رواية ملك بلا مملكة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
وقفت الوحوش في صمت ثقيل حول يامان بينما كانت أنفاسها الساخنة ترتفع في الهواء البارد، وكانت عيونها مثبتة عليه لا تحمل شراسة الهجوم بل شيئًا أقرب إلى الحذر والاعتراف.
ظل يامان واقفًا في مركز الدائرة وعيناه تلمعان بذلك الضوء الغريب، لم يتحرك ولم يهاجم، وكأنه ينتظر قرارًا لا يخصه وحده بل يخص تلك المخلوقات أيضًا
مرت لحظات طويلة والكلاب المتوحشة والحيوانات العجينة لا تتقدم ولا تتراجع، فقط تنظر إليه وكأنها تسمع نداءً أعمق من أوامر سادتهم،ثم ببطء شديد تراجعت أول واحدة خطوة إلى الخلف،تبعتها أخرى،ثم ثالثة
لم يكن ذلك هروبًا مذعورًا بل انسحابًا هادئًا كأنها اتخذت قرارًا جماعيًا لا يمكن كسره
رفعت إحدى الكلاب رأسها نحو السماء وأطلقت عواء منخفضًا، ليس عواء حرب بل صوتًا غريبًا يحمل شيئًا من الاستسلام أو الاعتراف
ثم بدأت المجموعة كلها في التراجع تدريجيًا بعيدًا عن يامان
وقفت جود فوق التلال تراقب المشهد بدهشة بينما همس أحد المستذئبين خلفها إنهم يرفضون القتال
في الأسفل لم يحاول يامان مطاردتهم، فقط ظل واقفًا يراقبهم وهم ينسحبون من حوله كتيار مظلم يعود إلى مصدره
عبرت الوحوش السهل ثم اتجهت نحو المستنقع الملعون وعبرت النهر بنفس الطريق الذي جاءت منه، حركتها هادئة ومنظمة كأنها ليست تلك المخلوقات الهائجة التي اندفعت قبل لحظات
وعلى الضفة الأخرى بدأ الاضطراب ينتشر بين صفوف جيش سولين
صرخ القادة وأمروا الحراس بإيقافها وإعادتها إلى الهجوم لكن الوحوش لم تستجب
أُعيدت إلى الأقفاص بالقوة، ودُفعت داخلها وهي تقاوم فقط بقدر ما يسمح لها أن تبتعد، لا لتهاجم،عندها فقد القادة صبرهم،أمروا الجلادين بالتدخل
اندفع الرجال المسلحون بالسياط والسلاسل نحو الأقفاص وبدأوا بضرب الوحوش بعنف، كانت السياط تهبط على جلودها فتتمزق وتتناثر الدماء الداكنة، وكان الصراخ يملأ المعسكر،لكن رغم الألم لم تتحرك الوحوش للهجوم
لم تنقض،لم تعض،فقط تراجعت إلى زوايا الأقفاص أو خفضت رؤوسها بصمت ثقيل،ضربهم الجلادون مرة بعد أخرى حتى تقطعت جلود بعضهم وارتجفت أجسادهم من الألم، ومع ذلك لم يندفع أي منها نحو النهر مرة أخرى، لم يكن ذلك خوفًا من يامان فقط،بل كان رفضًا
رفضًا عميقًا كأن شيئًا داخل دمائهم نفسها قد قرر ألا يقاتل ذلك الذئب
وقف القادة في صمت غاضب وهم يرون أن أدواتهم التي صنعوها للقتل قد أصبحت بلا فائدة
وبعد وقت طويل أُغلقت الأقفاص بإحكام وعادت الوحوش إلى الداخل
لكن حتى عندما فُتحت بعض الأبواب مرة أخرى بأمر غاضب لإجبارها على الخروج، لم تتحرك أي منها خطوة واحدة خارج الحديد
بقيت في أماكنها رغم الألم رغم الدم رغم الصراخ
كأنها اختارت سجنها على أن تعود إلى تلك الأرض لمواجهة الذئب الحارس مرة أخرى
وعلى التلال الخربة وقف يامان صامتًا يراقب ما يحدث في الضفة الأخرى، وعيناه لم تعدا تلمعان الآن لكن داخله كان يعرف أن شيئًا قد تغير
فالحيوانات التي أُرسلت لتكون سلاحًا ضده لم تنضم إليه
لكنها أيضًا رفضت أن تكون ضده
وفي تلك اللحظة أدرك أن الحرب التي بدأت لن تكون مجرد صراع قوة، بل صراع إرادة أعمق من الدم نفسه
_-__
وقفت سولين على شرفة برجها العالي داخل القلعة بينما كانت عيناها مثبتتين على المرآة السوداء الضخمة التي ترتفع أمامها، وكانت تلك المرآة تعكس مشاهد من أرض المعركة عند المستنقع الملعون كأنها نافذة مفتوحة عبر المسافات.
كانت ترى كل شيء بوضوح، التلال الخربة، النهر الفاصل، والوحوش التي توقفت عن الهجوم ثم عادت إلى أقفاصها رغم الضرب والعذاب.
خلفها وقف القادة في حالة من التوتر الواضح، بعضهم لم يستطع إخفاء غضبه والبعض الآخر بدت عليه علامات القلق، فقد كان ما حدث غير متوقع تمامًا.
قال أحدهم بصوت مشدود إن الوحوش فشلت وإن إرسالها مرة أخرى لن يغير شيئًا طالما ذلك المخلوق يقف هناك.
وأضاف آخر بنبرة حادة إن الجنود بدأوا يتساءلون وإن هذا المشهد قد يهز ثقة الجيش قبل بدء المعركة الحقيقية.
لكن سولين لم تلتفت إليهم فورًا.
ظلت تنظر إلى المرآة بينما كانت ترى يامان واقفًا في وسط السهل بعد انسحاب الوحوش، ساكنًا كأنه جزء من الأرض نفسها.
ثم… ابتسمت.
ابتسامة هادئة باردة لا تحمل أي أثر للقلق.
ساد صمت مفاجئ في القاعة عندما لاحظ القادة ذلك.
قال أحدهم بدهشة مكتومة كيف يمكنها أن تبتسم بعد ما حدث.
رفعت سولين يدها قليلًا فأشار ذلك إلى الجميع بالصمت، ثم قالت بصوت منخفض لكنه ثابت إن ما حدث لم يكن فشلًا كما يظنون.
التفتت إليهم أخيرًا وكانت عيناها تلمعان بثقة غريبة وقالت إن الوحوش قامت بما أُرسلت من أجله.
نظر القادة إلى بعضهم البعض بعدم فهم.
قالت وهي تعود بنظرها إلى المرآة إنهم الآن رأوا ما هو يامان حقًا، لم يعد مجرد مقاتل أو مستذئب بل أصبح شيئًا يستطيع التأثير في المخلوقات نفسها.
تقدمت خطوة نحو المرآة وأضافت أن هذا يؤكد ما كانت تشك فيه منذ البداية.
إنه يتغير.
صمتت لحظة ثم همست كأنها تحدث نفسها إن الدم الذي يجري داخله لم يعد دمًا عاديًا.
اقترب أحد القادة وقال إن ذلك يجعل الأمر أخطر مما توقعوا.
لكن سولين ابتسمت مرة أخرى وقالت بالعكس هذا يجعل المعركة أوضح.
سألها القائد بتوتر كيف يكون ذلك.
أجابت بهدوء لأن كل قوة لها نقطة كسر، وكل ما فعله يامان الآن كشف جزءًا من تلك القوة.
نظرت مرة أخرى إلى المشهد حيث كانت الوحوش تعود إلى أقفاصها وقالت إنهم لم يخسروا شيئًا بعد، بل بدأوا فقط في فهم العدو الذي يواجهونه.
ثم استدارت ببطء وبدأت تسير داخل القاعة بينما كان رداؤها الأسود ينساب خلفها، وقالت إن القادة يجب أن يتوقفوا عن التفكير بعاطفة الجنود ويبدأوا في التفكير كصناع حرب.
أضافت أن الخوف الذي بدأ ينتشر في المعسكر ليس ضعفًا بل أداة يمكن استخدامها.
توقفت أخيرًا ونظرت إليهم بنظرة حادة وقالت إنهم سيحولون ذلك الخوف إلى غضب، والغضب إلى قوة تدفع الجيش للأمام بدل أن تعيقه.
ثم رفعت يدها وأمرت بصوت قاطع أن يتم إيقاف استخدام الوحوش في الهجوم التالي.
قالت إن المرحلة القادمة لا تحتاج إلى مخلوقات تتردد بل إلى شيء آخر.
شيء لا يتراجع.
عاد الصمت إلى القاعة بينما كان القادة ينظرون إليها بترقب.
ثم قالت سولين بصوت منخفض لكنه يحمل ثقة مطلقة إن يامان قد ربح جولة صغيرة فقط، لكنه لم ير بعد ما أعدته له.
وفي تلك اللحظة عادت عيناها إلى المرآة السوداء، وكانت ابتسامتها لا تزال ثابتة، كأن كل ما حدث لم يزعزعها بل أكد لها أن النهاية التي تنتظر تلك الأرض قد بدأت بالفعل.
مع أول خيط من ضوء الصباح اهتزت الأرض المحرمة تحت صوت قرون الحرب القادمة من جهة المستنقع الملعون، ولم يكن ذلك الصوت كأي هجوم سابق، بل كان إعلانًا لبداية المعركة الحقيقية.
على الضفة الأخرى تحرك جيش سولين بكامله، لم يعد الأمر مجرد وحوش تُطلق لتجربة الدفاعات، بل صفوف كاملة من المرتزقة ومصاصي الدماء المدججين بالسلاح يتقدمون كجدار مظلم يمتد عبر الأفق.
كانت دروعهم السوداء تلمع تحت ضوء الصباح الباهت، ورماحهم الطويلة ترتفع كغابة من الحديد،ثم تحركت المنجنيقات.
ارتفع أول صوت شد للحبال الثقيلة، ثم انطلقت القذيفة الأولى عبر السماء، كتلة من النار السوداء تشق الهواء وتسقط داخل الأرض المحرمة بانفجار هائل هز التلال الخربة.
تطاير التراب والصخور في كل اتجاه، وتصاعد الدخان الكثيف بينما سقطت قذيفة أخرى وثالثة، لم تكن تستهدف قلاعًا أو جدرانًا، بل كانت تضرب الأرض نفسها، تحطم الممرات، تفتح الحفر، وتحوّل السهل إلى ساحة فوضى يصعب الحركة فيها،
وقف يامان فوق التلال للحظة يراقب الدمار، ثم قال بصوت حاد،إنهم يمهدون الطريق لأنفسهم
لم تنتظر جود أكثر، فقد سحبت سيفها وقالت،إذن لنمنعهم قبل أن يعبروا،اندفع المستذئبون خلفهما عندما تحرك يامان إلى الأمام، كانت خطواته سريعة وثقيلة في آن واحد، ومع كل قفزة كان يقترب أكثر من النهر حيث بدأ المرتزقة في العبور عبر الممرات الضحلة التي كشفها القصف،
انطلقت المعركة،اصطدم أول صف من المرتزقة بيامان كأنهم اصطدموا بعاصفة، قفز بينهم بسرعة هائلة وضرب أولهم بمخالبه فسقط أرضًا قبل أن يفهم ما حدث، ثم دار بجسده وأسقط اثنين آخرين بضربة واحدة.
كانت جود خلفه مباشرة، تتحرك بسرعة قاتلة، سيفها يلمع في الهواء وهي تضرب بدقة، تسقط خصمًا تلو الآخر دون تردد،
أما المستذئبون فقد اندفعوا من جانبي التلال كقطيع غاضب، يقفزون فوق الصخور وينقضون على صفوف العدو، وكانت المعركة تتحول بسرعة إلى فوضى دامية،لكن القصف لم يتوقف،سقطت قذيفة جديدة قرب مجموعة من المستذئبين فانفجرت بقوة دفعتهم أرضًا، وتناثر التراب فوقهم بينما اشتعلت النار في الأعشاب الجافة،صرخت جود تحذرهم بينما قفزت بعيدًا عن انفجار آخر كاد أن يصيبها، وكانت السماء نفسها تبدو كأنها تمطر نارًا سوداء،أما يامان فلم يتراجع،
اندفع داخل صفوف العدو رغم القصف، يتحرك بين الانفجارات كأنه يتنبأ بمكان سقوطها، يقفز قبل أن تضرب الأرض بلحظة، ثم يهبط وسط مجموعة جديدة من الأعداء ويفتك بهم بلا رحمة.
كان المرتزقة يقاتلون بعنف، مدربين على مواجهة الوحوش، لكنهم لم يواجهوا شيئًا مثل يامان من قبل،
كان أسرع منهم جميعًا، وأقوى من أن يوقفوه، وكلما حاولوا تطويقه كان يخترق صفوفهم كالسهم، يترك خلفه أجسادًا ساقطة وصراخًا يتردد في السهل،
رأى أحد القادة ذلك فأمر مجموعة من الرماة بالتركيز عليه، فانطلقت السهام نحوه كالمطر، لكن يامان تحرك بسرعة مذهلة، تفادى بعضها وضرب البعض الآخر بيده، ثم قفز نحو الرماة أنفسهم وأسقطهم قبل أن يعيدوا التصويب.
على الجانب الآخر كانت جود تقاتل بثبات، تحمي ظهر المستذئبين وتوجههم، تصرخ بالأوامر وتتحرك بينهم كقائدة حقيقية،صرخت،لا تتركوا صفوفهم تتجمع
فاندفع المستذئبون من جديد، يقسمون صفوف المرتزقة إلى مجموعات صغيرة يسهل القضاء عليها،
لكن مع كل تقدم كان القصف يشتد، والمنجنيقات لا تتوقف عن ضرب الأرض، تفتح فجوات جديدة وتجعل المعركة أكثر خطورة على الجميع،
ارتفعت سحابة من الدخان والتراب فوق ساحة القتال، واختلطت أصوات الصراخ بزئير المستذئبين وهدير الانفجارات،وسط كل ذلك كان يامان يقاتل بلا توقف، جسده مغطى بالغبار والدم، لكن حركته لم تبطؤ، بل كانت تزداد شراسة مع كل لحظة.
قفز فوق صف كامل من الأعداء وهبط خلفهم ثم مزقهم من الخلف قبل أن يستدير لمواجهة موجة جديدة.
وفي لحظة قصيرة وقف فوق صخرة وسط الفوضى ونظر حوله، كانت الأرض تحترق، والعدو لا يزال يتدفق، لكن المستذئبين لم يتراجعوا، وجود لا تزال تقاتل بجانبه،
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قفز مرة أخرى إلى قلب المعركة،
كانت الحرب قد بدأت بالفعل، ولم يعد هناك طريق للعودة.
•تابع الفصل التالي "رواية ملك بلا مملكة" اضغط على اسم الرواية