رواية الأخطبوط الفصل الثاني عشر 12 - بقلم أماني سيد

 رواية الأخطبوط الفصل الثاني عشر 12 - بقلم أماني سيد

البارت الثانى عشر 
عمار ركن عربيته بعيد شوية عن مدخل العمارة، وفضل قاعد، عينه مش مفارقة الباب، وسيجارة ورا التانية بتخلص في إيده وناره قايدة. "عزه مرميه فى ظار ايتام وبقى عندها فوبيا من كل الناس وواحد عايش حياته ولا على باله اللى رماها واتسبب فى اذاها 
بعد فترة، الباب اتفتح، وخرج "سعيد" وشه منور بالضحكة، وماسك في إيده واحدة شابة، وفي إيدهم طفل صغير بيتنطط بينهم بكل براءة. المنظر ده كان بالنسبة لعمار زي البنزين اللى جه على النار ليه الظالم يعيش مبسوط والمظلوم يعيش فى الظلم 
عمار قبض إيده على الدركسيون بقوة لدرجة إن عروقه كانت هتنفجر، وهو شايف "سعيد" بيطبطب على كتف مراته ويضحك مع ابنه، وكأن مفيش ست غلبانة كانت في يوم من الأيام "خدامة" تحت رجليهم واتهرست واتركنت على الرف.
نزل عمار من العربية وهو مش شايف قدامه، بس هدوءه كان مرعب راح ناحية القهوة اللي في وش البيت، سحب كرسي وقعد وعينه لسه مراقبة سعيد وهو بيركب ابنه ومراته العربيه وبيتحرك بيهم.
عمار نادى على القهوجي 
— "بقولك يا أبن عمى .. مش ده الأستاذ سعيد اللي ساكن في البيت ده؟ أصل كان ليا شغل معاه وتاه مني."
القهوجي (وهو بينفض الفوطة):
— "أيوه يا بيه، هو ده.. الأستاذ سعيد ودى مراته وابنه 
— "اسمك إيه يا بطل؟"
القهوجي:
— "اسمى شادي يا بيه.. نؤمر بحاجة تانية؟"
عمار (سحب نفس طويل من سيجارته):
— "تسلم يا شادي.. كنت عايز أسألك، الأستاذ سعيد اللي لسه خارج ده، راجل مخلص في شغله وكلامه؟ أصل كان بيعرض عليا شغل توريدات وكنت عايز أتطمن."
شادي أول ما سمع سيرة "سعيد" و"شغل"، ملامحه اتغيرت خالص، وبص حواليه يتأكد إن مفيش حد سامعه، وقرب من عمار وهو بيوشوشه بمرارة:
شادي:
— "بقولك إيه يا بشمهندس.. نصيحة لوجه الله، ابعد عن الراجل ده. سعيد ده 'تعبان' وبيلدغ.. ده نصب عليا أنا شخصياً في جمعية كانت بـ 5 آلاف جنيه، وخد الفلوس وضرب عليها، ولما جيت أطالبه قعد يلف ويدور ويقولي أصل والدي تعبان وأصل مراته (عزة) هي اللي خدت الفلوس وهربت.. وهو أصلاً كان راميها في الشارع وواخد حقها!"
عمار ضغط على سنانه لدرجة إن شادي خاف من نظرة عينه، وسأله بحدة:
— "يعني هو قالك إن عزة هي اللي سرقته؟"
شادي (بتف في الأرض):
— "ده مبيسيبش حد إلا لما ينهبه يا بيه! ده حتى العفش اللي في شقته ده، الناس كلها عارفة إنه بتاع مراته الغلبانة اللي طلقها، ولما اتجوز قريبته 'هند' اتجوزها على فرش مراته القديمه 
عمار بص لشادي القهوجي نظرة خلت شادي يحس إن طاقة فرج اتفتحت له، بس وراها رعب مش فاهمه.
​عمار: — "بقولك إيه يا شادي.. سيب اللي في إيدك ده وتعالى معايا في المشوار ده دقيقتين، والرزق اللي هتطلعه في يومك هتاخده في ساعة."
​شادي تردد ثانية، بس هيبة عمار وعربيته خلته يرمي الفوطة لزميله ويركب جنبه وهو مبهور بريحة العربية والجلد. عمار مشي بالعربية لحد ما وصلوا لمكان هادي ومقطوع بعيد عن الزحمة، وركن وبص لشادي بجمود.
ـ عايز تجيب حقك من سعيد يا شادي؟"
شادي (وعينه بتلمع بالغل): 
- يا ريت يا باشا! ده أكل شقايا ودم قلبي، والواحد مش عارف ياخد منه حق ولا باطل."
​عمار (بصوت ): —
 "يبقى تسمع كلامي وتنفذ اللي هقولك عليه بالحرف.. سعيد ده أغلى حاجة عنده ابنه  وهو ده اللي هيرجع لنا حقوقنا كلها."
شادي (وشه اتخطف ورجع لورا): — "إيه يا باشا؟ لا.. عيال لا! أنا آخد حقي منه هو، لكن الواد ملوش ذنب، دي تودي في داهية!"
عمار طلع رزمة فلوس من جيبه، وعدّ منها مبلغ (نص فلوس الجمعية) وحطها في إيد شادي اللي ارتعشت أول ما لمست الفلوس.
عمار: — "دي عربون، وبقية حقك هتاخده وزيادة لما نخلص. أنا مش هأذي الواد يا شادي.. أنا أبوه كسر قلب واحدة غلبانة وضيع حياتها، وأنا بس هقرصه قرصة تخليه يرجع الحق لأصحابه وهو راكع. الواد هيفضل معايا أمان، وتلات ايام بالظبط والواد ده هيرجع لحضن امه انا مش هدفى لا الواد ولا أمه انت هدفى سعيد عايز اكسر عينه وأعرفه أن القوى فى الأقوى منه 
فهمتك يا باشا انا عندى فكره 
مرات سعيد مهووسة بحاجة اسمها 'عروض الأونلاين' والطلبات اللي بتيجي لحد البيت. كل يومين التلاتة تجيب لبس للواد أو حاجات للبيت والدليفري طالع نازل عليهم."
عمار ركز معاه: "وايه الخطة؟"
شادي كمل بذكاء:
— "أنا عارف الواد اللي بيوصل لهم الطلبات، صبي في محل منظفات قريب مننا. أنا هقنعه يخليني أنا اللي أوصل الطلب المرة دي، أو حتى هلبس زيه وألبس كاب يداري وشي. هطلع أخبط، هند هتفتح، هقولها الحساب كذا، وفي لحظة وهي بتدور على الفلوس جوه، هقول للواد 'تعالى يا حبيبي خد البالونة دي' أو 'خد الحاجة الحلوة دي' وأسحبه في ثانية.. هند مابتأمنش حد يدخل البيت، فبتسيب الباب موارب وتدخل تجيب الفلوس، واللحظة دي هي فرصتنا."
عمار هز رأسه:
— "كده أضمن بكتير.. بس الواد ميربخش ولا يصرخ، خليه يحس إنك بتهزر معاه."
شادي:
— "ماتقلقش يا باشا، الواد عارفني وبيشوفني في القهوة وأنا بودي لآبوه الشاي، يعني مش هيخاف مني. هي دقيقة واحدة هكون طلعت السطح وعديت لسطح العماره التانيه وانزل منها بالواد 
ـ سكت عمار وقاله بتفكير 
ـ حاول تشوف حد معاك يطلع قلبك وتناوله الواد عشان لو راجعوا الكاميرات تبقى طالع ونازل فى السليم قصاد الكاميرات 
ـ صح با باشا عندك حق 
ـ هبعتلك انا حد من طرفى تسلمه الواد وهو هيسلمهولى 
— "الحد اللي هبعتهولك ده ملوش علاقة بالمنطقة خالص، يعني لو الدنيا اتقلبت مفيش مخلوق هيعرف يوصل له.. إنت تخلص مهمتك فوق السطوح وتناوله الأمانة، وتنزل إنت تمارس حياتك طبيعي وتقدم الشاي والقهوة لزبائنك كأن مفيش حاجة حصلت."
شادي هز رأسه بإعجاب:
— "تمام يا باشا، كدة اللعب بقى على مية بيضاء.. وأنا هعرف أظبط الطلعة والنزلة بحيث لو حد شافني يبقى شكلي شغال عادي وبوصل طلبات."
شادي كان واقف لابس الكاب والقميص بتاع محل المنظفات، قلبه بيدق بسرعة بس الغل من سعيد مقوي قلبه. استنى اللحظة اللي هند طلبت فيها الطلبات، وطلع السلم بخطوات ثابتة.
خبط على الباب، وفعلاً زي ما توقع، هند فتحت وخدت الحاجة وقالت له "ثانية واحدة أجيب الفلوس" وسابت الباب موارب. ياسين الصغير كان واقف بيبص لشادي بفضول.
شادي وشوشه: "ياسين.. بص البالونة الكبيرة دي فوق السطوح، تيجي نطلع نجيبها؟"
الواد ضحك ومد إيده لشادي، وفي ثواني كان شادي شايله ونادى على الراجل اللى باعته عمار والراجل اخده وطلع فوق السطوح، 
واختفى في ثانية عبر السطوح المجاورة، وشادي نزل السلم بهدوء، ورجع القهوه وكمل شغله عادى ،
بعد خمس دقائق، صرخة هزت الشارع كله.. صرخة "هند" وهي بتجري في المنور وتنادي: "ياسين!! يا ناس ابني راح فين!! يا سعيد الحقني الواد اتخطف!!"
عمار كان واقف بالعربية في شارع جانبي، الباب اتفتح والراجل  حط ياسين في الكرسي اللي ورا. عمار بص للواد اللي كان مستغرب، وطلّع له "شوكولاتة" وادهاله واخده ومشى بيه وراح للملجأ 
عمار دخل الملجأ وهو شايل "ياسين" ببرود يحسد عليه. الموظفة بلغت حنان إن البشمهندس عمار بره ومعاه طفل. حنان استغربت وقالت في سرها: "طفل إيه اللي جايبه عمار في الوقت ده؟". وافقت تقابله فوراً، وأول ما دخل المكتب، وقفت مذهولة من المنظر.
حنان (بصدمة):
— "خير يا بشمهندس عمار؟ ومين الطفل ده
عمار حط ياسين على الكرسي، والواد كان ساكت وباصص لحنان ببراءة. عمار بص لحنان وبصوت هادي ورزين قال:
— "الطفل ده أمانة عندك يا ست حنان.. عايزك (تتبنيه) أسبوع واحد بالكتير، وتخليه وسط العيال، ومحدش يعرف هو مين ولا جه منين."
حنان (قربت من المكتب بذهول):
— "أمانة إيه يا ابني؟ إنت فاكرنا حضانة خاصة؟ ده ملجأ رسمي يا بشمهندس، ودخوله وخروجه بورق وقانون.. وبعدين الواد ده ابن مين؟"
عمار ميل بجسمه لقدام وشوشها بكلمتين:
— "ده ابن سعيد يا ست حنان.. ابنه من مراته الجديدة."
حنان رجعت لورا خطوة، وسندت على المكتب ووشها جاب ألوان:
— "ابن سعيد؟! يا وقعة بيضا! إنت عملت إيه يا عمار؟ إنت خطفت الواد؟ إنت عايز تودينا في داهية؟ إحنا ملجأ يا ابني مش وكر عصابة!"
عمار (بثبات مرعب):
— "أنا لا بخطف ولا بعصابة.. أنا مهندس وبقيس خطواتي بالملي. سعيد دلوقتي بيدور على ابنه في الشوارع، وعمره ما هيخطر على باله إنه هنا.. في حماية الست اللي ظلمها. أسبوع واحد،
حنان (بصوت مرتعش):
— "إنت بتلعب بالنار.. ولو الحكومة عرفت، الملجأ ده هيتقفل وأنا هتحبس! وبعدين عزة.. عزة لو شافته وعرفت إنه ابنه، تفتكر هتعمل إيه؟ دي ممكن تروح فيها!"
عمار:
— "عزة مش هتعرف، إنتي قولي إنه حالة طارئة ومحتاجة استضافة أسبوع.. والدار واسعة. أنا بعمل كدة عشان خاطر (حق عزة) اللي إنتي نفسك قولتِ إنه ضاع.. الحق هيرجع يا ست حنان، بس بالأسلوب اللي يفهمه سعيد."
حنان بصت لياسين اللي بدأ يلعب في القلم اللي على مكتبها، وبصت لعمار وهي في قمة حيرتها.. هي مديرة ملجأ وليها سمعتها، بس وجع عزة اللي شافته كان بيوزن قصاد خوفها من القانون.
حنان بصت لعمار بنظرة فيها خيبة أمل مخلوطة بخوف، ربعت إيدها وقالت له بصوت حاد وواضح:
— "لو حق عزة هيرجع بالمساومة وبخطف العيال، يبقى بلاش منه يا بشمهندس.. أنا مديرة ملجأ، يعني وظيفتي أحمي الأطفال، مش أستخدمهم وسيلة ضغط عشان أجيب حقوق ضايعة. اللي بتعمله ده يخلينا لا نفرق حاجة عن سعيد في قسوته."
عمار ملامحه ماتغيرتش، فضل محافظ على بروده، وقرب خطوة من حنان وقال لها بنبرة هادية بس توجع:
— "لو الحكاية حكاية مساومة على قرشين يا ست حنان، مكنتش خطفت ابنه.. أنا كنت قدرت أجيب حقه بالدراعات والنفوذ في ثانية. بس أنا مش عايز فلوسه، أنا عايز أحرق قلبه."
حنان استغربت وسألت بذهول:
— "يعني إيه؟ لو مش مساومة يبقى إيه؟"
عمار بص لياسين اللي كان بيلعب ببراءة، وكمل كلامه بمرارة:
— "أنا عايز سعيد يدوق طعم (اليتم) وهو عايش.. عايز يحس إن ابنه في لحظة ممكن يبقى (يتيم الأب والأم)، ومصيره ينتهي في ملجأ زي ده، ويقع في إيد حد يظلمه ويدوس عليه زي ما هو عمل في عزة بالظبط. أنا عايز أفرجه على 'المستقبل' اللي هو كان بيحضره لغيره، عشان لما يرجع له ابنه، يعرف إن الله حق، وإن القرش اللي سرقه كان ممكن يدفع تمنه أغلى حاجة في حياته."
سكت لحظة وبص لحنان بقوة:
— "أنا مش عايز منه ورق، أنا عايز منه (كسرة عين) تخليه لما يشوف عزة في الشارع بعد كدة، يوطي راسه في الأرض ويمشي من طريق تاني. الواد ده هيفضل هنا عشان يشوف بعينه إن الملجأ اللي هو كان بيستهزأ ممكن فى لحظه يبقى هو المكان لابنه اللى يأويه 
حنان سكتت، وبدأت تفهم إن عمار مش بيدور على "انتقام" مادي، ده بيعمل "درس" قاسي لسعيد مش هينساه طول عمره.. بس لسه قلبها واكلها من وجود طفل مخطوف في مكتبها.
حنان (بتنهيدة):
— "والأم يا عمار؟ ذنبها إيه تموت من الرعب على ابنها؟"
عمار:
— "ذنبها إنها رضيت تعيش بفلوس ست تانية اترميت في الشارع.. خليهم يدوقوا المر شوية يا ست حنان، عشان لما الحلاوة ترجع، يعرفوا قيمتها."
صدقينى يا مدام حنان حق عزه هيرجع مره واتنين وتلاته بس انا عايز ابدأها باعز ما يملك 
تفتكروا حنان هتوافق ولا هترفض 

•تابع الفصل التالي "رواية الأخطبوط" اضغط على اسم الرواية

تعليقات