رواية ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب" الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شهد الشوري
خرج مالك من السجن مترنح الخطوات، كأن الأرض لم تعد تعرفه، وكأن الهواء نفسه صار أثقل على صدره......
كان متيقنًا أن ما حدث لم يكن صدفة، فالقضية من بدايتها مفخخة، والرجل الذي جاء معترفًا لم يكن يعرفه، لم يلتقي به يومًا، ولم يحمل سببًا منطقيًا واحدًا يفسر اعترافه السهل
هناك يد خفية، قوية، أرادت تحطيمه، وربما الانتقام منه
لكن كل ذلك تراجع إلى الهامش، تلاشى أمام الوجع الحقيقي الذي كان ينخر قلبه بلا رحمة، عِشق !!!
اسمها وحده كان كفيلًا بأن يعصر قلبه عصرًا
حديث الأمس ما زال يرن في أذنيه، كطعنة لا تندمل
قالت له ببساطة قاسية إنها تحب شقيقه حمزة
أنها اقتربت منه، ومثلت عليه الحب، فقط لتوقظ غيرة حمزة لتدفعه للاعتراف بمشاعره نحوها، وقد فعل
اعترف لها، وهي اختارته !!!
كان يشعر كأن خنجرًا مسمومًا استقر في قلبه، لا يقتله فورًا، بل يتركه ينزف ببطء، شقيقه الذي يعرف جيدًا كم يحبها، يذهب ويعترف لها بحبه
غدرٌ لا يُغتفر، وخيانة جاءت من حيث لم يتوقع
رغم ذلك.....
لم يستطع أن يكرهها
لم يستطع أن يصدقها بالأساس !!!
يعرف عِشق، يحفظ نبرات صوتها، ارتجاف عينيها،
صدق مشاعرها
يعرف أن الحب لا يُمثل بهذه العفوية، ولا يُقال بكل هذا الوجع، كل كلمة قالتها له سابقًا كانت صادقة أو هكذا كان يشعر، لا يعرف دوامة خانقة ابتلعته، لكنه حسم أمره
لن يهرب.....سيواجهها
سيعرف الحقيقة، مهما كانت موجعة
زادت دهشته من ارتباكه لما لم يأتي أحد ليستقبله، لم يسأل عنه أحد، وكأن خروجه لم يعني أحدًا
باستثناء تلك المحامية، غزل، كانت واقفة تنتظره بهدوء، أنهت الإجراءات دون كلمات كثيرة، وقادته بسيارتها نحو فيلا عمته
لم يسألها، ولم تسأله
كلاهما كان يعرف أن الكلام الآن عبء
توقفت السيارة أمام الفيلا
ترجل منها ببطء، وقلبه يسبق خطواته !!!!
...........
دخل مالك، فتوقف الزمن عند اول خطوة خطاها للداخل....
مشهدٌ واحد كان كافيًا ليشعل الدم في عروقه ويعمي بصيرته قبل بصره، كان حمزة جالس قبالة عشق، ممسكًا بيدها في جرأةٍ وقحة، لم يرى الصورة كاملة.......
لم يرى ظهرها المشدود ولا وجهها المشدوه بالغضب، والاشمئزاز ولا محاولاتها المستميتة لتخليص يدها منه ظهرها كان حاجزًا بين الحقيقة وغضبه !!
اشتعل صدره، وتقلصت ملامحه، واقترب بخطواتٍ سريعة، ثقيلة، كأن الأرض تضيق تحته، لم يمنح عقله فرصة للفهم، ولا لقلبه فرصة للتريث، مد يده، وقبض على ملابس حمزة بعنف، وقبل أن ينطق بحرف، كانت قبضته قد ارتطمت بوجهه بقوةٍ أطاحت به إلى الخلف........
اعتدل حمزة وهو يلهث، واضعًا يده على فكه، وعيناه تتقدحان غضبًا، ليصرخ حمزة بانفعال :
انت اتجننت ولا إيه؟!
انتفضت عشق مكانها بفزع، بينما مالك، اخذ صدره يعلو ويهبط بعنف، وعينيه مصوبة على حمزة :
ابعد عنها بدل ما أقسم بالله ما هرحمك يا حمزة
وقف حمزة أمام أخيه، بنظره مليئة بالتحدي، وابتسامة تغص بالثقة والغل، وعيناه كأنها تحملان نار الانتقام، قائلاً بصوت منخفض مشحون بالاحتقار رغم دهشته لخروج مالك من السجن :
ماقالتلك مش عاوزاك، ترغي كتير ليه....؟!!
قبض مالك على ثياب شقيقه بقوة، وصوته يرتجف من شدة الغضب :
انت ازاي كده، ازاي طلعت بالحقارة دي، ازاي بالقسوة والشر ده، بتبص ع اللي أخوك بيحبها، بتخطف خطيبتي
ضحك حمزة بسخرية حادة، وغضبه تحول لحقدٍ واضح :
انا ماضربتش حد على ايده، عندك عشق قدامك اهي، اسألها، أنا اللي قولتلها تسيبك وتتخلى عنك في محنتك، ولا أنا اللي قولتلها تفضلني عليك، اهي قدامك خيرها، قولها بتحب مين فينا.....خيرها بينا، قولها بتحب مين فينا
لم يستوعب مالك ما قال شقيقه، نظر إليه بصدمة واستنكار، ثم ألقى بنظرة قصيرة على عشق، التي كانت واقفة تبكي بصمت، قلبها يتألم وهي تشاهد الأخوين يتصارعان على حريتها، لكنها لم تجرؤ أن تحرك ساكنًا
فجأة، شعرت عشق بدوار شديد يهاجمها، وكادت أن تسقط، فتقدم مالك منها بسرعة، قلبه يغص بالقلق، ولكن حمزة، مدفوعًا بالغيرة والحقد، لم يكترث لها، أمسكها بقسوة، فبدأت تفقد توازنها، وكادت أن تقع على الأرض
فقد مالك السيطرة على نفسه، وهو يراه يعامل حبيبته بتلك القسوة، وبدون تفكير، لكم حمزة بقوة، واندلعت بينهما معركة شرسة، كل منهما غارق في غضبه، حتى توقفا على صوت ارتطام مفجع !!!!
التفتوا بصدمة، ليجدوا عشق ملقاة على الأرض، الدماء تحيط برأسها، وصمت رهيب يخيم على المكان، كأن العالم كله قد تجمد بتلك اللحظة
هنا، وبين دموعه وغضبه، اكتشف كل واحد قوة ما يسكن قلبه، الحقد في قلب حمزة، نارٌ مستعرة تدفعه للشر، لكل قسوة، لكل غل، لكل كراهية مكبوتة، كأن سنوات الألم تجمعت لتثور دفعة واحدة......
أما الحب في قلب مالك، فقد أعمى بصره عن ذاته، لكنه أضاء روحه، جعله يقف أمام الألم بلا خوف، يحمي من يحب مهما كان الثمن، مهما تحطمت نفسه في الطريق
في صمت الدماء والدموع، بقيت الحقيقة الوحيدة صافية أن القلب الذي يقوده الحقد يهدم كل ما يلمسه، والقلب الذي يقوده الحب يحمي، حتى لو انهارت الدنيا حوله !!!!
.....................
كان بدر واقفًا قبالة باب غرفة ابنته في المستشفى، جسده متيبس وعيناه معلقتان على الباب بخوف، إلى جواره وقف حمزة ومالك، بينما كانت حياة منهارة في البكاء، شهقاتها المتقطعة تشق سكون المكان، ومروان واقف خلفهم جميعًا، قابضًا على أعصابه بصعوبة، كأن شرارة واحدة كفيلة بإشعال شجار لا يُعرف إلى أين ينتهي......
لم يكن أحد يفهم ما الذي حدث، ولا كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد، وقبل أن ينفجر مروان بسؤال حاد، خرجت الممرضة على عجل، ملامح القلق بادية على وجهها، قائلة بسرعة :
المريضة بتنزف جامد، ومحتاجين دم فورًا، فصيلتها مش متوفرة دلوقتي في المستشفى، لو سمحتوا، شوفوا حد من قرايبها أو أهلها يكون فصيلته........
لم ينتظر مالك ثانية، تقدم منها قائلاً بلهفة وخوف شديد :
أنا.....أنا فصيلة دمي زيها
لم تمر دقائق حتى كان داخل غرفة أخرى، يُسحب منه الدم، قلبه يخفق بعنف، لسانه لا يكف عن الدعاء لها !!
في الخارج، كان حمزة يغلي من الداخل، صامتًا، لكنه يحترق
مر وقت بدا أطول من اللازم، حتى خرج الطبيب أخيرًا ملامحه أكثر هدوءًا، وقال :
الحمد لله عدت على خير، الجرح كان عميق جدًا، بس ربنا ستر، النزيف وقف، وهندخلها أوضة عادية دلوقتي عشان تقدروا تطمنوا عليها، بس بلاش تتعبوها
كانت حياة أول من اندفع نحو فراش ابنتها، احتضنتها بعينين دامعتين وقلب يرتجف......
بعد دقائق، اطمأن بدر على ابنته، ثم خرج من الغرفة، ملامحه تحولت إلى قسوة مرعبة، ووقف أمام مالك وحمزة قائلاً بحدة :
دلوقتي حالًا أفهم اللي حصل، وإلا ورحمة أمي اللي حصل لبنتي ده هاخد قصاده روحك منك ليه، ومش هيفرق معايا ابوك وعمتك !!!
خرجت حياة على صوته، وسمعت مالك يقول بهدوء ظاهري بينما الغضب يلمع في عينيه بوضوح :
مفيش يا جوز عمتي، خناقة بسيطة بيني وبين حمزة
صرخ بدر عليهم بغضب :
ما تولعوا انتوا الاتنين، بنتي إيه اللي عمل فيها كده، مين فيكم اللي إيده طولت عليها واتسببلها في اللي هي فيه ده
ساد الصمت، صمت ثقيل كالصخر، فازداد غضب بدر وصاح بنبرة كافية لتُرعب أي أحد :
ما تنطق يا زفت منك ليه
تحرك حمزة ليغادر لكن بدر أمسكه بعنف قائلاً بحدة :
انا ماقلتش لحد يمشي، اتزفت اقف مكانك
زفر حمزة بتبجح، بينما مالك تدخل قائلاً :
كنا بنتخانق سوا، وعشق كانت ورانا من غير ما ناخد بالنا خبطنا فيها.......
كادت حياة ان تتدخل، لكن صوت مروان قطعها وهو ينظر من خلف الزجاج :
عشق ابتدت تفوق !!
اندفع الجميع إلى الداخل بلهفة، بينما حمزة زفر بضيق ثم استدار مغادرًا بلا اكتراث، لكنه تفاجأ بليان ابنة سارة أمامه في بهو المستشفى، نظرت إليه بقرف وبرود واضح، كانت على وشك الرحيل، لكنه أوقفها قائلاً :
بتعملي إيه هنا......؟!!
ردت عليه ليان دون أن تنظر إليه :
مايخصكش
همت بالانصراف، فسحب حمزة يدها بعنف، وقال بمكر :
انتي زعلانة من آخر مرة ولا إيه، المفروض متزعليش، انا قولت الحقيقة، والحقيقة ماتزعلش حد ولا اي
التفتت إليه ليان، وقالت باحتقار :
الحقيقة تزعل اللي زيك بس، إنما أنا لا......
أنا عارفة قيمة نفسي كويس أوي، وكلمة من واحد زيك عمرها ما تهز فيا شعره !!
بس الواضح إن كلامي هز كل شعرك، مش شعره واحدة بس
الدليل إنك واقف قصادي دلوقتي، بتحاول تجذني ليك عشان ترضي غرورك
أنهت كلماتها، وتركت المكان ببرود متعمد، بينما تشعر بلذة انتصارها، أما حمزة، فكان يحترق، إهانتها له كانت كصفعة، هو بالفعل كان يريد أن يعيد تلك النظرات القديمة، نظرات الإعجاب التي اعتاد رؤيتها في عينيها، لكنه لم يعد يراها منذ آخر مواجهة بينهما.......
في نهاية اليوم، علم أوس بما حدث لمهرة، لكنه لم يُبدي أي اهتمام، لأول مرة، شعر بالنفور منها، قلبه قسا عليها، لقد حطمت كل شيء بداخله بغدرها وخيانتها !!!
الكل عرف بما فعلته، وعندما وصل الخبر إلى مالك، صُدم سكنه صمت ثقيل، والانكسار واضح في عينيه، حتى ليلى كانت صدمتها في والدتها كبيرة، كبيرة جدًا.......
البيت كله غرق في الذهول وخيبة الأمل
لم يكن أحد قادرًا على الوقوف بجانب مهرة، النفور كان سيد الموقف، حتى أبناؤها
أما حمزة، فكان قلبه قاسيًا عليها جدًا،
لم يهتم، لم يفكر فيها من الأساس
شغله الأكبر كان حقيقته التي بدأت في الظهور للعلن
فلو تكلمت عشق ستنهار صورته تمامًا، وما خشى منه قد حدث، فما ما إن أستفاقت عشق حتى قصت كل شيء على ابيها الذي اشتعل غضبًا، اندفع إلى الفيلا كالعاصفة، وما إن رأى حمزة حتى لكمه بقوة !!!!!
اقترب منه آدم بسرعة يسأله بقلق :
في ايه يا بدر
صرخ بدر وهو يحاول الوصول إلى حمزة :
فيه إن الحيوان ده هدد بنتي.......
قص عليهم كل ما تفوهت به عشق، لتزداد صدمتهم
حمزة، نسخة طبق الأصل من والدته، وقف مالك صامتًا مذهولًا، ثم خرج بهدوء، قلبه مثقل بالوجع والهم !!
بعد شجار طويل، هدده بدر بوضوح، وعندما غادر، نظر آدم إلى حمزة باشمئزاز وقال :
لم هدومك وغور من البيت ده، مالكش مكان هنا بعد اللي عملته، اللي يقدر يعمل كده في بنت عمته، يقدر يعمل أكتر من كده في باقي بنات العيلة، غور بره لحد ما ابوك يفوقلك، هو اللي يقرر يعمل فيك اي
نظرات القرف والاشمئزاز كانت تطارده من الجميع، جعلته يشعر بالعار، لم يُظهر شيئًا......أو هكذا حاول
لكن بداخله، كان مقهورًا، مهزومًا، يشعر بالخسارة
يشعر أن مالك انتصر عليه مثل كل مرة !!!!!!
................
استفاقت مهرة لتجد نفسها وحيدة في غرفةٍ بيضاء باردة، لا شيء فيها يشبهها ولا أحد يشبه حياتها التي انهارت دفعةً واحدة، نظرت حولها باضطراب، فراش المستشفى، الأجهزة الصامتة، الجدران الخالية ولا أثر لأوس، ولا لأبنائها !!!
عادت إليها الذكريات دفعةً واحدة كصفعةٍ قاسية......
آخر مواجهة جمعتها بحمزة، صراخه في وجهها، نظرته الجافة التي لم تعرفها يومًا، ثم أوس الرجل الذي أحبها يومًا، وخرج من حياتها بقرارٍ حاسم بعد أن تهشم كل شيء بينهما
انفجر البكاء من صدرها بقهرٍ مكتوم، كأن روحها تفرغ ما تبقى من صبرها، لم تكن تتخيل أن يصل بها الحال إلى هذا الفراغ القاسي !!!
انفتح باب الغرفة ودخلت الممرضة، اقتربت منها بلطف سألتها عن حالها، ثم سألتها عمن يرافقها
ترددت لحظة قبل أن تقول بنبرةٍ عملية خالية من العاطفة :
حضرتك اتعرضتي لانهيار عصبي حاد، ومفيش غير ست واحدة كانت بره، هي اللي فضلت معاكي من امبارح
تجمدت مهرة في مكانها، واحدة فقط !!!
لقد اصبحت وحدها تمامًا !!!
قبل أن يكتمل تساؤلها، فُتح الباب مجددًا، دخلت منه فرح ابنة خالتها، بخطواتٍ مترددة، وعينين تحملان خليطًا من العتاب والخذلان، خرجت الممرضة، فتقدمت فرح أكثر وقالت بصوتٍ مكتوم لكنه قاسٍ :
استفدتي إيه بعد كل ده يا مهرة، كرهتي الكل فيكي بعد ما كانوا شايلينك فوق راسهم، كسبتي كره وعداوة من كل اللي حواليكي، حتى ولادك بقوا مش طايقينك، وأوس اللي حبك بجد، دلوقتي مبقاش يكره في حياته زيك، وطلقك بعد سنين طويلة جمعتكم، دمرتي أقرب الناس ليكي بإيدك، بسبب الغل اللي مالي قلبك.......
صمتت فرح فجأة، الكلمات خانتها، لم تعرف إن كانت تحتاج أن تضمها أم تتركها تواجه ما صنعت، اكتفت بنظرة طويلة، ثم استدارت وخرجت، تاركة الباب يُغلق خلفها بهدوءٍ موجع
ارتفع بكاء مهرة من جديد، بكاءٌ مبحوح، يختلط فيه الندم بالغضب، كانت تعض على شفتيها بقوة، كأنها تعاقب نفسها على كل ما فعلته
خسرت مالك، ذلك الابن الطيب الذي كان قلبه أحن عليها من الجميع، وخسرت حمزة ابنها الآخر، الذي قسا عليها وباعها لأجل نفسه، خسرت ابنتها واحترامها.......
خسرت أوس الرجل الذي كان وطنها الوحيد
خسرت كل شيء، ورغم كل ذلك
لم تستطع أن تنتزع الحقد من قلبها
كانت ما تزال ترى حياة سبب كل ما جرى، منذ اللحظة التي دخلت فيها سارة حياتهم، أو ربما لأن حياة كانت دومًا أفضل منها، أنقى، وأقوى، دون أن تحاول
أغمضت مهرة عينيها، والدموع تنهمر بصمتٍ ثقيل، بينما قلبها يتأرجح بين ندمٍ يمزقها وحقدٍ يرفض أن يموت !!!!!
............
رغم الحزن المُخيم على الجميع، ورغم الأثقال التي كان كل منهم يحملها في صدره، أصر آدم على إتمام كتب كتاب قمر ويونس، وصافي وإياد، في الأسبوع التالي، وجاء اليوم الموعود، فاستعد الجميع، لكن على غير العادة، غابت السعادة
لم يكن في القلوب زغاريد، ولا في الوجوه بهجة
العروستان كانتا تجلسان، لكن أرواحهما كانت مثقلة بالانكسار......
صافي تشعر بالذل والمهانة، وقمر لا تقل عنها وجعًا
كانتا في غرفة واحدة، جلست صافي على طرف السرير، ودموعها تنساب بصمت، كأنها اعتادت البكاء دون صوت
لمحتها قمر، وشعرت بوخزة الألم نفسها تنغرز في صدرها، اقتربت منها ببطء، وقالت بصوت خافت يحمل مواساة صادقة :
أنا حاسة بيكي
رفعت صافي رأسها، وقبل أن تُكمل قمر أي كلمة أخرى، انفجرت صافي بقهر مكبوت :
إنتي مش زيّي يا قمر، إنتي مش هتتجوزي واحد غدر بيكي واتخلى عنك وهو عارف كويس اوي اللي هتواجهيه. واحد سابني ومارجعش غير لما عرف إني حامل، يعني رجع مش عشاني، ولا علشاني اختارني رجع مجبور، جوازنا كله علشان غلطة !!
توقفت لحظة، وكأن الكلمات تخنقها، ثم تابعت بانكسار أشد :
عارفة يعني إيه تتجوزي تصليح غلطة، عمرك ما هتفهمي يا قمر
علشان إنتي مش مكاني، جوازك طبيعي، وهيكون مستقر إن شاء الله
إنتي مش زيي وإن شاء الله عمرك ما تكوني زيي ولا زي أي واحدة حاسة اللي أنا حاساه وبعيشه، ربنا ما يكتب الوجع ده على حد
ساد الصمت.......
كانت قمر تستمع وقلبها ينهار بصمت
لو تعلم صافي فقط، لو تعلم أنها تعيش الوجع ذاته، وأن زواجها هو الآخر لم يكن اختيارًا حرًا، بل محاولة فاشلة لترميم خطأ
نظرت قمر إليها، وعيناها تلمعان بحزن دفين، ثم قالت بصوت مكسور لكنه ثابت :
مكسورة وحاسة بالإهانة والقهر إن الأمور وصلت بيكي لكده
اليوم اللي أي بنت بتحلم بيه عدى عليكي وإنتي موجوعة، مش مبسوطة زي أي عروسة
الخطوة دي المفروض تكون بداية جديدة، حياة بتدخلها البنت وهي فرحانة بس إنتي داخلة وإنتي خايفة
تنفست بعمق وأكملت تخرج ما بداخلها :
خايفة من بكرة، ومن اللي ممكن يحصل، متلخبطة، وخايفة تاخدي أي خطوة وتندمي عليها
فقدتي ثقتك في نفسك وفي كل حاجة حواليكي
حاسة كأن في خنجر مسموم في قلبك، لا هو قاتلك فترتاحي، ولا سايبك تعيشي وتكوني مرتاحة، معذبك في الحالتين
قالت كلماتها، ثم استدارت بهدوء لتكمل تجهيز نفسها، وصافي بقيت مكانها، تنظر إليها بذهول
تعجبت من وصفها الدقيق، كأن قمر لا تواسيها فقط، بل تحكي وجعًا عاشته أو ما زالت تعيشه !!!
بدأت كل واحدة تستعد للحفل بملامح باهتة، وجوه خالية من الفرح، ممتلئة بالألم
في المقابل، كان الرجال على النقيض تمامًا
إياد كان يظن أن هذه الخطوة ستكون بداية حياة جديدة، وأنه سيتمكن أخيرًا من استعادتها، ويجعلها تسامحه
كان فرحًا، لكن فرحته لم تكن كاملة، يشوبها خوف خفي من أن يكون قد تأخر كثيرًا
أما يونس، فكان أكثرهم اندفاعًا
سعيد، لا يكاد يصدق أنها ستصبح على اسمه
كان قد عقد العزم ألا يتركها أبدًا، وأن يجعلها تحبه كما يعشقها هو
سيبذل المستحيل، وسيستغل فرصته جيدًا !!!!!
...................
كانت غنوة جالسة في المطبخ، تتصفح هاتفها الذي اشترته من راتبها الأخير، تحدق في الشاشة بملل، نزلت حياة بعد أن انتهت من تجهيز نفسها، وما إن وقعت عيناها على غنوة حتى ابتسمت بحنانٍ صادق، تشعر براحة غريبة تجاه تلك الفتاة تراها دائمًا تائهة، ساذجة، تتعامل مع الحياة ببراءة مؤلمة عاشت حزنًا كبيرًا، وتحاول التأقلم معه في صمت، ولم تكن حياة غافلة عن تلك النظرات الخاطفة المتبادلة بينها وبين مروان، مهما حاول الاثنان إخفاءها، كانت تفضحهما !!
اقتربت منها وسألتها بلطف :
ايه اللي مقعدك كده يا غنوة ؟
انتفضت غنوة قليلًا، وعدلت من جلستها وهي تنهض بتوتر :
مفيش يا هانم انا بس خلصت شغل، وكنت قاعدة شوية
ربتت حياة على شعرها بحنان، وقالت بابتسامة دافئة :
زهقانة من الشغل صح، الحبسة وحشة برده، وزمانك نفسك تخرجي تغيري جو
احمر وجه غنوة خجلًا، فهي بالفعل كانت تتمنى ذلك، لكنها لم تجد فرصة للرد حتى باغتتها حياة بسؤالها :
تحبي تيجي تحضري معانا حفلة كتب الكتاب؟
توترت غنوة، وتعقد لسانها :
مايصحش.....أنا....أنا.......
ابتسمت حياة لها، وفي تلك اللحظة دخلت عشق، وقد التقطت أطراف الحديث، فقالت بحماس :
تعالي معانا يا غنوة، هتنبسطي أوي، الجو هيبقى حلو
كانت غنوة لديها ألف سبب يمنعها، لا تمتلك ملابس مناسبة، حتى انها لا تستطيع مجاراتهم في عالمهم، فضلًا عن إحراجها الشديد، حاولت الاعتذار، لكن مع إصرارهما رضخت أخيرًا، لتتفاجأ بعشق تسحبها إلى غرفتها بحماس، وتبدأ في تجهيزها للحفل، انصاعت غنوة على استحياء، لتفاجأ بعشق تُخرج فستانًا أنيقًا، وتقول برقة :
ده فستان لسه جايباه امبارح، سبحان الله، شكله من نصيبك اللون ده هيبقى تحفة عليكي
ارتدته غنوة بخجل، وفي داخلها قرار صامت بأن ترد لها ثمن الثوب بهدية بعد الحفل......
بعد قليل، بينما كان الجميع ينتظر في الأسفل دون أن يعلم أحد بقدوم غنوة معهم، نزلت بخطوات مترددة، وما إن وقعت عينا مروان عليها حتى تجمد في مكانه، وانحبست أنفاسه بصدمة !!!
كانت أشبه بحوريةٍ خرجت لتوها من أسطورة،
فستانها الأزرق ينساب على جسدها كقبلةٍ طويلة،
يُلامس انحناءاتها برفق، كأنه يعرفها ويحفظ تفاصيلها
رقتها لا تُرى......تُحس،
تتسلل إلى القلب دون استئذان
شعرها الطويل الناعم، خيوط حريرٍ مسكوبة على كتفيها،
كل خصلةٍ منه كانت فخًا لعينيه،
سحرته حتى نسي كيف يُشيح بنظره،
كأن عينيه وُجدتا لتقيمَا فيها، لا لترحلا عنها
لاحظ الجميع ذلك، ما عدا عاصم الذي اطلق صفيرًا عاليًا، ثم قال مازحًا :
يخرب عقلك، مخبية الجمال ده كله فين؟!
ازداد خجل غنوة، بينما رمق مروان أخاه بنظرة غيرة حادة، فالتقط بدر الموقف سريعًا، لتقول حياة بهدوء :
غنوة هتيجي معانا كتب الكتاب
خرج الجميع، وركبت غنوة السيارة معه
كل قراراته التي حاول بها أن يبتعد عنها، تبخرت في لحظة،
ما إن رأى عينيها حتى استسلم......
استسلم لقلبه الذي لا يعرف الصبر، ونسِي كل شيء آخر
جلست إلى جانبه بصمتٍ خجول، تظاهر الجميع بعدم الانتباه
لكن عينيه لم تتركها لحظة،
كانت تتسلل إلى قلبه قبل أن تصل إلى عقله
غنوة بكل مرة، تسحره كالمسحور،
كأن هناك نداءً خفيًا يخرج من قلبها مباشرة لقلبه، ظل يختلس النظرات لها في صمت حتى أفلت لسانه دون وعي :
هو انتي إزاي حلوة كده؟!
ارتبكت غنوة، وأخذت تفرك يديها بتوتر، بينما شعر هو بالحرج، لكن قلبه ما زال يقوده، مد يده ليشغل المذياع فانطلقت الأغنية، كل كلمة فيها كانت معبرة عما يشعر به ولا يجرؤ على قوله أغلقها سريعًا، ليخيم صمت طويل حتى وصلا لقصر العمري.......
نزل أولًا، فتح لها باب السيارة بلباقة،
مد يده ليعينها، عندما لاحظ صعوبة مشيها بالكعب،
كادت أن تتعثر، لكنه أمسكها بلهفة
تلاقت أعينهما للحظة، كان الحب فيها واضحًا، صامتًا بلا مواربة، ابتسامة صغيرة، ونبضة قلب أسرع من الخطوات
اعتدلت غنوة، دخلت إلى الحفل، أما هو ظل ممسكًا بيدها،
يساعدها على السير، وقلبه يسبق خطواته، يتبعها بصمت،
يحفظها كما لو كانت كل العالم !!!!!
...........
كان اليوم مُعدًا ليكون حفلًا بسيطًا، اقتصر على الأهل والأصدقاء المقربين جدًا، مع إعلان في الصحف وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لكن صافي كانت في غرفتها، ترتعش من الغضب والنفور الذي يملأ قلبها، كلما فكرت بالنزول للأسفل، شعرت بغصة خانقة، كيف ستواجهه بعد كل ما فعله بها، كيف ستنظر العيون إليها، وكيف ستتحمل نظراتهم لها
لم تستطع أن تتحمل فكرة النزول......لم تستطع !!!
دخل عليها والدها، ووقف أمامها برفقة زينة، التي كانت تحاول السيطرة على دموعها من أجل بنتها، نظرت صافي إلى الأرض، وقالت برجاء :
مش عاوزة أنزل يا بابا، ارجوك، خليني هنا، مش عاوزه أشوفه، مش عاوزة أشوف الناس تحت، مش هقدر أواجه حد دلوقتي خالص
ثم نظرت إليه، وقالت بضعف وحرقة :
مش عاوزه أتجوزه يا بابا، عشان خاطري، بلاش، أنا مش عاوزاه، مش طيقاه، ولا طايقة أشوفه
حاولت زينة تهدئها قائلة بصوت حنون :
يا بنتي ما هو طلع ميعرفش حاجة، كل دي لعبة اتعملت عليكم انتو الاتنين
ردت عليها صافي بقهر، والدموع تنساب من عينيها بألم :
اللي اتعمل لعبة بس، ثقته فيا مكنتش لعبة، إنه يسيبني لوحدي ويهرب مكنش لعبة ابدًا، كل ده عمله بإرادته، محدش ضربه على إيده، وغصب عليه، انا مش عاوزاه، انا اللي مش عاوزاه دلوقتي يا بابا خليه يروح، بلاش الجوازة دي......
لم يتحمل آدم أكثر من ذلك، وصرخ عليها بغضب :
ده مش لعب عيال، انتي دلوقتي حامل، ومسؤولة عن طفل حقه ييجي الدنيا مرفوع الراس، مش جاي في الحرام....
ابنك اللي جي غلطة، كنتي انتي جزء منها، انتي اللي اختاريتي الزفت ده من البداية، واختارتي تكدبي، وتخبي علينا وتقابليه في السر، اختارتي تصاحبي بت زبالة زي اللي غدرت بيكي وخدرتك، وماسمعتيش نصيحة أي حد مننا، كان ممكن الحقك بس كدبك.......
صمت آدم للحظة، والحزن والقهر يعتصران قلبه، أما صافي فاستسلمت للدموع والم وجعها، وخرجت تلقائيًا من قلبها المتألم :
كنت مستنية منه يثق فيا، كنت مستنياه مايتخلاش عني
توقفت، ولم تواصل كلامها، فصرخ عليها آدم بحدة، متجاهلًا رجاء زينة :
ثقة ايه، وزفت ايه، تعرفيه منين الزفت ده، عرفتيه قد إيه عشان تحبيه وتثقي فيه، الثقة دي بتيجي من المواقف....
اي اللي عيشتيه مع الزفت ده، يخليكي تثقي فيه، وتستني منه إنه يعمل كده، اللي بينك وبينه كان لعب عيال واللي في بطنك هو اللي هيدفع تمن ده كله !!!
همست زينة برجاء، والدموع تنساب من عينيها بحزن :
كفاية يا آدم عشان خاطري، كفاية
صمت آدم قهرًا، وخرج من الغرفة، قائلاً لزينة بصرامة :
خليها هنا، متنزلش، وأنا هبعتلها الدفتر عشان تمضي
قالها وغادر دون أن يسمع اعتراض زينة، التي وجدت نفسها بين نارين، عاجزة عن فعل أي شيء، لم تتخيل يومًا أن تكون في موقف كهذا، أو أن تعيش بنتها كل هذا......
اقتربت من صافي، واحتضنتها بحنان، ودموعهما نزلت معًا صامتين، بقهر لا يوصف !!
...............
لم يستغرب أحد غياب صافي عن النزول، لكن إياد وحده فهم، فهم أنها لا تريد رؤيته، ولا تملك القدرة على مواجهته، يعرف ان معها كل الحق.......
كان يقف مكانه، منكسرًا، الخجل يلتهمه من الداخل، العيون من حوله لا ترحمه، نظرات احتقار واضحة، كأن الجميع يحمله ذنبًا أثقل من أن يُحتمل، تمنى في تلك اللحظة لو تنشق الأرض وتبتلعه
لأول مرة شعر بما كانت تشعر به، هو الغريب بينهم ويشعر هكذا، فكيف هي التي من دمهم....؟!
كيف عاشت كل هذا وحدها.....؟!
كان آدم ينظر إليه باحتقارٍ لم يحاول إخفاءه، وفي تلك اللحظة، لم يستطع أن يضع يده في يده ويسلمه ابنته
لم يستطع.....لكنه فعل، فعلها مجبرًا، والقهر ينهش صدره، لم يتخيل يومًا أن يسلم ابنته لرجل كهذا، وبهذه الطريقة المهينة، لكنه انصاع، مرغمًا، منكسرًا
كان جلال يقف جوارهم، يشعر بالعار والخزي، صداقة عمره مع آدم وإخوته تحولت في أعينهم إلى عداوة، وكل نظرة موجهة إليه كانت تحمل احتقارًا واضحًا
انتهى عقد قران صافي وإياد أخيرًا، وبمجرد أن أنهى المأذون كلماته، سحب آدم يده بنفور، ونهض من مكانه، ثم قال بصرامة :
ياسين مضي أختك !!!
جاء الدور على عقد قران يونس وقمر......
كان أدهم ينظر إلى قمر بحزن وحيرة، قلبه غير مطمئن، رغم محاولات الجميع لإقناعه، لم يرى في عينيها فرحًا، بل همًا ثقيلاً لا يفهمه، ولا يستطيع تفسيره، رأى حزنًا عميقًا، لكنه رضخ للأمر الواقع، وقبل أن يضع يده في يد يونس، نظر إليه برجاء وقال :
خلي بالك منها يا يونس
أومأ يونس برأسه، وقال بكلمات صادقة نابعة من قلبه :
دي روحي يا عمي
كان إياد يراقبهم، يتمنى لو عاش تلك اللحظات مع صافي
لكنه ضيعها بغبائه !!
مع كل كلمة ينطق بها المأذون، كان قلب يونس يخفق بعنف من شدة السعادة، لم يتخيل يومًا أن تأتي هذه اللحظة، أياً كانت الطريقة التي تمت بها
كان سعيدًا، سعيدًا لدرجة لم يستطع إخفاءها
أما قمر، فرسمت ابتسامة بسيطة من أجل الجميع
ابتسامة خاوية......
من الداخل، كان قلبها يبكي، ينزف، لا تصدق ما تمر به، ولا أن اسمها أصبح مرتبطًا باسم يونس، لا نوح !!
نوح الذي تمنت يومًا أن يكون شريك هذا اليوم
غدر بها، وتركها تواجه مصيرًا لم تختاره......
انتهى عقد القران، وعلت التصفيقات، ودوت الزغاريد في المكان، احتضن إلياس ابنه بسعادة وفخر
رغم ان بداخله شيئًا لا يفهمه، إلا انه كان واثقًا بابنه
سعيد لأنه تزوج من أحبها قلبه، يتمنى له حياة لم يعشها هو
تمنى ألا يكرر يونس أخطاءه، وألا يضيع من احبها،
كما فعل هو ذات يوم
.............
غاب أوس عن حفل عقد القران، وغاب معه حمزة، غيابٌ
كان أثقل من حضورهما
أما ليلى، فقد حضرت، وبرفقتها مالك الذي لم يأتي بدافع المجاملة، ولا الالتزام العائلي، بل جاء فقط ليرى عشق
حتى لو خلسة
منذ خروجها من المستشفى، وهو يتجاهلها
يتعمد ذلك، كأن النظر إليها يفتح جراحًا لم تندمل،
كأن صوتها قادر على إسقاطه أرضًا
كان موجوعًا منها، ومن كل شيء
كيف فعلت به ذلك.....؟!
كيف خبأت عنه كل هذا....؟!
كيف تركته مخدوعًا، أعمى القلب.....؟!
كيف لم تخبره عن مضايقات أخيه، عن تهديداته لها، وعن تقدمه لخطبتها......؟!
كيف كذبت عليه كل تلك الفترة وهو يظن أنه الأمان الوحيد في حياتها......؟!
وجعه لم يكن منها وحدها، بل من والدته التي غدرت به.....
كانت على وشك أن تخسره، هي الوحيدة التي اختارها
قلبه، وأحبها بجنون
التقت عيناه بعيني عشق، نظرة واحدة كانت كافية
الدموع تملأ العيون، والألم واحد.....
شعرت بوجعه، اخترقها كالسهم، لكنها رأت الرفض على ملامحه، الرفض لأي محاولة مواساة، لأي كلمة، لأي قرب
مع ذلك، الذكريات عصفت برأسه بعنف
كان يريد أن يركض إليها، أن يبكي في حضنها، أن يفرغ كل ما ينهشه من ألم وحزن
تماسكت عشق نفسها، واستغلت انشغال الجميع
سحبت يده بهدوء، واتجهت به نحو اصطبل الخيول، بعيدًا عن الأعين، كان مالك يسير معها في صمت، صمت أثقل من الكلام، حتى توقفت، نظرت إليه، وقالت بحزن صادق :
طلع كل اللي جواك يا مالك، عيط، كسر، اعمل أي حاجة بس سكوتك ده هيوجعك أكتر، وهيوجع قلبي عليك
كأنه كان ينتظر تلك الإشارة
كأنه كان يحتاج فقط لمن يسمح له بالانهيار
لم يشعر بنفسه إلا وهو يحتضنها بكل قوته، يبكي، ينتحب جسده يهتز بين ذراعيها
حاولت أن تُبعده عنها، لكنها لم تستطع، تمسكه بها كان يائسًا كالغريق الذي وجد آخر قشة نجاة
في النهاية، استسلمت، حين شعرت بثقل جسده وهو ينهار، ويسقط أرضًا معها، وما زال ممسكًا بها، يردد بصوت مكسور، مليء بالوجع :
ليه تعمل فيا كده يا عشق، ليه، دي أمي
كنت أتوقع الغدر من أي حد، من أي شخص، إلا هي
ولا عمري جي في بالي إنها ممكن تأذيني بالشكل ده
انتحب بقوة، وصوته يختنق :
كنت أقبل الغدر ده من حمزة، لكن منها هي لا
غدرت بيا وهي عارفة بحبي ليكي
كانت عاوزة تجوزك بالغصب لأخويل حمزة
مش بس كانت هتخليني أخسرك وأبعد عنك، لا دي كانت هتجوزك لأخويا، عشان كل ما أشوفكم سوا أنهار وأتقهر
صمت للحظات ثم تابع بصوتٍ منهك مليء بالألم :
انا تعبان أوي يا عشق، تعبان ومش عارف أعمل إيه
حتى بابا مش عارف أوصله
كانوا هيضيّعوا مستقبلي، ويضيعوكي مني
قلبي واجعني أوي، حاسس إن في حد بيدبحني بسكينة تلمة
ضمته عشق إليها، وبكت معه
بكاءٌ صاخب، موجع، كأنهما يفرغان كل ما بداخلهما من القهر دفعة واحدة
غير بعيد عنهما، كانت ليلى واقفة، تسمع كل شيء
قلبها يتفتت على أخيها، وعلى كل الغدر الذي يحيط بحياتهم
مقهورة من أمها، ومن يوسف، من أخيها حمزة......
حتى من نفسها !!
شعرت بالاختناق، والقلق يملأ قلبها على يوسف، المختفي تمامًا، لا أحد يخبرها عنه، لا مكالمات، لا أثر
لكنها كانت متأكدة أن تلك المكالمات المجهولة التي تصلها كل ليلة بعد منتصف الليل كانت منه
لم يكن يتكلم، لكنها كانت تسمع أنفاسه الثقيلة، ثم يغلق الخط، اعتادت تلك المكالمات، كانت تطمئنها أنه ما زال حيًا
لكن منذ يومين، انقطعت
قلبها لم يهدأ، فخرجت تتمشى في الحديقة، لعل الهواء يخفف عنها، وفجأة دون مقدمات، يدٌ قوية كممت فمها، وإبرة غُرست في عنقها بعنف
لم تُمهلها الصدمة حتى تصرخ
فقدت وعيها في لحظات
استغل ذلك الرجل المجهول انشغال الجميع، وحمل جسدها الساكن، ووضعها داخل ذلك الصندوق الخشبي حتى يستطيع الخروج بها من القصر !!!!!!!!
................
على جانب آخر من الحفل، كان مروان لا يزال أسير سحرها حسنها، نعومتها، وتلك الهالة الهادئة التي تحيط بها كلما اقتربت، جذبها برفق نحو حديقة القصر، فتبِعته غنوة باستسلامٍ كامل، كأن خيطًا خفيًا يشدها إليه.....
كانت عيناها معلقتين به، وقلبها يقود خطواتها دون وعي، بينما المشاعر المتيمة تعمي بصيرتها، فلا تميز بين الصواب والخطأ، ولا بين الحلال والحرام !!
أغمضت عينيها، تاركة نفسها لقيادته، وهو يحيط خصرها بذراعيه، يتمايل بها تحت ضوء القمر، يدور بها تارة في رقصةٍ خيالية كما تراها في الأفلام، رقيقة، ناعمة، مسحورة باللحظة، وكان هو الآخر مغيبًا، يعلم في قرارة نفسه أنها لا تناسبه زوجة، ومع ذلك سرق من قربها لحظاتٍ يحرمها عقله، ويستبيحها قلبه اللعين.....
انتصرت الرغبة على العقل، وجعلها تدور حول نفسها، حتى دار فستانها الأزرق معها، ثم استقرت بين ذراعيه، قريبةً منه إلى حدٍ أربك أنفاسها، لتسأله بعفوية، بصوتها الناعم :
هو انت بتعمل معايا كده ليه؟!
أعاد سؤالها مروان إلى أرض الواقع، فابتعد عنها فجأة، وأدار لها ظهره، يمرر يده على وجهه بضيق، ساخطًا على نفسه، على قلبه، وعلى كل شيء، اقتربت منه أكثر، وسألته برقتها المعهودة :
هو أنا بالنسبالك اي، ليه بتعمل معايا كده هو....انت....انت.....
قاطعها قبل أن تُكمل، قبل أن تنطق بالكلمة التي ستفتح أبوابًا لا يملك شجاعة عبورها، وقال بلهجةٍ حاسمة :
زمان الكل بيسألوا علينا، خلينا ندخل نشوفهم
قالها ومضى، فتبِعته وهي غارقة في حيرتها. لماذا يهرب؟! لماذا يفعل بها ذلك، دارت كلمات حبيبة في رأسها، وأخذ الشك يتسلل إلى قلبها، هل هو يتلاعب بها.....
فليس من المنطقي بعد كل هذا الاهتمام والتمييز أن تكون بالنسبة له مجرد فتاة عادية، وإن لم يكن كذلك، فلا تفسير سوى أنه يعبث بقلبها !!!
كانت في أمس الحاجة إلى ابنة خالتها، تريد أن تتحدث، أن تُفرغ ما في صدرها، أقسمت في داخلها أنها ستكون صارمة من تلك اللحظة، لن تتهاون، ولن تنساق خلف قلبها اللعين مرة أخرى......
ما إن دخلا حتى توجهت الأنظار نحوهما، وشعرت غنوة بالخجل والارتباك، وهو لم يكن أفضل حالًا منها، جلست بعيدًا عن الجميع، وفي الحقيقة لم يلحظها أحد، فالكل منشغل بهمومه، إلا أن مروان كان يراقبها خلسة، بنظرةٍ تجمع بين الحيرة والألم
جلست وحدها، متجاهلة النظر إليه، والحزن ينهش قلبها
كانت على وشك البكاء، لكنها تماسكت، لمعت عيناها بالدموع دون أن تسقط، ولم يغِب ذلك عن مروان، بدت له كطفلةٍ تائهة، فاعتصر الألم قلبه، ورغم عجزه عن تحظل رؤيتها حزينة، ازداد يقينه بأنها لا تصلح زوجة له
هو يريد امرأة ناضجة، تفهمه، تواكب عقله، يفتخر بها أمام الناس، لا فتاة تكره الظهور، وتتصرف بطفولية، لا، ليست طفولية فحسب، بل هب طفلة في الأساس، لا تناسبه
لاحظ بدر ما يحدث، واكتفى بالصمت، كان يعلم بتلك النظرات المتبادلة، ويعلم أن المشاعر متبادلة أيضًا
في ناحيةٍ أخرى، جلس إياد في صمت، رافضًا الرحيل مع أبيه الذي انسحب بخزي، وقف اقترب من آدم قائلاً برجاء :
أنا عارف إني غلطت، وعارف إن من حقك تعمل فيا اللي تعمله، بس لازم أشوفها، لازم أشوف صافي وأتكلم معاها، ولو لآخر مرة.....لازم أقولها إني بحبها
قاطعه آدم بحدة وهو لا يطيق النظر إليه :
خلاك تشك فيها وفي أخلاقها، اسمع يا ابن جلال، خد بعضك وامشي ورا أبوك، وإلا ورحمة أمي ما هتشوف نور الشمس تاني......
لم يستجب له إياد، واندفع صاعدًا الدرج، وسأل خادمة بسرعة :
أوضة صافي فين؟!
أشارت له الخادمة بارتباك وعدم فهم :
هي دي
دخل، لكن صافي كانت قد سمعت صوته، فأغلقت الباب قبل أن يصل إليها، أخذ يطرق على الباب قائلاً برجاء :
افتحي يا صافي، لازم نتكلم، انا غلطان، بس اسمعيني
صرخت من الداخل، بصوتٍ مختنق بالدموع :
امشي من هنا مش عاوزة أشوفك
رد عليها بحزن من خلف الباب :
غصب عني اللي حصل، انا بحبك يا صافي
جاءه ردها صارخًا مليئًا بالقهر، وهي تحطم مزهرية قريبة منها :
امشي قولتلك.....امشي بقى
تدخل آدم، وجذبه بعيدًا وصرخ عليه بغضب :
اياك تكرر اللي عملته ده، غور من وشي، وإلا قسمًا بالله العظيم ما هتشوف الشمس تاني......
غادر اياد مرغمًا بعدما سحبه ياسين بقسوة للخارج يشعر بالألم والندم على ما ارتكبه بحقها !!!!
بعد مغادرة الجميع، صاحت جوان باختفاء ليلى، بعدما وجدت شالها الممزق في الحديقة
طال البحث بلا جدوى، إلى أن كشفت الكاميرات اختطافها على يد أحد الحرس !!!!!
...........
على الجانب الاخر تعمد بدر أن يترك مروان وغنوة في سيارةٍ واحدة، بعدما لاحظ التوتر الخفي بينهما، وبالفعل، كان الصمت ثقيلًا، يخيم على المكان، لم يحتمل تجاهلها له أكثر من ذلك فقطع الصمت قائلاً :
ساكتة ليه؟!
جاءه ردها بعد لحظاتٍ طويلة من الصمت، بصوتٍ يحمل عتابًا مكتومًا :
انا ماسكتش انا سألت واستنيت جواب، بس انت اللي سكت مش أنا يا مروان باشا
أوقف مروان السيارة على جانب الطريق، والتفت إليها بهدوءٍ يخالف ما يعتمل داخله :
ايه اللي عاوزة تعرفيه؟!
ردت غنوة عليه بحزن واضح :
سؤالي كان واضح اوي، ومش محتاجة أسمعهولك تاني عشان ترد
تنفس بعمق، وقال بضيقٍ من نفسه ومن كل ما حوله :
سألتيني......انتي اي بالنسبة ليا؟
التفتت إليه فجأة، وحدقت في عينيه بحدةٍ امتزجت بضيق طفولي :
انت بتهرب ليه، وعامل نفسك مش فاكر السؤال، وإنت فاكر السؤال كويس اوي أهو
نفد صبره، وشعر أنها تحاصره بلا مفر، فصرخ بغضبٍ انفجر دفعة واحدة :
عايزة تعرفي؟ مش كده؟ ببساطة أنا.........
لم يُكمل، حيث فجأة، حاصرتهم عدة سيارات، انفتحت أبوابها في لحظة، ونزل منها رجالٌ كُثُر، هجوم خاطف، صراخ مكتوم، وأيد غليظة امتدت إليهم، دقائق معدودة، كان كل شيء قد انتهى، وغاب الوعي عنهم تحت أثر التخدير !!
بعد وقتٍ طويل، في مخزنٍ مهجور، على أرضٍ صلبةٍ باردة
كانت الأجساد الأربعة يوسف وليلى ومروان وغنوة مقيدة بإحكام !!!!!!
............
.......
استفاق يوسف ومروان في الوقت نفسه تقريبًا وقد بدأ وعيهما يعود تدريجيًا، بينما حاول كلٌ منهما استيعاب المكان الذي وُجدا فيه تبادلا نظراتٍ سريعة ثم اندفعا لمحاولة إيقاظ ليلى وغنوة التي ما إن استعادت وعيها حتى انتفضت فجأة كأن ذكرى ما حدث انغرست في ذاكرتها دفعةً واحدة وبدأت تبكي بفزعٍ شديد، وأنفاسها تتلاحق بعنف
اقترب منها مروان سريعًا، وحاول تهدئتها بصوتٍ حنونٍ هادئ وهو ينظر في عينيها بثبات :
غنوة بصيلي صدقيني مفيش حاجة هتحصل شوية والكل هيكون هنا وهنطلع من المكان ده متخافيش
نفت برأسها بسرعة، وعيناها ممتلئتان بالرعب وقالت بصوتٍ مرتجف :
أنا هنا ليه أنا معملتش حاجة وحشة في حد هما عاوزين مني اي عشان يجبوني هنا ؟؟
ردّ عليها بصوتٍ دافئ، يحاول بث الطمأنينة داخلها، حتى لو قليلًا :
انتي مش طرف في الموضوع صدقيني محدش يقدر يقربلك طول ما أنا موجود، متخافيش يا غنوة.....
مش إنتي بتثقي فيا
أومأت له دون تردد، وكأن كلماته كانت الحبل الوحيد الذي تتمسك به وسط خوفها، في تلك الأثناء، كانت ليلى تتابعهما بصمت، وعيناها تتوقفان عند غنوة بشفقة واضحة بدت الفتاة بريئة للغاية، كطفلة وجدت نفسها فجأة وسط عالمٍ لا يشبهها
أما يوسف، فكانت عيناه مثبتتين على ليلى يتأملها بنظرة ممتلئة بالاشتياق والحزن وكأنه يحاول التأكد أنها ما زالت أمامه، التفت مروان فجأة نحو يوسف، وكأنه انتشله من شروده حين قال بحدة نابعه من جهله لما يدور حوله :
إحنا بنعمل إيه هنا يا يوسف وإنت رجعت من السفر إمتى؟
تنهد يوسف بعمق، وارتسم الحزن على ملامحه، وقبل أن يجيب فُتح الباب وظهر من خلفه ذلك الرجل !!
كانت ملامح يوسف ومروان وليلى مشتعلة بالغضب، غضبٌ ثقيل عند رؤية آخر شخص كانوا يتوقعون ظهوره أمامهم.......
كان يوسف قد عرفه مسبقًا وكشف أمره، لكنه لم يتمكن من اتخاذ أي خطوة إذ أُحكمت السيطرة عليه في اللحظة نفسها فقال يوسف بغضب واشمئزاز وعيناه تقدحان شرًا :
كان لازم اتوقع ان اللي يخلف بنتين زي بناتك بالوس....دي مش هيقل عنهم في حاجة بالعكس ده انت طلعت أوس.....منهم بكتير !!!!
ابتسم طاهر، والد ريما وأروى، وهو يجلس بهدوء على كرسي وضعه أحد رجاله أمامه، ثم عقد ساقيه فوق الأخرى في ثقة باردة وقال بسخرية بعد لحظة صمت :
مع إني معترف إني كنت شاطر فعلًا في إني أفضل مستخبي كل السنين دي بس لازم أقولك حاجة يا يوسف. إنت في شغلك ذكي ومحدش يقدر ينكر ده إنما في حياتك إنت أكبر مغفل وأغبى واحد شُفته في حياتي......
زمجر يوسف بغضب وهو يحاول ان يقترب منه، لكن أحد الرجال أمسك به وأحكم قبضته عليه عندها تابع طاهر بسخرية لاذعة وببرود شديد :
كل الناس حذرتك من أروى وريما، وإنت كنت مصمم تبقى غبي نفسي أفهم إيه اللي كان فيها وشدك كده، إيه اللي خلاك تصدق ريما واروى أصلاً، إيه اللي فيهم يتحب، ده أنا اللي هو أبوهم مش شايف فيهم حاجة تخليك تضحي بكل ده عشانهم إلا لو كنت بطبعك قليل الأصل زي أبوك
صرخ مروان ويوسف في نفس اللحظة بغضب جامح :
اخرس يا كلب
زمجر يوسف بحدة وهو يتوعده :
إياك تجيب سيرة أبويا على لسانك الو.....ده وإلا........
قاطعه طاهر بسخرية وهو يضحك بخفة :
ماتتحمقش أوي كده بس، ما تنساش إنك أول واحد غلط في أبوه لو ناسي أفكرك يا بن الجارحي !!!!
جز يوسف على أسنانه بغضب، لكنه صمت في نفس الوقت مدركًا أن كلمات طاهر أصابت موضعها كان يعلم تمام العلم أنه مخطئ وأنه تصرف بتهور وانه تم خداعه.....
كلما تذكر كيف تم اللعب به من قِبلهم ازداد الغضب داخله حتى كاد يحرقه ويحرق كل من حوله
في تلك اللحظة، تدخلت ليلى بابتسامة ساخرة وهي تنظر إلى طاهر بتهكم :
وأنت بقى جايبنا هنا ليه، أوعى تقولي عايز تنتقم لبناتك أصل لو كنت فعلًا بتحبهم ومهتم بمصلحتهم من الأول، كنت ربيتهم كويس، مش طلعتهم بالو.....دي
ضحك طاهر ضحكة عالية، ثم قال بإعجاب واضح :
طول عمري معجب بذكائك يا ليلى تعرفي إنك خسارة فيه أنا لو معايا واحدة بذكائك وجمالك ده عمري ما كنت أفرط فيها عشان واحدة زي بنتي أروى
زمجر يوسف بغيرة وغضب، وهو يرى نظرات طاهر الوقحة تتفحص ليلى بلا أدنى احترام فاشتعلت عروقه وقال بحدة :
عينك من عليها بدل ما أخلعهالك وأخليك تحصل بنتك في تربتها !!!
ابتسم طاهر بسخرية باردة ولم يبدو عليه أي انزعاج ثم قال بهدوء مستفز :
بنتي اللي جبتك راكع تبوس رجليها عشان ترضى عنك
اشتد غضب يوسف أكثر ورد عليه بصوتٍ حاد :
برخصها بنتك عملت كل ده برخصها مفيش حاجة حارقاني قد إنها ماتت قبل ما أعرف حقيقتها كنت دفنتها حية بأيدي الاتنين دول واتلذذت بيها وهي بتموت قدامي بالبطيء
ضحك طاهر بسخرية خافتة وهز رأسه كأنه لا يأبه بكلماته :
ولا كنت هتقدر تعمل فيها حاجة يا يوسف افتكر بس إنك في ليلة واحدة في حضنها كنت بتنسى الدنيا واللي فيها وتقول آمين على حاجة تطلبها منك
صرخ يوسف بغضب أشد وصوته يهتز من شدته :
وياريتك بنتك الو.....قدرت ده كانت رخيصة وزبالة، كنت مستعد أجيبلها الدنيا تحت رجليها بس هي اختارت طريق الرخيص زيها
ابتسم طاهر ابتسامة خبيثة، وقال ببطء :
بس هي ما كانتش عايزاك أصلًا أنت كنت مجرد كوبري ليها عشان توصل لأبوك وأبوك كان عارف ده كويس ومع ذلك ماقالكش
ثم اقترب قليلًا وخفض صوته قائلاً بمكر أشد :
يمكن عشان فيه حاجة حصلت بينهم وخان الست الوالدة
في تلك اللحظة، انفجر مروان غاضبًا :
اخرس يا كلب سيرة أبويا ما تجيش على لسانك القذر احسن قسمًا بالله اقطعهولك
ضحك طاهر ببرود ورفع يده إشارة تهدئة وهو يقول :
اهدوا يا شباب مالكم بس ده الليلة لسه طويلة وأنا مش ناوي أبعتكم عند اللي خلقكم غير لما أعرفكم كل الحقيقة عشان ما تقولوش بعد كده عمو طاهر موتنا وإحنا على عمانا !!!
بكت غنوة برعب وصوتها خرج مهتزًا ضعيفًا من شدة الصدمة تنظر حولها بعدم تصديق :
تقتلنا ليه إحنا معملناش حاجة، القتل حرام وغلط كبير
ضحك طاهر ببرود ثم نظر إليها بمكرٍ واضح وقال بسخرية :
جيت معاهم بالغلط انت يا قمر بس وعد شرف مني مش هموتك معاهم
اقترب منها قليلًا، وخفض صوته وهو يهمس بجرأة مقززة جعلتها تنكمش على نفسها أكثر وتلتصق بمروان بخوف :
نتسلى مع بعض شوية الأول وبعد كده نشوف موضوع الموت ده إلا لو عجبتيني ساعتها ممكن نكمل سوا ونبقى دويتو هايل مع إني بصراحة مش بحب القطط المغمضة اللي زيك أنا بموت في القطط المخربشة اللي زي العسل
قال جملته الأخيرة وهو يوجه نظره إلى ليلى بمكرٍ واضح فاشتعلت نظرات مروان ويوسف غضبًا وغيرة بينما ردت ليلى عليه مباشرة بنظرة احتقار ثم بصقت تجاهه بقرف واضح !!
ضحك طاهر ببرود ثم توقف فجأة ورفع صوته قائلًا بحدة :
مااااااجد !!!
لحظات ودخل ماجد بخطوات واثقة وملامحه جامدة، لكن عينيه كانت معلقة بيوسف الذي نظر إليه باحتقارٍ وغضب فقد كان قد اكتشف الحقيقة الخائن كان أقرب شخص إليه صديقه القديم خانه بكل قسوة !!!!
ردد مروان بسخرية وهو يشتعل غضبًا :
عمري ما ارتحتلك من زمان وانا قاري كل الكره اللي في عينيك ده طلعت واطي زي ما قولت
ابتسم ماجد بسخرية، ورد عليه ببرود :
ليه بس كده يا مارو خليك مؤدب يا حبيبي انت هنا مش في بيت بابا عشان حد يحميك هنا الكلمة الغلط تمنها الموت فخاف على نفسك بقى
رددت ليلى بقوة ونبرة ثابتة :
مايخافش إلا الخسيس الواطي اللي زيك اللي يضرب من تحت لتحت عامل حبيب وهو حرباية بتتلون بمية لون وكله حسب مصلحته
خفض ماجد نظره نحوها ثم قال بسخرية ممزوجة بغضب مكتوم :
انتي سبب اللي هو فيه دلوقتي لو بس كنتي وافقتي عليا يوم ماجيتلك وقولتلك إني بحبك، كان زمان كل حاجة اتغيرت وكان زمان الأمور ماشية غير كده خالص
بس إنتي طول عمرك مش شايفة غير يوسف.....
يوسف وبس، كأن مفيش راجل غيره في الدنيا
أنا فضلت سنين عايش على أمل كلمة منك نظرة واحدة بس نظرة تحسسني إني موجود كنت مستعد أركعلك لو طلبتي كنت مستعد أعمل أي حاجة عشانك بس إنتي اخترتي تبقي عامية اخترتي تحبيه هو حبيتيه وهو باعك بالرخيص،ط كسرك وسابك، وبرغم كل ده لسه متمسكة بيه
إنتي إيه مش بتحسي مش بتتعلمي من غلطك
ثم تابع بحقد وألم :
أنا قعدت معاه سنين كان كل تفكيره إزاي يدمرك إزاي يكسرِك بس أنا كان كل تفكيري فيكي في يومك في ضحكتك في زعلك في كل تفصيلة صغيرة تخصك ومع ذلك من وإحنا صغيرين قلبك وعقلك كانوا معاه هو عمرك ما شوفتي غير يوسف ولا سمعتي غير صوته ولا حسيتي بحد غيره
مع إنك لو بس مرة واحدة بصيتيلي بصدق كنت هجيلك راكع تحت رجلك، وكنت هتغير وأبقى الراجل اللي إنتي عايزاه بس انتي غبية يا ليلى!!!
ردت عليه ليلى بسخرية مريرة :
دلوقتي لا هبقى ليك ولا ليه.....ولا لأي حد خالص
انفجر ماجد غاضبًا، وقال بحدة :
مبقاش فيه الكلام ده يا ليلى قدامك اختيارين مالهومش تالت يا تقبلي بيا وساعتها أسيبك تعيشي يا ترفضيني تاني بس ساعتها أنا اللي هقتلك بإيدي أنا مش هعيش نفس العذاب مرتين يا تبقي ليا أنا وبس.....يا ما تبقيش لحد خالص
ردت عليه ليلى بهدوء مستفز :
روح اتعالج من مرضك يا ماجد ده مش كلام ناس عاقلين خالص
فجأة، أمسكها ماجد من خصلات شعرها بعنف بينما صرخ يوسف ومروان محاولين التملص من القيود لكن دون جدوى
زمجر ماجد بغضب :
حد قالك إني عاقل أصلًا أنا مجنون بيكي يا غبية كنتي بتدوري ع الحب مع يوسف وأنا كنت قدامك عندي حب يكفي الدنيا كلها مش بس يكفيكي انتي
ارتجفت غنوة أكثر، ثم التفتت إلى مروان بعينين دامعتين وقالت بصوت مرتجف من شدة الخوف :
مروان أنا خايفة
نظر إليها مروان، وشعر بعجزٍ ينهشه، بينما دموعها بدأت تنهمر بصمتٍ مرير !!
خايفة من إيه بس يا قمر.....
قالها ماجد بمكرٍ شديد، وهو يتأمل غنوة من أعلى لأسفل بنظراتٍ وقحة مليئة بالإعجاب
بصقت ليلى نحوه بقرفٍ واشمئزاز، فالتفت إليها ماجد ببرود مستفز قائلاً ببساطة :
ليه كده بس يا بيبي دي نقرة ودي نقرة أنا صحيح بحبك، بس برده بحب نفسي ولازم أمتعها إن شاء الله لما نبقى متجوزين هبقى مخلص ليكي وبس
ثم أعاد نظره إلى غنوة، وعيناه تلمعان بمكرٍ فج، وقال بنبرة خبيثة اصابة غنوة بالذعر :
إنما دلوقتي خلينا مع القمر اللي نازل من السما ده
جاءه صوت طاهر حادًا كالسوط :
ماجد دي تخصني
انفجر مروان غاضبًا، ولم يترك لفظًا قاسيًا إلا وألقاه نحوهما وصوته يجلجل بالغضب :
جرى اي يا بن ال.....منك ليه، هتتعزموا عليها اقسم بالله اخزقلكم عنيكم انتوا الاتنين !!
ابتسم ماجد بمكر ثم اقترب من مروان حتى صار على بُعد خطواتٍ قليلة منه وقال بنبرةٍ مستفزة :
تعرف إني عمري ما كنت بطيقك
رد عليه مروان بقرفٍ واضح :
من القلب للقلب رسول
اتسعت ابتسامة ماجد بخبثٍ أشد، وقال بوقاحة :
بس واضح إن ربنا بيحبني عشان بعتلي الحاجة اللي اقدر أقهرك بيها وأكسرك قبل ما أموتك يا مارو شكل الأمورة دي غالية عليك أوي وخطفت قلبك يا ابن الجارحي
فهم مروان قصده وشعر بنار العجز تشتعل داخله خاصة مع تقييد يديه لاحظ يوسف ذلك، فتدخل قائلاً بغضب :
انت ما تعرفش تقهر حد غير بالستات عشان مش راجل ولا عمرك هتكون، نسيت يالا لما كنت تعمل مصايب وتيجي تعيطلي زي النسوان عشان أخرجك منها اللي بتعمله ده مش هيخليك راجل
ارتسمت على وجه ماجد ابتسامة شريرة والتفت نحو طاهر الذي كان يتابع المشهد باستمتاعٍ واضح :
طاهر باشا اللي تعوزه ما يغلاش عليك بس الضيوف دول ليا حساب معاهم وليك أحلى تعويض يليق بيك يا باشا
قالها وعيناه مثبتتان على غنوة التي تراجعت إلى الخلف تختبئ خلف مروان بينما زحف يوسف ووقف أمامها يحجبها عنه، أومأ طاهر بمكر، ثم خرج من الغرفة وهو يتمتم بنعاس :
تمام يا ماجد خلص، بس بلاش دوشة أنا عايز أنام ومتتأخرش عشان ليلتنا لسه طويلة مع القمامير
أومأ له ماجد وما إن خرج الجميع حتى تقدم نحو غنوة محاولًا جذبها بعنف حاول مروان ويوسف منعه بكل ما لديهما من قوة لكن القيود كبلتهما استطاع ماجد جذبها بعيدًا إلى آخر الغرفة بينما أخذت غنوة تزحف للخلف برعب وقلبها يخفق بعنفٍ داخل صدرها
في تلك اللحظة لمح مروان قطعة زجاجٍ مكسورة على الأرض فاندفع نحوها وبدأ يقطع الحبل المقيد به بكل ما يملك من قوة غير عابئ بالألم الذي مزق جلده بينما الدم بدأ يسيل من يده بغزارة وفي الجهة الأخرى كانت غنوة تدافع عن نفسها بيأس تحاول إبعاده عنها بينما ليلى ويوسف يحاولان إيجاد طريقة لإنقاذها وأخيرًا، انقطع الحبل، واندفع مروان نحوه بعنفٍ هائج وانهال عليه ضربًا بكل ما في داخله من غضب وذعرٍ مكبوت حتى ترنح ماجد وسقط أرضًا شبه فاقدٍ للوعي لكن مروان لم يتوقف.....
في تلك اللحظة، تحرك يوسف بسرعة وتمكن من تحرير نفسه ثم اندفع لفك قيود ليلى التي هرعت فورًا نحو غنوة تعانقها بقوة وهي تلاحظ ارتجاف جسدها وبكائها بانهيار
اقترب يوسف من مروان وأمسكه من كتفيه بقوة قائلاً بحدة :
فوق يا مروان إحنا لازم نخرج من هنا بعد كده تاخد حقك منه بس ده مش وقته ولا مكانه
كان مروان يتصبب عرقًا وصدره يعلو ويهبط بعنف وكلما تخيل ما كاد يحدث لغنوة ازداد غضبه حتى كاد يفقد السيطرة أما ليلى، فكانت تحتضن غنوة المنهارة تحاول تهدئتها، بينما اقترب يوسف منهما قائلاً بتعجل :
أنا عارف إن اللي حصل كان صعب بس دلوقتي لازم نركز لازم نخرج من هنا قبل ما نخسر أكتر من كده
ثم تابع بنبرة حزينة مليئة بالخزى والندم :
حقك عليا انا سبب كل اللي حصلك وحصلهم
أومأت غنوة برأسها، تمسح دموعها بيدٍ مرتجفة اقترب منها مروان بدون تردد احتضنها بقوة أمامهما فقط ليطمئن قلبه أنها ما زالت بخير تمسكت به غنوة بقوة وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها
تحرك الأربعة نحو الباب بحذر ولم يجدوا سوى حارسٍ واحدٍ يبدو أنه غلبه النعاس في مكانه تسللوا بحذرٍ شديد ثم نزلوا إلى الطابق السفلي فوجدوه شبه خالٍ لا يوجد فيه سوى خادمتين بينما كان معظم الحراس خارج القصر
تقدم يوسف أولًا نحو المطبخ وتركهم خلفه يبحث عن أي باب خارجي وبعد لحظات لمح بابًا يؤدي إلى الخارج
لكن فجأة، دخلت إحدى الخادمات نحوه وقبل أن تصرخ كان يوسف قد وضع يده على فمها يمنع صوتها حتى فقدت وعيها بين يديه، خرج بعدها إليهم، وأشار لهم أن يتقدموا بعدما تأكد من خلو الباب الخلفي
ببطءٍ شديد خرج الأربعة من الباب لكنهم تجمدوا في أماكنهم فجأة عندما دوى صوت رجلٍ من بعيد يصرخ بغضبٍ شديد انهم هربوا.......
اندفع الأربعة يركضون بعشوائية تتعالى أنفاسهم مع صوت الصراخ خلفهم حتى تفرقوا عن بعضهم بالخطأ وسط الظلام !!!
ركض الأربعة متفرقين في اتجاهات مختلفة بعدما اندفع الرجال خلفهم كالسيل تتعالى أصوات أقدامهم وصرخاتهم في المكان فتضاعف الرعب في القلوب
كان مروان متمسكًا بغنوة بقوة وكأنها طوق نجاته الوحيد بينما هي أصلًا لم تكن لتسمح لنفسها بالابتعاد عنه كانت متشبثة به بكل ما تملك من قوة أنفاسها متقطعة من الخوف أصابعها تغوص في ذراعه وهي ترتجف
أما ليلى، فكانت تجري بأقصى ما تملك من قوة وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها حتى لمحت مجموعة من الأشجار الكثيفة،فاندفعت نحوها بسرعة واختبأت خلف إحداها تنكمش على نفسها برعب وعيناها القلقتان تجوبان المكان بحثًا عن يوسف
في الجهة الأخرى كان يوسف قد اشتبك مع رجلين يتلقى الضربات ويردها بعنفٍ يائس حتى تمكن أخيرًا من الإفلات منهما بعد جهدٍ شاق انحنى سريعًا وانتزع هاتفًا من جيب أحدهما، ثم التقط سلاحًا ايضًا منهما ثم رفع رأسه، وبدأ ينظر حوله بقلقٍ متزايد يبحث بعينيه في كل اتجاه عن ليلى وقد سيطر عليه خوفٌ حقيقي عليها أخذ يركض بين الأشجار يفتش عنها بعينين مذعورتين حتى لمح ظلها مختبئة خلف إحدى الأشجار اقترب منها بحذرٍ شديد ثم دار حولها فجأة ووضع يده على فمها سريعًا قبل أن تصرخ
برقت عيناها بذعر، وكادت تضربه دفاعًا عن نفسها لكنها ما إن وقعت عيناها على ملامحه حتى هدأت قليلًا خاصة عندما همس لها بصوته الخافت ذلك الصوت الذي تحفظ نبرته عن ظهر قلب :
أنا يوسف.....متخافيش
أومأت له بسرعة، وأنفاسها ما زالت متلاحقة، بينما همس لها مجددًا وهو يلتفت حوله بحذر :
لازم نطلع من هنا من غير صوت عشان نلاقي مكان نستخبى فيه ونحاول نتصل بحد، أنا أخدت تليفون وسلاح بس لازم نستخبى الأول، وبعدين ندور على مروان وغنوة كمان
أمسك بيدها وسحبها معه، وتحركا بحذرٍ شديد بين الأشجار كان الرجال قد انتشروا في كل مكان، يتفحصون الزوايا يبحثون عنهم بلا توقف، هذا ما جعل التوتر يتضاعف مع كل خطوة لهما
استمر الاثنان في السير لمسافة طويلة، حتى لمحت أعينهما مبنى قديمًا مهجورًا تبادلا نظرة سريعة ثم اندفعا نحوه دخلاه بحذر شديد
على الناحية الأخرى كان مروان يركض بكل ما أوتي من قوة ممسكًا بيد غنوة التي كانت تلهث خلفه، وقد ابتعدا كثيرًا عن الرجال حتى وصلا إلى خارج حدود المنطقة تقريبًا
لكن فجأة تعثرت قدم غنوة، وسقطت أرضًا بقوة
توقف مروان فورًا، وانحنى نحوها بسرعة وملامح القلق بادية بوضوح على وجهه يسألها بلهفة :
انتي كويسة
رفعت رأسها نحوه، وعيناها ممتلئتان بالدموع، وأنفاسها متلاحقة من شدة الركض، وقالت بصوتٍ باكٍ لاهث :
رجلي مش قادرة منها خلاص
نظر إليها مروان بشفقة وقد انقبض قلبه لما أصابها بسببهم شعر بوخزٍ قاسٍ من الذنب وهو يراها على تلك الحالة لكن لم يكن هناك وقتٌ للحديث أو التردد الخطر كان يلاحقهما، وأي توقف يعني نهايتهما معًا لذلك انحنى سريعًا حملها بين ذراعيه، ثم اندفع راكضًا بكل ما يملك من قوة قلبه يخفق بعنف وهو يدعو أن يجد طريقًا آمنًا
لم يكن هناك أي أثرٍ ليوسف أو ليلى، ولا حتى ما يدل على اتجاههما، فازداد قلقه مع كل خطوة وفجأة، توقفت أمامه سيارة سوداء بشكلٍ مفاجئ فقطعت عليه الطريق انفتح بابها سريعًا ونزل منها رجلان ركضا باتجاهه، لم يمنحهما مروان فرصة تظاهر بأنه يُنزل غنوة من بين ذراعيه وكأنه استسلم لكن ما إن لامست قدماها الأرض حتى تحرك بسرعة خاطفة ووجه ضربة قوية للرجل الأقرب إليه فسقط الرجل متألمًا وانفلت السلاح من يده
التقط مروان السلاح بسرعة ورفعه نحو الرجل الآخر لكن في لحظة ارتباك خرجت رصاصة من سلاح الرجل الثاني وأصابت ذراع مروان، اهتز جسده من أثر الإصابة، بينما صرخت غنوة بصوتٍ مرتجف مليء بالخوف والذعر :
مرواااااان !!
في تلك اللحظة، كاد ان يقترب الرجل من غنوة لكن مروان لم يمنحه فرصة فأطلق عليه النار ليسقط على الفور دون أن يتمكن من الاقتراب، فعل نفس الشيء مع الرجل الاخر الذي يتلوى ارضًا......
ساد صمتٌ ثقيل للحظات، لا يُسمع فيه سوى أنفاسهما المتلاحقة، اقترب مروان من غنوة سريعًا وساعدها على النهوض، ثم أدخلها إلى السيارة، وبعدها انحنى والتقط هاتفًا من أحد الرجلين، وفتحه ببصمة الإصبع، ثم جلس خلف المقود وانطلق بالسيارة مسرعًا.......
كانت عيناه تتحركان في كل اتجاه، يبحث عن أي أثرٍ ليوسف أو ليلى، لكن دون جدوى
بعد مسافةٍ توقف في مكانٍ بدا أكثر أمانًا أمسك الهاتف بسرعة وتواصل مع والده، ثم أرسل إليه موقعه
ما إن أنهى الاتصال، حتى تنهد بارتياحٍ واضح، وكأن جزءًا من الخوف انزاح عن صدره. أغلق أبواب السيارة بإحكام، وأسند رأسه للحظة إلى المقعد يتنفس بعمق محاولًا استعادة هدوئه بينما الألم في ذراعه يزداد
انفجرت دموع غنوة في رعب، وعيناها تراقب بفزع بقعة الدم الحمراء التي تمددت بغزارة على ذراع مروان، بعد أن نجحا أخيرًا في الإفلات من قبضة الرجال الملاحقين لهما، راحت تتفحص جرحه بيديها المرتعشتين، وقلبها يكاد يتوقف من شدة القلق !!!
كانت تبكي بنحيب مخنوق، ترتجف من الرعب والفزع الذي تملكها، بينما كان مروان يتناسى ألمه ليحتويها بكلمات دافئة :
غنوة....أنا كويس....اهدي ماحصلش حاجة
نفت برأسها بعنف، عيناها جاحظتان تتوهان في كل زاوية من السيارة، تستدعيان لحظات الرعب التي عاشاها كانا على شفا الهاوية، قاب قوسين أو أدنى من الموت !!
خرجت كلماتها عشوائية، متقطعة :
هيرجعوا.....هنموت....دم.....وانت بتنزف....ماتسبنيش، انا خايفة اوي
بصعوبة، تحامل مروان على الألم النابض في كتفه المصاب، سحبها إليه بعناية، نظر في عينيها المليئتان بالدموع، وقال بنبرة حملت كل الدفء والحنان بالعالم :
غنوة
رفعت نظرها إليه، كانت دموعها تبلل وجهها حتى أن خصلات شعرها التصقت به، رفع مروان يده السليمة برقة لا توصف، أبعد بها الخصلات عنه، وهمس بنظرات مليئة بالحب :
انا كويس، ده جرح بسيط خالص، متخافيش، الكل جاين في الطريق عشان يساعدونا، إحنا خلاص في أمان، وبعدنا عنهم
لكنها لم تتوقف، استمرت في البكاء بقوة، عاجزة عن نسيان الكابوس الذي عاشته قبل قليل.....
كيف كادت تفقد أغلى ما تملك؟
كيف كادت ان تفقد شرفها لولا تدخل مروان في اللحظة الأخيرة، وكيف كادا ان يموتان؟
انتفض جسدها برعشة عنيفة وهي تتخيل منظر الجثث المتناثرة في الأرض وصوت الرصاص الذي حاصرهما من كل اتجاه !!!
لم يجد مروان حلًا إلا أن يجذبها بقوة أكبر إلى صدره، ليرمم خوفها بوجوده، وظل يهمس بكلمات حنونة، كلها احتواء، فتشبثت به غنوة بعنف، ثم انهارت في بكاء مرير، أطلقت فيه كل ما كبتته من رعب !!
بعد وقت غير معلوم، رفعت رأسها ببطء، ما زالت تتكئ على صدره، وسألته بصوت متحشرج :
أنت كويس بجد؟
اكتفى بأن يمرر أنامله على وجنتها، يمسح دموعها برفق،
تلاقت نظراتهما في صمتٍ يضج بما عجز اللسان عن قوله،
ارتجافتها لا تهدأ، وصدره ما زال يعلو ويهبط بألمٍ مكتوم....
ألم الجرح، وربما أيضًا شيئًا ظل يهرب منه طويلًا،
شعورٌ نافذٌ حاول أن ينكره، وحقيقةٌ دسها بداخله، معتقدًا
أنه قادرٌ على الفرار منها
لكنها الآن، بهذا القرب، بهذا الخوف الذي غمر ملامحها، وهذا الرجاء المرتجف في عينيها، انهارت حصونه التي شيدها بالصمت، وفقدت المقاومة معناها، ةفي النهاية، لم يقدر أن يصمد أكثر، وانطلق لسانه بما ظل يهرب منه ويخفيه،
بما كان يحاربه في قلبه ويُخفيه في صدره، حتى خضع للحقيقة التي لم يعد يستطيع إنكارها، وقال بحبٍ صادق نابع من أعماق قلبه :
أنا بحبك
لم تُمهلها الصدمة وقتًا لتلتقط أنفاسها، إذ التصقت شفاهُه بشفتيها العفيفة في قبلة لن يمحوها العمر من ذاكرتهما، قبلة حملت وجع الشوق، وارتباك، وحيرة، وخوف الاعتراف.....
قبلة أفرغ فيها كل ما حاول طيلة الأيام كتمانه
أما هي فغدت كتمثالٍ مندهش، لم يطاوعها الجسد على حركة، ولم يسعفها العقل بكلمة
تباعد عنها لبرهة كأنما يستعيد أنفاسه، لكنه لم يقوى على الصمود، فعاد إليها بقُربٍ أشد، وأعمق، كأن قلبه يأبى الفكاك منها، شدها إليه بقوةٍ خفية، وهي رغم ذهولها لم تجد في نفسها قدرة على الرفض، كأن الفرح بقربه سبق اعتراض المنطق، وكأن روحها في لحظة ضعف......
مالت إليه دون إرادة !!
ما حدث كان خطأً جسيمًا، وذنبًا لا يُغتفر، فقد اندمجت أرواحهما في لحظة نسيَا معها كل الحدود، كل القواعد، وانها ليست زوجته، ما فعلاه لم يكن لهما الحق فيه ابدًا !!!
..........
على الجهة الأخرى عند يوسف وليلى.....
خيم الصمت الثقيل على المكان، صمتٌ يضج بصدى كلماتٍ
لم تُقال بعد، بعد أن أرسل يوسف إحداثيات موقعهما لوالده سكنت الحركة إلا من نظراتٍ متمردة تخون أصحابها فتلتقي الأعين في منتصف الطريق لتنسج خيوطاً من العتاب والقهر كانت عينا ليلى تفيضان بلومٍ قاسي، بينما غرق يوسف في بحرٍ من الندم والتمني....
قطع يوسف ذلك الحبل المشدود بنبرةٍ متهدجة، تملؤها الانكسار والصدق الذي جاء متأخراً جداً :
أول مرة أحس إني بحبك أوي يا ليلى، أول مرة أحس إني عمري ما حبيت غيرك، وأني كنت غبي بجد عشان بصيت تحت رجلي وضيعتك من بين ايدي
ردت عليه ليلى، وصوتها يرتجف كوترٍ أوشك على الانقطاع رغم محاولتها البائسة للتماسك :
وأنا أول مرة أحس إن سنين عمري ضاعت ع الفاضي في حب ميساهلش أول مرة أحس بالكسرة دي، والفضل كله يرجع ليك
ردد يوسف بلهفة :
ما عاش ولا كان اللي يكسرك.....حتى أنا
أشاحت بوجهها عنه، فمد يدهُ بوجل، يمرر أصابعه على وجنتها ليجذب وجهها نحوه، لكنها انتفضت مبتعدة عنه وكأن لمسته جمرةٌ تحرقها، وقالت بجمود :
ماتقربليش متنساش إننا اتطلقنا خلاص، مابقاش ليك حق تلمسني
أطرق رأسه اعتذاراً، فاستطردت ليلى قائلة بحسرة مزقت نياط قلبه :
جيت متأخر يا يوسف، جيت بعد ما نهيت كل حاجة بإيدك
رأى في عينيها دمعةً صامتة، سقطت كقطرة ندى على أرضٍ محروقة، فسألها برجاءٍ يائس :
طب ليه دي ما تكونش النهاية دي بداية جديدة لينا، ليه منقومش ونحاول تاني طالما الحب لسه بينا موجود
صمت للحظات ثم تابع بحماقة :
ولا إنتي....إنتي كرهتيني يا ليلى؟
ساد صمتٌ طويل، تجمدت فيه الأنفاس، قبل أن تجيبه بنبرة يفيض منها عشقٌ معذب :
بعشق النفس اللي بتتنفسه، للأسف قلبي عمره ما عرف غير حبك يا يوسف
انتعشت روحه لثوانٍ، وتراقصت السعادة في عينيه، لكنها سرعان ما تلاشت كالسراب حين أردفت بحزنٍ عميق :
بس قلبي حب قلبك اللي عمره ما عرف يحب ولا عرف يصون !!
جثا يوسف على ركبتيه أمامها، كعابدٍ يرجو الغفران، وقال بتوسل :
طب علميني....علميني إزاي أعمل كل ده، امسكي بإيدي مرة أخيرة بس يا ليلى وأنا والله هتعلم وهتغير، علميني كل اللي فشلت فيه، واعملي مني إنسان تاني إنتي تحبيه
يا لجهله....!!
لم يدرك أنها كانت تعشق عيوبه قبل مميزاته، وأنها أحبته بكيانها حتى النخاع، لكن جرحها منه كان أعمق من كلمات التوسل تراجعت عنه، وقفت بعيداً بقلبٍ أعيته الخيبات قائلة بيأسٍ قاطع :
الطبع غلاب
أطبق على يدها بقوة هذه المرة، مانعاً إياها من الابتعاد :
صبرتي عليا كتير واستحملتي مني اللي محدش يستحمله يا ليلى ويوم ما أفوق وأتغير، ليه مش قادرة تصدقيني
انفجرت ليلى بالبكاء، شهقاتها تقطع نياط الصدر :
عشان تعبت ومش حمل صدمة تانية سنين وأنا تايهة فيك يا يوسف وجعت قلبي وكسرت فيا حاجات عمرها ما هتتصلح خلتني مش عارفة أحبك ولا أكرهك، ونفسي أهرب منك ومن حضنك وفي نفس الوقت نفسي أترمى فيه ربنا عالم بيا، وزي ما شاف اللي عملته فيا، إن شاء الله هينتقملي منك أشد انتقام !!!!
تراجع يوسف برهبة، والدموع تملأ وجهه :
ماتدعيش عليا يا ليلى أنا خايف من ربنا اوي، خايف من كل ذنب عملته وشيطاني كان عاميني......
بكى يوسف بصمتٍ موجع يمزق الروح، بينما ظلت ليلى تراقب انكساره بقلبٍ مثقل قلبٍ ما زال عاجزاً عن الغفران لكنه جائعٌ للحظة سكن وأمان وفي تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن، ورغم إدراكهما ان كل ما يحدث هو عبارة عن خطأ وذنب كبير، اندفع يوسف ليعانقها باحتياجٍ وحرمان !!!
حاولت دفعه في البداية بوهن، لكن حصونها انهارت أمام سطوة الحنين، فاستسلمت واحتضنته بقوة زلزلت كيانهما تعانقا في صمتٍ طويل، لم يكن يقطعه سوى صوت شهقاتهما المكتومة ونحيب أنفاسهما المتسارعة......
عناقٌ يجمع بين القهر والاشتياق، كأن في هذا العناق الممزق يجدون موطناً ضائعاً لا يستطيعون العودة إليه، ولا يقدرون على تركه !!
.........
تحرك بدر وآدم وأوس وجميع رجال العائلة وخلفهم عددٌ هائل من الرجال بدا المشهد كموكب مهيب....
كانت الخطوات متسارعة، والوجوه مشدودة، والقلق والذعر مسيطر عليهم جميعًا !!
بعد وقت ليس بقصير لاح لهم من بعيد طيف سيارة مروان مصطف على جانب الطريق في سكونٍ مريب، توقفت السيارات دفعةً واحدة، لكن بدر لم ينتظر أحدًا اندفع يجري نحو سيارة ابنه بخوف شديد، وقلبٍ يسبق خطاه يدعو الله ان يكون طفله بخير لكنه ما إن اقترب وأطل داخل السيارة حتى تجمد في موضعه، وقد صُدم بما رآه
فقد كان مروان قريبًا من غنوة للغاية ووضعهما بدا مخزيًا على نحوٍ موجع حتى تجمد بدر في مكانه وقد سقط منظرهما على قلبه بثقلٍ قاسٍ لكن بسرعة وفي لحظة حاسمة وقبل أن يقترب أحدٌ من الرجال ويرى ما رآه، رفع بدر يده بإشارةٍ حازمة أوقفت الجميع في أماكنهم......
تبادل الرجال النظرات وقد انعقدت الدهشة على ملامحهم،ط لكن صرامة بدر جعلتهم يتراجعون دون سؤال !!
تقدم بدر خطوة أخرى، وطرق على زجاج السيارة طرقًا عنيفًا دون ان ينظر لداخلها مرة أخرى
زفر مروان باضطراب شديد ومرر يده على وجهه كأنه يحاول محو اللحظة من ذاكرته، بعدما استوعب أخيرًا ثِقل ما كان فيه. تجنب النظر إلى غنوة، ثم إلى أبيه لا يعرف ماذا حدث شيئًا داخله قد اختل، عقله قد غاب عنه تمامًا، ولولا وصول أبيه والرجال في ذلك التوقيت لقد قد أضاع الفتاة بسبب لحظة تهور وضعف منه ومنها !!!!
أمّا غنوة، فبقيت داخل السيارة، تنكمش في مقعدها، والدموع تنساب على وجنتيها في صمتٍ موجع
كانت تشعر بمرارةٍ قاسية تعتصر قلبها، تؤنب نفسها بحدة تجلد روحها على لحظة ضعفٍ لم تحسن تقديرها
أخذت تعدل هيئتها بيدٍ مرتجفة، ومسحت شفتيها بخزى كأنها تحاول محو أثرٍ يلاحقها، وقد تمنت في تلك اللحظة لو تنشق الأرض وتبتلعها من شدة العار الذي تشعر به.....
لكن الهمهمة بين الرجال تعالت فجأة حين وقع نظرهم على الجرح في جسد مروان، اندفع ريان نحوه سريعًا يتفحصه بقلق، ثم قال بلهجةٍ حازمة مطمئنة :
اهدوا يا جماعة الجرح سطحي وبسيط الحمد لله مفيش حاجة تقلق.....اطمنوا
تنفس الجميع الصعداء، لكن الغضب ظل مشتعلاً في صدر بدر كجمرٍ يرفض الانطفاء بينما مروان فتح باب السيارة مجددًا يساعد غنوة على النزول بصمت ثم أخذها معه وصعد بها إلى سيارة أخرى بعدما أمرهم والده بالعودة مع خاله ريان بسبب جرحه ومعهم بعض الرجال لحمايتهم
تحركت السيارات من جديد، متجهة نحو المكان الذي يوجد فيه يوسف والذي لم يكن يبعد سوى دقائق قليلة لكنها مرت عليهم كأنها زمنٌ طويل مثقلٌ بالقلق والخوف !!
ما إن وصلوا ودخلوا المكان حتى اصطدموا بيوسف وليلى متعانقين بقوة، وصوت بكائهما يرتفع في المكان كأنينٍ يقطع نياط القلوب، اشتعلت عينا أوس بغضبٍ حارق، لكنه كبح ثورته بصعوبة، وأجبر نفسه على التماسك، ثم اندفع نحو ابنته يضمها إلى صدره بلهفة جارفة وكأنه يستعيد جزءًا من روحه كان على وشك الضياع
في تلك اللحظة، مسح يوسف دموعه سريعًا، وقد شعر بثقل العيون المعلقة به عيونٍ تمتلئ بالشفقة، وأخرى بالعتب وثالثة بالصمت المؤلم، لكن قلب الأب لا يعرف القسوة حين يرى ابنه منكسرًا اقترب بدر من يوسف، متناسيًا ألمه وغضبه، متجاهلًا الجرح الذي تركه ابنه في قلبه، ومد ذراعيه نحوه....
احتضنه بقوةٍ مرتجفة، كأنه يخشى أن يفقده مجددًا
بادله يوسف العناق، قائلاً بصوتٍ خفيضٍ مرتجف، لم يسمعه سوى والده :
سامحني.....بالله عليك يا بابا
ظل بدر صامتًا، صمتٌ ثقيلٌ يحمل في طياته وجعًا عميقًا وعتبًا مكتومًا، وخوفًا لم يهدأ بعد
ثم التفت هو وآدم في اللحظة ذاتها، وقالا بصوتٍ صارمٍ لا يقبل النقاش :
هترجعوا انتوا الاتنين مع الرجالة، احنا لقينا مروان وغنوة بس بعتناهم مع الرجالة وخالك ريان عشان مروان اتصاب في دراعه.....واحنا هنكمل الباقي
انتفض يوسف بخوف على شقيقه لكن الجميع طمأنه، ساد صمتٌ قصير، قبل أن يقطعه أمير بنبرة حاول أن يجعلها مرحة لكنها خرجت باهتة مثقلة بالتعب :
واضح إننا هنرجع لأيام الشقاوة تاني بس المرادي اللعب تقيل
بعد جدالٍ قصير، انصاع يوسف للأوامر، وعاد بالفعل برفقة ليلى مع بعض الرجال بينما بقي الآخرون خلفهم، وعيونهم تشتعل بشر صامت
بعد وقت قصير وصلت الشرطة، وبدأت مع الرجال تمشيط المنطقة بأكملها، لم يطل الأمر كثيرًا حتى تمكنوا من اللحاق بـطاهر قبل أن ينجح في الفرار، بينما أُصيب ماجد برصاصة في ظهره وهو يحاول الهروب، فسقط أرضًا !!!!
كانت ليلة طويلة، ثقيلة، استنزفت الأرواح قبل الأجساد
ليلة انتهت بصعوبة بالغة وكأنها معركةٌ هدأت نيرانها أخيرًا بعد صراعٍ مرير
لكنهم وسط شعورهم بأن الخطر قد انتهى
لم يكونوا يدركون أن ما ينتظرهم ربما أقسى وأوجع وأن الوجع القادم أكبر مما مضى......
فصاحب اليد العليا بكل تلك الكوارث لم يقع بعد !!!!
...........
مع شروق الشمس وبداية الصباح، وبعد يوم طويلٍ انتهى بالكاد كان الجميع يلتفون حول يوسف وليلى ومروان يطمئنون عليهم ويحاولون استيعاب ما حدث
أما غنوة فقد اختبأت داخل غرفتها بفيلا بدر رافضة الخروج كلما تذكرت ما حدث كانت تبكي بانهيارٍ شديد يعتصر قلبها خزيٌ وخوفٌ لا يفارقها !!!
لكن لحظة الهدوء تلك لم تدم طويلًا......
حيث فجأة دخل نوح بخطواتٍ غاضبة متسارعة نحو الجميع المجتمعين في فيلا آدم الكبيرة بعد ان نجح اخيرًا في الهروب من رجال يونس
كانت ملامحه مشتعلة بالغضب، وعيناه تقدحان شررًا
اتجه مباشرة نحو أدهم، بينما تجمد يونس في مكانه بقلقٍ واضح من القادم وكذلك قمر التي كانت ترتجف حرفيًا تستشعر عاصفة على وشك الانفجار
اقترب أدهم وسليم من نوح بغضب مستعدين للاشتباك لكن نوح أوقفهما قائلاً بنبرةٍ مليئة بالمكر والتشفي، وهو ينظر إلى يونس وقمر بغلٍ واضح :
اهدى بس يا أدهم يا جارحي وفر الضرب ده لحد تاني هتحتاجه صدقني، خليه للي يستاهله
لم ينتظر يونس لحظة واحدة، بل اندفع نحوه ووجه له لكمة قوية يعلم مسبقًا ما الذي ينوي قوله
لكن نوح ردها سريعًا، ليندلع شجارٌ عنيف بينهما تبادلا فيه الضربات بعنف وغل بينما وقف الجميع مذهولين مما يحدث
وقفت قمر مكانها متسمرة، تنظر إلى نوح بذهولٍ ورعب بل بقهرٍ وخيبة أملٍ وخذلان ايضًا وهي ترى الشر يتطاير من عينيه نحوها وفي لحظةٍ حاسمة، تدخل أدهم وأمسك بمقدمة ملابس نوح بغلٍ واضح، يحدق فيه بنظراتٍ مشتعلة بالغضب
ابتسم نوح بسخرية وقال بتهكم :
ما قولتلك وفر المجهود ده للي يستاهله
دفعه أدهم بعيدًا، بينما ظل الجميع في حالة ارتباكٍ تام، غير قادرين على فهم سبب الشجار العنيف بين يونس ونوح بدأت الهمسات تتردد بينهم، يرجحون أن السبب قد يكون غيرة قديمة بسبب قمر التي كان معروفًا لدى الجميع عشقها لنوح منذ سنوات
اعتدل نوح في وقفته ومسح أثر الدم من جانب فمه ببطء ثم رفع رأسه ونظر إلى أدهم بنظراتٍ مليئة بالمكر وقال بصوتٍ منخفض لكنه مسموع :
اللي يستاهل تعمل فيه كده يا جارحي هو اللي غفلك مع بنتك، عشان يداري على مصيبة كبيرة مصيبة لو اتكشفت هتولع البيت كله وانا السبب فيها.........
اندفعت قمر لا ترى أمامها سوى شيطانٍ متجسدٍ في هيئة بشر، شيطانٍ سرق نقاءها، وبرائتها، وانتزع منها سلامها الداخلي كما تُنتزع الروح من الجسد
كانت خطواتها ترتجف، لكن عينيها تشتعلان بثأرٍ طال كبته،
مدت يدها نحو السكين الموضوع على طبق الفاكهة الجانبي قبضت عليه بقوةٍ، وكأنها تمسك بآخر خيطٍ من كرامتها المهدورة، ثم غرستها في صدر نوح دون أن يرف لها جفن !!
اتسعت عينا نوح بدهشةٍ ووجع، لا يصدق أن نهايته على يد من دمرها، سقط أرضًا ببطء، والدماء تتفجر من صدره كأنها تعلن عن تطهيرٍ متأخرٍ لخطيئةٍ قديمة
وقفت قمر فوقه، لا تشعر بالانتصار، ولا بالندم
فقط فراغٌ قاتل، وصمتٌ أثقل من كل صراخٍ مر في حياتها
بينما كان الجميع في حالة فزعٍ وذهول، وتعالت الصرخات في المكان ومّ الاضطراب أرجاء الفيلا كانت قمر في عالم آخر تمامًا تقف كأنها فقدت الإحساس بما يدور حولها وعيناها شاردتان لا ترى ما يحدث بقدر ما تغرق في صدمة داخلية عميقة......
في تلك الأثناء، كان الرجل الذي جاء برفقة نوح يقف جانبًا يراقب الفوضى بصمت قبل أن يخرج هاتفه ويتصل بسمر يبلغها سريعًا بما حدث لتخبره على الفور ان يتصل بالشرطة ابتسمت بتشفي وهي تتخيل ابنة أدهم وقمر خلف القضبان مثلما القى بها قديمًا بالسجن !!
بينما الرجل لم يتردد وأنهى المكالمة سريعًا ثم طلب الشرطة كما أمرت ولم يمر وقتٌ طويل حتى بدأت صفارات سيارات الشرطة تعلو في المكان تقترب شيئًا فشيئًا وصوتها يشق الصمت المشحون بالخوف والتوتر
ازداد الارتباك بين الحاضرين، وكلٌ منهم يحاول فهم ما يجري بينما بدت ملامح القلق والخوف واضحة على الوجوه
كان الكل كله غارقًا في التخبط والفوض وكأن النهاية التي ظنّها الجميع قريبة لم تكن سوى بدايةٍ لفصلٍ أكثر تعقيدًا
ألم أقل لكم.....إن الأمر لم ينتهي بعد....؟!!!!
............
•تابع الفصل التالي "رواية ضحايا الماضي الجزء الثاني "ما ذنب الحب" اضغط على اسم الرواية