رواية هتلر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
تُرك محمود في قلب الصحراء كجسد منسي وكان الليل يهبط عليه طبقة بعد طبقة
كانت الرصاصة في كتفه كجمرة لا تنطفئ وكانت تنبض مع كل نبضة قلب وتبعث ألمًا ينتشر في جسده كله
لم يكن الألم محصورًا في الكتف فقط بل كان يسري في صدره وظهره وذراعه حتى أطراف أصابعه
حاول أن يفتح عينيه بالكامل لكنه شعر بثقل كأن الظلام نفسه يضغط على جفونه
كان يتنفس بصعوبة وكان الهواء يدخل إلى صدره ببطء كأنه يمر عبر جرح لا يُرى
كل شهيق كان معركة صغيرة وكل زفير كان استسلامًا مؤقتًا
حرك يده فصرخ جسده كله وكانت القيود مشدودة بقسوة حول معصميه وكاحليه
احتكت الحبال بجلده حتى شعر أنها جزء منه ولم يعد يعرف أين ينتهي جسده وأين يبدأ الألم
حاول أن يستجمع ذاكرته فعاد صوت وائل ووجهه والضرب والخذلان كطعنة جديدة
همس بصوت بالكاد يُسمع أنه ليس خائنًا لكن الصحراء لم ترد
مر الوقت بطيئًا أبطأ من الألم نفسه
ثم بدأ يسمع حركة خفيفة واحتكاك الرمال وأنفاسًا ليست له
فتح عينيه أكثر ورأى نقاطًا لامعة تتحرك في الظلام
كانت الكلاب تقترب بحذر وتشم الهواء وتتتبع رائحة الدم
حاول أن يتحرك لكن جسده لم يستجب كما يريد فارتفع قليلًا ثم سقط
اقترب أحدها أكثر حتى شعر بأنفاسه الساخنة على جلده
انتفض محمود بعنف وصرخ وحاول أن يركل لكنه لم يستطع
جاءت العضة الأولى مفاجئة وكانت صدمة أشعلت الألم في جسده كله
تبعها عضة أخرى فخرج صوته من أعماقه كصرخة بقاء
بدأ يتحرك بجنون ودحرج جسده واصطدمت كتفه المصابة بالرمال فاشتعل الألم أكثر
ضرب الأرض وحاول أن يبعدها بكتفيه وركبتيه واحتك بالحبال حتى مزقت جلده أكثر
كانت الكلاب تتراجع خطوة ثم تعود وتختبر ضعفه وتنتظر لحظة سقوطه الكامل
لكن محمود لم يسقط وكان بداخله شيء يرفض أن ينتهي بهذه الطريقة
هدأ فجأة وبدأ يتنفس ببطء رغم الألم وركز في تحريك يديه داخل القيد
كان الحبل خشنًا وكل حركة كانت تقطع جلده لكنه استمر
ضغط ولف وشد مرات كثيرة حتى شعر بارتخاء بسيط
تعلق بالأمل وضغط أكثر حتى انفلتت يده أخيرًا وسقطت على الرمال بلا إحساس
بقي لحظة لا يتحرك ثم فك القيد الآخر ثم ساقيه
ظل ممددًا على الأرض وجسده مليء بالجروح وأنفاسه متقطعة لكنه كان حيًا
بدأ يزحف ببطء شديد ويسحب نفسه على الرمال وكان كل شبر كأنه جبل
ابتعدت الكلاب قليلًا تراقب ولم تعد تهاجم بنفس الشراسة كأنها تنتظر
لكنه لم يمنحها الفرصة واستمر في الزحف حتى شعر أن جسده لم يعد يحتمل
حاول أن يقف فسقط ثم حاول مرة أخرى ونجح للحظة
وقف مترنحًا وخطا خطوة ثم أخرى وكان يمشي كطفل يتعلم السير
كان الظلام يحيط به والألم يرافقه لكنه استمر في الحركة
ثم لمح خيمة بدوية وحيدة وسط الصحراء ولم يعرف إن كانت حقيقية أم وهم
تعلق بها وتقدم نحوها خطوة بعد أخرى حتى اقترب
ثم فجأة انهار وسقط أمامها مباشرة
استسلم جسده أخيرًا لكن داخله ما زال يقاتل
ثقل جسده أكثر واستسلم أخيرًا وغاب وعيه تمامًا كأن الظلام ابتلعه
مرت عليه أيام لا يعرف عددها وكان بين الغياب والحضور كروح معلقة لا تستقر
في تلك الأيام كانت امرأة بدوية تقف على رأسه وتغسل جراحه وتربط كتفه بضمادات بسيطة
كانت تضع له الماء عند شفتيه وتنتظر حتى يبتلع قطراته ببطء
كانت تنظف الدم المتجمد عن جسده وتزيل أثر الرمال من جروحه بصبر طويل
لم يكن يسمع صوتها بوضوح لكنه كان يشعر بوجودها كظل رحيم لا يغادر
بدأ وعيه يعود ببطء شديد
فتح عينيه نصف فتحة ورأى سقف خيمة من القماش المهترئ
كانت الرؤية مشوشة والضوء يدخل على شكل خطوط متقطعة
حاول أن يتحرك فصرخ جسده لكن الألم هذه المرة كان أهدأ كأن النار أصبحت جمرًا تحت الرماد
نظر حوله في تيه كامل ولم يعرف أين هو ولا كم مر من الوقت
كانت الأفكار تتصادم في رأسه دون ترتيب بين الصحراء والكلاب ووائل والرصاصة
حاول أن يتكلم لكن صوته خرج ضعيفًا جافًا كأنه لم يستخدمه منذ زمن
رفع يده ببطء ورأى الضمادات حول كتفه وفهم أنه لم يكن وحده
مرت لحظات قبل أن يستجمع نفسه ثم دفع جسده لينهض
جلس أولًا وهو يلهث ثم وقف مترنحًا ممسكًا بجانب الخيمة
خرج إلى الخارج بخطوات بطيئة وكانت الشمس أعلى والهواء مختلف
نظر حوله فلم ير أحدًا ولم تكن هناك المرأة ولا أثر واضح لها
كأنها لم تكن موجودة من البداية فوقف في مكانه للحظة وشعر بشيء بين الامتنان والدهشة
ثم همس بصوت خافت شكرًا دون أن يعرف لمن يقولها
بدأ يتحرك خطوة ثم أخرى وكان جسده أضعف لكن إرادته أكثر صلابة
سار في الصحراء يتبع حدسه لا أكثر وكانت الشمس ترشده والأرض تقوده
بعد وقت طويل لمح الطريق الصحراوي كخط أسود وسط الامتداد الأصفر
اقترب منه ببطء حتى وصل ووقف على حافته يتنفس بعمق
ثم تحرك مستندًا على نفسه حتى وجد وسيلة تعيده
كان الطريق إلى البيت أطول مما تذكر لكنه استمر حتى وصل
وقف أمام بابه للحظة كأن المكان لم يعد كما كان
ثم دخل وعاد إلى حياته لكن ليس كما خرج منها
•تابع الفصل التالي "رواية هتلر" اضغط على اسم الرواية