رواية ملك بلا مملكة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى

 رواية ملك بلا مملكة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى


اشتعل الاشتباك من جديد حين عاد الحراس للهجوم وكأنهم يريدون إنهاء الأمر بسرعة قبل وصول تعزيزات من القلعة، وتكاثرت الضربات حول يامان حتى بدا الممر كأنه يغلي بأجساد متشابكة وحديد يصطك بحدّة
لكن ما لم ينتبه إليه أحد أن الشرخ بدأ من الداخل
فمع كل حركة يصدّ بها يامان هجومًا، كان يزيح أحد الحراس خطوة عن صف الأسرى، ومع كل ارتداد كان يقترب ببطء من الموضع الذي تقف فيه جود بين السلاسل، لم يكن اندفاعه عشوائيًا، بل كان ينسج فوضى مقصودة، مساحة صغيرة من الاختلال تكفي لاشتعال شرارة
وحين تمكن من طرح أحد الحراس أرضًا، التقط مفتاح السلاسل من حزامه في لحظة خاطفة لم ترها إلا عين واحدة
كانت عين جود.
اقترب منها تحت غطاء اشتباك عنيف، وانحنى كما لو أنه يتفادى ضربة، وهمس بسرعة تحمّلي الصوت قليلًا، ثم أدخل المفتاح في القيد الداكن، انفرج الحديد بصوت خافت لم يُسمع وسط العراك، سقط القيد عن معصمها، ثم عن عنقها
لم تتحرك فورًا،بل انتظرت إشارته
وحين دوّى صراخ أحد الأسرى بعد أن انكسرت قيوده بفعل جذب مفاجئ، تحولت الفوضى إلى تمرد، تبادل بعض المستذئبين النظرات، ثم اندفع أولهم على حارس قريب، وتلاه آخر، وفي لحظات انفجر الطابور في ثورة صامتة بدأت خفية ثم اتسعت كالنار في عشب يابس
انشغل الحراس بإخماد التمرد، وتفرقت صفوفهم، وتداخلت الظلال بالأجساد، ولم يعد أحد قادرًا على التمييز بين هارب ومقاتل
وسط هذا الاضطراب، جذب يامان جود إلى جانبه، وسارا بخطوات محسوبة نحو طرف الممر حيث تشتد الأشجار وتكثف الظلال، لم يجرِ بها، لم يندفعا، بل انسحبا كما ينسحب جزء من المعركة دون أن يلحظه أحد
وحين بلغَا عمق الغابة، التفتت إليه جود للحظة، كان في عينيها سؤال كثير، لكنه أشار إليها بالصمت، وأرشدها إلى مسار ضيق يعرفه جيدًا يقود إلى قلب المنطقة المحرمة
وقبل أن تهدأ الفوضى، وقبل أن تُستعاد السيطرة على ما تبقى من الطابور، كان يامان قد اختفى بين الظلال كما لو أنه لم يكن هناك أصلًا
وفي اللحظة التي وصل فيها مصاص الدماء القاهر الساحق الذي أرسلته سولين، لم يجد إلا آثار معركة، حراسًا مرتبكين، وأسرى تمزق صفهم، وغضبًا يتصاعد في الهواء
أما الرأس الذي طُلب قبل غروب الشمس، فلم يكن هناك من يدلّه على صاحبها، فقد كان الهدف قد صار بعيدًا بالفعل داخل غابة لا تفشي أسرارها بسهولة لأحد
لم يكن الليل قد انقشع حين وصل نداء الدم إلى يامان في أطراف أرضه. كان الهواء مثقلا برائحة الحديد الساخن، وكانت الغابة تهمس له بما يحدث عند حدودها. وقف أمام كوخه في المنطقة المحرمة لحظة صمت قصيرة، ثم التفت إلى جود وأمرها أن تبقى في الداخل وألا تخرج مهما سمعت. لم يسألها إن كانت تفهم، فقد كانت عيناها تقولان إنها تعرف أن هذه اللحظة ليست للنقاش.
لم يكن يامان يشعر بانتماء إلى القطيع، ولم يعتبر نفسه مسؤولا عن الأسرى الذين تمردوا، لكنه كان يعتبر نفسه سيدا على أرضه.
وحين يُذكر اسمه في ساحة صراع فإنه لا يدير ظهره، ابتعد خطوات قليلة، ثم بدأ التحول،تبدلت عظامه وتمدد جسده واشتد فراؤه، وخرج الذئب الضخم الذي يحمل في داخله عقل إنسان وخبرة محارب وقوة اكتسبها في غابة الانكا، قوة بشرية لم تختف حين صار ذئبا بل امتزجت بوَحشيته فصار كيانا مختلفا.
تحرك بثبات نحو مصدر الرائحة والصراخ. كان مصاص الدماء القاهر الساحق يقف بين صفوف الأسرى، يقطع رؤوس المتمردين واحدا تلو الآخر ببرود قاس، ويرسل برسالة صامتة أنه إن لم يظهر المتمرد فسيُفني الجميع. تراصت الرؤوس عند قدميه، وساد الخوف.
عندها انطلقت صرخة مدوية هزت الغابة كلها. توقف مصاصو الدماء دفعة واحدة، وارتفعت الأنظار نحو الحافة حيث وقف الذئب الضخم، عينيه تلمعان بثبات لا يعرف التردد،أشار بمخلبه إلى القائد وقال بصوت عميق ملأ المكان إنه يأمره أن يترك الأسرى ويدعهم يعبرون أرضه بسلام.
ابتسم مصاص الدماء بسخرية وسأله منذ متى أصبحت هناك أرض لا تخضع لسولين؟
اقترب يامان خطوة وغرس مخالبه في التراب، وقال بصوت صارم إن هذه أرضه وحدوده ومملكته، وإن من يعبرها عليه أن يلتزم بتعليماته.
 أوضح أن حربهم مع الذئاب لا تعنيه، لكنه لن يسمح لأحد بالمرور إلا بإذنه وباحترام لسيد الأرض.
تجمع الحراس حول قائدهم، وسأله القاهر الساحق بغضب ماذا سيحدث إن لم ينصع،؟ رد يامان بهدوء مقلق أن الذئب سيدافع عن أرضه، وأنه لن يمر أحد دون موافقته، لا القائد ولا جيشه.
انتهى الكلام، واندفع مصاص الدماء بسرعة هائلة مستندا إلى دماء السلالة القديمة التي تجري في عروقه. لم يكن يعرف حقيقة القوة التي أمامه، في لحظة خاطفة قفز يامان كالصاعقة وأطبق فكيه على عنقه،كان الهجوم محسوبا وقصيرا، ولم تستغرق المعركة سوى ومضة.
هبط الذئب إلى الأرض، وغرس مخالبه في التربة، وفي فمه الرأس المقطوع.
وقف بشموخ وأعلن أن مرورهم عبر أرضه صار محرما حتى تأتي زعيمتهم بنفسها لتطلب الإذن،كان ذلك تحديا واضحا، فهجم مصاصو الدماء دفاعا عن كرامتهم، لم يتراجع يامان انطلق بينهم مثل إعصار، يتحرك بعقل المقاتل وغريزة المفترس، فيمزج التخطيط بالقوة الغاشمة، كانت كل عضة تنهي خصما، وكل حركة تسقط آخر، ارتفعت سحابة تراب كثيفة ثم هدأ كل شيء فجأة.
عندما انقشع الغبار كانت الأجساد ملقاة على الأرض بلا حراك، لم يبق إلا واحد يرتجف وقد أفلت سلاحه من يده،اقترب منه يامان ببطء، وترك له الحياة ليحمل الرسالة، قال له أن يعود إلى ملكته ويخبرها بما رأى، وأن يقول لها إن الذئب الحارس مالك هذه الأرض سيقطع رأس كل مصاص دماء ترسله، مهما كان عدده، حتى لو أرسلت جيشا بأكمله.
ثم أدار ظهره لهم جميعا وفتح ممرا للأسرى كي يعبروا، لم يمن عليهم بإنقاذ ولم يطلب امتنانا،
كان موقفه واضحا، فهو لم يقاتل لأجل القطيع بل لأجل حدوده،سار عائدا إلى أرضه بخطوات هادئة، وكأن ما حدث لم يكن إلا تثبيتا لحق قديم.
ومنذ تلك الليلة لم تعد المنطقة المحرمة مجرد جزء من الغابة، بل صارت مملكة غير معلنة، يحرسها ذئب لا يعترف بسيادة إلا سيادته، ولا يسمح لأحد أن يخطو فوق ترابه دون إذنه.

•تابع الفصل التالي "رواية ملك بلا مملكة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات