رواية ملك بلا مملكة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
استمرت الحرب دون توقف وكأن الزمن نفسه قد توقف عند حدود الأرض المحرمة، كانت ساحة المعركة تغلي بالفوضى بينما تتدفق موجات جديدة من مصاصي الدماء المرتزقة من جهة المستنقع الملعون بلا نهاية، صفوف تتكسر ثم تُستبدل بأخرى، وأصوات الصراخ والحديد لا تهدأ
عبر النهر استمر العبور، مجموعات تسقط وأخرى تعبر فوق جثثها دون تردد، لم يعد للموت وزن في تلك اللحظة، بل أصبح مجرد خطوة في طريق الهجوم
وفي قلب المعركة كان يامان لا يزال يقاتل كإعصار لا يتوقف، جسده مغطى بالغبار والدم، عيناه مشتعلة بعزم لا ينكسر، يضرب ويتحرك ويقفز بين الأعداء كأن الأرض نفسها تدفعه للأمام
إلى جانبه كانت جود تقاتل بلا كلل، سيفها لا يهدأ، تتحرك بين المستذئبين توجههم وتعيد ترتيب صفوفهم كلما كادت أن تنهار، وصوتها يرتفع وسط الفوضى يأمرهم بالثبات وعدم التراجع،لكن الأعداء كانوا أكثر
وأكثر
وأكثر
كلما سقطت مجموعة ظهرت أخرى خلفها، وكأن جيش سولين لا نهاية له
وفي السماء استمر القصف، المنجنيقات لا تتوقف، قذائف النار السوداء تمزق الأرض وتفتح الحفر، تضرب بلا تمييز، تحرق العشب وتفجر الصخور، حتى أصبح السهل كله ميدانًا من الدخان والنار
ومع مرور الوقت بدأت الأرض تمتلئ بالجثث
أجساد مصاصي الدماء متناثرة في كل مكان، وبعض المستذئبين سقطوا أيضًا، لكن من بقي منهم ظل يقاتل بجنون كأنهم يدركون أن التراجع يعني النهاية
وانحدرت الدماء من السهل نحو النهر
تسللت أولًا كخيوط رفيعة ثم ازدادت حتى اختلطت بمياهه
شيئًا فشيئًا تغير لون النهر
لم يعد داكنًا فقط،بل أصبح أحمر،أحمر قاني يعكس ضوء النار والدخان،وكأن الأرض نفسها تنزف
وفي تلك اللحظة البعيدة فوق القلعة، كانت سولين تقف أمام شرفتها العالية، لا صوت للمعركة يصلها بوضوح، فقط المشهد البعيد المنعكس في مرآتها السوداء
جلست بهدوء على مقعدها الحجري، ورفعت فنجانًا صغيرًا من القهوة الداكنة إلى شفتيها
ارتشفت منه ببطء وكأنها تشاهد عرضًا مدروسًا لا حربًا طاحنة
خلفها كان القادة يقفون في توتر واضح، بعضهم ينظر إلى الخريطة والبعض الآخر إلى المرآة، لكنهم لم يجرؤوا على مقاطعتها
في المرآة كانت الجثث تتزايد، والنهر يتحول إلى اللون الأحمر، والقتال يشتد أكثر وأكثر
ورغم ذلك لم يتغير تعبيرها
لم يظهر على وجهها غضب ولا قلق
فقط هدوء بارد وثقة ثابتة
وضعت الفنجان جانبًا ونظرت إلى أحد القادة دون أن ترفع صوتها، قالت بهدوء، استمروا
ثم أعادت نظرها إلى المعركة وأضافت بصوت منخفض
هجوم
هجوم
لا تراجع أبدًا
انحنى القائد وأصدر الأوامر فورًا، لتندفع موجة جديدة من المرتزقة نحو النهر دون تردد
وعادت سولين تنظر إلى المشهد بعينيها الثابتتين، وكأن كل خسارة في جيشها ليست إلا خطوة محسوبة نحو هدف أكبر
في الأسفل كانت الأرض قد تحولت إلى جحيم مفتوح
والنهر إلى شريان من الدم
لكن فوق القلعة
كانت الملكة لا تزال هادئة تمامًا
استمرت المعركة دون انقطاع يومًا بعد يوم حتى فقدت الأرض المحرمة إحساسها بالزمن وكان يومان كاملان من القتال المتواصل قد حولا التلال والسهل إلى ساحة دمار لم يشهد لها مثيل وكانت هذه أعنف معركة عرفها الطرفان عبر تاريخهم ولم يعد هناك فرق بين الليل والنهار سوى تغير لون السماء فوق بحر الدماء
آلاف القتلى سقطوا على جانبي النهر وكانت الأجساد الممزقة والدروع المحطمة والأسلحة المكسورة تغطي الأرض بينما احترقت أطراف الأشجار القريبة وازدادت التلال الخربة خرابًا حتى بدت كأنها جزء من جحيم مفتوح
بدأ جيش يامان الصغير ينهك ولم يعد القتال كما كان في البداية حيث أصبحت الحركات أبطأ والضربات أقل قوة والأنفاس أثقل مع كل لحظة وكان المستذئبون الذين كانوا يقفزون كالعواصف يترنحون فوق أقدامهم لكنهم لم يتوقفوا
كانت جود تتحرك بينهم رغم التعب وصوتها لا يزال حادًا وهي تصرخ بهم أن يثبتوا وألا يسمحوا للعدو بكسرهم وأن كل لحظة صمود تعني بقاء الأرض
أما يامان فكان يقاتل بصمت وجسده مثقل بالجراح وأنفاسه ثقيلة لكنه لم يتراجع خطوة واحدة وظل في مقدمة الصفوف يضرب ويمنع تقدم العدو كأن سقوطه يعني نهاية كل شيء
ومع نهاية اليوم الثاني بدأ العدد يتناقص بوضوح وسقط المزيد من المستذئبين ولم يبق من يقف سوى القليل لكنهم كانوا الأكثر شراسة والأكثر إصرارًا على البقاء
ثم جاء اليوم الثالث وارتفعت الشمس ببطء فوق ساحة الموت كاشفة حجم الكارثة لكن القتال لم يتوقف بل ازداد قسوة وكأن الطرفين يلقون بكل ما تبقى لديهم
ومع مرور الساعات بدأ جيش سولين يتباطأ لأول مرة ولم يعد التقدم كما كان ولم تعد موجات الهجوم بنفس الكثافة
وفي اللحظات الأخيرة من النهار الثالث لم يبق مع يامان سوى عشرات قليلة وكانت وجوههم مغطاة بالدم والتراب وأجسادهم بالكاد تتحرك لكن أعينهم كانت مشتعلة برغبة الصمود
قاتلوا بشراسة لم يشهدها أحد من قبل وتمكنوا أخيرًا من إيقاف الهجوم وساد صمت ثقيل للحظات ثم بدأ التراجع
رأى يامان صفوف جيش سولين تنسحب ببطء خلف النهر خطوة تلو الأخرى كأنهم اعترفوا بالعجز عن التقدم ورفع أحد المستذئبين صوته بصعوبة وهو يلهث أن النصر قد تحقق
وقفت جود تلتقط أنفاسها بالكاد تستطيع الوقوف لكن عينيها لمعتا بشيء من الأمل لأول مرة منذ أيام أما يامان فقد ظل ينظر إلى الضفة الأخرى وصدره يعلو ويهبط بقوة وشعر أن المعركة انتهت
رفع رأسه قليلًا وظن أن النصر أصبح واقعًا لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا
فجأة انطلق صوت بوق عميق من جهة جيش سولين فتوقف الجميع ولم يكن صوت انسحاب بل كان أعمق وأثقل كأنه قادم من مكان أبعد من ساحة المعركة نفسها
ثم بدأت صفوف جيش سولين تتحرك لكنها لم تتقدم بل انحرفت إلى الجانبين في صمت غير طبيعي وكأنها تفسح الطريق لشيء لا يجرؤون على الوقوف أمامه
تجمدت الأنفاس وثبتت العيون نحو الضفة الأخرى ومن بين الضباب والدخان بدأ يظهر جيش جديد لم يكن يشبه المرتزقة ولا مصاصي الدماء وكانت أجسادهم باهتة متيبسة وعيونهم خالية وحركتهم بطيئة لكنها ثابتة كأن الموت نفسه يسير على قدميه
كان ذلك جيش الموتى الأحياء يتقدم في صمت مخيف بلا صراخ ولا اندفاع فقط خطوات ثقيلة تهز الأرض
وفي مقدمتهم ظهر مخلوق طويل بشكل غير طبيعي وجسده مغطى بدرع داكن كأنه جزء منه وعيناه تشتعلان بضوء بارد خالٍ من الحياة وكان حضوره وحده كافيًا ليجعل الهواء يبرد فجأة
وقف يامان ومن معه في أماكنهم لكنهم لم يتحركوا هذه المرة فلم تكن هناك طاقة متبقية لا في الأجساد ولا حتى في الأرواح وكان المستذئبون بالكاد يستطيعون رفع رؤوسهم بينما وضعت جود يدها على سيفها دون أن تسحبه
أما يامان فقد نظر إلى ذلك الجيش الجديد وشعر بثقل عميق كأن الأرض نفسها تضغط عليه ولم يكن هذا هجومًا جديدًا بل كان أشبه بنهاية تقترب
وبينما كان جيش الموتى الأحياء يتقدم ببطء عبر النهر أدرك يامان ومن معه أنهم قد وصلوا إلى حدودهم وأن ما ينتظرهم الآن ليس مجرد معركة أخرى بل اختبار أخير بين الحياة والموت
•تابع الفصل التالي "رواية ملك بلا مملكة" اضغط على اسم الرواية