رواية ملك بلا مملكة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى

 رواية ملك بلا مملكة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى


فتح يامان عينيه ببطء شديد وكأن الجفون أثقل من أن ترتفع وكان الضوء خافتًا يتسلل من مدخل الكهف وصوت الماء البعيد يتردد داخل المكان وحاول أن يتحرك فشعر بثقل في جسده كأنه عاد من موت طويل
تنفس بعمق وهو يحاول استيعاب ما حوله من الصخور والنار الهادئة ورائحة الأعشاب ثم توقفت عيناه فجأة عند مدخل الكهف
كانت بريسا تجلس هناك ظهرها نصف ملتفت نحوه تنظر إلى الخارج حيث يمتد المستنقع الملعون والغابة والأرض المحرمة كأنها ترى ما لا يُرى وكان شعرها الطويل الناعم ينسدل خلفها حتى يلامس أرض الكهف ويتحرك بخفة مع نسيم خفيف يدخل من الخارج
كان جسدها نحيلًا متناسقًا وملامحها رقيقة بشكل يكاد يكون غير حقيقي جمال هادئ لكنه حاد في الوقت نفسه كأنها اختارت كل تفصيلة فيه بإرادة كاملة
تجمدت عينا يامان عليها للحظات وشعر بشيء غريب في صدره لم يكن خوفًا ولا حذرًا بل انجذابًا صامتًا لا يعرف سببه
حاول أن يتذكر لماذا هو هنا وكيف وصل ومن تكون هذه الفتاة لكن الفراغ كان يملأ رأسه ولم تظهر أي ذكرى
اتسعت عيناه ببطء وارتسمت على وجهه ملامح اندهاش وارتباك وهمس في نفسه أين أنا ومن هذه
حاول أن يعتدل فاهتز جسده قليلًا ثم استند بيده على الأرض ونهض بصعوبة
التفتت بريسا على صوته ونظرت إليه بهدوء والتقت عيونهما لأول مرة وكانت لحظة قصيرة لكنها كافية ليشعر أن قلبه توقف ثم عاد ينبض بقوة غير مفهومة
ابتلع ريقه وقال بصوت ضعيف أين أنا وكيف وصلت إلى هنا
ظلت بريسا تنظر إليه لثوانٍ قبل أن تخفض عينيها قليلًا وكأنها تخفي شيئًا ثم همست بنبرة هادئة تحمل شيئًا من الخجل أنها وجدته هنا داخل الكهف وكان بين الحياة والموت وعلى ما يبدو أن أحدهم أحضره إلى هنا ثم تركه ليموت
صمت يامان للحظة وهو يحاول فهم كلماتها ثم رفع يده إلى رأسه وضغط عليها كأنه يحاول انتزاع ذكرى واحدة لكن لا شيء ظهر
نظر إليها من جديد وقال بصوت مرتبك إنه لا يتذكر شيئًا ولا يعرف من هو ولا كيف جاء حتى اسمه لا يعرفه
ساد صمت خفيف بينهما ثم نظر إليها بامتنان صادق وقال إنها أنقذت حياته
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه بريسا دون أن تجيب مباشرة واقترب خطوة بطيئة منها وعيناه لا تزالان معلقتين بها
ثم قال بهدوء شكرًا لك ولو لم تكوني هنا لانتهى كل شيء
توقف لحظة ثم سألها ما اسمك ومن أنت وما هذا المكان
وظل واقفًا أمامها ينتظر الإجابة دون أن يدرك أن حياته التي يعرفها قد انتهت بالفعل وأن كل ما سيأتي بعد هذه اللحظة لن يكون كما كان أبدًا
نظرت بريسا إلى يامان للحظات قبل أن تبتسم ابتسامة خفيفة ثم قالت بصوت هادئ اسمي بريسا
ترددت قليلًا وكأنها تختار كلماتها ثم أضافت أنها فتاة رحالة تنتقل بين الأراضي ولا تنتمي إلى مكان واحد وأنها تعود إلى هذا الكهف مرة كل عام ليوم واحد فقط لتستريح بعيدًا عن العالم
أشارت بيدها إلى داخل الكهف ثم قالت إنها عندما عادت هذه المرة وجدته ملقى هنا بين الحياة والموت وأنها لم تستطع تركه فاضطرت للبقاء وإنقاذ حياته
سكتت لحظة ثم نظرت إلى الخارج حيث تمتد الأرض المحرمة وقالت إنها رأت من السماء معركة كبيرة جدًا وجثثًا لا تحصى متناثرة في كل مكان لكنها لا تعرف سبب تلك الحرب ولا من كان يقاتل فيها
استمع يامان إليها بصمت ثم هز رأسه ببطء وقال إنه لا يتذكر أي شيء مما تقوله ولا يعرف شيئًا عن معارك أو ذئاب أو مصاصي دماء وقال بنبرة صادقة إنه يشعر وكأنه مجرد إنسان عادي تائه أو ربما حالم ضل طريقه إلى مكان لا ينتمي إليه
نظر إلى يديه وكأنه يراهما لأول مرة ثم قال إنه لا يعرف ما الذي أحضره إلى هذه الأرض ولا لماذا كان على وشك الموت
ابتسمت بريسا ابتسامة خفيفة وهي تراقبه ثم أشارت إلى النار المشتعلة وقالت إن التفكير يمكن أن ينتظر لكن جسده يحتاج إلى القوة
جلست بالقرب من النار وأحضرت الطعام الذي أعدته من قبل ووضعت أمامه قطعة من اللحم المشوي وبعض الثمار
اقترب يامان وجلس مقابلها ببطء وما زالت عيناه تتفحصانها بين الحين والآخر وكأنه يحاول فهم سر وجودها
تناولا الطعام معًا في صمت هادئ لا يقطعه سوى صوت النار الخافت وبين كل لقمة وأخرى كان يامان يشعر بشيء من الراحة يعود إلى جسده وكأن وجودها وحده يمنحه طمأنينة غريبة
وعلى الناحية الأخرى بعيدًا عن ذلك الهدوء
كانت القلعة تهتز تحت وقع غضب سولين
كانت تتحرك داخل قاعتها كعاصفة سوداء وعيناها تشتعلان بجنون واضح بينما تتحطم الأواني والزخارف من حولها تحت ضرباتها
صرخت بغضب كيف هرب كيف
أطاحت بطاولة حجرية أمامها فانقسمت إلى نصفين وارتفع صدى صوتها في القاعة
لم يكن غضبها مجرد فشل معركة بل كان شيئًا أعمق كأن وجود يامان خارج قبضتها أصبح تهديدًا لا يمكن احتماله
توقفت فجأة ثم رفعت يدها نحو المرآة السحرية الكبيرة المثبتة في الجدار وقالت بصوت حاد أظهرى لى مكانه
اهتز سطح المرآة وتحول إلى ضباب داكن قبل أن تبدأ الصورة في التكون تدريجيًا،ظهرت صورة مصغرة داخلها
يامان،يجلس داخل كهف هادئ،وبجواره فتاة جميلة
كانا يتناولان الطعام المشوي في هدوء وسلام وكأن الحرب لم تمر من هناك يومًا
تجمدت ملامح سولين للحظة ثم ضاقت عيناها وهي تحدق في الفتاة،قبل أن تنطق،ظهرت نقطة سوداء صغيرة داخل المرآة،اتسعت ببطء ثم تحولت إلى ظل غامض بلا ملامح
خرج صوت منخفض منها يخترق الصمت
تلك الفتاة، ليست كما تبدو، تجمدت سولين في مكانها وعيناها لا تفارقان الصورة بينما أكمل الصوت
إنها خطر 
وفي تلك اللحظة فقط، لمعت ابتسامة باردة على وجه سولين
كأنها وجدت أخيرًا،عدوًا يستحق اهتمامها.
نهضت بريسا بعد انتهاء الطعام، قالت إنها مطره ان ترحل
ثم ودعت يامان
لكن يامان همس ،سترحلين وتتركينى هنا ؟
احمر وجه بريسا ،لكنى رحاله وانت ،انت لا تعرفنى حتى ؟
قال يامان ولا اعرف نفسى ولا اعرف هذا المكان
اظن ان لا فائده من البقاء هنا، سأرحل معك
حمل يامان وبريسا خرق مبلابسهم فوق اكتافهم وغادرا الكهف ،مرا من فوق التلال البعيده ثم هبطا إلى الوادى حيث سهول العشب والحيوانات كانا يمشيان كطائرين وحيدين وسط عالم صاخب
من فوق الجبل المتجمد حيث يكاد البرد ان يقتلها رأت جود يامان يسير فوق العشب والى جواره تلك الفتاه
صرخت بكل صوتها يامان ؟ يامان ؟ انا هنا
يامان؟
استدار يامان ووقف لحظه، سألته بريسا ماذا هناك ؟
قال يامان اعتقد اننى سمعت شخص ينادى على شخص آخر
إبتسمت بريسا وقالت نحن فى أرض مهجوره وكل شيء من الممكن أن يحدث ثم وأصلا طريقهم
ركضت جود فوق الجليد بقدميها المتقرحتين ،انحدرت من فوق الجبل نحو يامان وبريسا بكل ما تبقى لها من قوه

•تابع الفصل التالي "رواية ملك بلا مملكة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات