رواية أرض الدوم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رحمة نبيل

 رواية أرض الدوم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رحمة نبيل

الثالث والعشرون [ ما كانت هباءً] 
صلوا على نبي الرحمة .
برجاء التفاعل بلايك ( فيس ) وتصويت ( واتباد ) قبل القراءة .
ــــــــــــــــــــــــــ
عشر سنوات، عشر سنوات تعذب بكل طريقة يمكن أن يتخيلها انسان في هذه الحياة، نفسيًا وجسديًا، مر بالكثير، لكنه يقسم بالله أن القليل فقط هو ما تسبب له بمثل هذا الوجع الذي يشعر به في هذه الحالة، رؤيتها بهذا الشكل ممدة ارضًا بهذه الهيئة، رؤيتها وقد ...
توقفت أفكاره ولم يستطع أن يسترسل بها وهو ينهار ارضًا أمامها ينظر لها بأعين شاخصة، يحاول أن يتبين إن كانت تتنفس، يخشى حتى الاقتراب مخافة أن يكتشف حقيقة يرفضها .
خرج صوته مختنقًا دون إرادته وهو يهمس بنبرة مرتجفة :
_ فرو....
توقفت وقد شعر أن الكلمة اختنقت في طريق خروجها يحاول أن يتمالك نفسه وهو يمد يده بارتجاف وانهيار وشيك : 
_ فروشكا ؟!
سقطت دمعة دون شعور وهو يتحرك صوبها اقرب حتى أصبح يبصر وجهها بشكل واضع يحرك يده صوبه بارتجاف يتلمسه وهو يحاول أن يوقظها :
_ رايانا ؟! 
لكن لا شيء، رفع عيونه في هذه اللحظة وكأنه يبحث عن أحد في الجوار يؤكد له أنها بخير، أو أن هذا مجرد كابوس يبصره، لكن كل ما رآه في هذه اللحظة كان وجهه .
لحظة واحدة، كانت لحظة قبل أن يبصر شياطين أمامه، بدأت ملامحه تشتد بشكل مخيف جعل محمد والذي صُدم من وجودهم يتراجع للخلف يتحدث بصوت مرتجف :
_ هي مش ...هي ...
ولم يجد كلمة يتحدث بها يبصر تحرك مسلم صوبه بشكل جعله ينهض بسرعة مرعبة، يركض في الارض الترابية بصعوبة وقد بدأ يسبب غبار تغطي على جسده، ورغم الظلام الذي يحيط بالمكان، إلا أن مسلم لم يتوقف يراقب حركة ظله، ينهض من جوار جسد رايانا لا يسمع صوت صراخ يحيى به ولا يبصر أي شيء سوى جسد محمد الذي كان يركض أمامه..
أما عن محمد فقد كان يركض كمن يفر من الموت، وفي الواقع كان هذا هو الحال، مسلم في هذه اللحظة لم يكن يلاحقه ليكتفي بإيذائه، بل كان يفعل ذلك بنية قتله، قتله دون التفكير في أي عواقب .
لغى العقل واتبع الشيطان الذي زين له قتل محمد في هذه اللحظة، لتتمحور كل اهداف حياته الآن في رؤية محمد جثة هامدة .
هرول يحيى خلف الإثنين داخل إحدى الأراضي الزراعية، ومحمد يكاد يبكي من الرعب يحاول النجاة بنفسه، لكن مسلم لم يدع له الفرصة حتى بالتنفس أو التفكير في كيفية الخروج حي من أسفل يده .
ثانية إضافية مرت قبل أن يشعر محمد أن جسده بالكامل طُحن بأرض طينية أسفل أقدامه لدرجة أن الوحل داخل أنفه وفمه وجعل من الصعب عليه التنفس .
ومسلم فوقه يمسك جسده يدفع بوجهه داخل الطين أكثر حتى كاد يختنق به، لكنه ما كان ليسمح له بالموت بهذه السهولة، لذا رفع وجهه وقد شهق محمد بصوت مرتفع يبكي وهو يتحدث بسرعة :
_ والله ما ...
كان يتحدث بما يمكن أن ينجيه، بأي كلمات يمكن أن تخرجه حي من يد مسلم، لكن مسلم لم يسمع منه كلمة، وهو ينقض عليه بضربات جعلت صرخات محمد تعلو في المكان، في ارض معزولة لا أحد بها .
ويحيى في الخلف يصرخ بمسلم أن يدعه، يحاول جذبه، لكن هذه المرة كانت مختلفة عن أي شجار دخله مسلم يومًا، هذه المرة لم يكن ليدع أحدهم يجذبه بعيدًا عن محمد حتى يبصر روحه تغادر جسده .
ويحيى يصرخ برعب من تورط شقيقه في مصيبة كهذه :
_ سيبه يا مسلم، سيبه بالله عليك ما تعمل كده، عشانها حتى يا اخي .
لكن مسلم لم يكن يعي بأي شيء وهو يكاد يقتل محمد والشيطان يزين له الأمر ويسهل له قتل نفس بيده .
ويحيى يصرخ بخوف يكاد يبكي من ضياع شقيقه بهذا الشكل وهو عاجز لا يستطيع التحكم به وحده :
_  عشان رايانا، عشان رايانا، لو حصلك حاجة هتسيبها ليهم، هتسيبها ليهم يا مسلـــــــــم .
وفي ثواني أزاح مسلم الغشاوة عن عقله تاركًا محمد يقع ارضًا وقد اختلطت دماءه بالطين أسفل جسده، في اللحظة التي ارتفع به صوت رصاص في الهواء وصراخ رجل متسائلًا بهوية الشخص الذي اقتحم الأرض .
كل ذلك ومسلم لا يشعر بشيء وعيونه ما زالت معلقة بجسد محمد الذي لا يدرك إن كان حيًا أو لا، مال يحيى بسرعة يتأكد من أنه يتنفس، ومن ثم اعتدل يجذب مسلم بسرعة خارج المكان، لكن مسلم أخذ يقاوم .
فلم يكن أمام يحيى سوى أن يحركه بالشكل الوحيد الذي يدرك أنه سيحركه :
_ رايانا لوحدها ...مرمية في الأرض لوحدها، رايانا هناك لوحدها يا مسلم .
نظر له مسلم بوجه مرعب وملامح غاضبة مؤنبة من تركها وحيدة، ليجذبه يحيى دون تفكير خارج الأرض، يتحرك به بسرعة في الظلام وقد كادت قدمه تزل أكثر من مرة بسبب الأرضية الرطبة اسفلهم .
خرجوا واخيرًا من الأرض بثياب مدمرة موحلة، تحرك مسلم بسرعة صوب السيارة التي كان جسد رايانا يقبع جوارها، نظر لها بحزن وقد ارتجفت يده وهو يجلس جوارها لا يعلم ما يفعل، يراقبها بخوف من الاقتراب وايذائها.
لولا صوت يحيى الذي تحدث بخوف وهو ينظر حوله مشيرًا له أن يتحرك :
- يلا يا مسلم هاتها خلينا نمشي قبل ما حد يشوفنا .
ومسلم فقط يراقبها دون شعور، وسقطت دمعة من عيونه يبصر ملامحها الباهتة المدمرة يقارنها بتلك المبتسمة اللطيفة الحنونة .
اقترب منها ببطء يميل عليها هامسًا متوسلًا أن تجيبه:
_ رايانا .
_ يا مسلم اخلص مش ناقصين شوشرة، عشانها يا اخي على الأقل، لو حد شافها بالمنظر ده هتتجلد، دول عالم زبالة .
رفع له مسلم عيونه ينظر له بوجع، ويحيى يدرك ما يدور داخل رأسه في هذه الحالة، يربت عليه :
_ خلينا نرجع بس البيت ونطمن عليها وكل شيء هيكون كويس .
نظر لها مسلم ثواني قبل أن يميل جوار أذنها يهمس لها بصوت خافت :
_ هقتله عشانك لو عايزة ...
ومن ثم حمل جسدها وهو يتحرك مع يحيى الذي أخذ يفكر في طريق لا يجبرهم على المرور بالقرية، ومسلم لا يعي بشيء فقط يسير خلفه بهدوء يراقب ملامح وجهه الساكن بشكل مرعب .
لقد اطفأ محمد نوره الوحيد وسط ظلماته، فوالله ليطفئن الحياة من عيونه .....
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس بالسيارة يراقب الطريق بعيون شاردة، لا يعلم ما يفعل بحياته وإن كان قد اتخذ القرار الصحيح أم لا، هل سيكون مؤقتًا كما أخبرها ؟ هل يفعل هذا شفقة عليها ؟؟ 
حرك عيونه صوب وجهها الذي كان يختفي خلف نقاب اسود اللون كثوبها، ويده التي كانت تتحرك على ذراعها يربت عليها دون شعور .
وذكريات الايام السابقة تعود برأسه..
" أحمد من امتى وانت بتتصرف بالشكل الغير مسؤول ده ؟؟"
رفع أحمد عيونه صوب والده يراقبه دون كلمة لثواني لدرجة أن والده ظنه لم يسمع حديثه :
" أحمد...."
" أنت مش عايز تفرح بيا يعني يا حاج ؟؟ "
" مفيش أب مش عايز يفرح بابنه يا أحمد، بس مش بالشكل ده، تكتب كتاب على الساكت من غير حتى ما نعرف هي مين، أصلها ايه عيلتها ايه ؟!"
" قولتلك هي يتيمة وعايشة لوحدها، وهي كويسة و..."
صمت ولم يحبذ الخوض في الحديث عن حياتها السابقة سيفعل كما أخبرها سيقتل ساڤا القديمة بالكامل ويتنساها على الأقل أمام الجميع، وفي النهاية هذا لن يستمر طويلًا فقط يوصلها لمرساها كما طلبت منه ويتركها .
وهذا أفضل لكليهما. فلا هي تصلح له، ولا هو يصلح لها .
" أنا عايزك أنت وماما تتعرفوا عليها برضو، اكيد مش هتجوز من غير ما تعرفوها، عشان كده الاسبوعين اللي هقضيهم هنا هي هتقعد معاكم فيهم وأنا هروح ابات مع حاتم في شقتي "
وقد كان، اخرجها من المشفى ووضعها أمانة لدى والديه لمدة أسبوع وأيام قليلة، فترة تكفي لتؤثر على والديه ويعلمونها جيدًا، وفي الحقيقة لم تكن بحاجة لتصطنع أي شيء لتصل لقلب والدته التي بمجرد أن أبصرت حالتها حتى بكت بصدمة، وبكت أكثر حينما علمت أن من فعل بها هذا هو عمها .
عارض والده في البداية الأمر برمته، هو لا يحب مثل هذه العلاقات التي لن تأتي له سوى بالمشاكل، لكن يبدو أن مقولة سحر الغجر عملت على والده .
فبعد أربعة أيام بالتحديد، كان يعود المنزل مع بعض المثلجات لساڤا حينما علم أنها تشتهيها .
وهو لم يكن يقلق بسبب تواجد نورهان معها .
وفي الفترة التي أخذت ساڤا تتسللل بها لمنزله ولقلوب والديه، كان هو ينتهي مما جاء لأجله، فتح قضية جده في المحكمة، وقدم بلاغًا في طليق شقيقته .
واخيرًا قدم تقارير الطبيب للشرطة ليتم القبض على عمها بتهمة التعدي بالضرب والشروع في القتل .
دخل المنزل يحمل بين يديه حقائب الطعام التي طلبها منه والده، لكنه ما كاد يخطو لبهو المنزل حتى أوقفته والدته بسرعة والتي خرجت من المطبخ :
" استنى يا أحمد متدخلش "
نظر لها أحمد بعدم فهم، وقبل التساؤل عما يحدث، صاحت والدته بصوت مسموع :
" ساڤا أحمد هنا يا بنتي "
وأحمد تعجب من والدته لماذا يجب عليها أن تعلمها بوجوده ؟! 
لكن ثواني واتضح له السبب حينما أفرجت والدته عنه واخيرًا وهي تشير له بالدخول، تحرك خلفها بعدم فهم يضع الحقائب على الطاولة :
" هو فيه ايــ...."
وعلقت الكلمات بمنتصف خلقه وشخصت عيونه بصدمة مما يبصر أمامه، حتى أنه لثواني نسي أن يتنفس بشكل طبيعي، يبصرها أمامه تجلس على أريكة منزله ترتدي ثوب من أثواب نورهان وحجاب يلتف حول وجهها بشكل جعله يكتم صوتًا منبهرًا كاد يخرج من حنجرته .
ولم يحطم حالته تلك سوى كلمات نورهان التي خرجت تبصره تردد بسعادة كبيرة وهي تراقب التماع عيون أحمد:
" ساڤا امبارح قررت أنها حابة تلبس حجاب، وأنهاردة لبسته، تبارك الله زي القمر ."
كانت تتحدث بتأثر وعيون ملتمعة من الدموع، وهي تراقب ساڤا التي كانت تبدو متوترة وهي تمنحها بسمة خجلة، ثم رفعت عيونها صوب أحمد الذي اكتفى بالصمت والصدمة اسلوب ليعبر لها عن رأيه، فقط أشار على الطعام يردد بكلمات مقتضبة :
" الاكل، بالهنا والشفا ."
ومن ثم تحرك بسرعة يهرب من المكان، بينما والدته لا تفهم ما يحدث :
" طيب يا بني ما تقعد تاكل معانا .."
" لا حاتم مستنيني في الشقة عشان ميقعدش لوحده، بالهنا والشفا أنتم ."
وخرج من المكان تاركًا إياها تنظر لاثره ببسمة صغيرة..
استفاق من شروده على صوت حاتم الذي تحدث بجدية :
_ هينا وصلنا على أول القرية، خلينا نعدي القناة ..
نظر له أحمد ومن ثم عاد بعيونه صوب ساڨا يهزها برفق :
- ساڤا ...ساڤا .
فتحت عيونها بصعوبة ليشعر أنها لن تقوى على التحرك بشكل سليم، أمور كثيرة حدثت ليصل بها لهذه اللحظة، ولولا إصرارها على وجودها جوار رايانا لكان تركها مع والدته في القاهرة بعيدًا عن الجميع .
تنفس بصوت مرتفع، يخرج من السيارة ثم خلع سترته يعطيها لنورهان، يميل بنصف جسده داخل السيارة يجذبها ضاممًا إياها بين يديه، ثم استدار صوب نورهان مشيرًا برأسه على جسد ساڤا :
- حطي الجاكت عليها .
ابتسمت له وهي تغطي ساڤا وتحرك أحمد بها صوب الجسر وهو يراقبها بهدوء، بينما ساڤا كانت تبدو مرهقة غير واعية لما يحدث تردد بصوت منخفض :
_ أحمد..
_ نامي يا ساڤا، استريحي ...
وفي الخلف كانت تسير نورهان وهي تراقب ظهر حاتم الذي تبع أخيها، كي لا يسبب لها حرج المشي خلفها .
فجأة توقف حاتم وهو ينظر لها نظرة صغيرة، ثم تحرك صوب أحمد بسرعة تاركًا مسافة بينه وبينه لأجل زوجته :
_ أحمد بدي احكي مع اختك.
نظر له أحمد نظرة حادة، ليسارع حاتم مبررًا بسرعة وهو يشير على الطريق أمامه:
- بنكون قدامك، بس بدي حاكيها لاعرف إذا كان فيه من البداية قبول ولا بصرف نظر عن الموضوع .
_ بتتكلم كأني موافق على المبدأ.
_ ايه بس أنا بدي اتقدم لاختك مو إلك، ومن ثم خالتي بتحبني وقالتلي ما بتغلى عليك عيوني يا توما، وأنا ما بدي عيونها بدي بنتها، بتتخيل أنها ما بتبخل عليّ بعيونها، وبتبخل عليّ ببنتها ؟!
رفع أحمد حاجبه ينظر بطرف عيونه صوب نورهان التي كانت تسير بهدوء دون كلمة واحدة تنظر ارضًا، وهو يعلم أكثر من الجميع أن شقيقته عانت الكثير في زواجها الأول ولم تدرك كيف يكون الزوج والمحب حقًا، وحاتم كان ....شخص يمكنه أن يستأمنه على شقيقته .
_ قدامي أنت وهي .
اتسعت بسمة حاتم بقوة شديدة ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى تحدث أحمد بهدوء شديدة :
_ نورهان تعالي سرعي قدامي بلاش تمشي لوحدك ورا كده .
رمشت نورهان بهدوء قبل أن تزيد من خطواتها حتى أصبحت جوار شقيقها، وأحمد أشار برأسه بهدوء صوب حاتم يتنهد بصوت منخفض :
_ قدامي واخلص .
_ ولك ابو الرجولة أنت.
ابتسم له أحمد وهو يراقبه يتحرك على مسافة من شقيقته يتحدث لها بصوت شبه واضح له، وهو فقط حرك عيونه صوب ساڤا وقد ازدادت بسمته اتساعًا .
_ يا ترى اخرتها ايه يا ساڤا ؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت فرصة لا ينالها كل يوم، أن يُسمح له بالحديث معها فرصة لن تُكرر ولو زحف على أربع أمام أحمد.
نظر بطرف عيونه صوب أحمد الذي كان يسير خلفهم بخطوات بطيئة. 
- إن شاء الله بخير نورهان ؟!
رفعت نورهان عيونها له وهي تشعر بحاجز بينهما يمنعها التعامل معه كما كانت ببساطة سابقًا، ربما حاجز الخجل الذي جعلها تنظر له نظرة أخرى غير نظرتها له كصديق لابن خالتها .
- الحمدلله بخير ..
وصمتت ولم تضف أي كلمة إضافية، ليبتسم لها بسمة صغيرة :
- في العادة الناس بقولوا، وأنت شو اخبارك ؟! من باب المجالة .
نظرت له بصدمة فكبت ضحكته على ملامح الصدمة التي تعلو وجهها، نظر ارضًا وهو يسير يحاول تلاشى النظر لها لأسباب كثيرة ومن بينهم أنه لا يرغب في الموت قبل الحصول على صغار يشبهون نورهان، وعند هذه الفكرة اتسعت بسمته بشكل جعل نورهان تتوتر أكثر.
_ أنت عامل ايه ؟!
- بخير الحمدلله دامك بخير .
خجلت تنظر ارضًا وهو لا يعلم ما يتحدث به معها، توسل لأحمد تقريبًا ليتحدث معها، وهو لا يعلم ما يجب أن يقوله .
لكنه وجد أن اقصر طريق هو التحدث بحرية .
_ اهلي من فلسطين وعندي جذور أردنية وانولدت بالأردن، اهلي كلهم تعيشي أنتِ، تخرجت من كلية فنون وما كملت من بعدها في مجالي، سافرت لأمريكا واشتغلت ب...
صمت ثواني يحاول تصنيف الحظيرة التي يعلم بها بوصف لا يفضح مكنونات صدره تجاهها :
_الشركة مع مسلم، عن قريب بتم ٣٣ سنة، الحمدلله عندي بحسابي البنكي مبلغ بيكفيني باقي عمري بدون شغل، بس راح اشتغل لا تخافي .
كان يتحدث بنبرة عادية وهي فقط تستمع له بعدم فهم لسبب هذا الحديث :
_ تمام ....
صمتت ولا تدري ما يجب أن تقول، أو زى ينتظره هو منها، لكنه فقط استدار لها وهو يسير مبتسمًا بسمة صغيرة :
- إن شاء الله بنول الرضا ؟!
_ رضا ؟؟
_ رضاكِ .
ارتجف جسد نورهان فجأة من كلمته، وقد شعرت بجفاف في حلقها ومشاعر غريبة بدأت تموج داخلها .
رضاها ؟! يسعى لرضاها ؟؟ 
حاتم يريد رضاها ؟! رجل يسعى لرضاها!!
أخذت تعيد الكلمة برأسها وكأنها تحاول الاقتناع بها، فبعد أزمة الثقة بنفسها التي مرت بها طوال فترة زواجها برجل عمد لتحطيم كل ذرة ثقة وجمال داخلها، انتزع منها اولًا كل ما قد يقيم هامتها، ومن ثم عمد لتحطيمها جزءًا تلو الآخر.
_ حاتم ...
اتسعت بسمة حاتم بقوة وهو يهيم بها مرددًا دون شعور و جرفته مشاعر ما كان من المفترض ظهورها ولا حتى بينه وبين نفسه.
- عسى ما حدا بينطق اسمي من بعدي .
_ حاتــــم .
كانت كلمة خرجت من أحمد في الخلف ليلتوي وجه حاتم بضيق وهو يتمتم بصوت حانق : 
_ يارب خلصني منه ومن همه .
زفر بصوت مرتفع وقد علم من نداء احمد أن المهلة المسموحة له قد أوشكت على النفاذ :
- أنا بلغت والدك برغبتي في الزواج منك .
اتسعت عيون نورهان بقوة لا تفهم ما قال :
- أنا ؟؟
- اكيد مو من أحمد.
_ بس أنا مش ... أنا مش هقدر اتجوز ...حاتم أنا مش هينفع خلاص اتجوز تاني .
_ هاد لشو ؟! صلاحيتك خلصت ولا شو ؟!
رمشت بعدم فهم تحاول الشرح له أنها ليست جاهزة بالمرة لخوض مثل هذه التجربة مجددًا هي تشعر بالاختناق كلما فكرت لثانية  أنها قد تمر بكل ما مرت به مع عادل، نبض قلبها بقوة رافضة لذلك رغم الصوت البعيد الذي يخبرها أن هذا ليس عادل هذا حاتم .
لكن عادل كان لطيفًا كذلك في البداية ومن ثم أصبح أنقاض رجل يقتات على معاناتها .
ابتعدت خطوة للخلف بشكل جعل حاتم يضيق عيونه بعدم فهم، أما عنها نفت له شيئًا لا تعلمه، وهو فقط يتابعها بخوف يحاول معرفة ما تقصد .
_ ما بقصد أضغط عليكِ، خدي وقتك وفكري لسه فيـ..
_ لا ...
_ لا ؟؟
عضت شفتيها وهي تنظر حولها تبحث عن كيف أحمد الذي كان يراقبهم بعدم فهم يبصر تحفز جسد شقيقته، نظر صوب حاتم ولولا نظرات الصدمة من الأخير لقال أنه ازعجها، توقف الجميع، هي أمام حاتم وأحمد يحمل ساڤا على بُعد صغير منهم وقد سمع ما قالته شقيقته .
- مش هينفع أنا مش ...هينفع ..مش حابة إني...مش حابة كده خالص خلاص انا مش ...
صمتت وهي ترفع عيونها صوب أحمد وكأنها تستنجد به للتدخل وأحمد يتابع بصدمة ما يحدث مع شقيقته، هل كان الأمر بهذه البشاعة مع زوجها لتبتعد عن كل الرجال ؟
نظر صوب حاتم الذي راقبها دون كلمة واحدة.
 هل رُفض دون فرصة واحدة حتى ؟!
هل يسعد أنها ترفض الأمر برمته وليس شخصيًا له ؟!
ابتسم لا يدرك ما يجب فعله، لكنه فقط هز رأسه هزة صغيرة ينظر لها نظرة أخيرة، نظرة ذبحتها، ومن ثم رفع عيونه صوب أحمد يهمس بصوت خرج بصعوبة منه :
- بسبقكم ع البيت .
ودون منح أحدهم فرصة ليجيب على كلماته كان يتحرك بسرعة كبيرة أمامهم صوب المنزل الذي يسكن به الجميع، تاركًا خلفه نورهان التي رفعت عيونها صوب أحمد مرتجفة بصدمة مما حدث، لا تعلم ما تفعل في مثل هذا الموقف وهذا الوقت .
فقط نزلت دموعها بخوف أن تكون للتو أضاعت فرصتها للنجاة من هذه الحياة، لا تفهم كيف قالت هذا، أوليس هذا حاتم الذي كانت تفكر منذ أيام قليلة في التعلق فوق أكتافه حتى تمر من هذه الأمواج في حياتها؟؟ 
أي شيطان تلبسها حينما سمعته يتحدث عن الزواج ؟؟
_ نورهان ..
كانت كلمة نطق بها أحمد لتنظر له بدموع، تحرك عيونها صوب الطريق الذي سلكه حاتم :
_ عايزة اروح ارتاح لو سمحت يا أحمد.
وأحمد لم يجادلها، ليس وهي بهذه الحالة، لذا أشار لها بعيونه أن تسير معه صوب المنزل يدعو الله أن ينتهي كل هذا وتعود حياته لما كانت عليه، هادئة فارغة باردة .
قبل أن يعتاد الدفء المتسرب منها له ........
ـــــــــــــــــــــــــــــ
انتفض عن مجلسه أمام المنزل يبصر أجساد تقترب منه، وقد تعرف على يحيى فورًا، تحرك عيسى صوبهم بقلق يود الاطمئنان عليهم وعلى ما حدث بعدما فقد أثرهم في منتصف الطريق وعاد.
وقبل التساءل عن حال رايانا ابصرها بين ذراعي شقيقه بلا حول ولا قوة .
_ رايانا ؟؟ ايه اللي حصل ليها يا مسلم، هي مالها ؟!
كان يتحدث بفزع وهو يهرول خلفهم مرتعبًا من حالتها،   لم يستطع التحدث بكلمة وهو يراقبهم بأعين قلقة، حتى استقرت على الأريكة في بهو المنزل وقد استدار لهم مسلم بملامح غريبة وكأنه كان ينازع وحشًا داخله، وفي الحقيقة كان بالفعل ينازع في هذه اللحظة وحوشًا .
تحدث بصوت منخفض خرج منه غريبًا :
_ يحيى اتصل بكارا قولها تجيب عمتها تشوف رايانا لو سمحت .
نظر له يحيى بعدم فهم يحاول الحديث، لكن مسلم منعه وهو يردد بصوت جعل يحيى يدرك أنه يجاهد غصته :
_ كلمهم يجوا يشوفوا هي ....بخير ولا ...
صمت وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد كانت حركات صدره واضحة.
هذه القرية ملعونة بمن بها .
_ طب يا مسلم خلينا نوديها مستشفى احسن دي شكلها متبهدلة اوي .
كانت جملة عيسى التي خرجت منه مشفقة حزينة على رفيقته الرقيقة التي تعرف عليها مؤخرًا أكثر، لكن مسلم رفع عيونه لعيسى يهتف بصوت مرتفع وغضب :
_ لا ...لا مش هتدخل مستشفى بتاعتهم، مش هسلمها ليهم، مش هسيبها ليهم تاني، الكلب ده كان دكتور في المستشفى دي .
حاول يحيى التحدث للجانب العقلاني داخل أخيه :
_ وهو عشان كان واحد منهم مش كويس يبقى كل الدكاترة هناك كده يا مسلم ؟! ما تعقل وهات البنت نوديها المستشفى و...
_ قولت لا مش هوديها هناك، مش هتخرج من هنا، خلاص رايانا مش هتخرج من هنا، ومش هسييها بينهم ولا هسمح لحد فيهم يقرب منها .
نظر يحيى وعيسى لبعضهم البعض ليتنهد يحيى وهو يتحرك خارج المنزل يخرج هاتفه كي يتحدث مع كارا لتحضر زوجة رجب تعالج رايانا .
أما عن عيسى فظل أمام مسلم ورايانا، مسلم الذي كان لا يعي بوجوده حتى وهو يراقب جسد رايانا الساكن بلا حول ولا قوة .
_ هروح ...هروح اشوف صندوق الاسعافات اللي هنا لغاية ما يحيى يجيب الست دي .
ومن ثم تحرك سريعًا تاركًا مسلم واقفًا وحده في منتصف البهو يراقبها بلا ردة فعل، تحرك صوبها بعد دقيقة من التفكير، جلس ارضًا على ركبتيه تاركًا مسافة بينه وبين الأريكة التي كانت مسطحة عليها .
نظر لها ثواني قبل أن ينهض بسرعة ويتحرك لاول غرفة قابلته يحصل على غطاء، ثم عاد يلقيه عليها وجلس مجددًا ارضًا أمامها، يراقبها بلا كلل أو ملل .
يخشى إن رمش أن تختفي أو تتوجع، يشعر بالوجع بجسده هو، يهمس بصوت خافت لا يصل لأحد ولا حتى لها إذ كانت لا تعي ما يحدث حولها .
_ انا يا فروشكا اتعذبت كتير في حياتي، وكل لحظة كنت بلعن نفسي اني أخدت قرار أسافر من عشر سنين، كل يوم كنت بلوم نفسي اني سافرت ودمرت حياتي، بسببي مسلم الطيب مات، بسببي حياتي اتقلبت وبسبب قرار غلط و...
صمت يحارب غصته وغضبه الذي يكاد ينفجر داخله :
_ كنت كل ما افتكر السنين اللي ضيعتها من حياتي ورجعت بدون ما احقق شيء بندم لدرجة بتمنى لو كنت مت قبل ما افكر في القرار ده بس ....
سقطت دمعة وهو يراقبها بهدوء شديد وصوته خرج مذبوح :
_ ربك حاشاه أنه يظلمنا، وكل شيء بيحصل لسبب، وأنا يا فروشكا قعدت العشر سنين كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة وكل ثانية أسأل نفسي ايه السبب للي بيحصل فيا، مفيش سبب ممكن يكون مستخبي ورا الابتلاء ده، مفيش سبب ورا إني أدفن نفسي وارجع بالشكل ده لاهلي .
ابتسم وهو يقترب خطوة صغيرة من الأريكة محتفظًا بمسافة صغيرة بينهما وهو يهمس لها بصوت حنون يناقض ملامحه وتشنج جسده :
_ دلوقتي عرفت السبب ...مسلم القديم الضعيف والطيب عمره ما كان هيليق بيكِ، عمري ما كنت هستحق واحدة زيك، عمره ما كان هيقدر أنه يواجه كل ده، كنت أضعف من اني اعيش كل ده وامدلك ايدي بس ....
رفع يده يضعها على الأريكة جوار يدها دون أن يمسها، ومن ثم نظر لوجهها يعترف واخيرًا بصوت مرتفع :
_ العشر سنين مضاعوش من حياتي هدر يا رايانا، بذلتهم عشان استحقك .
بلل شفتيه وهو يهمس بصوت خافت أكثر :
_ والآن فقط، أصبح للعشر سنوات معنى، أصبح لحياتي هدف، وهانت سنوات عذابي لأجلك، ووالله لو علمت أن مكافئة عذاب عشر سنوات لقياكِ، لتجرعت عذابي بنهم ...
ختم حديثه وهو ينظر لها ثواني قبل أن يبتعد عنها سريعًا كارهًا أنه لا يحق له حتى أن يربت عليها، أن يلمس كفها ويحنو عليها .
خرج من المنزل بهدوء في اللحظة التي ظهر بها عيسى وهو يحمل بين يديه صندوق الاسعافات لينتزعه مسلم منه ويضعه على الطاولة، ثم سحبه وخرج به من المنزل يقف معه أمامه تاركًا الباب شبه مفتوح .
بينما يحيى كان يقف قريبًا وهو يتحدث في الهاتف وبعد ثواني اغلقه وهو يردد بجدية :
_ هروح اجيبهم عشان ميجوش لوحدهم في الوقت ده، عم رجب لسه مرجعش من المحل .
هو له مسلم رأسه وهو يضيف :
_ متتأخرش يا يحيى الله يكرمك .
ربت يحيى على كتفه ومن ثم تحرك، بينما مسلم تحرك مع عيسى صوب الشجرة ليستقر على المقاعد أسفلها بهدوء وهو يستند بمرفقيه على ركبته يشرد أمامه يحاول الهدوء والتفكير فيما سيفعل بجدية .
_ هي رايانا هتكون كويسة ؟؟ 
رفع له مسلم عيونه يبتسم له بحنان وهو يربت على رأسه يخفي رعبه خلف نظراته :
_ بإذن الله يا حبيبي هتكون كويسة .
هز له عيسى رأسه ومن ثم قال بهدوء :
- يارب عشان بجد انا بحبها هي طيبة اوي .
ومسلم الذي كان على وشك الشرود فيما سيفعل حرك رأسه ببطء صوب عيسى والاخير لم يفهم ما يقصد مسلم بنظراته، لكن مسلم جذب ياقة ثوبه بقوة وهو يقربه منه بتحذير :
- مش نقصاك يا عيسى .
- أنا عملت ايه ؟؟ فيه ايه ؟!
- هو ايه اللي فيه ايه ؟! هتستهبل، بتحب مين حبك حنش .
اتسعت عيون عيسى بقوة وقدر أدرك ما يقول مسلم :
- ايه ..لا أنت فهمت ايه ؟؟ دي اكبر مني يا عم .
اشتدت نظرات مسلم بقوة وهو يشدد على ياقة عيسى أكثر يهمس بصوت محذر :
- وهي لو قدك عادي يعني ؟؟
- أنت بتقول ايه ؟! أنت عايز تلبسني بلوة وخلاص؟ رايانا صاحبتي وبعزها زي نورهان .
ضغط مسلم على أسنانه بقوة :
- صاحبتك ؟! ما تختار الفاظك، بعدين فيه ألفاظ كتير تعبر فيها عن ودك ليها، زي بعزها، برتاح ليها ..ولا حتى دي متقولهاش، أنت متعبرش عن ودك ليها ولا تودها اساسا .
رمش عيسى وهو ينظر لشقيقه بعدم فهم :
- مسلم أنت اتجننت ؟!
ترك مسلم ثياب عيسى وهو ينظر أمامه بغضب، ونعم كان مجنونًا طاقة غضب داخل صدره يود تفريغها والشخص الوحيد الذي يريد تفريغها به ينازع الموت في الطين على بعد نصف ساعة منه .
- اقسم بالله أنا بس افوق ليهم كلهم ومش هـ...
فجأة توقف عن الحديث حينما أبصر شيء عالق بنهاية بنطالة كان بعض الطين وبه بعض النباتات .
لم يكن ليهتم بكل ذلك في الواقع لولا أنه يدرك هوية هذه النبتة جيدًا، مال ببطء ينتزعها، يرفعها أمام عيونه يراقبها بعدم فهم .
رفع حاجبه بتشنج وقد اتسعت عيونه شيئًا فشيء حينما تحسس ملمس النبتة التي التصقت بقدمه، ينظر صوب عيسى بصدمة واضحة جعلت الأخير يراقبه بعدم فهم .
- ايه !!
رفع له مسلم النبتة أمام عيونه ليحدق بها عيسى ثواني، ثم ردد بجدية :
- جبت ملوخية منين ؟؟
- ملوخية ايه؟!  دي مصيبة .
وعيسى لم يكن عقله يترجم ما يحدث ما المصيبة في نبتة الملوخية، هل لأن مسلم لا يحبها ؟! لكن ما المصيبة في أنه لا يفضل الملوخية؟؟ ها هو لا يحب السبانخ ولم يتحدث بكلمة .
- أنت مش عارف ايه دي ؟؟
- هي مش ملوخية ؟!
- دي نبتة القنب .
عاد عيسى بنظره مجددًا للنبتة ثواني، ومن ثم نظر لمسلم يحاول ترجمة ما قاله منذ ثواني :
- متكبرش الموضوع كلهم بيتعملوا بطشة في الآخر 
- طشة ايه، يا متخلف نبات القنب، حشيش ...
انتفض جسد عيسى بسرعة بعيدًا عن مسلم بمجرد أن سمع هذه الكلمة، يمسح يده في ثوبه وكأنه يمحو أي دليل قد يكون علق بين أصابعه وهو حتى لم يمس النبتة :
- حشيــ..حشيش ؟! هو ازاي ...هو الحشيش بيتزرع اساسا ؟!
- امال ايه يا غبي أنت، هيجيبوا منين الحشيش لو مش بيتزرع؟ 
- طب وأنت.. أنت جبته منين ؟؟ 
- معرفش أنا لقيته في....
توقف عن الحديث وكأنه للتو أدرك ما حدث، إن كانت النبتة علقت بثوبه الملطخ بالطين فهذا يعني أن الأرض التي هرول بها خلف محمد كانت ..مزروعة قنب ؟؟؟؟
وعند هذه الحقيقة رفع عيونه صوب عيسى مدركًا أن هناك جزء من أرض جده تستخدم لزراعة الممنوعات ؟؟
وقبل تحليل أي شيء ارتفع صوت عيسى وهو ينظر صوب بوابة المنزل :
- حاتم ؟؟ رجعتوا امتى ؟؟
استدار مسلم بسرعة حينما سمع اسم حاتم، ينتفض عن مكانه متحركًا صوبه بسرعة يرتمي بين أحضانه وقد احتاج له وبشدة خلال هذه الأيام، كانت هذه المرة الأولى منذ سنوات طويلة يبتعد فيها عن رفيقه كل هذا الوقت .
- حاتم حمدلله على سلامتك يا صاحبي .
ابتسم حاتم بسمة مرتاحة أخيرًا حينما وجد ملجأه، يضم له مسلم وهو يربت عليه بحب شديد :
- اشتقتلك يا خوي .
- وانا أكتر، طمني عليك كويس ؟؟
أبتعد عنه قليلًا ليطمئن عليه فابصر نظرة غريبة تعلو وجه حاتم ليضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم :
- مالك يا حاتم أنت كويس ؟؟
وقبل أن يتحدث حاتم بكلمة، سمع الاثنين صوت أحمد في الخلف وهو يراقب هيئة مسلم المزرية بتعجب ومازالت زوجته تقبع بين ذراعيه وشقيقته تختبئ خلفه من حاتم الذي كان حتى لا ينظر، معطيًا لهم ظهره دون اهتمام حتى برؤية ما يحدث خلفه .
- مسلم مالك ؟؟ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف أمام منزلها ينتظر منها الخروج ليصطحبها صوب منزل عمتها من ثم لمنزله، زفر بصوت شبه مسموع في اللحظة التي أبصرها تخرج وهي تحمل بين يديها علبة كبيرة تشير له بالتحرك :
- يلا انا كلمت عمتي وهي مستنية .
تحرك معها وهو يشير لها على العلبة التي تحملها وقد كانت تهرولة تقريبًا :
- ايه ده ؟!
نظرت صوب اتجاه إصبعه، ثم تذكرت فجأة تدفع العلبة صوبه تردد بهدوء وبساطة شديدة وكأن الأمر طبيعي ومكرر :
- ده أكل ليكم، قولت اكيد ما اكلتوش عشان رايانا تعبت .
توقف يحيى وهو ينظر لها بتأثر شديد، فكرت بهم في الوقت الذي لم يفكروا هم بانفسهم، ولثواني شعر بالخواء متخيلًا أنه يومًا حينما ينتهي كل هذا سيعود لحياته الطبيعية، مع أموال كثيرة ربما، مع مستقبل مشرق، لكن دون كارا .....
توقفت كارا بعدما كانت تتحدث تقريبا لنفسها لتجد أن يحيى ما يزال واقفًا يحدق فيها بنظرات غريبة جعلتها تنظر حول نفسها بتوتر :
_ يحيى فيه حاجة ؟
ويحيى كان ما يزال يستوعب إن كان يستطيع الإبتعاد بعدما ألف القرب، وإن تركها هنا فعل يجد من يعوضه عنها هناك ؟!
والسؤال هو لماذا يبحث عن امرأة مثلها وهو يمتلكها الآن ؟!
_ يحيى فيه ايه أنت بتخوفني ؟!
ويحيى خرج منه اغرب جملة قد تخرج منه أو من غيره، إذ ردد بشرود ودون وعي :
_ مستخسرك فيهم وفي كل راجل هنا يا كارا ..
وكارا فقط رمشت تحاول أن تدرك ما يقصد من تلك الجملة وقد ارتابت من نظراته :
_ يحيى أنت..هو ....مش هنروح لرايانا ؟؟
ابتسم لها بسمة واسعة وهو يضم علبة الطعام لصدره ومن ثم تحرك معها دون كلمة صوب منزل رجب ليحضر عمتها، وهي تسير على بعد منه كي تتلاشى أي حديث قد يتداوله الجميع عنها، وكذلك تتلاشى الاقتراب منه، ليس وهو في هذه الحالة الغريبة من ...
لا تدرى حتى تصنيف لما يحدث معه .
توقفت أمام منزل رجب وهي تطرق الباب، ويحيى على بُعد خطوات يراقبها وفي عقله تدور طواحين أفكار كثيرة كلها تتمحور حول قراره الذي يريده .
جعل كارا زوجته حقًا .
هل توافق عليه ؟! هل تقبل به وتحول تلك المسرحية الهزلية مع عائلة والدتها لحقيقة؟
استفاق على صوتها وهي تشير له ليسير معهما :
- يحيى يلا .
هز يحيى رأسه وهو يتقدمهم بهدوء وقد عقد العزم، حينما ينتهي ما يحدث هنا سيتحدث لوالديه ويتحدث لوالدها وينتهي من الأمر حقًا .
وصلوا للمنزل بعد سير لدقائق، توقف يحيى يشير لهم بالتحرك للداخل حيث الجميع وقد خمن أنهم دخلوا للمنزل بعدما رحل هو .
تحركت بالفعل المرأة للداخل كي تساعد رايانا، وما كادت كارا تلحق بها حتى أوقفها يحيى بسرعة :
- كارا .
توقفت أقدامها وهي تنظر له بترقب ولا تدري السبب لكن ضربات قلبها كانت صاخبة بشكل غريب :
- نعم ؟!
- ممكن أسألك سؤال يا كارا وتجاوبيني بصراحة ؟؟
بللت كارا شفتيها وهي تنظر لكفيها تفركهما بتوتر شديد، ثم رفعت عيونها له تنتظر منه أن يتحدث تشير برأسها له أن يفعل .
وهو تنهد يغمض عيونه ثواني قبل أن يتحدث بجدية :
- ماذا كان بين الله وامك، عشان دعوتها أن ربنا يرزقك بابن الحلال اللي مفيش زيه واللي كل البنات هتحسدك عليه، تتحقق .
كل ذلك وكارا تتابعه بعدم فهم تحاول ادراك ما يطمح له من خلف هذه الأحاديث عدا مدح نفسه ؟؟ وفجأة ضربتها صاعقة إدراك لتتراجع للخلف تشهق بصدمة واضحة جعلته ينظر لها بغيظ شديد :
_ ردات فعلك الاوفر دي محتاجة تشتغلي عليها .
- أنت...يحيى أنت.... أنت قصدك يعني على الحوار بتاع خالو و...
- خالك ايه بس ؟؟ ايه اللي جاب سيرته دلوقتي، أنا بتكلم على الحوار بتاعنا .
- بتاعنا ؟؟
تنهد ينظر حوله يحاول ايجاد طريق له لطرح الأمر بعدما فشل باستخدام طريقته الساخرة، وقد عمد لاستخدامها فقط كي يخفف الأمر عليها ويسهله على نفسه، ولكن يبدو أنه أحب حمقاء و....
أحبها ؟؟ مهلًا أي حب هذا، هو فقط معجب بها و....
توقف عن هذه الفكرة بفزع يحاول، وقد بدا أنها لحظة إدراك له قبل أن تكون لها، يرفع عيونه لها بصدمة يتساءل بجدية، إن كان يحبها ؟! هل يفعل حقًا ؟! يحب كارا ؟؟ الأمر ليس مقتصرًا على الاعجاب بفتاة لا ينفك يفكر بها ؟؟
وكارا المسكينة تنظر له بعدم فهم من نظراته المصدومة هذه تحاول أن تفهم منه ما يحدث حولها :
- يحيى مالك هو....
- اششش اخفي من وشي دلوقتي يا كارا أما اشوف اللي هببتيه .
و المسكينة لم تكن تفهم حتى ما فعلت :
- هبتت ايه أنا معملتش حـ
أشار لها على باب المنزل يحاول أبعادها حتى يرتب أفكاره وينظم خطواته القادمة :
- امشي دلوقتي يا كارا، روحي شوفي مرات اخويا وسيبيني خمسة ارتب دماغي وافوقلك أنتِ وعيلتك .
وهي فقط تنظر له بتشنج وصدمة واضحة لينظر لها محذرًا :
- والله أما اختفيتي من وشي ما هترجعي لبيتك تاني غير واسمي في بطاقتك، اخفي من وشي .
وهي فقط ركضت بعيدًا عنه تحاول أن تستوعب كل ما صدر منه في هذه الثواني وقد كانت ضربات قلبها تكاد تكون آذانها .
ويحيى فقط يتابعها بصدمة مرددًا :
- سحرتني الدجالة بنت الـ ....
صمت وهو ينظر لعلبة الطعام بيده قبل أن يبتسم بسمة واسعة لا معنى لها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف في غرفته يحرك عيونه على الجدران حوله قبل أن يبتسم بسخرية، يا الله حين خرج منها كان آخر شيء توقعه أن يعود لها، حاملًا زوجته .
تنهد وهو يميل واضعًا إياها على الفراش بلطف، ثم استقام يحررها من النقاب وتبعه بالحجاب يحرر خصلاتها الحمراء يتأملها لأول مرة بلا قيود ودون أن يضطر لإبعاد عيونه عنها ...
مال قليلًا على الفراش وهو يفكر فيما فعل، هو الذي كان يخطط لكل خطوة في حياته بدقة حتى لو كان اختيار لون الحذاء الخاص به، يأتي لأهم قرار ويتخذه بلا تفكير، المرأة التي يعلم يقينًا في نفسه أنها آخر شخص يليق أن يكون زوجته، أصبحت كذلك .
السؤال الآن هل ما هو شعوره ؟!
في الواقع لا يدرك سوى أنه فقط ممتن أنه هو الوحيد الآن الذي يحق له تأمل حسنها، وأن لا احد في هذه اللحظة يمكنه رؤيتها، هذا ربما اراحه قليلًا، حينما قرر الموافقة على قرار عودتها معه، اقترح عليها ارتداء النقاب وتعجب أنها وافقت دون كلمة واحدة حتى أو نقاش، لا يدري من يأسها أم ماذا، لكن هذه المرأة التي تزوجها لا تشبه بأي شكل تلك المرأة الشرسة والجريئة .
تنهد بصوت مرتفع يربت على خصلاتها بحنان، ثم نظر لها نظرة أخيرة، يتحرك خارج الغرفة يغلقها ومن ثم هبط للاسفل ليرى ما يحدث .
في نفس اللحظة التي دخلت بها امرأة غريبة سحبتها نورهان لغرفة مسلم حيث ترقد رايانا بعيدًا..
ولم يتبقى في البهو سوى الرجال فقط .
_ ايه اللي حصل بقى في غيابي ؟؟
رفع مسلم عيونه صوب أحمد الذي تقدم وجلس أمام الجميع وهكذا اكتملوا جميعًا .
يحيى وأحمد وعيسى وحاتم واخيرًا مسلم، الذي اشتدت ملامحه بقوة وهو يخرج من جيب بنطاله شيء يلقيه على الطاولة :
_ مستجدات في موضوع أرض جدك .
تحركت العيون صوب النبتة التي ألقى بها مسلم على الطاولة وحدقوا بها طويلًا، حتى تحدث يحيى مخمنًا :
_ ايوة بس انا كنت عايز اعملها زريبة مش حمل زرع وحصاد وغيره .
نظر له مسلم بعدم فهم لما يقول، فوضح يحيى وهو يشير للنبتة:
- بعدين حتى لو هنزرع، هتزرع الأرض دي كلها ملوخية ؟! 
نظر له حاتم بتشنج قبل أن يحمل النبتة يحركها بين أصابعه ثم ابتسم يردد بجدية :
- هاد قنب يا حبيبي مو ملوخية .
ويحيى ابتسم ساخرًا على حاتم وقد بدا التحفز على ملامحه :
- لا يا حبيبي دي ملوخية وهتفضل ملوخية، ولعلمك الملوخية أصلها مصري ومتوثقة على جدران المعابد عندنا، شغل القنب وأصلها شامي ده مش عليا .
نظر حاتم صوب مسلم الذي هز رأسه بيأس:
 - مش عارف افرح إن اخواتي على الله وهبل وملهمش في القرف ده، ولا ازعل على حظي اللي حشرني معاهم في الحياة دي .
تحدث عيسى وهو يشير للورقة بيد مسلم هامسًا بصوت منخفض ليحيى وكأنه يخشى أن تسمعه الجدران حوله وتشي به :
- دي مش ملوخية ده حشيش .
حرك يحيى عيونه فورًا صوب يد مسلم لا يفهم، بينما أحمد فقط يراقب ما يحدث بجدية :
- أنت جايب الحشيش ده منين ؟! 
حرك يحيى عيونه صوب مسلم بسرعة ينتظر سماع رد أخيه :
- رد وقوله جايبه منين، احنا قولنا عايزين نقب على وش الدنيا بس مش اوي كده .
- يا بني ما تبلع ريقك وتسكت، هو لو بتاعي هلحق ازرعه واحصد امتى يعني ؟! الحشيش ده مزروع في الأرض اللي كنا بنجري فيها ورا الزفت، الأرض كانت مزروعة حشيش، بيزرعوا أرض جدي حشيش .
اعتدل احمد في جلسته بجدية وهو يحدق في  النبتة ثواني قبل أن يرفع عيونه لمسلم :
- أنت متأكد من الموضوع ؟! 
- اكيد يعني مش زارعه تحت السرير يا أحمد.
اتسعت بسمة أحمد بقوة وهو يحدق بالنبتة ثواني :
- كده عظيم اوي .
ابتسم مسلم بسمة واسعة وقد أدرك ما يفكر به أحمد، بينما حاتم ينظر لهم بعدم فهم، ويحيى ينظر لعيسى ليتأكد أنه ليس الاحمق الوحيد في المكان .
تحدث أحمد بجدية وهو ينظر صوب مسلم وقد تذكر ما حدث  :
- ايه اللي حصل لرايانا ؟؟ 
نظر له مسلم ثواني قبل أن يتنهد يمسح وجهه بتعب :
- مفيش حاجة، بس محمد حاول يخطفها .
ولم يتحدث بشأن ما فعل بعد ذلك، هو حتى غير متأكد إن كان قد مسها بسوء أم لا، ولا يود الحديث عن هذا الأمر ليس الآن وليس مع أحد .
- عرفت إن ساڤا كويسة ؟!
نعم هذا سبب آخر لتغضب منه رايانا، لن تسامحه على إخفاء حقيقة ساڤا، لكن حتى هو لم يعلم بالأمر إلا بعد حديث أحمد الغبي ولم يفهم منه سوى بعدها بأيام.
ومنذ تلك اللحظة لم يستطع الوصول لها ولو عن طريق الهاتف حتى .
- لسه، مقدرتش اتكلم معاها طول الفترة اللي فاتت خالص .
- لما تفوق ساڤا هخليها تروح هي ليها تبلغها كل حاجة وتشرح ليها الموضوع متقلقش .
هز مسلم رأسه وهو يلقي بها على الأريكة خلفه يشرد في السقف بتعب وإرهاق شديد، وفي عقله تختمر فكرة إن نجحت سيزيح عز الدين ووالده عن طريقه .
وصوت يحيى صدح في المكان بجدية يقاطع أفكاره :
- المهم يا احمد شايفك ما شاء الله عليك الدنيا رايقة معاك، ايه الصنارة غمزت، تحب أبل الشربات .
اتسعت بسمة أحمد الساخرة وهو يعود بظهره للاريكة :
- بله يا حبيبي، بله واشربه وشرب اخواتك والكل معاك.
رمش يحيى بصدمة من سهولة اعتراف احمد بما يدور داخله، ليمنحه أحمد بسمة واسعة  وهو يردد بجدية :
- ساڤا مراتي يا غالي .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الفراش لا تعي بشيء، تشعر أن الأرض أسفلها تتحرك، تحاول مقاومة الصداع والغيمة السوداء التي تحاول عبثًا ابتلاعها وأصوات تصل لها من حولها لا تستطيع التمييز فيها أي كلمة.
- طيب هي هتفوق امتى ؟!
نظرت المرأة صوب نورهان تجاهد لتتحكم في ملامح الشفقة التي تعلو وجهها :
- هي كويسة، بس واضح أنها متخدرة و...
صمتت ولم تعلن عن شكوكها والتي كانت واضحة لنورهان وكارا، وكل تلك الجروح بجسد رايانا تثبت ما يدور بعقولهن .
نظرت المرأة صوب كارا، ثم نظرت صوب نورهان تتحدث بتردد :
- هو ايه اللي حصل ليها، أنا مش ...الجروح دي اعتداء صريح و...
نورهان لم تكن بحاجة للمرأة أن تخبرها بما ترى بالفعل، لا تصدق أن هذا حدث لرايانا، تحاول أن تفكر بما حدث ومن يمكن أن يفعل ذلك بها، لكن صوت المرأة اخرجها من شرودها :
- محتاجين نعرضها على دكتورة نسا عشان يأكد لو ...
قاطعتها نورهان دون تفكير والرفض يلوح على وجهها :
- لا طبعا، مينفعش نعمل كده وهي مش واعية، احنا منقدرش ناخد قرار بالموضوع ده من غير علمها، هي لما تصحى نطمن منها ولو حبيت تعمل أي فحص أو تقرير ده يرجع ليها هي .
كانت تتحدث بنبرة صارمة رافضة أن تنتهك خصوصية رايانا بهذا الشكل وهي غير واعية بأي شيء حولها، وكارا وافقتها بصمت .
 أما عن عمتها فقد عالجت الجروح والخدوش الظاهرة في جسد رايانا، ويدها ترتجف من الغضب تحاول أن تتمالك نفسها وقد كان كل ما يدور في رأسها أنه ربما قام أحد الرجال بالخارج بذلك وهي تحاول أن تخفي الأمر عنهم .
انتهت ترفع عيونها صوب كارا تنظر لها بصرامة، ومن ثم قالت بهدوء هي تغلق علبة الاسعافات الاولية :
- تمام انا عالجت جروحها وحاليا هي مستقرة حالتها، بس واضح إن اللي عمل كده خدرها أو شممها حاجة عشان كده هي مش واعية .
نظرت لها نورهان بشك من طريقتها :
- تسلمي تعبناكِ معانا، هي أول ما تكون كويسة هنقدم بلاغ في اللي حصل .
ونظرات السيدة لها كانت مليئة بالشك، لكنها لم تتحدث بكلمة إضافية :
-تمام ربنا يطمنكم عليها، بس اعتقد من باب أولى ترجع لبيت اهلها في حالة زي دي، أهلها لازم يعرفوا اللي حصل لبنتهم...
نظرت لها كارا وهي تدرك ما تفكر به عمتها، ولم تكد تتحدث بكلمة حتى قالت نورهان بجدية ودون أي تردد :
- باذن الله هي بس تفوق وانا بنفسي هوصلها بيتها، تعبناكِ معانا.
هزت السيدة رأسها تنظر صوب كارا :
- يلا يا كارا ..
نظرت كارا بتردد صوب نورهان ومن ثم تحدثت بصوت خافت :
- معلش يا عمتو روحي انتِ وانا هقعد شوية اطمن على رايانا وهبقى ارجع البيت .
اشتدت ملامح عمتها وكادت ترفض لولا أن نظرت لها كارا برجاء لتزفر بغضب وهي تخرج من الغرفة تغلقها بقوة جعلت الجميع بالبهو ينتفض وينظر لها .
نظرت صوبهم بشر ولم يكد يتحرك لها مسلم ليطمئن، حتى رمته بنظرة مرتابة ومن ثم رحلت دون كلمة تاركة الأخير بوجه شاحب يحاول فهم ما يحدث .
وفي الداخل كانت كارا تنظر لنورهان التي ارتجف جسدها بصدمة وهي تدفن وجهها بين يديها، لا تعلم ما حدث وكيف حدث، كيف وصل الحال برايانا لهذه النقطة ومن فعل بها هذا .
سقط قلبها خوفًا من فكرة أن يكون مسلم قد فعل ذلك بعدم وعي بسبب حالته .
عند هذه الفكرة انهارت على الأريكة وهي تدفن وجهها بهلع، تحتاج للتحدث مع مسلم في الأمر .
وكارا لا تفهم ما يحدث تتحدث بتردد :
- نورهان هو ... أنتِ كويسة ؟؟
ابتلعت نورهان غصتها تقنع نفسها أنه حتى لو كان جثة تسير على قديمة بلا عقل، فلا يمكن لمسلم، اخوها الحبيب الذي كان يضع لنفسه ملايين الخطوط الحمراء، أن يفعل هذا، نعم مسلم لن يفعل هذا ..
- أنا...كويسة ..بس مرهقة من السفر و....
توقفت كلماتها في منتصف حلقها وهي تسمع ضوضاء مرتفعة في الخارج، ضوضاء جعلت جسدها يرتجف وهي تتحرك بسرعة صوب الباب، وكارا نظرت نظرة أخيرة لرايانا التي لم تكن تعي أي شيء حولها .
خرجت نورهان من الغرفة لتتجمد في أرضها حينما أبصرت البهو وقد امتلئ ببعض  الرجال الذين يحملون الأسلحة ويوجهونها على اخوتها .
المنزل بالكامل ممتلئ برجال بأجساد ضخمة وأسلحة كثيرة متوجهة على مسلم ومن معه يتقدمهم معتز الذي كان يرمقه بعيون مشتعلة :
- كل شيء ممكن نعديك ليكم يا ولاد المريدي، إلا شرفنا، روح هات بنتنا من جوا .
اتسعت عيون أحمد مما يبصر وعلم أن الليلة لن تنتهي على خير بالمرة .
ابتلع ريقه يتقدم يتحدث بجدية وصوت هادئ ثابت :
- اولًا نزل اسلحتك وخرج رجالتك من بيتنا واحترم حرمته على الأقل عشان الستات اللي فيه، لأن لو أنت مش عارف يعني ايه تحترم حرمة بيت فدي مشلكتك، نزل سلاحك وخرج رجالتك وبعدين كلمنا بهدوء عشان نتفاهم .
تحدث عز الدين بغضب وقد بدا لأول مرة مجنونًا بشكل غير مسبوق له :
- أنت هتستهبل منك ليك ؟! واحد من الرجالة شاف أخوك وهو شايل بنت عمي وهي مش حاسة بالدنيا وشكلها مبهدل وبيجري بيها على البيت هنا، ايه هو عشان سكتنالكم هتسوقوا فيها ؟؟
وكانت كلماته كالحطب الذي يشعل النيران، أثارت الكلمات غضبًا في صدور الرجال الذين تذكروا في هذه اللحظة أن لهم عرض وشرف يثورون له .
- ادخل هات بنت اخويا من جوا بدل ما نكسر البيت على دماغ اللي فيه .
تحدث يحيى وهو يلوح بيده في وجه معتز :
- تكسر ايه جاك كسر نفوخك أنت وابنك، إياكش تكون مفكرنا هنخاف منك انت وشوية الخرفان اللي حواليك، مهو لو اصل فيهم الخير مكانوش خلوك زعيم عليهم .
اتسعت عيون معتز من كلمات يحيى، بينما حاتم يراقب ما يحدث بأعين مدققة ينتظر الوقت للتدخل .
- اقســــــم بالله لاخليها رماد على دماغك انهاردة، بس اخرج بنت عمي ووقتها لينا كلام .
ختم حديثه وهو ينظر حوله ثم قال :
- لو مش هتطلعوها بنفسكم أنا هخرجها بنفسي .
ولم يكد يتحرك خطوة واحدة حتى رنّ صوت رصاصة في الهواء اوقفت كل الأصوات في المكان عدا صوت صرخات مسلم الذي هتف بصوت مرتفع :
- خطــــوة واحــــــدة كمــــان ومش هسمي عليك .......
ــــــــــــــــــــــــــــ

•تابع الفصل التالي "رواية أرض الدوم" اضغط على اسم الرواية

تعليقات