رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم جاسمين محمد

 رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم جاسمين محمد

ساد صمت مميت في المكتب، آسر كان واقف وضهره لليلى، وأكتافه مشدودة لدرجة إن عروق رقبته كانت بارزة. ليلى كانت واقفة عند الباب، عينيها بتتحرك بين آسر ولوجين اللي كانت بتبتسم ابتسامة منتصرة.
آسر (بصوت حاول أن يجعله ثابتاً): "ليلى.. إيه اللي نزلك من فوق؟ إنتي تعبانة.."
ليلى (وهي تتجاهل ألم رجلها وتتقدم خطوة): "سيبك من رجلي دلوقتي ،آسر.. رد عليا. لوجين قصدها إيه؟ إيه هو السر اللي مخبيه؟ وإيه دخل عمي أحمد في جوازنا؟"
​آسر لف ببطء، ملامحه كانت خالية من أي تعبير، بس قبل ما ينطق، لوجين سبقت وضحكت بسخرية مريرة.
​لوجين بحدة: "مش قادر ينطق يا حرام! أصل الحقيقة مرة يا ليلى.. إنتي فاكرة إنك غريبة عن البيت ده؟ فاكرة إن أحمد الألفي بيعطف عليكي عشان سواد عيونك؟"
​ليلى باستغراب: "قصدك إيه؟"
​لوجين بصرخة غل: "قصدها إنك بنت أخت خالي أحمد! أمك 'فاطمه ' اتخلت عن عيلتها زمان عشان خاطر ابوكي اللي رمها وتخل عنها وتجوز واحده عليها تبقى أخت خالو احمد ابو آسر.. بس أخت من 'الأب' بس،وجدو الله يرحمه قبل ما يموت وصي خالو ان لازم اسر يتجوز من بنت فاطمه لو وصلها عشان يحافظ علي القرشين بتاعه امها من ابوها والطمعين اللي حوليهم !"
​ليلى حست الأرض بتلف بيها، سندت على الحيطة وهي مش مصدقة: "يعني أنا بنت عمتك يا آسر؟ وإنت متجوزني عشان 'تنفذ وصية' وترجع فلوس؟"
​صدمة ليلى
​الدموع تجمدت في عيون ليلى، بصت لآسر اللي كان باصص للأرض بمرارة، وقالت بكسرة قلب: "يعني التمثيلية دي كلها كانت عشان 'تأدية واجب' قدام وصية ميت؟ وعمي أحمد وافق على الجوازة عشان خايف على الفلوس تطلع بره العيلة؟، وأنا أقول غريبه انك وافقت علي جوازنا عادي وتقبلته ،اتاري انت كنت عايز كدا من الأول.
​آسر رفع عينه وبص لها بلهفة: "ليلى، والله العظيم ما فكرت في فلوس ولا ورث! أنا وافقت عشان كنت عايز أحميكي، عشان لما شوفتك أول مرة حسيت إني..."
​ليلى قاطعته بوجع: "حسيت إنك لازم تنفذ العقد! حسيت بالمسؤولية تجاه 'قريبتك' اللي ملهاش حد. إنت وأبوك استغليتوا إني مكنتش أعرف صلة القرابة دي ولا أعرف أي حاجة عن مشاكلكم القديمة.. وجوزتوني ليك كأنك بتأدي مهمة رسمية!"
​آسر لف للوجين وبصوت زي الرعد: "اطلعي من قدامي يا لوجين.. اطلعي حالاً وقسماً بالله لو شوفت وشك في البيت ده ثانية واحدة لهنسى إنك من دمي! إنتي مش بس خربتي بيتي، إنتي كشفتي وجع كان لازم يفضل مدفون!"
​لوجين خافت من نبرته وجريت لبره وهي حاسة بنصر مسموم. أما أحمد (الأب) فكان قاعد على الكرسي وحاطط راسه بين إيديه بتعب.
​أحمد بحزن: "يا بنتي يا ليلى، أمك كانت أغلى الناس عندي، والمشكله اللي حصلت زمان كانت غلطة عمري.. كان لازم أجيبك هنا معززة مكرمة انتي وامك من وقت ما هربتوا وسيبتوا ابوكي وجيتوا هنا ، وآسر هو الوحيد اللي كنت واثق إنه هيشيلك في عينه."
​ليلى بمرارة: "يشيلني في عينه 'بأمر' منك يا عمي؟ ولا عشان هو 'مضطر'؟ الكرامة مفيش فيها قرايبة يا دكتور آسر."
​ليلى بدأت تتحرك بصعوبة وهي بتجر عكازها ودموعها نازلة بصمت، آسر حاول يمسك إيدها بس هي نفضتها بعنف.
​آسر هرع إليها ليمسكها: "ليلى!"
دفعته بقوة كأن لمسه يحرقها: "متلمسنيش! أنت والديابة اللي في البيت ده كلكوا زي بعض.. بتلعبوا بيا كأني عروسة خشب؟"
​خرجت ليلى من المكتب، وآسر خلفها يحاول تهدئتها، بينما وقف أحمد ينظر للوجين بخيبة أمل قاتلة وقال: "انتهيتي يا لوجين.. من اللحظة دي مالكيش مكان في بيتي ولا في حياتنا."
في غرفه ليلي وآسر
دخلت ليلى غرفتها وأغلقت الباب بالمفتاح، ارتمت على السرير وهي تشعر أن العالم ينهار فوق رأسها. الصور التي أرسلها سيف، والآن كلام لوجين.. كل شيء كان يشير إلى أنها كانت تعيش في وهم كبير.
​آسر خلف الباب: "ليلى.. افتحي، أنا هحكيلك كل حاجة. أيوه البداية كانت بطلب من بابا، بس والله العظيم المشاعر اللي بينا حقيقية. أنا مكنتش بقد اعيش وانتي بعيدة عني.. ليلى، المشرط اللي في إيدي ده بيعرف يداوي جروح الناس، بس أنا قدام وجعك عاجز.. افتحيلي!"
​لم يأتِ رد، سوى صوت عياط مكتوم يمزق قلبه.
​في مكان آخر
كان سيف المنياوي يجلس وهو يرتشف قهوته ببرود، ينظر لشاشة هاتفه بانتظار مكالمة من لوجين. رن الهاتف، لكن لم تكن لوجين.. كان رقماً مجهولاً.
سيف: "أيوة؟"
صوت آسر (ببرود حاد كالمشرط): "سيف.. اللعب بالصور والستات ده شغل عيال. لو إنت راجل، واجهني في الشغل.. بس بما إنك بدأت 'الحرب القذرة'، فاستعد.. لأن من بكرة، مفيش مستشفى في مصر هتقبل تتعامل مع توريدات شركتك، وملف الضرايب بتاعك دلوقتي بقى على مكتب النائب العام."
سيف (بارتباك): "إنت بتقول إيه يا آسر؟"
آسر: "بقولك إنك لمست 'خط أحمر' اسمه ليلى.. واللي بيلمس ليلى، آسر الألفي بيمحيه من الوجود."
​أغلق آسر الخط، ومسح على وجهه بتعب. كان عليه الآن أن يخوض أهم "عملية" في حياته.. عملية استعادة قلب زوجته، وترميم ثقتها التي تحطمت بين مطرقة الماضي وسندان الأكاذيب.
​عاد لغرفة ليلى، وبصوت منخفض قال: "مش همشي من قدام الباب يا ليلى.. هفضل هنا لحد ما تسمعيني، حتى لو قضينا الليلة دي وإحنا بينا باب خشب، قلبي هيفضل يخبط على قلبك لحد ما يفتح."
بعد منتصف الليل
مرت ساعات ثقيلة كأنها سنوات. آسر كان لا يزال جالساً على الأرض أمام باب الغرفة، يسند رأسه على الخشب البارد، وعيناه لم تغمضا للحظة. كان يسمع صوت تحركات ليلى الخفيفة بالداخل، وصوت بكائها الذي هدأ ليحل محله صمت مرعب.. صمت الموتى.
​داخل الأوضة
​ليلى كانت قاعدة في ركن بعيد عن السرير، ضامة رجليها لصدرها وبتبص للفراغ. كلام لوجين كان بيتعاد في ودنها زي الصاعقة: "بنت أخت خالي.. وصية ميت.. يحافظ على القرشين". حست إن كل نظرة حب من آسر، وكل لمسة حنية، كانت "مدفوعة الأجر" سلفاً بصلة الدم والوصية.
​فجأة، قامت ليلى وفتحت الدولاب ببطء، بدأت تلم هدومها في شنطة صغيرة وهي بتترعش. مش قادرة تقعد في مكان حاسة فيه إنها "عبء" أو "أمانة" تقيلة على صاحب البيت.
​سمع آسر صوت سحاب الشنطة، فقام وقف فجأة وخبط على الباب بهدوء مكسور:
آسر: "بتعملي إيه يا ليلى؟ ليلى.. لو سمحتي بلاش تهوري. الدنيا ليل، ورجلك لسه محتاجة غيار ومتابعة.. أنا مش همنعك تمشي، بس استني للصبح."
​فتحت ليلى الباب فجأة. كانت ملامحها متغيرة تماماً؛ عيونها حمراء ومنتفخة، بس نظرتها كانت باردة وجامدة كأنها مش ليلى اللي يعرفها.
ليلى (بصوت ميت): "الدكتور آسر خايف على 'الجرح'؟ ولا خايف على 'الوصية'؟ اطمن يا دكتور، الفلوس اللي إنت ووالدك خايفين عليها تطلع بره العيلة، أنا متنازلة عنها.. أنا أصلاً معرفش عنها حاجة ولا عايزة أعرف."
​آسر (مسك إيدها بلهفة): "فلوس إيه وزفت إيه اللي بتتكلمي عنه؟ إنتي فاكرة إني ناقص فلوس؟ أنا آسر الألفي يا ليلى! أنا اللي بنيت نفسي وسافرت ونجحت قبل ما أعرف إن ليا عمه اسمها فاطمة أصلاً! أنا وافقت أتجوزك لما شوفت صورتك مع بابا.. لما شوفت في عينيكي وجع شبه اللي كان في عيني.. وافقت عشان كنت عايز أكون ليكي 'الأهل' اللي اتحرمتي منهم، مش عشان أنفذ ورق!"
​ليلى (بضحكة وجع): "يعني جواز شفقة برضو ؟ تصدق دي أوحش بكتير من جواز المصلحة يا آسر."
​وهي بتحاول تعدي منه عشان تنزل، لقت "أحمد" واقف تحت عند السلم، باين عليه التعب .
أحمد: "على فين يا بنتي؟ عايزة تمشي وتسيبي بيت خالك؟ عايزة تكسري وصية جدك وتكسري قلبي أنا وآسر؟"
​ليلى (وقفت وبصت له بعزة نفس): "يا عمي.. حضرتك قولت إنك واثق إن آسر هيشيلني في عينه. بس آسر شالني في عينه 'جميلة' وحضرتك شلتني في بيتك 'واجب'. وأنا مش حمل جمايل ولا واجبات.. أنا إنسانة، وليا قلب، والقلب ده دلوقتي اتكسر ميت حتة."
​في اللحظة دي، تليفون آسر رن.. كان "حازم" المساعد بتاعه.
آسر (رد بحدة): "أيوة يا حازم.. وصلت لإيه؟"
حازم: "يا دكتور، اللوكيشن بتاع تليفونك وقت الحادثة كان في 'مخزن' قديم ورا الجنينة، وفيه تسجيل كاميرا خفي في الممر الجانبي، بيظهر لوجين وهي بتسلم فلاشة لواحد ملامحه شبه سيف المنياوي!"
​آسر بص للوجين اللي كانت واقفة بعيد بتسمع بخوف، وقال وهو عينه في عين ليلى:
آسر: "شوفتي يا ليلى؟ اللي خرب البيت ده مش 'السر'، اللي خربه ناس مريضة.. وأنا مش هسيب حقك، لا من سيف، ولا من لوجين، ولا حتى من نفسي لو كنت قصرت في حقك."
​ليلى (وهي بتنزل السلم بصعوبة): "الحق مش إنك تنتقم منهم يا آسر.. الحق إنك كنت تقولي الحقيقة من أول يوم.. كنت تسيبني أختارك وأنا عارفة إنت مين، مش تخليني أحبك وأنا فاكرة إنك 'غريب' حن عليا، وإنت في الحقيقة 'قريبي' اللي بيؤدي واجبه."
​آسر نزل وراها ووقف قدام باب الفيلا، منعها تخرج:
آسر: "مش هتخرجي يا ليلى.. مش بالليل ده. اطلعي غرفتي، وأنا هنام في المكتب.. والصبح، لو لسه عايزة تمشي، أنا اللي هوديكي بنفسي للمكان اللي تختاريه.. بس أرجوكي، بلاش تمشي وإنتي شايفة في عيني 'واجب'.. بصي كويس، يمكن تشوفي العشق اللي أنا مش عارف أوصفه بالكلام."
ليلى بصت في عينيه فعلاً، ولأول مرة شافت صراع حقيقي بين "آسر الجراح القوي" وبين "آسر الزوج المكسور". هل هتقدر تتخطى فكرة إنها كانت "وصية"؟ وإيه اللي هتعمله لوجين في محاولتها الأخيرة قبل ما تمشي؟

•تابع الفصل التالي "رواية لقاء خط بمشرط وقلم" اضغط على اسم الرواية
تعليقات