رواية صياد النايا الحانا الفصل الحادي عشر11 - بقلم اية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل الحادي عشر من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي
صاعٌ من طمأنينة ، قليلٌ من الهدوء ، شراء حفنة من الخواطر ، عينٌ تنظر إليك بصفاء ، وتغض الطرف عن الأخطاء ، صدرٌ صلب إن استندت عليه يلين ، وظهرٌ متين إن ارتميت عليه لا يلين .
إنها المفاتيح السبع لأبوابٍ أغلقها الانتقام ، وتعويذة لعين الثأر التي لا تنام ، ليتحرر بعدها القلب من الظلام ، وتنفك القيود من حول كفوف فرحة ، وتعيش بسلام ..
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
وقفت ترحب بالحضور وتبتسم ، وقد عملت على أن تنفذ تعليمات يونس لها بعد انتهاء الحناء ، كم بدت جميلة وحزينة في آن ، غير أن حزنها لم يلجم الألسنة ، إذ انصبت الأعين نحوها ترمقها بتفحص انهالت الغمزات واللمزات على هيئتها وملابسها وحليّها وكم أنها محظوظة تنعم بكل هذا الثراء ، يكفيها أنها زوجة الابن الأكبر لعبد الوهاب ووريث سلطته ، والذي يُعرف بوسامته ورزانته وجاذبيته بين الناس ، حتى أنه كان ومازال فتى أحلام الكثيرات .
جالت بنظرها في المكان فوجدت أن نوارة لم تنزل بعد ، لذا التفتت نحو صابحة تتساءل بترقب :
- اروح أجهز الحنة يا مرت عمي ؟
التقطت نجوى سؤالها ، فوجدتها فرصة لتنفيذ أولى خطوات مهمتها ، لذا أسرعت تنهض وتردف بابتسامة ينبعث منها الخبث مردتيًا عباءة الفرحة :
- عنك انتِ يابت اخوي ، أني اللي حچهز حنتها بيدي .
تحركت خطوة لتفعل ولكن صابحة أوقفتها تردف بعلو وترقب بين النساء :
- اجعدي يا نچوى ، ماتعذبيش حالك ، حنة بتي أني چهزتها من بدري ، وانتِ يا نهاد روحي استعچلي نوارة وتعالو .
أومأت نهاد وتحركت تنادي نوارة ، بينما عادت نجوى أدراجها بإحباط وهي ترى خطتها على وشك الفشل ، كانت تنوي وضع ما بحوزتها في عجينة الحناء ، ماذا ستفعل الآن ؟ هل تكتفي بالخاتم ؟
تخشى أن يفسد سحرها ، خاصةً وأنه على مرحلتين وكلاهما مرتبطان ببعضهما ، ولن تحصل على النتيجة التي تريدها إلا إن فعلت الخطوات كاملة .
زفرت وتبدلت ملامحها وجلست تفكر في خطة بديلة ، ولم يكن من الصعب عليها ذلك لأنها تتصرف بأريحية هنا ، وسكان القصر لن يمر على مخيلتهم أنها الفاعلة ، وتعد الليلة هي آخر ليالي نوارة هنا قبل أن تذهب إلى بيت يونس ويصعب عليها تنفيذ مخططاتها هناك ، لذا ستجد حلًا فلا خيار لها .
وفي الخارج يقف عمار بين الحضور و كانت حفلته قد بدأت ، كانت أجواء الفرحة طاغية على المكان ، فلم يستطع حسنين أو ولديه نثر غيرتهما في المكان ، يجاورون بعضهم ويتطلعون على الأجواء بأصواتٍ داخلية إن تجسدت لن تترك أحدًا يهنأ ، وكالعادة لم تمر نهاد على عقولهم ، كأنها سقطت من جذع شجرة .
جلس جابر ملتويًا حيث تتسلط عينيه على البوابة ، يتمنى لو تحضر ريم ولا يعلم لماذا ، هو يجزم أنه حصل على ما يريده ، فمعتز لن يقبلها معه مجددًا بعد شكه بها، ولكنه يفكر بها منذ أن تركها صباحًا ، ترى هل ستأتي ؟ أم أنها تعيش حالةً من الحزن الآن ؟
لكزه ابن عمه سيد ينطق بخفوت وهو يميل عليه :
- عينك ع المدخل ليه يا واد عمي ، چايلك ضيف ولا إيه ؟
التفت له جابر وابتسم يجيبه بمراوغة يقصد بها معتز :
- واحد معرفة من أيام الچامعة ، بس معرفته عفشة ، ماعرفش حييچي ولا حيخلي عنده دم .
ضحك سيد وتساءل باستغراب :
- ولما معرفته عفشة عزمته ليه ؟
أجابه جابر وهو يستعد للنهوض :
- ليا عنديه مصلحة ، وإن كان لك عند الكلب حاچة..
- جوله يا سيدي .
أكملها سيد وهو يضحك فنهض جابر يصفعه على كتفه ويردد :
- صوح يا سيدي .
تحرك جابر يضحك ويتجه نحو عمار الذي يحمل حمزة ابن شقيقه ويقف مع والده يتحدثان خلسة عن مهران وأين هو ولِمَ هاتفه مغلق .
تدخل جابر بينهما ثم التقط حمزة من شقيقه يقبله ويناوله لوالده قائلًا بحماس :
- خلي حمزة معاك يا حاچ ، وانت يا عريس تعالى ويايا .
التقط عبد الوهاب حمزة المندمج في الأجواء بسعادة ، بينما تحرك عمار مع شقيقه نحو ساحة الرقص ليبدئا معًا رقصة الصعايدة المشهورة ، حيث التقط كلٍ منهما عصاه ووقفا يستعدان ينتظران أنغام المزمار الصعيدي التي صدحت في المكان .
تحرك عبد الوهاب نحو الداخل ليعطي حمزة إلى صابحة ، ناداها فنهضت تتجه إليه فاستغلت نجوى نهوضها حيث كانت تنتظره ، وأسرعت تتحرك نحو غرفة نوارة .
طرقت الباب وفتحته ودلفت لتجد نهاد تساعدها في هندمة نفسها ، وقفت تطالعها لبرهة بعينين حسودتان كفيلتان بإفساد ليلتها ، تراها فائقة الجمال ، مشعة ، رائعة في قفطانها السكري المطرز بعناية ، بعيني الغزال خاصتها ، بخصلاتها المنسدلة على طول ظهرها ، وبرائحتها التي تفوح في الغرفة .
وقفت متخشبة تتحسر على ضياعها وضياع ثروتها وسلطتها من يدها ، ونظراتها هذه لاحظتها نهاد لذا نطقت برهبة :
- إيه رأيك يا عمة ؟ بسم الله ماشاء الله تبارك الرحمن ، طالعة كيف الجمر .
أسرعت تواري حقدها خلف ابتسامة مصطنعة وتتقدم منهما ثم نطقت :
- صوح يا بت أخوي ، مهي نوارة العيلة كلياتها ، وأني مهما زعلت ماجدرش أزعل منيها ولازما أشاركها فرحتها مادام هي فرحانة ، تعالي في حضن عمتك يا جلب عمتك .
أسرعت تعانقها وتمسد على ظهرها لبرهة فبادلتها نوارة مبتسمة ، وعلى الفور راودها ثقل في رأسها فأسرعت تبتعد قليلًا وتزدرد ريقها بحزن فقد تمنت لو لم تأتيها هذه الحالة اليوم ، لتسترسل نجوى وهي تتفحصها وتدعي اهتمامها :
- روحي يا بتي هاتلها كوباية مية بسكر ، وشها مخطوف جوي .
لم تعترض نوارة حيث انشغلت بما تشعر به ، وكالعادة تصدق محبة عمتها لها .
تحركت نهاد تلبي الطلب وتركتها معها بمفردها لتسحبها وتجلسها على الأريكة قائلة :
- تعالي يا جلبي ارتاحي اهنة ، ماتطلعيش للحريم وإنتِ مخطوفة إكدة ، استني أني معايا إزازة كولونيا ححطلك منيها تفوجك حبة .
دست يدها في حقيبتها وما لبثت أن تخرجها حتى وجدت الباب يفتح وتدخل صابحة تطالعها بملامح خائفة ، أسرعت نجوى تخرج يدها من الحقيبة و تركت الزجاجة داخلها ، وابتسمت بتوتر فتقدمت صابحة منهما ونظرت لابنتها بلهفة تتساءل :
- مالك يا نوارة ؟ حُصل حاچة يابتي ؟
حاولت نوارة أن تطمئنها فنهضت تبتسم وتجيب بهدوء :
- ماتجلجيش ياما أني زينة ، دوخت بس شوية وعمتي جالت لنهاد تچيبلي مية بسكر .
باغتتها بنظرة حادة ثم أمسكت بابنتها ونطقت وهي تتحرك نحو الخارج :
- طب تعالي نطلع واقري قرآن في نفسك وحتبجي زينة، أعوذ بالله من الشيطان الرچيم ، يالا يا نچوى اجفلي الباب وتعالي ورانا .
وقفت لبرهة تطالعهما بنظرة وعيدٍ وغل ولكنها تحركت مجبرة وعازمة على ألا تغادر القصر إلا بعد تنفيذ خطوات سحرها ..
❈-❈-❈
في قصر آل حامد
جالسة بين النساء ، تختفي أسفل طرحة حمراء مطرزة ، ترتدي قفطانًا أحمر يتماشى مع حنتها ، يديها وكفيها مغلفان بأكياس الحناء ، وأمامها طاولة وضع عليها الهدايا الذهبية والنقدية المقدمة لها من نساء العائلة والمعارف .
الأصوات صاخبة سواءً كانت من أغاني الحفل في الخارج ، أو ثرثرات النساء في الداخل ، تعهدت منصورة أن تتعامل اليوم كوالدتها ، وطلبت من ابنتها رضوى ألا تبتعد عنها لتشعرها بالاحتواء .
جميعهن تدركن أنها ليست سعيدة بهذه الزيجة ، ولكنها تقبلت الأمر الواقع ورضخت ، لا تعرفن أنها تبكي أسفل هذه الطرحة ، هجم على صدرها الحزن كهجوم الليل على النجع ، هذا الشعور بات مصاحبًا لها، ولكنه اليوم أتى بمقدارٍ غير مسبوق ، وغدًا سيأتي بأضعاف مضاعفة ، إلى متى ستظل هكذا ؟ لقد تناست بشكلٍ تام معنى الفرحة الحقيقية ، انتزعها منها عمار آل حانا منذ خمس سنوات ، وغدًا سيوقع على سجنها داخل نفق الحزن هذا للأبد .
في الخارج
جلس يونس بين الشباب الذين بدؤوا بوضع الحناء له بشكلٍ فوضوي وصاخب ، تتعالى قهقهاتهم على اعتراضه الذي باء بالفشل مع إلحاحهم ، والكبار يجلسون من حولهم يشيرون عليهم ويضحكون .
اندمج أيوب معهم ، حيث التقط حفنة من الحناء وقام بوضعها فوق خصلات يونس الناعمة التي يهتم بها كثيرًا ، ليلتفت يحدجه بغيظ ويردد :
- ماتهزرش يا أيوب ، شعري لاء يا أخي .
ضحك أيوب ونطق وهو يوزعها بين خصلاته باستفزاز :
- الليلة ليلتك يا عريـــــــــــس ، لازما كل حتة فيك تتحنى .
استغفر يونس وتوقف عن الاعتراض الغير مُجدي وتركه يفعل ما يريد ، فهو يرى فرحته بهذا الاحتفال وهذا يريحه قليلًا ، كان يخشى تهوره ولكن يبدو أنه يشتهي الفرحة .
❈-❈-❈
تجلس خلف مكتبها يغزوها الضيق مما حدث صباحًا ، هل عليها أن تثبت لمعتز أنها لم ولن تخطئ في حقه وحق الشركة ؟
أيعقل أن يكون جابر فعل كل هذا عن عمدٍ ليستقطبها إلى شركته ؟
هزت رأسها بلا ، حيث أن عقلها يرفض الاقتناع بهذه الفكرة ، ترفض أن تبدو في وضع المغفلة ، معتز هو المخطئ ، هو الذي لم يعرفها جيدًا ، لن تندم على مساعدتها لجابر ولكنها أيضًا تقدر موقفه .
زفرت لتحاول نزع الضيق المتشبث بها ، ونظرت في هاتفها لتجدها الساعة الثامنة مساءً ، لن تذهب لحفل الحناء ، ليست لديها الرغبة لتفعل ، ولكن من المؤكد أنه سيحزن ، لقد لمحت الحماس في عينيه ، وتدرك أنه من ألح على شقيقته لكي تقوم بدعوتها ، ولكنها حقًا لا تستطع الذهاب .
طرقت نجلاء على بابها ثم فتحت تطالعها وتردف بترقب :
- مخرجتيش ليه يا ريم ؟ مودّة واخوها برا جايين يشوفوا الشقة ، غيري هدومك وتعالي سلمي عليهم .
انكمشت ملامحها نفورًا من ذلك الأخ ونطقت بترجٍ :
- بالله عليكي يا ماما بلاش أنا ، مش حابة اشوف الچدع ده .
زمت نجلاء شفتيها تقديرًا لحالتها لذا نطقت :
- طيب ماشي ، أنا بس قولت علشان خاطر البنت ،قاعدة برا مكسوفة جدًا ومش بتتكلم .
فكرت قليلًا ثم أردفت تومئ :
- تمام يا ماما ، حغير هدومي واخرج حاضر .
ابتسمت نجلاء لها وأغلقت الباب تتجه نحو الصالة وتبتسم إلى مودة التي تجلس على استحياء ويجاورها شقيقها الذي يجلس بأريحية يتناول قطعة من الجاتو ويتحدث إلى نوح مستفهمًا بعينين تدوران حول المكان :
- وعلى إكدة الشجة إهنة بجد إيه ؟
جلست نجلاء تجاور نوح حيث يقابل مودّة ، يطالعها بحبٍ وسعادة غلفت ضيقه من شقيقها ، ولكن سؤال مسعود خربش سعادته فطالعه يستفسر :
- اشمعنى ؟
حدق به وأردف بنظرة تحدي :
- بفكر اشتري إهنة بدل النچع ، وافتح محل فاكهة كبير في المدينة ، بيتهيجلي حيبجى مشروع زين ، واشوف عروسة زينة وبنت أصول ، الواحد طالما چوّز أخته واطمن عليها يشوف نفسه بجى .
أومأ نوح بهدوء ثم أجابه برزانة :
- كويس چدًا ، بس الشقق هنا كلها متباعة ، ممكن في الحي التاني تلاقي حاچة مناسبة وتقسيط مريح ، المشاريع الچديدة فيها شقق للشباب حلوة ومساحتها زي مانت عايز .
بالطبع لم يرغب نوح بأن يجاورهم ، ولكنه لم يكذب فيما قال ، لذا عاد يسترسل :
- بس قصدك تنقل المحل هنا ولا تفتح فرع تاني ؟ علشان الحاچ طاهر ماعتقدش إنه حيوافق .
لحظة صمتٍ مرت عليه ، فهو ينتظر موت والده وليس لديه أمل في شفائه ، لذا يخطط من الآن لمستقبله وإدارة الأموال المتروكة بشكلٍ مربحٍ له .
لتردف نجلاء بقلقٍ داهمها مما تظنه يفكر به :
- صعب بردو الحاچ طاهر يطلع برا النچع بعد العمر ده كله .
نطق يطالعها بعد برهة من الشرود :
- حنشوف إيه اللي حيحصل يا ست الكل .
عاد يكمل تناول قطعته وشقيقته تطالعه بحرجٍ من أفعاله ليحاول نوح جعلها تتلاشاه لذا التفت لها يبتسم ويتساءل :
- تحبي نقوم نشوف الشقة ونرجع ؟
- مستعچل على إيه يا دكتور ، هي الآنسة ريم مش حتيچي تسلم ولا إيه ؟
نجح في إثارة غضب نوح ، فطالعه بتجهم ثم نطق بجدية ثاقبة :
- لاء، أنا ووالدتي معاكو أهو ، مش كفاية ولا إيه ؟
ابتسامة صفراء كانت هي رده ثم نطق وهو ينهض :
- انتو الخير والبركة بردك ، يالا نشوف الشجة .
قرر ألا يترك لهما مقدار ذرةً من خصوصية ، فإن لم يرَ ريم الآن فلن يجعله يهنأ كذلك .
زفر نوح وعبست ملامحه ونهض ونهضت والدته تشير له بعينيها بأن يهدأ ، لذا ازدرد ريقه ونطق :
- اتفضلوا .
نهضت مودة وتحركت خطوة قبل أن يعلن هاتف مسعود عن اتصال فالتقطه يجيب ، كان اتصالًا من المشفى ، يخبره أحدهم أن والده قد توفى .
وقف يطالعهم وخيم الحزن على ملامحه برغم ما كان يخطط له منذ قليل ، ثم أنزل الهاتف ونظر إلى شقيقته يردف بثقل :
- أبوكي مات .
فرغ فاهها ، وصفع الألم قلبها فانتفض من مكانه ، يجبر عقلها أن يتيح لجسدها فرصة الانهيار ، فأطاعه لتشعر أن أحشاءها تتلوى ، والغصة تجمعت في حلقها ، وقد تبخرت عظام قدميها ، فسقطت من بينهم تنتحب وتبكي بحرقة وانهيار ، لم تصرخ ، ولم ينطق لسانها حرفًا ، حتى في حزنها خجولة ، فقط تصدر نحيبًا يقطع أنياط قلوب من يراها .
لم يحتمل نوح فأسرع يرنو منها ويحتويها مستشعرًا ألمها بينما نطقت نجلاء وهي ترتد على الأريكة :
- لا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم ، إنا لله وإنا اليه راچعون .
خرجت ريم من غرفتها مسرعة حينما استمعت إلى صوت بكائها تطالعهم بصدمة وتتساءل :
- فيه إيه ؟
أسرع مسعود يجيبها كأنه يستعطفها لتحتويه ولو بكلمة :
- أبويا مات .
نظرت له نظرة عابرة ثم أسرعت تتجه نحو مودة ودنت تجاور شقيقها في احتوائها مرددة وهي تربت على ظهرها بمؤازرة :
- وحدي الله يا حبيبتي ، ربنا يرحمه يارب .
❈-❈-❈
نهضت النساء لتضعن الهدايا الذهبية والنقود على الطاولة الموضوعة أمام نوارة ، وحينها مالت ولاء على شقيقتها تقترب من أذنها وتنم قائلة :
- شوفتي الهدايا جد إيه ؟ دهب تشتري بيه النچع كله ، والنسوان الكتير دي چت منين ؟
لكزتها نهاد وطالعها بنظرات لومٍ تنطق بخفوت :
- ما يصحش إكدة ، وبعدين الهدايا دي كلها عمك مهادي جدهم مرتين تلاتة ، يعني خيره سابج ع الكل ، ماتبجيش كيف أبوكي .
لوت شفتيها وقلبت عينيها تعتدل ثم زفرت متجاهلة كلمات شقيقتها ، ثم عادت تميل عليها وتتساءل :
- أومال چوزك فين؟ مالمحتوش يعني مع الرچالة برا.
أيقظت كواسر أفكارها فتلاشت ابتسامتها وعادت تنشغل به لتنطق بشرود :
- تلاجيكي ماخدتيش بالك .
استرسلت لتشغلها عنها :
- هو أبوكي مابعتش معاكي هدية لبنت عمك ؟
هزت كتفيها ونطقت بتهكم :
- لا مابعتش حاچة ، وهو ده يهون عليه يشتري حتة دهب ، كان اشتراها لبنته ، أبوكي مالوش مصلحة اهنة ،لو ليه مصلحة كان اشترى شيء وشويات .
زفرت نهاد بعبوس ، فهي لا تحتاج لكلمات تشرح لها والدها ، هي تعرفه عن ظهر قلب .
دست نجوى يدها في حقيبتها تخرج منها الخاتم الذهبي المخدّم بسحرها الأسود ، نهضت وتزاحمت مع النساء تضعه بين الهدايا وتعود أدراجها بارتياح جزئي .
ضميرها لا يعمل مطلقًا ، لأن من اعتاد على السير في هذا الطريق أصابه الله بعمى البصيرة وفقدان الضمير ، مثلما اختار بإرادته شريكًا من دون الله ينفذ له رغباته ، فإن عقابه سيكون من جنس اختياراته ، ولن يفلح كيده مهما فعل ، فالنفع والضرر بيد الله ولحكمة لا يعلمها إلا هو .
كل ما تفكر به الوصول إلى أهدافها بأي وسيلة ..
❈-❈-❈
في المركب المتجهة إلى أسوان
تجلس في الطابق الثاني ، تجاوره وتطالعه وهو يعاود التدخين ويتطلع نحو الأفق بشرود ، منزعجة لأنه لم يظهر فرحته لموافقتها ، ولكن انزعاجها هذا لن يعطلها عن الارتباط به ، فهذا ما كانت تنتظره منذ أن رأته .
مدت يدها تضعها على كفه فانتبه لها فابتسمت تنطق بنبرة تعقلية تخدع أمثاله :
- مهران ممكن تفكر تاني وصدقني أنا هتفهم جدًا الحالة اللي إنت فيها، يعني واضح من حالتك إنك اتسرعت .
هز رأسه بلا ، وأسرع ينطق ليغلق أذنيه عما قالت وليؤكد لها أنه صاحب قرار :
- لاء بالعكس ، أنا حاولت كتير جوي اتچاهل إحساسي وحالتي ، القرار ده أكتر قرار صح أني خدته ، وماعيزش اسمعك بتجولي اكدة مرة تانية ، أني مسؤول عن كل كلمة جولتها ، مانيش عيل صغير يا تيا علشان أطلب حاچة زي دي وارچع فيها .
ابتسمت تجيبه بخبث فقد نجحت في استخراج هذه الكلمات منه :
- أنا عارفة كدة كويس يا مهران ، من يوم ما قابلتك وإنت في نظري كبير ومسؤول عن أي كلمة بتقولها ، وعمري ما هنسى اللي عملته علشاني ووقفتك معايا ومساندتك ليا ، أنا بس مش حابة اشوفك في الحالة دي ، حقيقي بتضايق جدًا لما بحس إنك زعلان، وبعدين أنا مش موافقة إنك ماتحضرش فرح اخواتك، ماينفعش خالص يا مهران إنت أخوهم الكبير ولازم تكون موجود ، ماتخليش أهلك يزعلوا منك لأي سبب .
التفت يحدق بها فابتسمت تغمز له وتستطرد بترقب :
- إيه رأيك نعمل حاجة مجنونة وننزل عند أقرب مينا ونروح نحضر الفرح ، كدة كدة إنت صاحب الرحلة وماحدش هيعترض .
أعجب باقتراحها وكلماتها وتحفيزها له على حضور الفرح ، هذا بالفعل أحد أسباب انزعاجه ، لذا زفر وسحق السيجارة في المطفأة يجيبها بهدوء :
- أني بفكر اعمل اكدة بردك ، بس الأفضل أروح لحالي يا تيا ، بكرة انزل عند اجرب مينا واخذ مواصلة ادلى ع النچع ساعتين زمن وارجع جبل ما المركب تتحرك ، وانتِ استنيني إهنة .
أظهرت مرونة ونطقت مؤيدة تكبت غيظها :
- مش مشكلة خالص المهم تحضر ، وانا طبعًا هستناك ، مع إني كنت بجهز ليوم زي ده علشان اشوف حمزة ، بس مش مشكلة .
ابتسم ورفع يده يحيط وجهها فابتسمت وأسبلت جفنيها فنطق متعهدًا :
- معلش ، استنيني واني حرچع علطول ، وهنكمل رحلتنا ، وكمان حنكتب الكتاب في أسوان ، يعني التچهيزات اللي چهزتيها للفرح زي ماهي بس حتبجى لفرحنا .
تعاظمت سعادتها وشعرت بنصرٍ كبير ، لذا تناولت كفه تحتضنه وتردف بنبرة هائمة :
- بحبك أوي يا مهران .
ابتسم ولكنه فجأة رأى نهاد بوجهها ، وهجمت على عقله اعترافاتها الدائمة بحبه لينهض سريعًا يهرب من مخيلته ويمسك بيدها مردفًا :
- تعالي نطلع ، الچو فوج أحسن ، وبردك علشان ماحدش يتحدت حديت عاطل .
أومأت وتحركت معه تردف بابتسامة عابثة :
- يالا بينا .
❈-❈-❈
في اليوم التالي
تجمع رجال آل حانا في حديقة القصر للذهاب إلى المسجد لإتمام عقد قران كلًا من العريسين .
وقف عبد الوهاب في أحد الأركان يتحدث ابنه عمار بملامح منزعجة تنافي صوته الخافت :
- بردك ماعرفتش اخوك فين ؟
أجابه عمار بانزعاج :
- عرفت يا حاچ ، طلع الرحلة اللي تبع الشركة ، السكرتيرة جالتلي ، بس جافل تليفونه ، حاولت اتواصل مع حد علشان اتحدت وياه بس شكله إكدة مرايدش ، حصل إيه يابوي لكل ده ؟
برغم غضبه ورغبته في الوصول إليه وتعنيفه ، إلا أنه يحاول ألا يقع في خطأ جديد ، ولكنه لن يتقبل فكرة عدم حضوره فرح شقيقيه ، خاصةً وأنه يخشى افتعال أقوايل من حوله لا يريد لها أن تحدث في عائلته .
نطق بنبرة آمرة :
- اتحدت دلوك مع حد من اللي طالعين وياه وجوله يدهوني .
أومأ عمار والتقط هاتفه يحاول الاتصال على أحدهم ، أجابه الرجل فأردف عمار :
- أيوة يا عُمر ، بجولك وصلني بمهران إكدة ، الحاچ رايد يتحدت وياه..
- الأستاذ ، مهران نزل في المينا بجالو حوالي ساعة يا عمار بيه ، واحنا مستنيينه كيف ماجال علشان نكمل الرحلة .
- تمام .
أغلق معه وأخبر والده الذي زفر بالقليل من الارتياح ، إذا سيحضر الحفل ، ولكنه ينوي الذهاب مجددًا ، وهذا ما لم يرُق له ، يجب أن يطيب خاطر زوجته التي تنتظره منذ أول أمسٍ،يجب أن يحلا الخلاف القائم بينهما ويعطيا فرصة جديدة بطريقة جديدة لعلاقتهما ، لم يرُق له هروب ابنه الدائم هذا .
مرت الدقائق وانسجم عبد الوهاب في حديثه مع الرچال ليسأله أحدهم بصوتٍ عالٍ أمام الجميع :
- أومال مهران فين يا حاچ عبده .
تزامن هذا مع ظهوره يدخل من بوابة القصر ، لمحه والده فابتسم بارتياح وتعلقت عيناه عليه ينطق بتباهٍ وهو يشير نحوه :
- وصل أهو يا حاچ عاكف .
تبادلا النظرات سويًا ، وأحس بانتظار والده له ، ولكنه أبعد نظراته ، وخطا يرحب بالرجال ثم وقف يعانق شقيقه ويربت على ظهره مرددًا :
- ألف مبروك ياعمار .
بادله عمار العناق وابتعد ينظر في عينيه ليبعد مهران نظراته ويلتفت ليقابل جابر الذي أشهر ذراعيه يأخد منه عناقًا مماثلًا ثم همس وهو يفعل :
- كنت فين من امبارح يا واكل ناسك ؟ لتكون اتچوزت وإحنا مانعرفش .
استهدفت الجملة جسد مهران فتوتر وابتعد يدعي انشغاله بالحديث ، كان يرتدي بدلة رسمية على عكس الجميع الذين يرتدون جلابيب صعيدية ، لذا نطق والده وهو ينهض استعدادًا للتحرك :
- اطلع غير خلجاتك وهات ولدك والحجنا يالا .
نطق مهران بنبرة ثاقبة :
- ماحغيرش يابوي ، أني راچع ع الرحلة بعد كتب الكتاب .
باغته بنظرة معاتبة ووقفت الكلمات المعترضة على طرف لسانه ، ولكنه ابتلعها يردف بإيماءة حزينة :
- طب روح هات حمزة .
هو يريده أن يراها وينفرد بها بأيٍ حال ، لربما حدث خير ، لذا حينما أومأ مهران وتحرك نحو القصر شعر بالسكينة ودعا سرًا بأن يصلح الله حاله ويتخلى عن عناده .
دلف القصر فوجده مزدحمًا بالنساء اللاتي تطلقن الزغاريد وأغاني الأفراح التراثية المبهجة ، كانت إحداهن تدندن والبقية ترددن خلفها ، حينما رأته نطقت مدندنة :
- واخو العروسة يا محلاه في البدلِة ، طالع من توبه وراچع يستحمِي ، لاچل ما يلحج يفرح جبل الدخلِة .
رددت السيدات كلماتها وضحكن عليها حينما أسرع هو نحو المطبخ بحرجٍ ليبحث عن والدته ، ولكنه اصطدم بها وتلاقت نظراتهما سويًا .
وقف متخشبًا يطالعها لبرهة ، برغم وصاياه لنفسه أنه سيتجنبها ويتجنب رؤيتها ، لم يكن يريد أن يراها الآن ، خاصةً وهي بهذا الجمال وهذه الرائحة التي انتشلته من بين الحضور ووضعته على فراشه يمارس ليلته الخاصة معها .
انتعش قلبها برؤيته ، وتناست إساءته لها فنطقت بنبرة متلعثمة :
- حمد الله ع السلامة .
وعى على نفسه فتنفس بعمقٍ وأسرع يواري تأثره ويتذكر ما فعلته ليبرر قسوته ، لذا أبعد عينيه يبحث من حوله متسائلًا :
- حمزة فين ؟
تجاهله جعل كلمات عمها تهب فجأة على عقلها كرياح موسمية ، فزفرت وعبست ملامحها تجيبه :
- عند نوارة .
أومأ ينطق حينما رأى عبوسها :
- تمام ، حروح اخده معايا كتب الكتاب .
تحرك يغادر من أمامها فتنفست رائحته ووقفت تطالع أثره وهو يتحرك حتى اختفى ،اختفى وترك قلبها في لوعته مجددًا ..
❈-❈-❈
انسدل الليل سريعًا على نجع آل حامد .
صعد يونس على حصانه ليكن في مقدمة الموكب المتجه نحو قصر آل حانا لإحضار العروس ، حيث اتفق الكبيران على تحرك موكب يونس أولًا ثم عودته بعروسه ومعه شقيقها عمار بموكبه ليأخذ عروسه فرحة .
فرحة التي تجلس في غرفتها أمام المرآة ، وإحداهن تزينها بانزعاج حيث كلما أوشكت على الانتهاء أفسدت فرحة زينتها بدموعها .
دلفت منصورة تطالعها بابتسامة ونطقت حينما رأتها :
- بسم الله ماشاء الله تبارك الرحمن ، جمر في ليلة كماله .
هذه الكلمة لم تسعدها ولم تكسر قوقعة الحزن التي دخلتها، لذا فهي لم تجِب بل تتطلع على هيئتها بصمتٍ تام ، لتنطق السيدة تبدي انزعاجها الذي بدأ يتلاشى :
- تعبتني معاها يا حچة منصورة ، كل ما أحطلها حاچة تبكي وتفسدها ، بس الحمد لله مسكت نفسها أخيرًا ، تعالي بقى اتكلمي معاها كلمتين علشان تفك شوية ، اللي يشوفها مايصدقش إن النهاردة فرحها .
تحركت السيدة تجمع أغراضها لترحل بينما نطقت منصورة بتأنٍ :
- معلش يا أستاذة هالة إنتِ خابرة زين الظروف ، تعبناكي معانا ، وتسلم يدك .
ابتسمت السيدة وتحركت لتغادر قائلة :
- حصل خير ، اضحكي يا عروسة وسبيها على الله اكدة ، عن اذنكو .
- ونعم بالله .
قالتها منصورة وغادرت السيدة وأغلقت الباب خلفها ، لتتجه تجلس قبالتها وتطالعها عبر المرآة قائلة بحنان :
- أني خابرة زين إنك مامتجبلاش مني حديت ، بس مش هاين عليا اشوفك إكدة واسكت ، هونيها على جلبك يا فرحة ، رب الخير لا يأتي إلا بالخير يابتي .
نظرت لها لبرهة ثم نطقت لأول مرة تشاركها مشاعرها :
- حطي نفسك مطرحي يا مرت عمي ، حتجدري تهوني على حالك ؟ حتجدري تنسي الحجيجة وإن أخوكي وأحن واحد عليكي في الدنيا دي كلياتها اتجتل على يد الراجل اللي بجى چوزك خلاص ؟ مهو مافيش جدامي غير أمرين مالهومش تالت ، يا إما ابجى خاينة لدم أخويا، يا إما أدفن نفسي في الحزن اللي أني فيه ده ، اختار إيه يا مرت عمي ؟ جوليلي ؟ وحسمع كلامك .
عبست منصورة ولم تعلم بماذا تجيبها ، إن إجابتها بما في نفسها فلن تتقبل فرحة حديثها جملةً وتفصيلًا ، لذا تنهدت ومالت تلتقط كفها بين يديها وتربت عليه مرددة بيقين :
- لا ده ولا ده ، وكلي أمرك لله ، جولي يارب إنت عالم بالحجيجة ، هون على جلبي وبرد ناري ، ادعي ربك وهو عنده الحل يا بتي .
سقطت دمعة منها مجددًا فأسرعت تلتقطها بسبابتها لتستطرد منصورة بعاطفة أمومية :
- في أي وجت وأي حاچة تحسي فيها إنك محتاچاني رني عليا هتلاجيني عنديكي بعد دجايج ، ولو مرايدانيش كلمي رضوى وهي هتچيلك مكاني ، وأوعي تفكري إنك وحيدة هناك ، أني موصية عليكي صابحة ونهاد بنت أخوي ، أمانة تضحكي يا فرحة .
أمنتها ، وبرغم صعوبة تنفيذ ذلك إلا أنها حاولت أن تبتسم نصف ابتسامة كي لا تردها ، فبادلتها منصورة إياها ونهضت تردف :
- تعالي يالا نجعد مع الحريم برا نستنى الرچالة .
نهضت معها ، وانساقت باستسلام كمن يخطو نحو منصة إعدامه ، فقد أصبحت زوجته وسبق السيف العذل .
❈-❈-❈
وصل موكب العريس إلى قصر آل حانا ، الاحتفالات يصدح صداها في البلدة بأكملها ، والموائد تتجدد كل بضع دقائق حيث يستقبل القصر عددًا لا حصر له من الزوار .
عُرِفت عائلة آل حانا وخاصة عبد الوهاب بالكرم والجود ، لذا فاليوم بالنسبة له يوم عيدٍ ليس فقط من أجل زفاف غاليته وولده الأوسط ، ولكن أيضًا من أجل استقبال هذا الكم من الزوار ، الأثرياء و الفقراء .
تعالت أصوات المزمار ، ودخل يونس بحصانه الذي بات يتراقص على الأنغام ، وانطلقت الأعيرة النارية إلى الأعلى ، وأسرع جابر يصعد على ظهر حصانه ويشارك يونس في الرقص ، بينما عمار وقف يجاور والده الذي مال عليه يردف :
- روح يا ولدي ارجص وياهم
تذكر حصانه الذي لم يصاحبه منذ تلك الحادثة ، فقد تم منعه من ركوبه خوفًا على حياته ، وأُجبر ألا يمارس هوايته المفضلة ليقرر التخلي عنه بصعوبة ، فهل سيفعلها الآن ؟
شبك كفيه خلف ظهره ونطق بهدوء يخفي تأثره وهو يرى استمتاعهم :
- مارايدش يا حاچ ، خليني واجف جارك إهنة ، چابر جايم بالواچب وزيادة .
مر الوقت وترجل يونس من فوق حصانه ليأخذ نوارته ويغادران بالسيارة .
كانت تجلس بين النساء بزينتها الرائعة ، وفستانها المصمم لها خصيصًا ، أميرة قصر آل حانا ونوارته .
حمل رجال القصر حقائب هداياها وتحركوا بها ليضعوها في السيارة ، بينما دلف عبد الوهاب يطالعها حتى توقف أمامها وابتسم فنهضت تقابله والتمعت عينيها بالدموع ، ها هي ستتركه وتذهب إلى مكانٍ آخر تقضي فيه المتبقي من عمرها ، ستترك هنا ذكرياتها وتميزها والمحبة والدلال اللذان حصلت عليهما من الجميع .
حاوط رأسها ثم انحنى يقبل ناصيتها واعتدل فجاورته صابحة تربت على كتفه وتطالعه بمقلتين لامعتين تأثرًا ولكنها سعيدة بقدرٍ كبير لأجل صغيرتها ، حتى أن سعادتها طغت على حزنها الذي يتجمع داخلها استعدادًا لمجيء عروسة ابنها عمار .
رفع عبد الوهاب كفيه وأسدل طرحة ابنته على وجهها ليصطحبها نحو الخارج بين الرجال ويسلمها إلى زوجها .
تحركت معه بتهمل وقلبها يقرع بصخب ، شعورًا مقيتًا تحاول دفنه داخلها ، وخيالات تمر على عقلها تتحدث إليها بألا تكمل خطواتها ، ولكن الغلبة كانت لاقتناص سعادتها ، النصر كان من نصيب ساقيها المتقدمتان نحو يونس زوجها .
نهضت نجوى تخطو مع النساء خلفهما ، بغيظٍ وحقدٍ لم ينفكا عنها وهي ترى مخططاتها تفشل واحدة تلو الأخرى .
وصل عبد الوهاب إلى الخارج فاتجه يونس إليه ووقف قبالته ، ينظر لها بسعادة كبيرة ، لديه طاقة فضولية ضخمة لرفع هذه الطرحة ورؤيتها ولكنه يتمالك نفسه إلى أن يحين الوقت .
مد يده للسلام على عبد الوهاب ، فأردف الثاني بتأثر :
- حطها في عينيك يا يونس ، أنت واخد حتة من جلبي وأغلى حاچة عندي .
أومأ يونس ونطق مؤكدًا بتعهد :
- ماحتشتكيش مني واصل يا خال ، نوارة من جلبك لجلبي .
ابتسم عبد الوهاب وناولها إياها فاستقبلها ودنا يطبع قبلة على جبينها من فوق طرحتها فشعر بارتعاشة كفيها فأسرع يمسك بها ويتحرك نحو السيارة ، بينما أشار عبد الوهاب إلى عمار الذي أتى فقال :
- روح يا ولدي هات عروستك وإحنا مستنيينك إهنة .
أومأ وتحرك مع جابر وعددًا من الشباب الذين استقلوا السيارات خلف سيارة يونس وغادروا بحماسٍ و صخب لتوصيل عروس واستقبال أخرى ..
ليصل الموكب إلى قصر آل حامد بعد بضع دقائق..
ترجل يونس وساعد نوارته أن تفعل ، ثم حاوط ذراعها بحنانٍ وتحرك بها نحو الداخل ، رحب به الرجال ترحيبهم المعهود بالطلقات وقروع الطبل والمزمار ، ولكنه يغار، يريد أن يخفيها عن الجميع لذا توجه على الفور نحو القصر لتستقبلها منصورة بزغرودة رنانة وسعادة متضخمة وهي تعانقها وتردد :
- نورتي جصر الحوامدة يا جلب عمتك .
وصل توترها إلى حلقها ، تبادل منصورة ولكنها في حالة تفقدها الحديث ، تحركت معها نحو الداخل بين النساء ، فانهالت الزغاريد والمباركات ، فأخذتها تجلسها بجوار فرحة .
لم تريا بعضهما حيث تغطي كلٍ منهما وجهها بالطرحة ، ولكن نوارة تنفست لتهدأ ونطقت بلطفٍ :
- أزيك يا فرحة .
- الله يسلمك..
إجابتها كانت صلدة ، كأنها تمتلك قلبًا متحجرًا ، ولكنه أصبح كقلب عصفورٍ يهرب من صياده حينما دلف الجد زيدان وتقدم منها ليأخدها إلى زوجها .
وليتها تهرب بالفعل ؛ نهضت تلتقط آخر أنفاسٍ لها هنا ولا تعلم هل ستعود بسلامٍ مجددًا ؟
تقدمت من جدها الذي رفع طرف الطرحة ، اشتهى رؤيتها ففعل ، وابتسم تأثرًا فأسرع ينزلها ويقبل جبينها ثم دنا منها يهمس بتأكيد :
- حييجي يوم وحتعرفي إني ماضحتش بيكي واصل ، حتفهمي إني عملت اكدة لأجل ما ترچع الفرحة لجلبك .
أغمضت عينيها في وجه كلماته ، ترفض سماعها ، لتتحرك معه نحو الخارج بصمتٍ ، حتى وصلت إلى الحديقة ورفعت نظرها تلاقي عمار من أسفل طرحتها ، لتجد نظراته مثبتة عليها ، تباغته بعداءٍ سافر ، ويطالعها بحبٍ حقيقي جعله يرهن مصيره بها .
تقدم يأخذها من زيدان ويتعهد له بألا يحزنها حتى كادت أن تقهقه ساخرة على هذا العهد،فهل ينقصها حزن؟ ولكنها كالعادة صمتت .
صمتت وهو يصطحبها معه نحو السيارة ، استقلتها وجلست تطالعه وهو يرقص مع شقيقه الذي سحبه قبل أن يصعد ، يبدو سعيدًا ، منتصرًا ، قاتل لم يتلقَ عقاب ما فعله..
ركضت الدقائق وغادر الموكب وبدأ زوار آل حامد يغادرون القصر ووقف يونس مع والده وجده وأيوب يودعونهم .
يدّعي الثبات ولكن عقله أهداه لأميرته التي تجلس في الداخل ، التفت يتحرك نحوها بعدما غادر الجميع ..
دلف ليجدها تتحدث إلى والدته وشقيقته ، تحاولان انتشال توترها منها ونجحتا في ذلك حينما بدأت تندمج معهما دون أن ترفع طرحتها ..
ابتسم بارتياح وسعادة كبيرة وهو يراها أمامه ، زوجته ، شريكته ، وحبيبته ، وأمنيته التي تحققت بطريقة لم تكن في الحسبان .
تقدم منها ومد لها كفيه فعاد التوتر يندفع إليها مصطحبًا معه الخجل ، لتنهض وتناوله كفيها فتساءل بنبرة لينة :
- نطلع أوضتنا ؟
سترفض الآن ، ولكن خانتها رأسها حينما أومأت ، فتحرك بها تاركًا خلفه منصورة ورضوى تطلقان الزغاريد مجددًا ..
صعد للأعلى وتحرك نحو غرفته التي تم تجديدها بشكلٍ مميز وراقٍ كشخصيته ، خطت فتوغل إلى أذنها صوت القرآن الكريم ، لتجد آيات من سورة البقرة يتلوها الشيخ الطبلاوي من خلال مسجل إذاعي يضعه يونس جانبًا .
راودها الدوار وتعالت وتيرة نبضاتها لذا ازدردت ريقها والتفتت لتراه وهو يغلق الباب ويتقدم منها مبتسمًا حتى توقف، ثم مد يديه بلهفة ورفع طرحتها ، توقفت نظراته عندها ، يحدق بأريحية وجرأة وإعجاب مبالغ فيه ولسان حاله يردد ( تبارك الرحمن ، ما هذا الجمال ؟ نوارة قولًا وفعلًا )
أسبلت جفنيها خجلًا فابتسم وانحنى يقبلها من بين حاجبيها ثم اعتدل يردف :
- أخيرًا دخلتي حياتي ومحرابي يا نوارة .
ابتسمت بوجنتين متوردتين ، كلماته صادقة يحاول بها تشتيت انزعاجها الملحوظ له من صوت القرآن ، ليستطرد بهدوء وبشكلٍ مباشر متعمد :
- دلوك أني رايدك ماتفكريش وماتسمعيش غير اللي حجولهولك ، حاولي تعملي إكدة ولو حسيتي إنك مضايجة عرفيني .
أومأت تغلق عينيها وحاولت كتم جميع الأصوات داخلها ولكنها وجدت صعوبة نسبة للصوت الرائع للآيات التي تزعجهم لذا نطقت بتوسل :
- ينفع تجفل القرآن ؟
تحرك خطوتين للوراء ليغلقه بالفعل ، ثم عاد لها فوجدها تبتسم بارتياح لذا سحبها إليه يعانقها فصُدمت وجحظت عيناها، ولكنها وجدت نفسها مكبلة بذراعيه بحنان ، فلم تستطع إلا أن ترضخ وتستشعر عناقه الذي ارتاحت داخله ، ليبدأ يهمس لها مرددًا :
- كنت خايف تروحي لغيري يا نوارة ، كنت بدعي ربنا ليل نهار تكوني من نصيبي ، والحمد لله بجيتي مرتي ...
صمت لبرهة يستمتع ويستشعر استمتاعها،ثم تساءل :
- حاسة بحاچة ؟
أجابته محلقة بكلماته :
- مبسوطة جوي .
تنفس بعمق ، يعيش معها الآن حبًا وحربًا وعليه أن يعطيها الأول وينزع منها الآخر، لذا نطق بترقب وهو يبتعد قليلًا ويحتوي وجهها بكفيه :
- دلوك حعمل حاچات بسيطة اكدة علشان ليلتنا تعدي على خير ، لو حسيتي بأي تعب أو صداع عرفيني ، وماعيزكيش تخچلي مني ، إنتِ دلوك مرتي وحلالي ، اتفجنا ؟
شعرت أنه يقودها نحو أمرٍ لن تتحمله ، وأنه سيبدأ في معالجتها على الفور ، تخشى أن ترفض وتخشى أن تقبل ، وقفت حائرة فتابع يطمئنها :
- ماحعملش أي حاچة ماريدهاش .
أومأت له بتفهم فابتسم ونظر إلى فستانها يردف بحبٍ وخبثٍ محلل :
- نخلع الأول الفستان الزين ده....
❈-❈-❈
وصلت السيارات إلى قصر آل حانا .
وترجل عمار يساعدها في النزول ويتحرك بها بين الجميع ، اتجه يقف أمام والده الذي نطق موجهًا كلماته لها :
- نورتي جصر الحنانوة يابتي ، دخلها چوة يا ولدي..
أومأ عمار وتحرك بها نحو الداخل فقابلته والدته تطالعه بقلقٍ بالغ ليبتسم لها ويردف باستفزاز لكليهما :
- عروستي في أمانتك ياما .
تركها وعاد إلى الخارج ، فباغتتها صابحة بعداءٍ وغضب لمحته فرحة فابتسمت خفيةً، لتأتي نهاد وترحب بها بدلًا عنها وسط تلامز النساء ..
لم يمر سوى ربع ساعة حتى دلف القصر فوجدها تجلس بينهن ، تسلطت عينيه عليها برغم عدم رفعها لطرحتها بعد ، وتسلطت عين صابحة عليه رهبة وخوف وهي تراه يدفع حبه مقابل حياته .
التفتت عينيه تلقائيًا نحو والدته فابتسم لها فترجته بعينيها ألا يؤلم قلبها فأومأ مطمئنًا ، ولكنه تقدم ووقف أمام فرحة يمد يده لها فناولته يدها بحدة ونهضت .
جاورا بعضهما وانهالت عليهما مباركات النساء ثم بدأن بمغادرة القصر تودعهما صابحة ونهاد .
بينما هو التفت لها ونطق بهمس :
- يالا نطلع
لم تعطِ أي ردة فعل ، فتحرك بها كأنه يسوق جثة ، وصعد الدرجات معها فأسرعت صابحة تنادي فتوقف فصعدت تقابله وتردف بنبرة آمرة :
- وصلها فوج وارچع لي ، أني عايزاك ضروري .
أومأ بطاعة واستأنفا خطواتهما نحو الأعلى ، ليتوجه معها نحو غرفته التي تم تجديدها أيضًا وتزيينها وشراء أثاثٍ جديدٍ لها لتناسب وضعه الجديد .
فتح الباب وأشار لها بيده قائلًا بلطف :
- اتفضلي ، ادخلي برچلك اليمين .
دلفت بقدمها اليسرى ، لتؤكد له أنها ستعانده من بداية خطواتها الأولى ولن تطيعه في أي شيء ، لذا ابتسم وتحرك خلفها يغلق الباب ثم وقف قبالتها مشدوهًا ، صوت نبضاته يرتفع حتى باتت تسمعه ، مشاعره تقود عينيه ليتفحص كل إنشٍ بها ، وتحركت يديه تلقائيًا ليرفع عنها طرحتها وما لبث أن فعل ليجدها تصفعه على إحداهما وتبتعد خطوة للوراء قائلة بحدة :
- بعد يدك عني .
ازدرد ريقه ورفع كفيه باستسلام لردة فعلها المتوقعة ناطقًا :
- تمام .
كاد أن يسترسل في حديثه حينما انهالت الطرقات على بابه فتحرك يفتحه ليجدها صابحة تطالعه بغضبٍ ولهفة وتنطق موبخة :
- جولتلك توصلها وتنزل ، مد جدامي .
طالعها بانزعاج فحاولت سحبه مصرة على أخذه ولكنه أوقفها ينطق محاولا إقناعها :
- ياما استهدي بالله ، اللي يسمعك يجول عني عيل ، أني حعرف اتصرف زين ، ماتجلجيش .
- لاء جلجانة ومحتحركش من إهنة من غيرك ، مد جدامي وريح جلبي .
نطقتها بترجٍ فزفر يستغفر ولا يعلم ماذا يفعل ليؤكد لها أنه سيكون بخير ، إلا أن والده أسعفه حينما ظهر من خلفها ينطق بنبرة رادعة :
- مايصحش إكدة يا صابحة ، سيبي ولدك يدخل لعروسته .
نظرت إليه تستجديه وتردف :
- وافرض أذته يا عبده ؟ اعمل أنا ايه وجتها ؟ خليها تنام لحالها لحد ما اطمن انها مانوياش ع الغدر .
نطق عبد الوهاب بنبرة صارمة :
- مايصحش الحديت ده يا أم مهران ، إنتِ كبيرة وما يعدكيش العيب .
ثم انحنى نحوها يطمئنها بهمس :
- مافيش أي سلاح في الاوضة ، الدنيا أمان ، وولدك عارف هو حيعمل إيه ، ماتجلجيش .
حاصراها كلاهما فلم تستطع إلا أن ترضخ بقلة حيلة برغم وصول القلق في قلبها مبلغه ، لذا اندفعت داخل الغرفة تقف أمام فرحة وترفع سبابتها متوعدة :
- اسمعي يا بت انتِ ، لو فكرتي تغدري بولدي ماحيكفنيش عيلتك كلها ، أني وعيالك زين ، عالله يا فرحة ، سامعة ؟ عالله .
اندفعت تغادر وتركتها تقف مبتسمة ومتشفية على حالة الذعر التي تسببت بها لها دون أن تفعل أي جهدٍ .
اصطحبها عبد الوهاب يهدأها بالكلمات ، ويؤكد لها أنه حرص على عدم ترك أي سلاح أو أداه حادة في غرفة ابنه ، حتى حقائب الهدايا التي أتت معها تركها لها في الأسفل ليتفحصها أولًا .
دلف عمار وأغلق الباب خلفه ووقف يطالعها فوجدها تبتسم وتنطق باستفزاز :
- الوالدة خايفة عليك يا زينة الشباب ، معجول تخاف على راچل ملو هدومه زييك من واحدة جليلة الحيلة زيي ؟ دي تبجى عيبة في حجك يا ولد الحنانوة .
ابتسم ونطق ببرود وهو يمط شفيه :
- اطمني يا رمانة ، ولد الحنانوة ماحيموتش ناجص عمر ، وبعدين لو حتجتل على يدك أني موافج ، بس مش من أول ليلة إكدة ، استني حتى لما يونس ولد عمك يفرحله أسبوع ولا حاچة ، ماعيزينش نكعنن على ناس ملهاش ذنب .
هو من استفزها لتتجهم وتتحرك بعنف من أمامه وتتجه تجلس على الفراش ، تشعر بأن هذه الجدران تحاصرها ، ونظراته نحوها كطلقات تخترقها لذا نطقت بقهرٍ تخفيه بحدتها :
- ماتحاولش تمثل انك بتراعي خواطر الناس ، أني أكتر واحدة عرفاك زين ، وعارفة إن ورا الجناع اللي إنت لابسه ده شيطان .
هل حقًا تكرهه لهذه الدرجة ؟ ألم تفكر ولو بمقدار ذرة بأنه مظلوم ؟ ألم تحاول خلال ذلك الشهر الذي مضى أن تفتح له ثقب إبرة ليدخل منه إلى قلبها ؟ يبدو أن طريقه أصعب مما كان يظن .
ازدرد ريقه ونطق بهدوء مستمرًا في استفزازها :
- وأني كمان خابر زين أن ورا جناع الكره والغضب اللي إنتِ لابساه بجالك ياما في واحدة طيبة وحنينة مدارية ، يا فرحة أني عارفك من أيام ماكنتِ جد كدة ، وإنتِ كمان خبراني زين ، لولا بس الغضب اللي بيعمي الجلوب والعيون .
لم تتأثر بحديثه ولم تعره أي اهتمام ، بل نظرت حولها تبحث عن أغراضها فلم تجدها لذا نطقت بتجهم :
- جولهم يجيبولي حاچتي ، واطلع برا الأوضة لحد ما غير ، و ما تفكرش إننا حنام في سرير واحد .
أشار نحو أريكة جانبية وأردف مازحًا :
- لاء ماعايزش ، نامي على السرير الكبير ده لحالك ، أني چايب كنبتي معايا ، مش مستغني عن عمري أنام جارك وماجومش تاني .
زمت شفتيها تضغطهما حينما كادت أن تصرخ ولكنه نطق وهو يتحرك من أمامها :
- هروح اجبلك حاچتك وارجع .
تحرك يغادر وتركها تجلس تسحب أنفاسها بقوة ، كأن الأوكسجين قد تلاشى ، تملس على صدرها وتحفز نفسها بكلماتٍ داخلية كي تحتمل هذه الأيام إلى أن تنهي أمره وتغادر ، لن تتأثر بأي حديثٍ له مهما قال ، لن تخون شقيقها مهما حدث ...
❈-❈-❈
جلست ترتدي قميصها الداخلي الناعم وتجلس على طرف الفراش ، ترتعش وتحتضن نفسها بحرارة وبرودة في آن،تغزوها حالة من الاستسلام لرغباته ، وتنتظره إلى أن ينهي صلاته .
وبالفعل سلّم ونهض يتجه إلى خزانة الملابس يفتح أحد أدراجها ويخرج منها زجاجة صغيرة ، خطا نحوها وجلس قبالتها يردف موضحًا بترقب :
- دلوك أني حدهنلك الزيت ده .
تساءلت والحروف تفر منها ويديها تعمل كستار لجسدها :
- زيت إيه ده ؟
أجابها و هو يفتح الزجاجة ويضع منها القليل على يده :
- ده زيت حبة البركة ومعاه زيت زعتر .
لم يخبرها أنه قرأ عليهما عددًا من الآيات المعينة ، وسورًا قرآنية صغيرة،وأدعية مخصصة لحالتها ، بل بدأ بالفعل وتناول كفيها يضع عليهما الزيت ويدلكهما بحنانٍ مفرط جعلها تسترخي وتحمد ربها أن الأمر مقتصرٌ على كيفيها ، ولكنها صُدمت حينما نهض يطالعها بثقبٍ ويردف بترقب وهو يجاهد ليتحكم في حرارة حبه ولهفته بها :
- مددي ع السرير واسترخي يا نوارة .
- يونس .
نطقتها بهمسٍ معترضة فنطق مؤكدًا :
- جولتلك ماحعملش حاچة ماريدهاش ، بس اللي بعمله دلوك مهم لاجل ما ترتاحي .
تنهدت بحرارة ثم وجدت نفسها تطيعه وتتمدد وفراشات الخجل تحلق حولها ، لينطق بنبرة تتوغل إليها كماءٍ دافئ تتلذذ به :
- غمضي عيونك واسترخي .
فعلت ، حيث توغلتها طاعة غريبة لكلماته فتركت له أمرها ، وبدأ يدلكها بالزيت ويسعى أن يتجنب إثارة خجلها ، كان يهمس بكلماتٍ لم تصل إليها فأصبحت في عالمها الخاص مستمتعة ومسترخية .
ابتعد فلاحظت ذلك ولكنها لم تبصر، بل ظلت تحت تأثير هذا التدليك قبل أن يفاجئها بسرقة قبلة دخيلة على ابتسامتها التي تلاشت حينما شعرت بها، وقد لمحت في مخيلتها وجهًا بغيضًا ومخيفًا وامتلك جسدها قوة لا تعلم ماهيتها لتستخدمها بشكلٍ مفاجيء في دفعه عنها فسقط أرضًا مصدومًا مما يراه ..
❈-❈-❈
عاد بعد وقتٍ يفتح الباب ويدخل حقيبتها ، وضعها جانبًا والتفت يبحث عنها ليجدها تخرج من الحمام ترتدي عباءة سوداء و حجابًا أسود وقد تخلت عن فستان زفافها ، وقف يحدق بها وهي تمر من جانبه كأنه غير موجود .
كم تمنى أن يحظى بزيجة سعيدة ، وأن يخلع عن عروسته ثوب زفافها بنفسه ، وأن ينعم معها بليلة سعيدة تزيح ألف ليلة جفاء ، ولكن أمنياته ذهبت في مهب رياحها وحدة نظراتها ، والأدهى أنه مرحبٌ بهذا..
زفر واتجه نحو غرفة الملابس ، وقف أمام خزانته وفتحها ثم التقط منها الخنجر الخاص بها وعاد يغلقها وتحرك عائدًا ، وجدها تقف جانبًا تصلي ، فابتسم على تناقضها المحبب ، تصلي وتخطط لقتله .
جلس على الفراش وانتظرها إلى أن تنتهي ، لتسلم وتنهض بعد دقائق ثم التفتت تطالعه بكره وتصيح وهي تضع السجادة على المخدع بعنف :
- جوم من اهنة .
أومأ ومد يده يناولها خنجرها فذهلت ونظرت له باستفهام فنطق وهو ينهض بالفعل ويقف قبالتها ، على مقربة سنتيمرات منها :
- خديه خليه معاكي ، أني وعدت نفسي ارچعهولك الليلة .
لم تكن تتوقع أن يفعل ذلك مطلقًا ، ولكنها فرحت بعودة خنجرها لذا مدت يدها تلتقطه فأسرع يقبض عليه فاحتدت نظراتها ليبتسم و يردف :
- فيه شرط جبل ما تاخديه .
إنه حقًا شيطان ، هل يظن أنه يستطيع أن يتلاعب بها ؟
أسرع يستطرد :
- اعتبريه طلب أخير من واحد ناوية تجتليه ، العُرف بيجول أي طلب للمجتول نافذ .
- جول اللي عندك وخلصني .
عاد يعرضه عليها وينطق بنظراتٍ ثاقبة :
- ماتغدريش بيا ، لو رايدة تجتليني اعمليها وعينك في عيني ، لا تضربيني في ضهري ولا و أني نايم ، بصيلي في عيني وغزي خنجرك في جلبي يا رمانة .
نطقها مسحورًا بعينيها البراقة ، وكأنه بدأ يذوب بداخلهما كذوبان الملح في الماء .
لتنتشل خنجرها منه وتقبض عليه مرددة من بين أسنانها :
- حجك يا ولد الحنانوة ، وحنفذلك اللي إنت رايده .
يتبع.....
•تابع الفصل التالي "رواية صياد النايا الحانا " اضغط على اسم الرواية