رواية ملك بلا مملكة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
اندفعت جود تركض فوق الجليد بكل ما تبقى لها من قوة وكانت أنفاسها تتكسر في صدرها من شدة الإرهاق لكن عينيها لم تفارقا ذلك المشهد البعيد حيث كان يامان يسير هناك حيًا ولم يكن هذه المرة حلمًا
صرخت باسمه مرة أخرى بصوت مبحوح وهي تنحدر من فوق الجبل غير عابئة بالألم الذي يمزق قدميها ولا بالجروح التي فتحت من جديد وكانت تراه يقترب خطوة بعد خطوة وكل خطوة كانت تعيد إليها الحياة وكل خطوة كانت تعيد الأمل الذي ظنت أنه مات
اتسعت عيناها وارتسمت على وجهها ابتسامة مرتجفة وهي تهمس لنفسها أنه حي وأنها ستصل إليه وأن كل شيء سينتهي الآن وبدأت الصور تتزاحم داخل رأسها عودته ونظراته وصوته وهو يناديها وشعرت أن العالم كله يعود إلى مكانه الصحيح
ركضت أسرع مما ظنت أنها قادرة عليه حتى كادت تسقط لكنها تماسكت واستمرت ولم تعد تشعر بالبرد ولا بالتعب ولا بالخوف ولم يعد هناك سوى شيء واحد فقط وهو الوصول إليه
كان قريبًا جدًا قريبًا لدرجة أنها كادت تلمح ملامحه بوضوح فرفعت يدها وهي تصرخ باسمه مرة أخرى
لكن في تلك اللحظة تغير كل شيء وبدأ الضباب يزحف من أمامه ومن تحت قدميه ببطء أولًا ثم بسرعة مخيفة وارتفعت خيوطه البيضاء من الأرض كأنها كائن حي يستيقظ من سباته واندفعت بين التلال والسهول حتى وصلت إليه
تجمدت جود في مكانها واتسعت عيناها بصدمة وهي ترى الضباب يبتلع المشهد أمامها فصرخت بكل قوتها ورفعت يدها كأنها تستطيع الإمساك به من تلك المسافة لكن الضباب كان أسرع فالتف حول يامان والفتاة وغمرهما ثم أخفاهما تمامًا
اختفى يامان أمام عينيها كأنه لم يكن هناك من الأساس ووقفت جود في مكانها لا تتحرك وأنفاسها متقطعة وقلبها يدق بعنف ولم تستوعب ما حدث لأن قبل لحظة كان هناك وكان قريبًا وكان على بعد خطوات والآن لا شيء
اندفعت فجأة تركض نحو المكان الذي اختفى فيه تتعثر وتسقط ثم تنهض من جديد حتى وصلت إلى حافة الضباب فتوقفت للحظة ثم دخلت لكن داخل الضباب لم يكن هناك شيء لا أثر ولا صوت ولا رائحة وكأن العالم نفسه اختفى
دارت حول نفسها ببطء وهي تحاول أن ترى أي شيء أي علامة أو دليل لكن الفراغ كان كاملًا وهمست بصوت مكسور باسمه ثم ارتفع صوتها تدريجيًا وهي تناديه لكن لا أحد أجاب
توقفت عن الحركة وشعرت بشيء ينكسر بداخلها ليس الألم بل الأمل نفسه ذلك الأمل الذي عاد قبل لحظات فقط ثم تحطم بالكامل
سقطت على ركبتيها وسط الضباب ويداها ترتجفان ولم تبك في البداية بل ظلت تنظر أمامها بعينين فارغتين وكأن عقلها يرفض تصديق ما حدث ثم فجأة انهارت وبدأت دموعها تتساقط بلا توقف
كان قريبًا وكان حيًا وكان يمكنها أن تصل إليه لكنها تأخرت لحظة واحدة فقط وكانت تلك اللحظة كافية
رفعت رأسها ببطء وصرخت باسمه مرة أخيرة لكن هذه المرة لم يكن في صوتها أمل بل كان فيه انكسار صوت شخص رأى كل شيء يعود إليه ثم فقده مرة أخرى بشكل أقسى بكثير
تقدمت جود داخل أرض الضباب دون أن تعرف إلى أين تذهب وكانت خطواتها بطيئة ومضطربة بينما يبتلعها البياض من كل اتجاه ولم يعد هناك فرق بين الأرض والسماء
كانت تنادي باسمه في البداية ثم خفت صوتها تدريجيًا حتى تحول إلى همسات متقطعة قبل أن يسقط الصمت تمامًا
الضباب كان كثيفًا لدرجة أنها لم تعد ترى يديها بوضوح وكانت كل خطوة تشعرها وكأنها تغوص في عالم بلا نهاية
حاولت أن تعود إلى الخلف لكنها لم تجد طريقًا ولم تستطع تمييز الاتجاهات وكأن الأرض نفسها تغيرت تحت قدميها
مرت الساعات أو ربما أيام ولم تعد قادرة على التمييز بين الزمن واللحظة
بدأ العطش يحرق حلقها وجف فمها حتى أصبحت شفتيها متشققتين وكانت تبحث بعينيها عن أي مصدر ماء لكن كل ما حولها كان ضبابًا صامتًا لا يمنح شيئًا
ثم بدأ الجوع ينهش جسدها وأصبحت حركتها أبطأ وأثقل وكل خطوة تحتاج إلى جهد أكبر من السابقة
سقطت مرة على الأرض ثم حاولت النهوض لكنها تعثرت مرة أخرى وارتطمت بوجهها على التراب البارد
جلست على ركبتيها وهي تلهث ويداها ترتجفان ثم رفعت رأسها بصعوبة وهمست باسمه مرة أخيرة لكن صوتها كان ضعيفًا بالكاد يُسمع
بدأت رؤيتها تتشوش والضباب من حولها صار يدور كدوامة بطيئة تسحبها إلى الداخل
شعرت بالبرد يتسلل إلى جسدها وبالضعف يسيطر عليها تمامًا
سقطت على جانبها وأغمضت عينيها ببطء وكأنها تستسلم أخيرًا،لم يعد هناك ألم، ولا خوف،فقط تعب عميق
واستسلام هادئ،وقبل أن تغرق في الظلام تمامًا
سمعت صوتًا بعيدًا،غير واضح،كأن أحدهم يتحدث
ثم شعرت بشيء يهز كتفها برفق
فتحت عينيها بصعوبة وكانت الرؤية ضبابية لكنها رأت ظلين يقفان فوقها،صوت رجل قال بهدوء لقد وجدناها
وصوت فتاة أصغر سنًا قالت إنها لا تزال حية
حاولت جود أن تتكلم لكن صوتها لم يخرج
انحنى الرجل بجانبها ووضع يده قرب أنفها ليتأكد من تنفسها ثم قال إنهما يجب أن ينقذاها قبل أن تموت هنا
اقتربت الفتاة أكثر ووضعت قليلاً من الماء على شفتيها المتشققتين فتسللت قطرة صغيرة إلى فمها وكانت كأنها تعيد الحياة إليها للحظة
حملها الرجل بحذر على كتفيه بينما كانت الفتاة تسير بجانبه تراقب الطريق داخل الضباب بثقة غريبة،كان واضحًا أنهما يعرفان هذه الأرض جيدًا،يتحركان فيها دون تردد
وكأن الضباب لا يربكهما،ابتعدوا بها ببطء حتى اختفت آثارهم داخل البياض مرة أخرى
وبينما كانت جود شبه فاقدة للوعي شعرت بحركة خفيفة وصوت خطوات منتظمة،لم تعرف من هما، ولا إلى أين يأخذانها،لكنها أدركت شيئًا واحدًا قبل أن تفقد وعيها تمامًا
أنها لم تمت بعد، وأن هناك من أعادها من حافة النهاية مرة أخرى
كان الشاب يتحرك داخل الضباب بثقة لا تشبه أي مسافر عادي بينما كانت أخته تسير خلفه بخطوات ثابتة تمسك بطرف حبل طويل يربطهما معًا حتى لا يفقد أحدهما الآخر وسط ذلك البياض الخادع
كان الحبل ممتدًا بينهما كخيط حياة لا ينقطع وكلما تقدما خطوة شد الشاب الحبل قليلًا ليطمئن أنها ما زالت خلفه بينما كانت هي ترد بشد خفيف تؤكد به وجودها
لم يكونا يعتمدان على النظر لأن الضباب كان يخدع العين ويغير المسافات لذلك كان الشاب يمد يده بين الحين والآخر ليتحسس الأرض والصخور وكأنه يقرأ الطريق بلمسه
كان يضع علامات صغيرة على الأرض كل عدة خطوات حجرًا مميزًا أو قطعة قماش مربوطة في شجيرة أو خدشًا واضحًا على صخرة حتى لا يدورا في نفس المكان دون أن يشعران
أحيانًا كان يتوقف فجأة ويغلق عينيه ثم يستمع لصوت الرياح أو لحركة خفيفة في الفراغ وكأن للضباب لغة خاصة تعلم كيف يفهمها
أما أخته فكانت تحفظ عدد الخطوات بين كل علامة وأخرى وتهمس بالأرقام بصوت منخفض حتى لا يضيع الإيقاع الذي اعتادا عليه منذ سنوات
كانا قد عبرا هذه الأرض من قبل مرات كثيرة لكنهما لم يستهينا بها أبدًا لأن خطأ واحد فقط كفيل بأن يبتلعهما الضباب للأبد
حمل الشاب جود على كتفه بينما كانت أخته تراقب الطريق وتعدل اتجاههما كلما شعرت بانحراف بسيط وكانت بين الحين والآخر تضع قطرات ماء على شفتي جود لتبقيها على قيد الحياة
استمروا في السير وقتًا طويلًا حتى بدأ الضباب يخف تدريجيًا وأصبحت الظلال أكثر وضوحًا والهواء أقل ثقلًا
توقفت الفتاة فجأة وقالت بصوت منخفض لقد اقتربنا
شد الشاب الحبل مرة أخيرة ثم تقدم خطوة أخرى
وفجأة
انشق الضباب خلفهم أخيرًا وخرجوا إلى أرض أكثر وضوحًا لكن المشهد أمامهم لم يكن مهجورًا كما ظنوا في البداية
امتدت أمامهم مدينة واسعة نابضة بالحياة تقف عند الحد الفاصل بين عالمين عالم الضباب خلفهم وعالم آخر مختلف تمامًا
كانت الأسوار العالية تحيط بها من كل جانب مبنية من حجارة ضخمة متراصة بإحكام تعكس قوة المكان وهيبته وكانت الأبراج ترتفع فوقها يقف عليها حراس بثبات يراقبون الأفق بلا انقطاع
البوابة الرئيسية كانت هائلة مصنوعة من خشب سميك مدعوم بشرائط حديدية سوداء وتفتح على طريق واسع يؤدي إلى الداخل وكان أمامها صف من الحراس المدججين بالسلاح يقفون بنظام صارم لا يسمح لأي عابر بالمرور دون تفتيش أو إذن
ومن خلف الأسوار كانت الحياة واضحة حتى من هذه المسافة
أشخاص يتحركون في الشوارع عربات تجرها الدواب تمر ببطء وأصوات خافتة تصل كهمس بعيد يدل على مدينة لا تنام
البيوت متراصة على جانبي الطرق بأسقف مائلة وشرفات ضيقة والجدران تحمل آثار زمن طويل لكنها ما زالت صامدة وكأن المكان لم يضعف يومًا
الطرق مرصوفة بحجارة قديمة تعكس تاريخًا عميقًا ونظامًا صارمًا يحكم كل شيء
كان المشهد كله يوحي بمدينة قوية منظمة تعيش على قوانين واضحة وتحرس نفسها جيدًا
توقف الشاب عند حافة الطريق المؤدي إلى البوابة وهو لا يزال يحمل جود على كتفه وحدق في المدينة بحذر واضح
وقفت أخته بجانبه تمسك الحبل وقد خفضت صوتها وهي تقول إن هذا المكان ليس سهلًا وأن الدخول إليه قد يكون أخطر مما يبدو
ظل الاثنان واقفين يراقبان الحراس وحركة الداخلين والخارجين دون أن يخطوا خطوة واحدة نحو البوابة
كانوا قد وصلوا أخيرًا
لكنهم لم يعبروا بعد
•تابع الفصل التالي "رواية ملك بلا مملكة" اضغط على اسم الرواية