رواية شظايا الروح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فريدة احمد
– ايه ياهايدي حبيتيه ولا ايه، ايه اللي حصلك.. فوقي دا بيعشق زينة.. بس إنتي حبيته.. حبيته يا غبية
كانت هايدي واقفة قدام المراية، ملامحها كانت هادية وهي بتبص علي نفسها بسخرية وتقول لنفسها:
– نسيتي انك مش اكتر من مجرد دكتورة بتعالجه
غمضت عيونها بقهر وهي بتفتكر ليلتها معاه، الليلة اللي هي نسيت فيها نفسها وهو نسي انها هايدي مش زينة، الليلة اللي نتيجتها كانت أكبر من مجرد ذكرى.
رفعت إيدها ببطء لحد ما استقرت على بطنها، وضغطت عليها وهي بتبص لانعكاسها في المراية وقالت:
– يا ترى هتتصرف إزاي يا غالب وانت عارف إني شايلة حتة منك جوايا
لكن قالت بحسم:
– بس ايا كان انا مش هستني.. البيبي ده لازم ينزل..مش هينفع ييجي
نزلت على الارض وهي بتتذكر الليله المشئومه
فلاش بااك
– هااااايدي.. هااااايدي
غالب كان الصداع بينهش في دماغه. كان قاعد في الأرض، ساند ضهره على طرف السرير وإيديه الاتنين ضاغطين على راسه بكل قوته كأنه بيحاول يمنعها من الانفجار. عيونه كانت حمرا زي الدم، وأنفاسه طالعة مسموعة ومخطوفة، التعب كان شادد عليه جامد وعمال ببيتألم..ويصرخ من الوجع
هايدي كانت نايمة في اوضتها، اتفزعت من صوته وقامت تجري عليه بقلب مقبوض. أول ما فتحت باب الأوضة، اتسمرت مكانها من المنظر.
جريت عليه نزلت علي ركبتها قدامه في الأرض:
– غالب! في إيه.. مالك.. رد عليا يا غالب
رفع عينه ليها بجهد، ملامحه كانت متشنجة من قمة الوجع، وقال بصوت مخنوق ومخطوف:
– المسكن.. فين. فين المسكن يا هايدي.. وديتيه فين.. دماغي هتفرتك.. مش قادر.. هاتي.. المسكن بسرعة!
هايدي كانت بتبص له بقلب بيتقطع، عيونها اتملت دموع وهي بتبصله بشفقة وهي شايفة ضعفه، بس كانت خايفة عليه من كتر الأدوية فقالت:
– عشان خاطري يا غالب، كتر المسكن غلط عليك.. بلاش دلوقتي، حاول تستحمل الألم و..
قاطعها بصراخ، وضرب قبضته في الأرض بقوة:
– بقولك مش قاااادر! النار بتاكل في نفوخي.. ارحميني وهاتيه.. همووووت!
مكانتش عارفة تعمل ايه، بس منظره وهو بيتألم وجعها، فقالت بقلة حيلة:
– حاضر.. حاضر
وقامت جابت الشريط اللي كانت مخبياه منه، وبإيد بتترعش ادتهوله.
اخده منها بلهفه، واخد كوب المايه، وبمجرد ما بلع الحباية، رمى راسه لورا وسندها على السرير، وغمض عينه وهو بينهج نهجان متلاحق، مستني المخدر يطفي الحريقة اللي قايدة في دماغه.
دقيقة.. دقيقتين.. خمس دقايق وبدأ مفعول المسكن يسحب روحه لدنيا تانية. ملامحه المشدودة بدأت ترتخي، وعيونه فتحت ببطء..
كانت ماسكة ايده.. قالت:
– احسن دلوقتي
هز راسه وهو في دنيا تانية، ومد إيده ببطء شديد، ولمس وشها بأطراف صوابعه بحنان، وقال:
– وحشتيني يا زينة..
كان في حالة هذيان ودي حالة من الخلط الذهني بتخلي المريض يخطأ في التعرف علي الاشخاص
هنا هايدي عرفت انه دخل في حالة اللاوعي، حاولت تتماسك وهي شايفة عينه مش شايفاها هي، عينه شايفة روح زينة اللي سكانة جوه كيانه.
مسكت إيده اللي على وشها بتوتر وقالت:
– غالب.. بصلي.. أنا هايدي.. قوم ارتاح في السرير
وبتاخد ايده وتحاول تقومو، بس غالب شدها عليه وقال:
– بقولك وحشتيني
غالب كان في أخطر مراحل التدهور.. هذيَان المسكنات مع ضغط الورم خلاه يدخل في حالة الخلط الادراكي
وهايدي بحكم دراستها وشغلها كانت عارفة إن مريض سرطان المخ في حالات التدهور دي بيكون عقله في منطقة رمادية خطيرة.
ورغم انها كانت عارفة يقيناً إن أي محاولة لانتشاله من وهمه او اي جدال معاه دلوقتي في محاولة تصحيح الواقع ممكن يرفع ضغط المخ لدرجة الانفجار او يسبب له نوبة تشنج أو ضغط عصبي دماغه الضعيفة مش حملها، الا انها اصرت تفوقه من غيبوبته فقالت بلطف:
– غالب فوق انا مش زينة و
لكن غالب مكنش بيسمعها، كان غرقان في لعنته، زينة اللي مش بتفارق خياله لا وهو في وعيه ولا وهو مش في وعيه، شدها عليه بضعف، وبص في ملامحها بنظرة كلها شوق وحنين:
– ششش بقولك وحشتيني..تعالي
– ياغالب فوق عشان خاطري...
– شش.. انا بحبك
وهو عقله الباطن مصورله انها زينة. سحبها اكتر ومال عليها و
في لحظة غياب كامل عن الدنيا، مكانش عارف إنه في اللحظة دي، كان بيد، بح هايدي، وبيد، بح زينة، وبيد، بح نفسه معاهم
باااك
اتنهدت بمرارة وحطت ايدها علي بطنها وهي بتكلمه:
– اسفه يا حبيبي بس مش هينفع تيجي الدنيا
وقامت وهي بتمسح دموعها وهي واخدة قرارها
..
رجع غالب اتفاجأ بيها لما قابلها على باب الشقة وهي محضرة شنطة هدومها وماشية،
– إنتي رايحة فين؟!
قالها بستغراب، لترد بهدوء:
– ماشية زي ما إنت شايف، مينفعش أفضل ومبقاش ليا مكان بعد ما زينة عرفت
بس هو فاجأها لما قال:
– ادخلي يا هايدي.. أنا أقنعت زينة بوجودك.
بصتله بدهشة وقالت:
– بجد.. يعني عرفت إني حامل
قال:
– لا ومش لازم تعرف دلوقتي
ودخل.
دخلت وراه وقالت:
– وبعدين
وقف ومسح على وشه وقال لها:
– مش عارف.. انا دلوقتي تعبان ومحتاج ارتاح
غالب كان تعبان حقيقي من المـرض اللي بينهش فيه وتعبان اكتر من الضغط اللي عليه
بس قبل ما يسيبها ويدخل الاوضة لمس خدها وقال بأسف:
– انا اسف يا هايدي.. مش عارف اقولك ايه.. بس اسف
غالب ما كانش قادر يظلم هايدي تاني ويطلب منها تنزل البيبي، او بمعني اصح مكانش ليه عين يطلب منها ده بعد ما اقام معاها علاقه رغما عنها حتى لو كان مش في وعيه، كان حاسس بالذنب. عشان كده بعد ما بعد زينة عنه كان مقرر يكمل مع هايدي عشان يكفر عن غلطته، بس بعد ما زينة عرفت بمرضه ورجعت له بقى في حيره، لا بقي قادر يظلم هايدي ولا قادر يعترف لزينة، وده اللي خلاه بقي في دوامه غير دوامة مر، ضه
…
تاني يوم الصبح
في الجنينة تمارا كانت واقفة بشرود، وشها شاحب وهي بتفكر في زيدان اللي قضى ليلته جمب مراته،دا علي اعتقادها ، كانت متضايقة جدا ومقهورة.
في اللحظة دي نزل زيدان وهو بيتجه ناحية عربيته، أول ما شافته حاولت ترسم ملامح القوة على وشها المراهق اللي لسه ملامح الطفولة باينة فيه، وقربت منه وقالت بسخرية:
– مبروك سلامة ست الحسن، مش الدكتور طمنك على الغالية بردو.. انشالله يكون طمنك عليها
وهي واقفة قدامه تبصله بسخرية.
بس هو اتغاضي عن اللي قالته وقال:
– إنتي لسه هنا يا تمارا.. مروحتيش المدرسة لحد دلوقتي ليه؟
تمارا اتجمدت مكانها بغيظ شديد.. مدرسة!! في الوقت اللي هي محروقة فيه من الغيرة، هو لسه شايفها الطفلة اللي بتهرب من حصصها.
رفعت راسها وبصتله بتحدي وهي بتحاول تحبس دموعها، فهي كانت عارفة انه قاصد ده. يوصلها انه شايفها صغيرة مهما عملت، فقالت بضيق وغيظ شديد:
– مدرسة إيه يا زيدان! إنت بتتكلم بجد؟ إنت فاكرني لسه في ابتدائي. أنا عندي 18 سنة، يعني بقيت كبيرة كفاية.. بطل بقي تعاملي علي اني طفلة
زيدان ضحك ضحكة قصيرة وقال:
– ماشي يا كبيرة
وفتح باب العربية وركب وسابها واقفة تبص علي اثره بغيظ
……
مرت الايام
بعد ما رضيت زينة بالامر الواقع لما لقت نفسها فجأة مضطرة تقاسم الهوا اللي بتتنفسه مع هايدي.
هي اقنعت نفسها بالعافية، ومثلت دور العقلانية وقالت:
– ماشي.. هايدي دكتورة وهو محتاجها، دي بتراعي حالته، دي بتفهم في الطب اكتر مني
ركنت غيرتها على جمب، أو بمعنى أصح، حاولت تخنقها جواها عشان خاطر غالب يفضل واقف على رجليه.
بقو مقيمين في الشقه هم الثلاثه.
هايدي موجوده بحكم انها دكتوره فقط، حتى نسيت حملها من غالب اللي اجهدته بدون ما يعرف.
وبقت ما بتعملش اي حاجه غير انها بتراعي حالته ومسؤولة فقط عن جلسات الكيماوي الخاصة بيه، ورغم كده زينه ما كانتش مرتاحه.
وفي يوم..
كانت قاعدة في العربية معاه قدام العمارة قبل ما يطلعو، كان وشها مقلوب ونفسها مكتوم من كتر اللي كتماه جواها.. غالب رغم التعب اللي فيه، قال:
– طب ايه اللي يريحك دلوقتي
التفتت له وقالت:
– تطلقها
مسح علي وشه بتعب وقال:
– تاني.. احنا مش اتكلمنا في الموضوع ده مليون مره وقلت لك هيحصل بس مش دلوقتي
بس هي مكانتش قادرة تستحمل… بعصبيه قالت:
– وانا مش هستحمل وجودها اكتر من كده.. بقولك طلقها
حاول يتكلم بس هي قاطعته بعصبية أكتر:
– طلقهاا
غالب حاول يمتص غضبها، متكلمش نزل من العربية ولف فتح لها الباب، وقبل ما تنطق حرف، لقت نفسها مرفوعة بين إيديه.
شهقت وهي بتلف إيدها حوالين رقبته:
– غالب! بتعمل إيه.. نزلني
وبخوف عليه:
– إنت تعبان.. نزلني يا غالب
فكرة انها تشوفه ضعيف كانت بتوجعه، لكنه ابتسم وهو طالع بيها السلم، وقال:
– متقلقيش أنا لسه فيا حيل يشيلك.. وبعدين طول ما إنتي في حضني أنا ما بحسش بتعب يا زينة
ابتسمت بحزن، وهو فتح باب الشقة بالمفتاح وهي لسه في حضنه، ودخل بيها. قدام هايدي اللي قاعدة في الصالة، ماسكة نوت بوك طبية وفي إيدها الفون.
غالب مكنش شايف غير زينة، كمل طريقه للأوضة ونزلها على السرير بمنتهى الحنان، وميل يبوس راسها، في اللحظة دي دخلت هايدي ببرودها المهني اللي بيحرق دم زينة، وقالت بصوت حازم:
– اتأخرت ليه يا غالب.. إنت مش عارف إن ميعاد جلسة الكيمو دلوقتي، كل دقيقة تأخير بتأثر على مفعول العلاج وبتتعب جسمك أكتر.. اتفضل، الجلسة جاهزة
في اللحظة دي، زينة حست إن السكينة سرقتها.. الرومانسية اللي كانت عايشة فيها مع غالب طارت في ثانية، وبدأت تحس بالذنب إنها كانت بتضغطه وهو وراه كيماوي ونار بتاكل في جسمه، وفي نفس الوقت، غيرة نار كانت بتنهشها هي كمان وهي شايفة هايدي بتتحكم في وقت وحياة غالب بحجة الطب.
…
مرت ايام اخري
غالب كانت حالته بدات تتدهور
كان قاعد علي كرسي مكتبه غرقان في ورق وحسابات، لكن ملامحه باهتة وشارد في الفراغ، كأنه بيحاول يمسك طرف خيط ضاع منه.
فجأة دخلت زينة وهي بتقول باستعجال:
– انت بتعمل ايه يا غالب كل ده.. الناس وصلت وقاعدين في غرفة الاجتماعات، والكل مستنيك
غالب رفع عينه ببطء، ملامحه فيها علامات استفهام كبيرة، كأنه بيسمع لغة غريبة. قال باستغراب:
– ناس مين.. واجتماع إيه يا زينة؟
زينة وقفت قدام المكتب ورفعت حاجبها، وقالت:
– اجتماع الموردين.. بخصوص الشحنة الجديدة اللي هتتسلم الأسبوع الجاي
غالب سكت لحظة، فرك جبهته بتوتر، وقال:
– ومين اللي حدد الميعاد ده؟ أنا مقولتش لحد يجي النهاردة خالص، أكيد السكرتارية لخبطت
زينة قربت خطوة، نبرة صوتها بدأت تتغير لقلق مكتوم، وقالت:
– يا غالب، السكرتارية مالهاش علاقة.. إنت اللي كلمتهم واحد واحد إمبارح بالليل قدامي، وإنت اللي طلبت مني أأكد عليهم الصبح إن الميعاد الساعة ١٢ بالظبط
غالب اتجمد مكانه، ايده اللي كانت ماسكة القلم بدأت تترعش خفيف. بص لزينة بذهول، وكأنه بيدور في عيونها على أي دليل إنها بتهزر، بس ملامحها كانت جد جداً.
قال بصوت واطي ومهزوز:
– أنا كلمتهم.. إمبارح؟
زينة ابتسمت بحزن عليه وقالت:
– أيوه يا حبيبي، حتى قلتلي يا زينة الاجتماع ده هيفرق في ميزانية السنة كلها
غالب نزل عينه وبدأ يقلب في الورق اللي قدامه بعشوائية، بيحاول يلاقي أي ملحوظة كاتبها بخط ايده، أي حاجة تفكره.. بس مفيش. الفراغ اللي في دماغه كان مرعب.
همس لنفسه وهو مش بيبص لها:
– مفيش حاجة في بالي.. ولا اي كلمة
زينة قلقها زاد، قربت عليه ووطت وهي بتلمس وشه وقالت:
– غالب.. إنت كويس؟ وشك اصفر فجأة ليه.. لو تعبان نلغي كل حاجة فوراً
غالب حاول يجمع شتات نفسه، بلع ريقه وبص لها بابتسامة باهتة ومصطنعة، وهو بيحاول ميكونش ضعيف قدامها وقال:
– لا لا.. أنا بس سهرت كتير وشكلي فصلت.. روحي إنتي، ثواني وهكون وراكي.. هغسل وشي بس
زينة فضلت واقفة بتبصله بقلق وحزن، هي شايفة حالته بتدهور لدرجة انه بدأ ينسي.
وهو فضل باصص للورق اللي قدامه، مستنيها تخرج عشان يسمح لنفسه إنه ينهار من فكرة إن عقله بدأ يخونه علنًا قدام الكل.
…
زينة مكانتش بتفارق غالب لحظة ودايما معاه وبتدعمه.
وفي يوم..
كان غالب صاحي، عيونه مراقبة ملامحها وهي نايمة في حضنه بسلام. كان بيمرر إيده على شعرها بحنية، بس عقله كان في حرب تانية.. حرب مع هايدي والسر اللي شايله في بطنها. ورغم انه كان حاسس انه ظالمها، بس في نفس الوقت ما كانش عنده ادني استعداد انه يخسر زينه.
مال وطبع بوسة علي راسها وهو بيقول:
– انتي لعنة يازينة.لعنة مخلية قلبي مش شايف غيرك
غمض عينه بوجع، واتنهد وهو واخد قراره إن الحمل ده مش هيكمل وهو في نفسه بيقول:
– مش هسيب ورايا ذكرى تربطني بغيرك، ولا هظلم طفل في دنيا أنا مش هكون فيها
قام ببطء، سحب نفسه، وخرج لهايدي.
– في حاجة يا غالب. حاسس بتعب او حاجة. محتاج ايه
وقف قدامها وقال بتردد:
– عايزك تجهزي يا هايدي.. الجنين ده لازم ينزل، النهاردة قبل بكرة
وقبل ما هايدي ترد وتعرفه انها بالفعل نزلته، صوت إشعار تليفونه سبقها. وكانت نتيجة الأشعة وصلت.. غالب ملامحه اتخطفت، وقال:
– نتيجة الاشعة ظهرت.. الدكتور طالب اننا نروحله
هايدي قالت:
– ما تقلقش ان شاء الله خير.. يلا نروحله
وجهزو الاتنين وخرجوا بسرعة البرق للمستشفى.
…
في عيادة الدكتور:
الدكتور كان بيبص للأشعة بأسف كبير، وهما قاعدين قدامه بيبصوله بترقب. هايدي نفسها كانت زيها زي غالب، ما كانتش تعرف الاشعه فيها ايه.
قالت بقلق:
– خير يا دكتور
بس الدكتور اتنهد وهز راسه وهو بيقول:
– الحالة اتدهورت جداً.. الورم بدأ ينتشر في مناطق حيوية، ومبقاش فيه رفاهية الوقت.. لازم تدخل العمليات فوراً
غالب اتاخد كده وقال:
– بس قبل كده قولت ان العمليه خطر
قال الدكتور:
– صح.. انا قولت كده.. بس ما بقاش في حل تاني لان الورم انتشر بدرجه كبيره وده خطر جدا، لازم نخف كتلة الورم
نطق غالب بصعوبة وسأله بضياع:
– ولسه نسبه الخطوره بتاعه العمليه كبيره مش كده
مكانش الدكتور عارف يقوله ايه لكنه في الاخر اضطر يبقي صريح فقال:
– انا شرحت لك ان الورم بدا ينتشر في جميع خلايا المخ.. لازم عمليه فورا.. وبالنسبة لخطورة العمليه...احم.انت خلي املك في ربنا كبير
غالب سمع الكلام وكأنه بيسمع حكم إعدامه. اليأس سكن ملامحه، وبقت نظرة عينه مظلمة وكأن النور انطفى فيها للأبد.
…
في الشقة:
زينة صحيت ملقتوش. قامت، وبدأت تلم الهدوم اللي كانت متبعثرة، وبعدها خرجت الصالة، لاقت إن هايدي كمان مش موجوده. مسكت تليفونها وحاولت تكلم غالب، بس غالب ما كانش بيرد. قلقت، وبقت بتتحرك في الشقه.
لحد ما لمحت ملفات واقعة على الارض في اوضة هايدي اللي كانت مفتوحة. اخدها الفضول، واتحركت تشوف الملفات وهي معتقدة انها خاصة بمرض غالب.
راحت ناحية المكتب بغيظ وهي بتقول لنفسها:
– بقت هي اللي بتاخده وتجيبه، وأنا بقيت ضيفة في حياته.. حتى نتيجة الأشعة مش عاوزني أعرفها
بعدين قالت وهي بتوطي تاخد الملف من الأرض:
– أكيد ده تقرير عن حالته.. لازم أعرف وصل لفين
وسحبت الورقة اللي جوه الظرف، كانت فاكرة إنها هتشوف أشعة مقطعية أو تحليل دم لغالب، بس الصدمة كانت أكبر بكتير من خيالها. عينيها وقعت على خانة الاسم: هايدي، وتحت في النتيجة مكتوب بخط عريض وواضح: Positive - تحليل حمل إيجابي.
انصدمت، وهمست بزهول:
– حمل
الدنيا دارت بيها، قلبها دق بعنف كأنه هيخرج من ضلوعها وهي بتردد بذهول:
– حامل.. هايدي حامل من غالب
مستنتش لحظة، لبست ونزلت زي المجنونة وراحتله الشركة.
هي معتقدة انه في الشركة، وبالفعل هو كان موجود هناك، لانه خرج من عند الدكتور طلع علي الشركة وهو في حالة ضياع.
…..
خرجو موسي ورحيم من عند الدكتور بعد ما عرفو نتيجة الاشعة هما كمان،و بقو في حالة يرثي لها.
وهما في العربية رحيم حط ايده علي كتف موسي اللي كان راكن ظهره علي الكرسي وحاطط ايده علي عينه بهم وحزن شديد.
رحيم قال:
– من امتي الدكاترة بيقررو يا موسي مين يعيش ومين يموت؟ خلي املك في ربنا.. انا واثق انه هيقوم وهيبقي زي الحصان.. أجمد كده
شال موسي ايده من علي عيونه الحمرا وقال بضياع:
– حاسس ان ضهري بيتكسر يا رحيم.. ابني بيموت ومش عارف اعملو حاجة.. اول مرة احس ان الفلوس ملهاش اي قيمة
…
وصلت زينة الشركة. فتحت باب المكتب بقوة، لقت غالب قاعد علي كرسي مكتبه، وشه شاحب كأنه جثـة، وعيونه فيها نظرة يأس ملاحظتهاش من غضبها. قبل ما ينطق، رمت تقرير الحمل قدامه على المكتب وصرخت:
— هايدي حامل يا غالب.. حامل وإنت كنت نايم في حضني وتقولي مفيش غيرك في قلبي.. إزاي قدرت تخدعني كدة؟! ازااااي
غالب رفع عيونه ليها.. بس مكنتش عيون غالب الحبيب اللي تعرفه. اليأس اللي جواه من كلام الدكتور خلاه يتحول لوحش عايز ينهي كل حاجة بدمار شامل. وفي ثواني رجع تاني لتفكيره الغلط ب إنه يحمي زينة قبل ما تعرف إنه خلاص في طريقه للمـوت، فقرر إنه يخليها تكره تاني.. بص لها بمنتهى البرود وقال:
— ايوه.. حامل..
– يعني بجد.. ازااااي
–اللي حصل
– ببساطه اللي حصل!!
– عايزاني اقولك ايه
قربت ونطقت بصعوبة:
— يعني. يعني حامل منك بجد
وهي بتبصله بترجي مستنياه ينفي
بس هو ببساطة لتاني مرة قال:
— ايوه
زينة رجعت لورا خطوة، الصدمة لجمت لسانها. هي كانت متخيلة إنه هينكر أو يقولها إن الحمل ده مش منو، أي حاجة. اي مبرر.. رغم إنها شافت التحليل بعينها واتأكدت منه، بس كانت لحد اللحظة دي بتقنع نفسها إن في حاجة غلط.
همست بزهول
– يعني ايه..
– يعني هايدي مراتي وهتبقي أم ابني يازينة.. قابلة بوجودها تمام، مش قابلة شوفي إنتي عايزة إيه.. لو عايزة أطلقك تمام، هطلقك
– يعني ايه.. يعني انت اصلا حبيتها!!
زينة كانت حاسة بقلم فوّقها من كل أوهامها، بصتله بذهول ودموعها اتجمدت في عيونها من الصدمة، وقالت بصوت مهزوز:
– لا لا مش قادرة اصدق.. قول انك بتكذب عليا.. قولي وانا هصدقك.. بلاش تعمل فيا كده ارجوك
– ياريت.. بس دي الحقيقة.. مابقاش فيه مجال للانكار.. لو تقدري تعيشي مع الوضع ده وتفتحي صفحة جديدة، أنا شريكي.. لو مش قادرة قوليلي وأنا أنفذلك طلبك وتخرجي من حياتي بالمعروف
بذهول ومرارة قالت:
– يعني دي مقايضة؟ يا أقبل أعيش مكسورة وجمبي شريكة فيك، يا أمشي.. للدرجة دي بقيت رخيصة عندك عشان تساومني على وجودي؟
وهي مش مصدقة.. هو ازاي بقي كده.. هتتجنن.. غالب مش بس بيحبها.. ده روحه فيها والكل شاهدين علي حبه الصادق ليها، بقت تقول:
– أنا مش مصدقة.. هو انت ازاي بقيت كده.. ببساطة بتبعني!!!!
ليرد ويقول:
– أنا ماببعش.. أنا بوضحلك حدودي الجديدة.. وزي ما قولتلك، الخيار في إيدك.. يا تقبلي بالواقع بمرّه، يا تنهي الحكاية هنا
غالب كان عايز يبعدها يكرهها فيه بأي طريقة، هو متخيل إن أي وجع هتتوجعه دلوقتي أهون بكتير من وجعها على موته لأنه عارف مدى حبها ليه.
أما زينة مكانتش قادرة توقف على رجلها حرفياً بعد كلامه اللي د بحها.. كانت حاسة بضياع.. قالت بصوت مهزوز:
– طب.. طب لما انت ناوي تخدعني تاني.. ليه خلتني اصدق انك رجعتلي.. ليه قربت مني طيب..
وهي في حيرة هتتجنن، صرخت فيه:
– انطق قربت مني ليه.. لما انت ناوي تطلع واطي معايا.. قربت مني ليييييييه
– متنسيش إنك انتي اللي طلبتي ده وانا مكانش ينفع ارفضك
برقت بصدمة، الكلمة نزلت عليها كأنها جمرة نار أكلت الأخضر واليابس في قلبها. بصتله بذهول، عيونها كانت بتدور في وشه كأنها بتدور على غالب اللي تعرفه، بس ملقتش غير برود وقسوة.
ضحكت ضحكة مخنوقة بالدموع وهي بترجع لورا بخطوات مهزوزة وهي بتهز راسها كذا مرة وتقول:
– صح.. إنت صح.. انا اللي طلبت ده
بعدها رمقته باستحقار وكملت:
– بس مكنتش أعرف إنك واطي
في اللحظه دي هايدي وصلت تطمن على غالب اللي سابها ومشي وهو في حاله يأس، وهي بتفتح باب المكتب نزلت ايدها تاني لما سمعت صوتهم وعرفت ان زينة جوا. هايدي سمعت كل كلامهم، وبقت تقول بعدم رضا:
– ليه كده يا غالب.. ليه بس كده
أما زينة، فتحت باب من المكتب وهي مش شايفة قدامها، وبمجرد ما خطت رجلها بره الباب، الدنيا اسودت في عينيها، ورجليها مشالتش جسمها ووقعت فاقدة الوعي تماماً.
غالب اللي كان راسم الجمود والقسوة على وشه عشان يبعدها عنه، أول ما شافها بتقع قدامه، القناع ده اتفتت. الرعب سيطر عليه، جري عليها ونزل علي ركبته وحاول يشيلها، بس ما قدرش.. المرض كان أقوى منه واليأس كان مخليه ما بقاش عنده أي ذرة طاقة في جسمه. بص لهايدي بعجز وقال:
– انا مش قادر اشيلها.. مش عارف أشيلها
هايدي كانت بتبصله بشفقة، قالت:
– اهدي
وبعد لحظات، بعد ما حاولوا الاتنين بجهد يرفعوها، كان بيبص لوشها وهو حاسس إنه قا، تل، مش مجرد حبيب بيحمي حبيبته. قال برعب عليها:
– لازم تروح مستشفى
بس هايدي قالت:
– متقلقش انا هشوفها
وبدأت تفحصها، بعدين بصت لغالب اللي كان ماسك راسه بين إيديه وقالت له بلهجة حادة:
– ارتحت.. الكلمة اللي قولتها كانت كفيلة تنهيها.. إنت فاكر إنك كده بتبعدها.. إنت كده بتقتلها يا غالب
غالب مردش، كان سامع صوت أنين زينة وهي بتبدأ تفوق. أول ما فتحت عينيها وشافت وشه، لا صرخت ولا حتى اتكلمت.. هي بس بصت له بنظرة ميتة، نظرة خالية من أي عتاب أو حب، كأن الروح اللي كانت بتعشقه طلعت ومسكت مكانها واحدة تانية غريبة.
حاول يمسك إيدها، بس هي سحبتها ببطء وهدوء يوجع أكتر من ألف صرخة، وقالت:
– متلمسنيش.. أنا دلوقت بقيت قرفانة من نفسي لأني في يوم سمحت لواحد زيك يلمسني.. انا بكرهك.. عارف يعني ايه بكرهك
وهي بتحاول تقوم بصعوبة.
غالب حس بقلبه بيتعصر، كان عايز يصرخ ويقولها أنا بتمزق عشانك، بس فضل ساكت لأن أي كلام دلوقت هيخلي تمثيليته تبوظ.
زينة قامت بتعب وهي ماسكة راسها، غالب مسكها علطول بلهفة وهو بيقول:
– هتروحي فين
بس هي زقته وصرخت فيه:
– ابعد عني.. بقولك بكرههك
في اللحظة دي وصلوا موسى ورحيم اللي فاتو على الشركة يطمنوا عليه بعد ما عرفوا من الدكتور إنه عرف بنتيجة الأشعة.
زينة أول ما شافت أبوها جريت عليه بلهفة واترمت في حضنه وهي بتبكي:
– مالك يا حبيبتي.. ايه اللي حصل
وهو بيبص لغالب اللي نزل راسه في الأرض.
زينة رفعت وشها الغرقان دموع وبقت تقول بشهقات:
– عاوزة اتطلق يا بابا.. مش عاوزة اشوفه تاني ولا اعرفه
– اهدي
وهو بيبص لغالب بتوعد لما فهم
…
بعد وقت كانوا وصلوا الفيلا
زينة دخلت على بيتهم على طول، ياسمين كانت نازلة السلم، بمجرد ما شافتها وشافت دموعها جريت عليها بخضة:
– زينة.. حبيبتي مالك ياقلبي
اترمت زينة في حضنها وبقت عمالة تبكي.
اما في الجنينة
رحيم وموسى كانوا واقفين، لحد ما غالب اللي كان وراهم بعربيته وصل.
نزل وقرب عليهم، رحيم سأله بصوت هادي بس حاد:
— إيه اللي حصل.. زينة كانت كويسة الصبح.. إيه اللي وصلها للحالة دي في مكتبك
ليرد غالب بمنتهى البرود اللي بيداري وراه بركان وجعه:
— كل الحكاية اني فهمتها اني مش عايزها
رحيم قبض علي ايده وهو بيحاول يسيطر على اعصابه.
اما موسى مكانش عارف يقول ايه، ضرب كف بكف بأسى وسكت وهو مستاء من افعال غالب. بس مكانش قادر يقسي عليه كفاية الحالة اللي هو فيها
ورحيم كذالك، فضل باصص لغالب بتركيز، سكت ثواني طويلة، وبعدين اتنهد بيأس، وقرب من غالب خطوة وقال:
— مفيش فايدة فيك.. إنت غبي ياض.. فاكر إنك كده بتحميها
ليرد غالب ويقول:
— صدقني يا عمي كده احسن ليها.. اني ابان في نظرها واطي هتتوجع يومين.. احسن ما تفضل محبوسة عمرها كله في ذكرى واحد ميت
رحيم اتنهد بقلة حيلة وقال:
— تعرف.. انا مش مانعني عنك غير اللي انت فيه ده.. لولا الحالة اللي انت فيها كان بقالي تصرف تاني معاك
…..
هايدي كانت قاعدة على الأرض، ساندة راسها على ركبة جدتها اللي قاعدة على كرسيها المتحرك بملامح هادية وصامتة، مابتنطقش بس عيونها كانت شايلة حكمة الدنيا كلها. هايدي كانت بتبكي بنشيج مكتوم، ودموعها بللت طرف توب جدتها.
رفعت راسها وبصت في عين جدتها بضياع، وقالت بصوت مكسور:
— حبيته غصب عني يا تيته.. والله ما كان بإيدي.. أنا كنت داخلة أعالجه، لقيت قلبي هو اللي بيتسحب مني ليه.. حبيته لدرجة إني سامحته على اللي حصل بينا، وسامحته إنه مابيشوفش حد غير زينة
مسحت دموعها بكف إيدها بقهر وكملت بضعف:
— أنا دلوقت مش عاوزة أي حاجة.. مش عاوزة يبقى ليا مكان في قلبه، ولا عاوزة حتى يفتكرني.. أنا بس عاوزاه يعيش.. غالب ما يستاهلش يموت يا تيته.. لسه فيه حاجات كتير حلوة ماشافهاش.. ادعي له يا تيته.. ادعي له من قلبك
جدتها مكنش عندها لسان ينطق، بس رفعت عيونها للسماء ببطء شديد، وبدأت تحرك شفايفها بحركات خفيفة.. كانت نظرتها للسقف مليانة رجاء وتضرع.
هايدي رجعت دفنت راسها في حضنها وهي بتشهق بالبكاء، وكأن دعوة جدتها الصامتة دي هي القشة اللي هتتعلق بيها عشان غالب يرجع تاني.
….
معاد العملية اتحدد وخلاص هيسافر ألمانيا بعد 24 ساعة لاجراء العملية
غالب فضل معاهم في البيت. قرر أنه يبقي في وسط عيلته اليوم ده ، بكرة السفر.. بعد بكرة العملية اللي نسبة نجاحها يدوب تُذكر
كان بيودعهم بصمت.. البيت كله كان في حالة حزن صامت. الكل حزين، الكل مرعوب من المو، ت اللي بيهددهم يخطف غالب من وسطهم. بقوا بيبصوله نظرات وداع وهو كذلك.
. كان عاوز يودع حورية ويملى عينه منها من غير ما يحسسها إنه خايف ميرجعش. قضي اليوم كله معاها، ضحك وهزار مفتعل منه، وهي كانت بتبص له وعينها مليانة قلق، قلبها كان واكلها عليه، حاسة إن وراه سر كبير، بس هو كان بيقولها" يا ست الكل ده شغل يومين بره مصر وراجعلك".. ادعيلي بس."
بالليل.. الكل انسحب لمكانه على أساس إنه هينام، بس الحقيقة إن مفيش عين واحدة في البيت ده قدرت تغمض.
البيت كان عامل زي المقبرة.. صمت رهيب بس جواه صرخات مكتومة.
زين كان واقف قدام الشباك، واقف يدخن بهدوء.مهموم وحزين . مش قادر يستوعب اللي ممكن يحصل بعد ساعات،. غالب مش بس أخوه، ده السند والضهر، وفكرة إنه يضيع منه كده كانت بتموته بالحيا.
على الكنبة وراه، كانت زهرة قاعدة ساندة ضهرها وعيونها مليانة حزن هي كمان. كانت حاسة بوجعه ونفسها تقوم تواسيه، بس الفجوة اللي بينهم خلتها مترددة.
فضلت مكانها مترددة لحد ما زين لف وشه ودخل الأوضة بملامح شاحبة وعيون حمرا زي الدم.ساعتها قامت من مكانها قربت منه، مسكت ايده وقالت بدعم :
— ان شاء الله هيقوم منها
…
اما في اوضة تمارا
كانت ساندة ظهرها للسرير وبتبكي برعب. لحد ما مسكت تليفونها وتلقائي طلبت زيدان، الشخص الوحيد اللي عقلها بيستحضره وقت ما بتكون في قمة ضعفها. أول ما الخط فتح وجاها صوته، قالت بدموع:
— انت فين
حس بيها فقال:
— تعالي يا تمارا.. انا في الاسطبل
وبعد دقايق، كانت تمارا داخلة الإستراحة اللي في الاسطبل، وشها باهت وعيونها وارمة من كتر العياط. أول ما شافته جريت عليه واترمت في حضنه وهي بتبكي.
ضمها وبقي يمسح علي شعرها ويقول:
— اهدي يا حبيبتي
بس تمارا فضلت تبكي لحد ما رفعت وشها الغرقان بدموعها وقالت:
— غالب هيموت يا زيدان مش كده
مد ايده يمسح دموعها وهو بيقول:
— مين قال كده.. هيعمل العملية وهيبقي زي الفل
بس تمارا هزت راسها برفض وقالت:
— لا انا سمعت بابا وعمو رحيم وهما بيقولوا ان العملية خطرة و…
وبقت عمالة تبكي وتقول:
— انا خايفة.. خايفة اوي.. خايفة يروح ومشوفوش تاني
زيدان سحبها لحضنه، مكنش عنده كلام يطمنها بيه لأن الخوف كان واكل الكل، بس حاول علي قد ما يقدر انه يطمنها و يحسسها إنها مش لوحدها.
…
عند حورية مكانتش عارفة تغمض، قلبها كان عمال يدق بقلق فطري. قامت ببطء من جمب موسى اللي كان مُمثل النوم،
وخرجت من الأوضة وكأن فيه مغناطيس بيشدها لأوضة غالب.
فتحت الباب بهدوء ودخلت في الضلمة، كان غالب صاحي بس مغمض عينه.
قربت منه وقعدت على طرف السرير، مدت إيدها بحنان وبقت تمررها على شعره، ومالت باسته. غالب مسك إيدها وباسها ولف ليها وقال:
— نامي جنبي يا أمي.. الليلة دي
قالت:
— أنا جيت عشان أنام جمبك.. انت كويس يا حبيبي؟
— أنا كويس
وغمض عينه، نامت حورية جمبه، فضلت تمسح على شعره لحد ما غلبه النوم.
…
في الصباح
في بيت رحيم
– هتعمل ايه يارحيم.. مش هنعرف زينة؟
قالتها ليلي لرحيم وبعدين قالت:
– لازم تعرف. عشان لو لاقدر الله
وسكتت، بعدين اتنهدت وقالت:
– هي مش هتسامح حد فينا لو خبينا عليها. حقها تعرف. حرام تضيع منها لحظات الوداع دي . لو بعد الشر جراله حاجة وهي كرهاه مش هتسامح نفسها ولا هتسامحنا يارحيم
ليرد ويقول:
– انا عارف. هو غبي في تفكيره. انا بهاوده بس انما في الاساس مش موافق علي الهبل اللي في دماغه..كده كده لازم تعرف.. لما ترجع من الشركة ابقي عرفيها بطريقتك
….
في بيت موسي..
البيت كله متجمع، الكل في حالة يرثي لها.
في المطبخ زهرة وليلى بيتكلموا بصوت واطي ومخنوق.
ليلى كانت بتبكي بصمت وبتقول:
— يا حبيبي يا غالب.. ربنا يرده بالسلامة.. يا رب ما تحرق قلب بنتي ولا حورية عليه يا رب
بصت لزهرة وكملت:
— أنا قلبي وجعني على حورية أوي، لو عرفت الحقيقة هتموت فيها.. هتعمل إيه لما تعرف إن ابنها رايح لعملية نسبة نجاحها معدومة
حورية كانت داخلة المطبخ بالصدفة، سمعتهم. وقفت مكانها، قلبها وقع في رجليها، دخلت عليهم بخطوات تقيلة ونطقت برعب:
— في إيه.. غالب ماله. عملية إيه اللي هيعملها..
زهرة وليلى لسانهم اتشبك ومبقوش عارفين يردوا.بس صوت موسي نجدهم لما نادي علي حورية لان في اللحظة في الجنينة كان موسى واقف مع حمزة ورحيم، عيونه على باب البيت بيستجمع شجاعته فكان قرر خلاص انه يعرف حورية بمرض غالب. لماقال في نفسه بأسى: لازم تعرف.. مش هينفع يسافر وهي فاكرة إنه رايح شغل.
وانسحب من وسطهم ودخل البيت ونادى على حورية:
— يا حورية.. تعالي عاوزك
حورية بصتلهم
وخرجت له، كانت ملامحها مخطوفة، قلبها اساسا منقبض من الصبح. قربت منه وسألته بتردد وقالت برعب:
— في إيه يا موسى.. هو هو فيه ايه
وقبل ما تسأله عن غالب، سبقها هو لما مسك إيدها وقعدها جنبه وهو بيحاول يثبت صوته وقال:
— حورية، انتي ست مؤمنة وعارفة إننا كلنا في إيد ربنا..
قلب حورية وقع، وقالت بصوت مرتعش:
— في إيه يا موسى.. ابني ماله؟
موسى اتنهد بثقل وهو ماسك إيدها بإيديه الاتنين وقال:
— غالب مش مسافر يخلص شغل زي ما قالك.. غالب مسافر يعمل عملية.. عملية صعبة شوية ومحتاج دعاكي
— عملية إيه؟
وقبل ما تسمع رده، لقت غالب نازل السلم.
حورية جريت عليه بلهفة، مسكت في دراعاته وبدأت تلمس وشه بإيد بتترعش وبصوت مبحوح:
— فيك إيه يا حبيبي. عملية إيه اللي بيقولوا عليها. إيه الوجع اللي فيك ومخبيه عني
غالب بص لموسى اللي هز راسه بمعنى يقولها وإنه لازم تعرف. رجع بص في عيون أمه، شاف دموعها وخوفها، بس خلاص كان حاسس إن مفيش مجال للهروب أكتر من كده.
قال بصوت مكسور:
— سر، طان في المخ يا أمي.. عندي سرطان في المخ
الكلمة نزلت على حورية كأنها رصا، صة في نص قلبها. مفيش أي رد فعل.. لا صرخة ولا بكاء. فجأة عيونها غيمت وجسمها ارتخى تمامًا، ووقعت على الأرض فاقدة الوعي.
…
في نفس اللحظة في الشركة عند زينة، دخلت هايدي وقالت:
— عاوزة أتكلم معاكي
•تابع الفصل التالي "شظايا الروح " اضغط على اسم الرواية