رواية ملك بلا مملكة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى

 رواية ملك بلا مملكة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى


ما إن عبرا المستنقع الملعون ووصلا إلى الضفة الصخرية حتى بدأت أنفاس يامان تتقطع بصورة مخيفة وكان جسده ينهار بسرعة أكبر مما توقعت جود وكأن كل خطوة خطاها بعد المعركة كانت آخر ما تبقى له من قوة
جرته بصعوبة عبر الصخور المبللة حتى وصلت إلى كهف قريب يختبئ بين جذور شجرة قديمة وصخور سوداء عالية وكان مدخله ضيقًا لكن داخله واسع ودافئ على غير المتوقع وتفوح منه رائحة أعشاب جافة وماء عذب
بمجرد أن دخل يامان الكهف أفلت طرف ثوب جود وسقط بجسده كله على الأرض الحجرية
همست جود باسمه وهي تهز كتفه يامان يامان اصمد
لكنه لم يجب وكانت عيناه شبه مغلقتين وأنفاسه متقطعة ويده ترتجف من أثر السم والعضات
ثم فجأة ارتخى جسده كله وفقد وعيه
تجمد قلب جود للحظة ثم جثت إلى جواره ووضعت يدها على صدره لتتأكد أن قلبه ما زال ينبض وكان النبض ضعيفًا لكنه موجود
تنفست بارتباك ونظرت حولها إلى ظلام الكهف وهمست لنفسها لا يمكن أن أتركه هكذا
نزعت عباءتها وغطته بها ثم وضعت بجواره سيفها وخنجرها وأشعلت نارًا صغيرة قربه لتحفظ دفء جسده
اقتربت من وجهه وهمست بصوت مرتجف سأعود يا يامان لا تمت قبل أن أعود
ثم خرجت من الكهف مسرعة تبحث عن أي علاج أو أي طبيب أو عشابة يمكن أن تنقذه
ساد الصمت داخل الكهف ولم يبق إلا صوت النار الخافت وأنفاس يامان الثقيلة
ومرت دقائق طويلة ثم سمع داخل الكهف صوت خفق أجنحة قوي تلاه هبوط حاد عند المدخل
دخل ضوء القمر للحظة قبل أن يغطيه ظل طويل وظهر عند مدخل الكهف شكل امرأة طويلة القامة ذات أجنحة فضية كبيرة تنعكس عليها خيوط الضوء وكانت ملامحها حادة وعيناها تلمعان بغضب واضح
دخلت بخطوات سريعة ونظرت إلى المكان ثم صاحت بصوت غاضب هز جدران الكهف من تجرأ أن يدخل كهفي
تقدمت أكثر وعيناها تمتلئان بالغضب وهي ترى آثار الأقدام والنار المشتعلة لكنها توقفت فجأة عندما وقع بصرها على الجسد الملقى قرب النار
اقتربت بحذر وانحنت فوق يامان ثم رفعت يده بين أصابعها الرقيقة ووضعت يدها الأخرى على عنقه تتحسس النبض
ساد صمت عميق ثم تغيرت ملامحها من الغضب إلى دهشة باردة وهمست لنفسها هذا ليس مرضًا عاديًا
أغمضت عينيها لحظة وهي تنصت إلى نبضه وكان النبض مضطربًا نبض رجل ونبض شيء آخر يزحف في دمه
فتحت عينيها وقالت بصوت منخفض عضة أمير الموتى
ابتعدت عنه خطوة ونظرت إليه بحدة وقالت ببرود إذن فالوباء يسري فيه
نظرت إلى الجراح المنتشرة في ذراعه وصدره ثم همست إن استيقظ سيكون على قتله 
سحبت خنجرًا فضيًا من حزامها وتقدمت نحوه ببطء وكانت نيتها واضحة قتله قبل أن يستيقظ
رفعت الخنجر فوق صدره لكنها توقفت وشعرت بشيء غريب في نبضه
عادت تلمس عنقه مرة أخرى ثم همست بدهشة الأعشاب
كان هناك أثر واضح لمزيج نباتي قوي يجري في دمه مقاومة وشيء يحارب الوباء
ضيقت عينيها ثم جلست قربه من جديد وقالت بصوت أهدأ ما زال يقاوم
نظرت إلى وجهه الشاحب للحظات طويلة ثم أنزلت الخنجر ببطء وتغير رأيها
نهضت بسرعة واتجهت إلى عمق الكهف حيث كانت أرفف حجرية تحمل جرارًا وأكياس أعشاب معلقة
أخذت أوراق الشيح وجذور السنفيتون وبتلات زهور بنفسجية نادرة ثم بدأت تطحنها فوق صخرة ملساء
ملأت الكهف رائحة الأعشاب الحادة ثم عادت إليه وجلست قرب رأسه
فتحت فمه قليلًا وسكبت قطرات من المنقوع بين شفتيه ثم أخذت عجينة الأعشاب ووضعتها فوق مواضع العضات
همست وهي تعمل لن أدعك تموت هنا ،هنا كل شيء تحت امرى 
ثم فردت أحد جناحيها فوقه كستار يحفظ دفئه
وبينما كانت النار تتراقص على جدران الكهف ظل جسد يامان ساكنًا بين الحياة والموت. 
خرجت جود من الكهف مسرعة وهي تظن أن العودة لن تستغرق وقتًا طويلًا وكان همها الوحيد أن تجد علاجًا أو أي شخص يستطيع إنقاذ يامان قبل أن يبتلعه الوباء
لكن ما إن ابتعدت عن حدود المستنقع الملعون حتى بدأت الأرض تتغير من حولها وارتفعت الصخور شيئًا فشيئًا حتى تحولت إلى سلاسل من الجبال المتجمدة وكانت قممها تختفي داخل ضباب أبيض كثيف بينما كان الهواء حادًا كالسكاكين يضرب وجهها مع كل خطوة
كانت الرياح تعوي بين الممرات الصخرية بصوت مخيف حتى بدا لها كأن الجبال نفسها تهمس بأصوات غريبة
تابعت الصعود وهي تظن أن من أعلى القمة ستتمكن من رؤية طريق العودة لكن كلما تقدمت ازداد الضباب كثافة واختفت المعالم التي مرت بها قبل قليل
اختفت آثار أقدامها تحت طبقة رقيقة من الثلج المتساقط ولم تعد قادرة على تمييز أين جاءت وأين يجب أن تعود
توقفت للحظة تلتقط أنفاسها ونظرت حولها وكان كل شيء متشابهًا صخور بيضاء وممرات ضيقة وأشجار جرداء متجمدة وضباب يبتلع كل شيء
شعرت لأول مرة بشيء من القلق ثم استدارت إلى الخلف محاولة الرجوع من الطريق الذي سلكته لكنها اصطدمت بحافة صخرية لم تكن تذكر أنها مرت بها
همست لنفسها بارتباك هذا ليس الطريق
بدأت تسير في اتجاه آخر ثم آخر لكن كل طريق كان يقودها إلى ممر أكثر ضيقًا أو إلى جرف شديد الانحدار
كانت قدماها تنغرز في الثلج حتى الكاحلين وأطراف أصابعها بدأت تفقد الإحساس من شدة البرد
مرت ساعات وبدأ الليل يهبط فوق الجبال وأصبح الضباب أكثر ظلمة والرياح أكثر قسوة
شعرت جود لأول مرة أنها تائهة
توقفت فوق صخرة مرتفعة وصرخت باسم يامان كأن الجبال قد تجيبها لكن لم يعد إليها سوى صدى صوتها البعيد
شعرت بوخزة خوف في صدرها ولم يكن خوفًا على نفسها بل عليه
كانت تعرف أنه فاقد الوعي ويصارع الموت داخل الكهف وهي الآن لا تعرف حتى كيف تعود إليه
حاولت أن تستعين بحواسها الذئبية فأغمضت عينيها وأخذت تستنشق الهواء باحثة عن رائحة المستنقع أو رائحة يامان لكن الهواء المتجمد كان يبدد كل الروائح
كل شيء أصبح أبيض وصامتًا
سارت مرة أخرى بين الصخور لكن أحد المنحدرات انهار تحت قدمها فانزلقت عدة أمتار حتى ارتطم كتفها بصخرة حادة
شهقت من الألم وسقطت على ركبتيها وبدأ اليأس يتسلل إليها
رفعت رأسها إلى السماء المعتمة وهمست بصوت مكسور يا يامان سامحني
كانت المرة الأولى التي تشعر فيها بأنها عاجزة تمامًا فلا تعرف طريق الذهاب ولا طريق العودة ولا كيف تنقذ من تركته خلفها
جلست عند حافة صخرة تحتمي بها من الريح واحتضنت ذراعيها من البرد
وكانت الفكرة الوحيدة التي تمزقها هي أن يامان قد يستيقظ وحيدًا أو ربما لا يستيقظ أبدًا
وفي تلك اللحظة أدركت أن الجبال المتجمدة لم تكن مجرد أرض وعرة بل متاهة حقيقية ابتلعتها دون أن تشع

•تابع الفصل التالي "رواية ملك بلا مملكة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات