آسر وهو يوقع على حزمة من التقارير الطبية بصرامة معهودة.
ليلى (نفخت بضيق وأغلقت اللابتوب نصف إغلاق): "بقولك إيه يا دكتور آسر، أنا بجد استويت! إيه 'تضيق الصمام الميترالي المصحوب بارتجاع حاد' دي؟ أنت عايزني أخلي القارئ يحس بضربات قلبه من الانفعال، ولا يجيله جلطة من تعقيد المصطلحات؟ الرواية محتاجة روح، مش محاضرة في كلية الطب!"
آسر رفع رأسه ببطء من فوق الأوراق، ورمقها بنظرته الحادة التي بدأت ليلى تعتاد قسوتها المبطنة. قام من مكتبه بهدوء مهيب، واقترب منها حتى وقف خلف كرسيها مباشرة. شعرت ليلى بنبضها يتسارع كطبل أفريقي، ورائحة عطره التي تمزج بين الخشب والليمون بدأت تسيطر على أنفاسها.
آسر (بصوت منخفض ورخيم جداً قرب أذنها): "سمعيني يا ليلى.. وريني 'القلم' عمل إيه في 'المشرط' بتاعي. اقرئي لي آخر فقرة كتبتيها."
ارتبكت ليلى، وحاولت جاهدة أن تركز في الشاشة وهي تقرأ بنبرة ممسرحة لتداري خجلها: "كتبت.. 'القلب ليس مجرد عضلة صماء تضخ الدماء في العروق، بل هو مخزن الحكايات السري، والندبة التي يتركها المشرط فوق الصدر ليست علامة هزيمة، بل هي باب جديد للحياة، يفتحه جراح يملك شجاعة مواجهة الموت وجهاً لوجه'."
سكت آسر تماماً. كانت المسافة بينهما لا تتعدى سنتيمترات، لدرجة أنها شعرت بحرارة أنفاسه. مد يده ببطء شديد، ولمس طرف إصبع ليلى الذي كان يرتعش بشكل لا إرادي على الكيبورد. رفعت ليلى عينيها له في تلك اللحظة، وشعرت أن عقارب الساعة قد توقفت عن الدوران.
آسر (بنبرة غلفها وجع مكتوم): "عارفة يا ليلى.. ساعات المشرط بيخون، والباب اللي بنحاول نفتحه بيقفل للأبد في وشنا. مش كل الحكايات نهايتها حياة، ومش كل الجروح بتخف."
ليلى (نظرت له بحنان وعفوية هزت ثباته): "أنت بتتكلم عن مامتك؟ صح؟ الوجع اللي في صوتك ده مش وجع مهني.. ده وجع ابن خسر أغلى ما عنده."
اتصدم آسر أنها نفذت إلى أعماقه بهذه السهولة، ولمعت عيونه بحزن قديم حاول دفنه لسنوات: "ماتت بين إيدي.. كنت لسه طالب، وقفت عاجز، مجرد متفرج قدام قلبها وهو بيقف. ومن يومها، أي حد بيدخل المستشفى بوجع في قلبه، بشوف فيه ملامح أمي. بكون عايز أحارب الموت بكل قوتي عشان ميكررش كسر قلبي اللي حصل يومها."
ليلى، ودون أن تشعر، وضعت يدها الثانية فوق يده التي تلامس أصابعها، وكأنها تحاول ترميم ذلك الكسر: "عشان كدة أنت قاسي؟ عشان خايف تدي أمان لأي حد فتخسره تاني؟"
نظر آسر ليدها، ثم غرق في عينيها بنظرة طويلة مليانة بمشاعر محبوسة، وقرب أكثر وهمس: "أنا مش قاسي.. أنا بس محتاج حد يحسسني إن المشرط بتاعي كفاية.. حد زيك كدة، بيشوف الروح ورا الجرح."
قطعت هذه اللحظة السحرية دخول الممرضة هبة وهي تسند "الحاجة فاطمة" والدة ليلى. ابتعد آسر بسرعة البرق وهو يعدل بالطوه الأبيض ببرود مفتعل، بينما اشتعل وجه ليلى خجلاً وأصبح أحمر كحبة فراولة.
آسر (بابتسامة حقيقية ارتسمت على وجهه لأول مرة، واتجه نحو فاطمة): "أهلاً يا حاجة فاطمة! نورتي المكتب كله. تعالي ارتاحي في مكاني، الكرسي ده أريح بكتير."
أخذ يدها بحرص شديد وكأنها قطعة من الزجاج الغالي وقعدها على كرسيه الوثير. ليلى كانت واقفة مبهورة، تنظر لآسر الذي يتعامل مع والدتها بتقدير ملكي، وكأن قسوته ذابت تماماً.
فاطمة (بضحك): "يا بني أنا جيت أشكرك بنفسي، ليلى قالت لي إنك سهرت 3 ساعات فوق راسي عشان تنقذني وتطمن البت دي."
آسر (نزل لمستوى الكرسي وجلس على ركبتيه ومسك يدها بحب): "لو كنت أقدر أسهر العمر كله عشان أشوف الضحكة دي مكنتش هتأخر ثانية. أنتِ غالية أوي يا أمي."
طبطبت فاطمة على كتفه بحنان: "ربنا يجبر بخاطرك يا ابني ويرزقك باللي تريح بالك وتعرف قيمة قلبك الأبيض المستخبي ورا لبس الدكاترة ده."
آسر نظر لليلى بطرف عينه وقال: "دعوتك استجابت يا حاجة.. الظاهر ربنا بعت لي فعلاً اللي هترتب لي الورق.. والقلب كمان."
فجأة، استعاد آسر قناعه المهني البارد وقال لليلى بصيغة آمرة: "بكره عندنا سفر للإسكندرية، المؤتمر التحضيري للبحث الدولي. هتيجي معايا عشان لو سألوا في 'تنسيق المشاعر' اللي بتكتبيه ده تعرفي تجاوبي."
ليلى (بذكاء): "بشرط! نسفر ماما معانا عشان مش هقدر أسيبها هنا لوحدها، واهو تغير جو، والدكتور قال إن حالتها تسمح تخرج من المستشفى بالسلامة."
آسر: "موافق. التحرك الساعة 7 الصبح من قدام البيت. وأي تأخير ثانية واحدة، هعتبر العقد اللي بيننا باطل."
في طريق الإسكندرية:
كانت ليلى تجلس في الكرسي المجاور لآسر في سيارته المرسيدس الفارهة، بينما غطت والدتها في نوم عميق في المقعد الخلفي. ليلى كانت تشغل أغاني فيروز الهادئة وتراقب الطريق الممتد، وآسر يركز في القيادة لكنه لم يستطع منع نفسه من اختلاس النظر إليها وهي تخط كلمات سريعة في نوت بوك صغير معها.
آسر: "بتكتبي إيه دلوقتي؟ لسه بتكتبي عن العصافير والحب الأفلاطوني؟"
ليلى (نظرت له بتحدٍ): "بكتب عن دكتور قلبه عبارة عن جهاز رسم قلب، مبيتحركش غير بالكهرباء والأرقام الجامدة، بس فجأة اكتشف إن فيه نبض حقيقي مدفون بين السطور والورق."
آسر: "والدكتور ده نهايته إيه في قصتك؟ هيموت وحيد وسط أجهزته؟"
ليلى (سكتت ونظرت في عيونه بعمق): "لسه بشوف.. هل هيقدر يتخلى عن مشرطه لحظة عشان يمسك القلم ويشاركني الكتابة، ولا هيفضل مسجون في التلج اللي بنى حولين نفسه؟"
آسر أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق، ونظر لها بجدية لم تعهدها: "أنا مش عايش في تلج يا ليلى.. أنا عايش في مسؤولية مرعبة. الغلطة عندي معناها 'روح' بتفارق. المشرط مش قسوة، المشرط أمانة ثقيلة جداً. وقلمك.. بدأ يخليني أشوف إن الأمانة دي ليها صوت حلو، صوت ممكن يطمن المريض قبل البنج."
كانت اللحظة مشحونة بتوتر جميل كاد أن ينتهي باعتراف، لكن تليفون آسر رن بحدة.. كان المستشفى.
آسر (بصوت قلقان): "إيه؟ حالة طارئة؟ جراحة قلب مفتوح ل طفل؟ طيب أنا مسافة السكة.. جهزوا غرفة 4 فوراً وبلغوا التخدير."
لف السيارة بسرعة جنونية وعاد للقاهرة وكأنه في سباق مع الزمن. ليلى كانت مبهورة بتحوله المفاجئ لقائد في معركة.
ليلى: "والمؤتمر؟ والبحث؟"
آسر: "البحث يستنى والكون كله يستنى.. فيه طفل حياته واقفة على دقايق. ليلى، امسكي التليفون ده، اتصلي بالدكتور عماد وبلغيه يجهز نفسه ويجهز أوضة العمليات فوراً عقبال ما أوصل."
ليلى شعرت بفخر غريب وهي تشاركه هذا الاستنفار، وفي تلك اللحظة، تأكدت أن بطل روايتها ليس من نسج خيالها، بل هو هذا المحارب الذي يقود السيارة بجنون لإنقاذ حياة.
بعد دقائق في المستشفى:
في ممر المستشفى المعقم، كان آسر يقف وعلامات التوتر والضغط واضحة على وجهه وهو يراجع ملف الحالة الحرجة بسرعة. التفت لـ "هبة" (الممرضة) بحدة أرعبت الجميع:
• "يعني إيه مفيش ممرضين عمليات متخصصين متاحين حالاً؟ الحالة مش هتستنى يا هبة! الطفل بيموت!"
هبة بأسف وخوف: "يا دكتور آسر، دكتور عامر ودكتور عماد عندهم عمليات طوارئ حالاً بسبب حادثة الطريق الدائري، وكل طاقم التمريض المتخصص في القلب جوه معاهم.. مفيش غير ممرضين أدوار وما ينفعوش يدخلوا عملية دقيقة زي دي!"
ضرب آسر الحائط بيده بغضب، وهنا تقدمت ليلى بخطوات واثقة، رغم الارتجاف الطفيف الذي كان يظهر في صوتها:
• "أنا ممكن أدخل معاك.. أنا أقدر أساعدك كويس جداً."
نظر إليها آسر بذهول وسخرية مريرة: "تدخلي فين يا ليلى؟ دي غرفة عمليات، مش مشهد في رواية هتكتبيه بقلمك وتصلحي الغلط بـ 'كوريكتور'! بالله عليكي مش وقت مجاملات ولا فرجة، إنتي إيه عرفك بالتعقيم وأدوات الجراحة؟"
قبل أن تجيب ليلى، تدخلت والدتها التي كانت تقف قريبة وتراقب الموقف بفخر: "خدها يا آسر يا ابني وأنت مطمن.. ليلى خريجة كلية تمريض بتقدير امتياز في كل السنين، وكانت أشطر واحدة في دفعتها قبل ما تقرر تتفرغ للكتابة.. بنتي مش بس بتعرف تمسك القلم، دي بتعرف تسند المشرط كمان!"
تسمر آسر في مكانه، ونظر لليلى بنظرة جديدة تماماً، وكأنه يراها للمرة الأولى.
•تابع الفصل التالي "رواية لقاء خط بمشرط وقلم" اضغط على اسم الرواية