رواية ظنها دمية بين أصابعه الفصل المائة والتاسع عشر 119 - بقلم سهام صادق
🌻 ظنها دمية بين أصابعه 🌻
ما الذي يقصده من وراء حديثه هذا؟ تساءلت في نفسها بصدمة ظهرت بوضوحٍ عليها؛ فهي لا تستوعب ما تسمعه منه.
شعرت بجفاف حلقها، ونظرت إليه بنظرة برقت فيها ما لم يتمنَّ رؤيته.
ـ عزيز، أنت بتقول إيه؟
قالتها بصوت متلعثم ومهزوز، صوتٍ اخترق فؤاده الذي يمزقه الألم، وأكد له أن مصارحتها الليلة كان قراراً صائباً؛ فمنذ متى كان من طبعه الخداع والتلاعب بحياة من أحبهم؟
ـ أنا مش فاهمة حاجة يا عزيز...
نظر إليها ثم أسرع بإزاحة عينيه عنها ونهض من جوارها، أردفت هي بصوت ضعيف:
ـ أنت تقصد إيه بكلامك؟ فهمني.
أغمض عينيه بقوة واهية؛ فعدم استيعابها للحقيقة زاد من وجعه وطعن رجولته، وهنا تذكر حال شقيقه سالم أمام سمية.
فتح عينيه ونفض ذلك الضعف الذي جعله متخبطاً.
ـ لما الدكتورة قالتلك إن مافيش مانع عندك يأخر الحمل، ومن كلامك ليا يومها فهمت إن أنا كمان لازم أعمل فحوصات عشان نطمن أكتر...
توقف عن الكلام ثم زفر أنفاسه عدة مرات حتى يستطيع تمالك نفسه ومواصلة حديثه:
ـ أنا زي أي راجل يا ليلى، لما الكلام بيمس رجولتنا بنهرب منه، أو زي ما بيقولوا "بنقلب الترابيزة" عشان بنخاف.
ازدادت خفقات قلبها بعدم انتظام، وقد بدأت للتو تستوعب ما يقوله لها.
ألقى عزيز عليها نظرة سريعة، فوجدها قد اعتدلت في جلوسها على الفراش وتحدق نحو أرضية الغرفة.
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره لعله يقلل من شعور الاختناق الذي يجثم على صدره ويزداد مع كل كلمة يبوح بها وتعرّي رجولته.
ـ في عامل من العمال عندي في المعرض ربنا رزقه بطفل بعد سنين من العلاج والأمل والأنتظار...
رفعت ليلى رأسها جهته بعد أن توقف عن الكلام وبدأ في زفر أنفاسه مجدداً.
استدار بجسده، فتلاقت عيناهما، وما أصعبه من شعور أن ترى الرجل الذي عشقته مهزوماً أمامها لا يقوى على النظر إليها.
تحرك عزيز بالغرفة بخطوات فاترة، وابتلع تلك الغصة التي انحشرت في حلقه ، وواصل كلامه بنبرة صوت جاهد في إخراجها ثابتة:
ـ كلام العامل يومها هز حاجة جوايا، ولقيت رجلي واخداني عند دكتور معروف، وقولت لازم أطمن وأرتاح.
أطلق زفرة قوية وأغلق بعدها عينيه حتى يهرب من استعادة المشهد عندما ذهب إلى الطبيب للمرة الثانية واطلع على نتيجة الفحص:
ـ قالي إن مشوار علاجي ممكن يطول.. أه في أمل إننا نخلف، لكن قصاد الأمل لازم أحط الاحتمال التاني وأتقبل النتيجة.
أجهش عزيز بالبكاء عندما تسلل إليه ذلك الشعور الذي لا يرغب بأن يسيطر عليه:
ـ أنا راضي يا رب والله راضي، لكن غصب عني...
انهمرت الدموع على خديها، ثم أسرعت بوضع يديها على فمها حتى لا يصدر صوت لبكائها.
ـ من يومها وأنا اتغيرت، من يومها وأنا بحاول أوجعك وأكرهك فيا.. كنت بعمل كده عشان تسيبيني يا ليلى...
ارتجف قلبها برجفة مؤلمة عندما مرت تلك اللحظات أمامها، ولو كان القلب ينسى فالذاكرة لا تخون.
ـ كنت بداري وجعي فـ ضعفك، كنت بصرخ عليكي لأن خايف تشوفي عجزي.. قسوتي كانت ضعف مني، أنا عمري ما كنت قاسي على الناس اللي حبيتهم يا ليلى.
ردد كلماته الأخيرة بحرقة وعاد ينظر إليها ليجدها تهز رأسها بضعف. اقترب منها ثم توقف مكانه محدقاً بها بعد أن باغتته بسؤالها:
ـ ليه عملت فينا كده؟ ليه يا عزيز؟ أنا كنت بشوف فيك الدنيا كلها، ولو كنت بتمنى طفل كنت بتمناه عشان هيكون منك أنت.
تسلل الأمل إليه بعد حديثها هذا، وكاد أن يتحرك إليها ويعتصرها بين ذراعيه لكنها أشاحت بوجهها عنه قائلة بوجع:
ـ أنت خلتني أحس إني ست ناقصة يا عزيز، وأصدق كل كلمة اتقالتلي عن سبب جوازك مني.. أنت وصلتني إني أقف قدام المرايا وأعري نفسي عشان أتأكد إني لسه جميلة وإن دوري في حياتك منتهش....
تجمدت قسمات وجهه وهو يتخيل لحظات الضعف التي أوصلها إليها، ليجدها تندفع نحو خزانة ملابسها وتخرج منها ثياب النوم التي اشترتها اليوم من أجله:
ـ شوف أنا اشتريت ليك إيه؟ اشتريتهم عشان أرضيك، عشان أجدد من حياتنا، ما أنا خلاص اتبرمجت إن جرعة الحب مبخدهاش غير كده...
ألقت كل ما التقطته يداها أرضاً تحت نظراته المصدومة ثم دهستهم بقدميها:
ـ وحتى الحاجة الحلوة اللي كانت بتجمعنا في أوضتنا بقيت فيها قاسي، لكن كنت بقول يمكن من ضغط كل حاجة عليه بيفرغ قسوته عليا، أو يمكن بيكون مبسوط كده!
وبمرارة أردفت وهي تضم جسدها بذراعيها:
ـ في كل مرة كنت بتهجرني فيها أو تصرخ عليا من غير سبب كنت بتسيبيني لشيطاني يا عزيز....
تقهقر إلى الوراء عندما اندفعت إليه ودفعته بقبضتي يديها:
ـ عايز تعرف أنت وصلتني لإيه كمان بسبب جبنك لما خبيت عليا واختارت الهجر والقسوة؟
تسارعت أنفاسه وأغلق عينيه خوفاً مما أوشك على سماعه:
ـ خلتني أدور أبسطك إزاي....
فتح عينيه وجلاً ونظر إليها مبتلعاً ريقه، فابتسمت وهي ترى نظرته المرتعبة:
ـ وكارولين مقصرتش معايا.. فتحت عيني...
وأسرعت تضع يدها على فمها حتى لا تتقيأ؛ فمقطع واحد رأته من تلك الأفلام ذات ليلة أصابها بالغثيان وأدركت فداحة ما فعلت.
ثقلت أنفاسها وتحشرج صوتها وهي تتذكر تلك الليالي التي قضتها تبكي على حالها:
ـ ما هو لازم أتعلم وأعرف إن العيب فيا، ما الكل بقى شايف إنك مبقتش تحب البيت وكأنك نفرت منه بسببي.
وبحرقة لطمت صدرها وهي ترى صدمته و ذهوله:
ـ أوعى تبصلي البصة ديه عشان أنت السبب.. أنت اللي خلتني فاهمة إن دوري معاك في حياتك هنا...
وأشارت نحو الفراش ساخرة:
ـ هنا بيكون دوري، وهنا عزيز بيه بيكون مبسوط وراضي عن ليلى وبيترجم ليها حبه، لكن أول مواجهة لينا مع الحياة عزيز بيه قرر يحرم ليلى من متعته وسابها تتأكد إن جمالها في عينه خلاص انتهى وشبع منها...
تهدلت أكتاف عزيز وطأطأ رأسه بخزي؛ فهذا هو ما صنعه بيديه والنتيجة كانت الخسارة.
ـ وصلتنا لكل ده عشان خايف تقولي إن ممكن مكنش أم.. حرام عليك.. حرام عليك يا عزيز!
.....
في ساعة متأخرة من الليل، استندت زينة برأسها إلى باب غرفتها ثم أغلقت عينيها وهي تستمع لصوت والدها، وعلى ما يبدو من صوته أنه مَخْمور.
ـ أنا شايفة إن رجلك اليومين دول أخدت على هنا.
قالتها إلهام وهي ترى عدنان يترنح في وقفته ثم نظر إلى فتحتي مئزرها:
ـ أنتِ مش مراتي يا إلهام؟ أجيلك بقى وقت ما أحب.
تمتم بها وهو يجتذبها إليه، فدفعته عنها بنفور:
ـ خلي حد من رجالتك ييجي ياخدك يا عدنان.
تجهم وجه عدنان ثم ابتعد عنها وقد ظنت أنه بالفعل سيغادر:
ـ هنام في حضنك الليلة دي يا إلهام، وكلمة زيادة هعلي صوتي وهخليها تسمعنا.
انتفض جسد إلهام عندما وجدته يتجه نحو غرفة زينة.
شحب وجه زينة وابتعدت عن الباب ثم أسرعت نحو الفراش ودثرت نفسها بالغطاء خوفاً ورددت لنفسها:
ـ نامي يا زينة.. نامي بسرعة.. أنتِ مسمعتيش ولا شوفتي حاجة.
ابتسم عدنان بخبث عند التقاط إلهام لذراعه واتجاهها به نحو غرفتها:
ـ أنت إيه يا أخي؟ هخلص منك إمتى؟
أجفلها عدنان بإطباقه على فكها بقبضة قوية:
ـ عمرك ما هتخلصي مني يا إلهام، فاتعدلي معايا بدل ما أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه.
دفعت قبضة يده عنها ورفعت إصبعها محذرة:
ـ متهددنيش بـ زينة لأنك عارف كويس إنها آخر حاجة ما بينا يا عدنان.
انفرج ثغر عدنان عن ابتسامة خبيثة لم تخفَ عن عينيها :
ـ يبقى خلينا حلوين مع بعض يا إلهام وقربي خلينا نخلص.
وهذا هو الثمن الذي كانت تدفعه هي منذ أن صارت زينة تحت رعايتها.
ابتعد عدنان عنها بعد أن نال ما أتى من أجله ثم سقط جوارها نائماً.
أطبقت شفتيها لتكتم تلك الصرخة التي كادت أن تنفلت منها، وببطء حذر نهضت من جواره والتقطت مئزرها لتضعه على جسدها.
ارتعشت أجفان زينة عندما شعرت باقتراب خالتها من فراشها. امتدت يدا إلهام نحو خصلات شعرها وهمست باسمها:
ـ زينة.
ثم كررت نداءها حتى تتأكد من نومها وغادرت بعدها.
رفعت زينة الغطاء عن رأسها ونظرت نحو باب الغرفة الذي أغلقته وراءها.
....
نظر صالح في ساعة يده مترقباً الوقت الذي ينتظر مروره بفارغ الصبر. تساءل الواقف معه بحرج:
ـ مستر صالح نأجل كلامنا مرة تانية ولا أكمل كلامي؟
أغلق صالح الملف الذي أعطاه له الواقف وابتسم وهو يعيد إليه ما اطلع عليه من الأوراق:
ـ أنا فهمت خلاص وجهة نظرك يا أستاذ علاء متقلقش وشكراً ليك.
ابتسم السيد علاء وقال بإطراء نابع بصدق:
ـ الشركة بقت محظوظة بوجودك يا مستر صالح.
تنهد صالح بعمق؛ فرغم أن البعض مؤخراً أصبح يخبره بهذا، إلا أنه لا يجد نفسه هنا ولا يشعر بانتمائه لهذا المكان، لكنه مجبر حتى يسيطر على أفعال جده وأفكاره التي لا تُسبب إلا المناوشات.
ـ عن إذنك يا مستر صالح.
انصرف السيد علاء ووقف صالح يتابعه بنظرة شاردة.
....
أوصدت زينب باب غرفتها في منزل جدها وقد اطمأنت على وجود يزيد مع جدها، وأن أفراد العائلة الموجودين بالمنزل منشغلون مع العروس وأجواء العرس.
أسرعت بفتح الحقيبة والتقاط الملابس التي سترتديها بالمساء أمام نساء العائلة.
ـ أنا عارفة مش هتسكت غير لما تشوفني وتتأكد من كلامي يا صالح.
بدأت في خلع ملابسها سريعاً وارتداء ذلك الثوب الذي لائم لون بشرتها ثم فكت رابطة شعرها لينسدل بخصلاته الكثيفة على ظهرها.
ـ قمر يا بت يا زوزو.
غمغمت بها وهي تمرر عينيها على صورتها المعكوسة في المرآة، ثم زمت شفتيها فجأة بعبوس عندما فضحت لها المرآة بروز بطنها الذي أصبح ظاهراً.
ـ أخبيها إزاي ديه؟ مافيش حاجة نافعة... شكلي كده الليلة دي هكون حديث ستات العيلة والكل هيعرف، وطبعاً أول حاجة هتتقال: "أخيراً هتجيبي ليهم الوريث".
وأطلقت زفرة طويلة بائسة؛ فهذا هو السبب الذي يجعلها تشعر بالاختناق كلما تذكرت أن زواجها من صالح كان قائماً على أغراض دنيئة، وكأنها كانت أمامهم دمية يشترونها من المتجر.
ارتعش جسدها بنفضة خفيفة عند صدوح رنين الهاتف، لتسحب نفساً عميقاً وتبتسم؛ فالمتصل معروف وينتظر ردها بلهفة.
فتحت زينب المكالمة المرئية، فأتاها صوته سريعاً:
ـ يعني طردتيني الصبح من عند جدك وقولت ماشي عشان مظهرنا العام، لكن اوعي تفتكري إنه بيضحك عليا.
قهقهت بخفوت وتلاعبت بخصلات شعرها بدلال:
ـ هو أنت حد يعرف يضحك عليك؟ أنت طفل مشاكس يا حبيبي وتخطيت يزيد في إصراره على أي حاجة عايزها.
عقد حاجبيه باستنكار:
ـ طفل مشاكس؟ وامبارح يتقالي "كتكوت"؟ فينك يا شاكر باشا!
انفجرت ضاحكة لكنها أسرعت في تمالك نفسها حتى لا تلفت انتباه من بالخارج:
ـ صالح خليني أوريك الفستان عشان تصدق إن إطلالتي المرة دي محتشمة وهتعجبك.
وضعت الهاتف على طاولة الزينة وابتعدت قليلاً ليتسنّى له رؤيتها.
غمره شعور بالرضا عندما رآها تقبلت رغبته في عدم إظهار مفاتنها أمام الغرباء حتى لو كانوا من النساء.
ـ ها إيه رأيك؟
انطلقت من شفتيه صفيرة خافتة وقال بعبث رجولي أخجلها:
ـ طبعاً أنا ليا عرض تاني خاص بيا.. عايزك فيه...
انقطع عن حديثه وهو يغمز لها بطرف عينه وأردف متسائلاً:
ـ هتدلعيني قبل ما أسافر يا زوزو؟
هزت كتفيها بغنج، فضحك وهو يمرر أصابعه على عنقه:
ـ آه على الزمن اللي خلاني بقع من ضحكة وممكن أقول "مولاتي تأمر وأنا أنفذ".
كتمت صوت ضحكاتها بكف يدها ثم نظرت حولها بتوتر بعد أن سمعت صوت زوجة عمها قريباً من غرفتها:
ـ صالح خليني أقولك على حاجة بسرعة قبل ما أقفل.
اختفت ابتسامته بعد أن تسلل إليه شعور بالقلق، فتنهدت بصوت مسموع:
ـ أنا هقول إني حامل يا صالح وأنت كمان بلغ جدك.. موضوع الحمل مش هيستخبى أكتر من كده.
والقرار لم يجادلها فيه، فهذا ما أخبرته به والدته منذ أيام، خاصة أن جده أيضاً بدأ يلمح بالأمر ويخبره بأسلوبه الفظ أنه لم يعد متحمساً لطفل يأتي إلى عائلتهم من زينب.
....
شحب وجه زينة ونظرت إلى خالتها بوجل:
ـ هنروح للدكتورة ليه؟
رمقتها إلهام بنظرة ثاقبة ومازال الشك داخلها:
ـ هو أنتِ مش مصدقاني يا خالتو؟
مررت إلهام عينيها عليها ثم أشاحت بوجهها:
ـ هتعملي العملية عشان ترجعي بنت تاني.
ازداد شحوب وجه زينة، فأردفت إلهام بنبرة صوت باردة:
ـ لو كنتي على علاقة لازم تنهيها لأنك هتتجوزي...
....
ضاقت حدقتا عايدة عندما انتفضت ليلى ذعراً عند سقوط كوب الماء من يدها:
ـ ابعدي يا حبيبتي عن الإزاز.
نظرت إليها ليلى بنظرة باهتة، فأسرعت نحوهم إحدى الفتيات اللاتي أرسلتهن شركة تنظيم حفل اليوم:
ـ من فضلك اخرجي من المطبخ وأنا هنظف المكان...
وبرفق أردفت عندما أبصرت الحزن الواضح على وجه ليلى:
ـ أنتِ شكلك تعبانة.
هزت عايدة رأسها بتأكيد على كلامها والتقطت ذراع ليلى لتخرجها من المطبخ:
ـ كلامها صح يا ليلى.. أنا مش عارفة بس مالك؟ شكلك مش مطمني.
والرد الذي التزمت ليلى بقوله، أنها تشعر بالوهن ليس إلا...
....
ارتسم الفزع على وجه صالح وابتعد عن والده حتى يستطيع التحدث:
ـ أنت بتقول إيه؟ كانت معانا في باخرة أسوان؟ أنت متأكد!
تحدث الطرف الآخر وهو ينظر إلى الصور التي أمامه واستطاعوا الحصول عليها:
ـ هبعتلك صورها وعايز أقولك إني عندي شك في حاجة...
انتاب صالح شعور بالخوف وتساءل:
ـ قول من غير رغي كتير.
تنهد الطرف الآخر بحيرة وفرك جبينه:
ـ أنا حاسس إن في حد كان بيضللنا في الأول مش عارف ليه.
خفق قلب صالح وقال بوجل وهو يلتف بجسده لتتقابل عيناه مع عيني مراد الذي انضم لأفراد العائلة:
ـ ابعتلي صورتها.
ارتجفت أجفانه عند رؤيته للصور المبعوثة وقد تلاقت عيناه بعيني مراد مرة أخرى.
....
اتجهت أنظار لبنى نحو حورية التي أكدت باهتمامها المبالغ مع كل حركة تفعلها زينب ذلك الشك الذي أخبرتها به يسرا عن حملها.
أشاحت لبنى وجهها عنهن زافرة أنفاسها بضيق؛ فرؤيتها لتلك الحياة التي تعيشها زينب تجعلها راغبة في صفع أشرقت مراراً.
ـ ماما أنا شوية كده وهمشي، حاسة بصداع مش قادرة أتحمله.
حدقت بها لبنى بنظرة طويلة، فابتلعت أشرقت ريقها متسائلة:
ـ مالك يا ماما؟ أنتِ تعبانة؟
أصابها الذعر من تحديقها وكادت أن تعيد تساؤلها لتجفلها بسحبها وراءها بعيداً عن أنظار نساء العائلة.
ـ ماما أرجوكي بلاش نتكلم هنا...
دفعتها لبنى داخل إحدى الغرف دون أن تفتح إضاءتها، ثم أطبقت على ذراعيها وهزتها بعنف لعلها تخرج غضبها:
ـ اسمعيني كويس.. زي ما بقيتي حامل منه في الحرام تعمليها تاني.. أنا وهمته إنك حامل!
....
دارت عينا شهد بالمكان الذي دلفوا إليه، فأسرعت بالنظر نحو ساهر الذي تعرفت عليه عن طريق عملها بالشركة:
ـ هما فين الناس وفين الحفلة؟
ابتسم ساهر ونظر نحو لميس التي ترافقهما وقد ترك لها مهمة الرد، فهو صار يعلم أن عصفورته الصغيرة تتبعها كالعمياء.
ـ شهد، النوع ده من الحفلات مش زي ما أنتِ فاكرة...
عقدت شهد حاجبيها وكادت أن تتساءل، لكن لميس اجتذبتها من يدها وابتعدت بها عن أنظار ساهر:
ـ يا بنتي أنتِ كده هتفضحي نفسك قصاده ويعرف حقيقتك!
نظرت شهد بفزع نحو ساهر الذي وقف عاقداً ساعديه أمام صدره، بينما تابعت لميس:
ـ لازم تفضلي قدامه إنك بنت ذوات لحد ما توقعيه في حبك.. ولا عايزة تعيشي عمرك وأنتِ شهد بنت السواق؟
🌻 ظنها دمية بين أصابعه 🌻
تصاعدت وتيرة أنفاسها وتقهقرت إلى الوراء وهي تهز رأسها رافضة وغير مصدقة ما سمعته، وبصعوبة خرج صوتها متقطعاً:
ـ أنتِ عايزاني أخلف منه؟
أظلمت عينا لبنى واقتربت منها، ثم افتر ثغرها عن ابتسامة ارتجف معها قلب أشرقت خوفاً.
ـ وفيها إيه لما تخلفي منه طفل وبعدها تاخدي حريتك وفلوس في البنك وفيلا وعربية أحدث موديل...
جحظت عيناها في ذهول؛ فهل ينقصهم المال حتى تساوم والدتها على حياتها بتلك الطريقة التي ربما تلقى فيها حتفها مع رجل مثل مراد؟
ازدادت قتامة عيني لبنى واستكملت حديثها بنبرة صوت تغلغل فيها الحقد:
ـ أنتِ كده كده هتطلقي منه وطلعتي من الجوازة خسرانة وأنتِ السبب في كل ده.
صفعتها والدتها بكلماتها القاسية ،فطفرت الدموع في عينيها ثم استمرت في هز رأسها.
ـ كان نفسي أرفع رأسي بجوازة بنتي سيادة المستشارة زي كل ستات العيلة، لكن للأسف بنتي حطتنا تحت رحمة واحد عديم الشرف.
أرادت الصراخ بعلو صوتها، لكن هل ستجلب لنفسها فضيحة أخرى ويعلم الجميع ما تجرعت عواقبه حتى هذا اليوم؟
ـ لازم تتظاهري أنك حامل لحد ما تحبلي منه بالطفل، أنا مش عارفة واحد مريض زيه عايز طفل ليه، بقى أنا يكون ليا حفيد من واحد زيه؟ آه على خيبتك يا لبنى!
أسرعت أشرقت بصم أذنيها حتى لا تسمع المزيد، فوالدتها لن تصمت ولن ترحمها.
ـ ظبطي مكياجك قبل ما تخرجي مش ناقصين كلام...
وتحركت حتى تغادر الغرفة وتعود إلى ضيوفها، لكن فجأة توقفت والتمعت عيناها بنظرة ماكرة:
ـ أنتِ مش كنتي مصدعة؟
أسدلت أشرقت عينيها بوهن، فهي على يقين بما ستخبرها به.
ـ بعد ما تسيبي الحفلة الكل هيسأل عنك، فأنا هقول أنك دوختي ومستحملتيش الدوشة.
وبابتسامة عريضة استرسلت فيما ستفعله بعد مغادرتها:
ـ هتلاقيهم بيسألوا عن السبب ولوحدهم هيخمنوا، وطبعاً التخمين هيكون في صالحنا.
خرجت لبنى الغرفة وعلى وجهها ابتسامة ظفر، فهي ستكيد كل من يشكك في سعادة ابنتها من هذا الزواج الذي جاء عليهم بالنكبة.
ـ هو السبب.. هو السبب في كل اللي بعيشه.
غمغمت بها أشرقت وهي تمسح دموعها عن خديها بعنف، ثم نظرت حولها في أركان الغرفة المظلمة.
ارتعش جسد ليلى وانكمشت أكثر على نفسها جوار الفراش الذي كانت تجلس عند أحد جانبيه.
....
ضاقت حدقتا مراد عند اقتراب قصي منه وإعطائه الهاتف:
ـ تليفونك مقفول وأشرقت مش عارفة توصل ليك.
التقط مراد منه الهاتف وانسحب من بين المدعوين في الحفل المخصص للرجال. رماه قصي بنظرة ثاقبة؛ فحال شقيقته لا يعجبه، ولولا تلك الحواجز التي وضعتها والدتهما بينهما وهم صغار، لكانت علاقتهما مختلفة ووجد كل منهما في الآخر ملاذاً له.
عاد إليه مراد بوجه متجهم لم يخفَ على عيني قصي الذي تساءل وهو يأخذ منه الهاتف:
ـ فيها إيه أشرقت؟ صوتها مكنش عاجبني.
أسرع مراد بالسيطرة على قسمات وجهه، ثم ألقى مزحة سخيفة قبل أن يغادر:
ـ بكره تعرف وتجرب نكد الستات.
...
عقدت عايدة حاجبيها في ذهول وهي ترى ليلى تخرج من غرفتها، فأسرعت بالتساؤل بنبرة قلقة:
ـ أنتِ كنتي هنا وأنا بدور عليكي؟
تمالكت ليلى ذلك الشعور الذي يجثم على صدرها ويزيدها اختناقاً قائلة:
ـ كنت بصلي العشاء وبعدين قعدت شوية أريح رجلي.
انشق ثغر عايدة عن ابتسامة خفيفة وربتت على ذراعها بحنان:
ـ طب تعالي يلا عشان زينب كانت بتسأل عليكي.
أخذت ليلى نفساً عميقاً وسارت وراءها وفي عينيها نظرة ضياع.
ثقلت أنفاسها عندما وقعت عيناها على لبنى التي لا تراها إلا أماً قاسية القلب، وقد تلاقت عيناهما في نظرة مقتضبة.
أشاحت ليلى بوجهها عنها لتتقابل هذه المرة عيناها مع سما التي لا يظهر عليها فرحة العروس، وقد علمت الآن أحد أسباب عدم فرحتها؛ فامرأة مثل لبنى تكون والدة زوجها هي بلاء حقيقي.
ـ ليلى، كنتي فين؟ بدور عليكي وسألت دودو الجميلة عنك.
هتفت بها زينب بهمس وهي تنظر نحو عايدة، المرأة الطيبة التي أكدت لها أن ليس كل زوجات الأعمام يشبهن زوجات أعمامها.
ابتلعت ليلى ريقها ونظرت إليها، فضاقت حدقتا زينب وتساءلت بحيرة:
ـ ليلى أنتِ كويسة؟ فيكي حاجة مش مريحاني.
وقبل أن تسترسل زينب بالتساؤلات، وجدت يسرا زوجة عمها تقترب منهن قائلة بهمس:
ـ اعملي حاجة يا زينب وخليها تبان فرحانة.. كفاية فضايح.
....
اختلى صالح بنفسه داخل سيارته بعدما شعر أن عليه الانسحاب عن أنظار كل من يحيطون به.
أغلق عينيه مستنداً برأسه إلى ظهر مقعد السيارة، ثم أطلق زفرة طويلة وقد بدأت الأفكار تأخذه بلا توقف، وفي رأسه يتردد ما أخبره به ذلك الرجل الذي رشحه له صديقه ماهر ليتولى مهمة البحث عن تلك المرأة التي ظن أنه سيجدها بسهولة.
أطلق زفرة أخرى طويلة متسائلاً بحيرة بعد أن فتح عينيه:
ـ مين عارف إني بدور عليها ومكنش عايزني أوصل ليها؟ ودلوقتي بالذات انكشفت ورقتها.. معقول ظهور الست دي دلوقتي وراه حد؟
ولا يعلم لِمَ أتت صورة مراد أمامه؛ فهو لا يرتاح إليه ولا لشراكة جده مع والده، ورغم يقين جده التام بجزء من تجارة عدنان المشبوهة، إلا إنه يتغاضى عنها متعللاً بأن لا شأن لهم بهذا.
ـ يوم الباخرة أكيد زينب مشفتهاش ولا هي شافت زينب.
ولوهلة بدأ يفكر في تفاصيل تلك الليلة التي رآها فيها، وكيف كانت تشبه تلك النساء اللاتي تفضحهن نظراتهن. سرت فجأة رجفة داخله تحمل معها اشمئزازه عندما تذكر نظرتها إليه:
ـ ست حقيرة.. دمرت براءة طفلة وخدعت راجل طيب.
تنهد باختناق عندما تخيل تلك المعاناة التي عاشتها زينب مع تلك المرأة، ثم أسرع بنفض رأسه عن أفكاره والتقط هاتفه؛ فهو الآن يرغب بإخبارها بحبه، وأنها طفلته المدللة وستبقى للأبد هكذا.
....
عليها أن تسيطر على خوفها، عليها أن تكون جريئة مثلهم وتقتحم عالم الطبقة المخملية لتصبح منهم، فهي لن تصل إليهم إلا بالشجاعة وإظهار جمالها المدفون... وهذا كان أحد دروس سمية حتى تصبح سيدة أعمال مثلها.
ـ مصممة برضه متشربيش معانا؟
قالها ساهر وهو يمد يده بأحد المشروبات، فامتقع وجه شهد وأشاحت بوجهها عنه:
ـ لأ أنا جربتها مرة وطلعت وحشة...
ابتسم ساهر ووقف قبالتها ثم دفع بالكأس نحو فمها:
ـ جربيها مرة تانية وأنتِ هتحبيها.
امتقع وجه شهد ودفعت يده عنها ثم هزت رأسها بنفور:
ـ لأ لأ مش هجربها تاني.. هي أصلاً حرام.
اهتز الكأس في يده وهو يقهقه بمتعة ثم نظر إلى جسدها بنظرة خاطفة دون أن يتوقف عن الضحك.
ـ أنت بتضحك على إيه؟ هو أنت مش وعدتني أنك هتبطلها؟
ارتشف ما تبقى من كأسه دفعة واحدة وهو يبحث بعينيه عن لميس:
ـ أنتِ وشطارتك يا حبيبتي، خليكي بقى هنا واشربي عصير البرتقال.. حلو عشان صحتك يا صغنن.
وابتعد عنها وهو يقهقه؛ فهل كان ينقصه رفقة فتاة لم تخرج بعد من شرنقة طفولتها؟
احتقن وجه شهد ونظرت حولها، وسرعان ما شعرت بالغثيان وهي ترى ما ظنته يُعرض فقط على شاشات التلفاز.
...
ألقى مراد نظرة ساخطة نحو سيارة أشرقت ثم اتجه إلى الداخل بخطوات مهرولة تحت أنظار سيلين التي وقفت في البهو الداخلي للفيلا تنتظر سماع مشاجرتهما التي تزيد من جرعة سعادتها.
احتدت عينا مراد فور دلوفه الغرفة ورؤيته لكل أشيائه مبعثرة أرضاً، وكاد أن يتساءل عما فعلته وينعتها بالجنون لتباغته بقذف إحدى قنينات العطر نحوه.
استدار بجسده سريعاً حتى يتفادى فعلتها:
ـ هقتلك وأخلص منك.. حياتي اتدمرت بسببك.. كل حاجة حلوة عندي راحت.. هقتلك يا مراد!
كررت وعيدها المستمر الذي لا ينال منه إلا نوبات جنونها ثم اندفعت جهته عندما رمقها بنظرة ساخرة:
ـ أنا مش هرتاح غير لما تموت...
وبصرخة قوية استكملت صياحها الذي اجتذب انتباه كل من بالأسفل:
ـ ابعد عني.. ابعد عني.. سيبني أموتك عشان أرتاح!
أسرع مراد بتقييد حركتها وإلقائها على الفراش، وقبل أن يصدح صوت صراخها أطبق فمها بكف يده:
ـ اخرسي.. مش عايز اسمع صوتك.. أنا ماسك نفسي بالعافية عشان تظهري بمظهر كويس في فرح أخوكي سيادة الرائد، لكن يخلص الفرح وهعرفك أنا مين وهتشوفي وش عمرك ما كنتي تتمني تشوفيه.
انسابت دموعها وهي تهز رأسها حتى تتمكن من إزاحة ثقل جسده ويديه عنها.
ـ تصدقي نسيت حاجة مهمة هتمنعني عنك؟ حاجة لو فكرتي تضيعيها مني المرة دي هنهي حياتك وراها.
نظرت إليه بذعر واستمرت بتحريك جسدها ورأسها حتى تستطيع التخلص من تقييده.
ـ أيوة بالظبط زي ما فهمتي.. فخلينا حلوين كده لحد ما ابني يوصل بالسلامة وتاخدي تمنه يا بنت سيادة المستشار.
أشاحت وجهها عنه بأختناق، فابتعد عنها ونظر إلى وضعها الساكن:
ـ حذاري تعملي حاجة تأذي ابني، وإلا تهديدي المرة دي مش هيكون مجرد كلام.
تكوَّرت على نفسها ولم تجبه، وقد ظن أنها استسلمت له، ثم أغلقت عينيها بضعف؛ فصداع الرأس اشتد عليها وثقلت أنفاسها.
انكمشت ملامحه واقترب منها بعد أن وجدها بتلك الحالة المستكينة وتساءل باستهزاء:
ـ هتفضلي هنا ولا هترجعي للعيلة الكريمة عشان تكملوا تخطيط وتفكروا أكتر إزاي تطلعوا من الجوازة كسبانين؟
فتحت عينيها بوهن ونظرت إليه وهتفت بهمس خافت:
ـ ممكن تقفل النور عايزة أنام.. الصداع مش هيروح غير لو نمت.
وعادت لغلق عينيها تحت نظراته التي تحولت للنقيض، وسرعان ما أخرج زفرة طويلة ثم استدار بجسده وتحرك نحو إضاءة الغرفة ليطفئها، وغادر حانقاً من نفسه؛ فهل شعر بالرأفة نحوها؟ وحتى يطرد ذلك الشعور الأحمق الذي لامس روحه التي يغلفها الظلام، أسرع في ضرب الحائط بقبضة يده.
....
صوب عدنان عينيه نحو الباب الذي أغلقته سيلين خلفها بعد أن أعادت عليه ذلك الأمر الذي صارت تكرره كثيراً في الآونة الأخيرة.
زفر أنفاسه بضجر وهو يضع وجهه بين راحتي كفيه متمتماً:
ـ خيبتي نظرتي فيكي يا بنت المستشار.. قولت هنخليكي أنتي وعيلتك واجهة لينا طلعتي دبور بيزن على الخراب.
أطبق أجفانه ثم زفر أنفاسه مرة أخرى بضيق:
ـ أخلص بس من لعبتي مع شاكر باشا، لأن الأرض دي من زمان عيني عليها...
.....
فتح العم سعيد جفونه بثقل من أثر النعاس، ثم وجّه نظره نحو الساعة المعلقة على الجدار، وبجبين مقطب تساءل بقلق:
ـ معقول لسه مرجعتش من عيد ميلاد صاحبتها؟ ولا أنا راحت عليا نومة ومشوفتهاش...
تثاءب وهو يمدد جسده الذي تشنجت عضلاته بسبب تكوّمه على الأريكة أمام التلفاز:
ـ دلعتيها لحد ما عيارها فلت يا عايدة...
وبحنق أتبع حديثه الذي يحمل استياءه من دلال شقيقته لابنتها:
ـ وإحنا من إمتى كان لينا في أعياد الميلاد؟ ولا عشان بقت دكتورة هتمشي على حل شعرها!
لم يتوقف عن إلقاء كلمات استيائه إلى أن وصل عند غرفتها، وبصوت جهوري صاح:
ـ بت يا شهد أنتِ رجعتي من عيد الميلاد؟ ردي عليا.. أنتِ عيارك فلت خلاص ودلع عايدة خيبك على الآخر.
استمر في ندائه ثم ضاقت حدقتاه فجأة واندفع إلى داخل غرفتها المظلمة.
....
ألقى شاكر نظرة ساخطة نحو حورية وصفوان الذي اندمج مع حديثها بسعادة.
نهضت رغد من بينهم، فاجتذب نهوضها المفاجئ أنظارهم:
ـ رايحة فين يا رغد يا حبيبتي؟ خليكي قاعدة معانا شوية.. ده أنا عندي خبر ليكم عمي بالذات منتظره من وقت طويل.
قالتها حورية بخبث وهي توزع أنظارها نحو شاكر و رغد خصيصًا والتي تتمنى أن تتوقف عن انسياقها وراء أوهام لن تجني منها سوى التعاسة.
ابتسمت رغد بتوتر وتساءلت:
ـ إيه هو الخبر يا طنط؟
تجهم وجه شاكر وقد فهم ما ترمي إليه زوجة ابنه التي صارت ماكرة:
ـ مالك يا عمي؟ هو أنت مش عايز تسمع مننا الخبر السعيد؟
نظر صفوان نحو والده وقد تراءى له وجهه الغاضب، فأسرع بالإفصاح عن ذلك الخبر الذي هو على يقين تام بمعرفة والده به:
ـ إحنا منتظرين حفيدنا التاني من زينب يا بابا.
ابتلعت رغد ريقها واتجهت بعينيها نحو شاكر الذي استقبل الخبر دون ردة فعل تظهر فيها مشاعره.
اختفت ابتسامة كل من حورية وصفوان؛ فصمت شاكر أصابهما بالريبة. أطرق شاكر رأسه وهو يضرب بعصاه أرضاً ثم باغتهم بنهوضه قائلاً:
ـ تصبحوا على خير.
حدق ثلاثتهم بخطواته غير مصدقين ردة فعله.
...
توقف العم سعيد عن سيره أمام بوابة الفيلا ثم وضع كلتا يديه على رأسه متمتماً بتوعد:
ـ حسابك معايا بقى تقيل يا بنت عزيز.. أه ما أنتِ افتكرتي خالك كبر وعجز ومش هيعرف يربيكي.
ـ هي لسه مجتش يا سعيد؟
تساءل مسعد حارس البوابة والذي تملك القلق منه هو الآخر.
ـ روح كمل نومك يا مسعد.
فرك مسعد جفنيه قائلاً وهو يتثاءب:
ـ عيب عليك يا راجل.. إزاي هدخل أنام وأسيبك لوحدك؟ لازم أطمن على الدكتورة.
تنهد العم سعيد ودار حول نفسه، فاستطرد مسعد في الكلام:
ـ أنا مش عارف ده وقته أقولك ولا مقولكش عشان يعني مزودتش قلقك.
تيبست أطراف العم سعيد بوجل واتجهت أنظاره إليه:
ـ قول يا مسعد متنقطنيش بالكلام.
أشاح مسعد بوجهه عنه واستكمل حديثه بتلعثم:
ـ أنا شفت الدكتورة من كام يوم نازلة من عربية شاب على أول الطريق، ويعني الوضع ما بينهم مكنش تمام.. وقولت في نفسي طيش شباب وربنا يهديها.
...
دلف عزيز الشقة قبل أذان الفجر بساعتين وقد بدا الإرهاق على ملامحه، نظر حوله ثم زفر أنفاسه وسار نحو غرفتهما.
في البداية تردد في دخول الغرفة وظل متيبساً في مكانه ومحدقاً بالباب.
ـ عزيز بيه.
تمتمت بها عايدة عند خروجها من الغرفة التي غفت فيها الليلة. استدار عزيز نحوها مبتسماً:
ـ كويس إني لقيتك صاحية.
أحكمت عايدة من وضع حجابها وانفرج ثغرها عن ابتسامتها الهادئة:
ـ شكلك جعان.. أحضرلك حاجة خفيفة تاكلها؟
هز عزيز رأسه سريعاً برفض وسار أمامها:
ـ لأ مش جعان.. أنا عايز أتكلم معاكي شوية... خلينا نشوف مكان نعرف نقعد فيه.
تنهدت عايدة وهي تنظر في أرجاء الشقة التي يسودها الفوضى:
ـ الحفلة خلصت متأخر وملحقناش ننضف حاجة.
أسرع عزيز بالرد حتى يخبرها أنه ليس مستاءً من وضع الشقة:
ـ أهم حاجة ليلى تكون فرحت معاهم.
أخفت عايدة تلك الابتسامة العريضة التي داعبت شفتيها بعد حديثه الذي طمأن فؤادها قليلاً عن وضعهما. وأردف بنبرة مهزوزة وخائفة:
ـ هي كانت النهارده كويسة؟
حدقت به عايدة لوهلة، فسؤاله هذا أعاد الشك إليها:
ـ أنا شايفة إننا فعلاً محتاجين نتكلم سوا يا عزيز بيه.
خرجت نبرة صوتها لأول مرة أمامه بحدة ثم تحركت نحو المطبخ الذي اختارت الجلوس فيه.
...
في منتصف الظهيرة، فتحت ليلى عينيها ونظرت جوارها حيث كان يرقد في ساعات الصباح الأولى، والتي استسلمت فيها للنوم بعد أن شعرت بأنفاسه قريبة منها.
حدقت نحو سقف الغرفة لبعض الوقت ثم أخذت نفساً عميقاً، لكن هناك شيئاً لمسته بيدها جعلها تنتبه على تلك الورقة القريبة من وسادتها.
بدأ قلبها بالخفقان ثم أسرعت بسحب الورقة والنظر فيها، ولم تكن إلا رسالة منه يخبرها في بدايتها أنه سافر إلى كندا وبعدها ستكون رحلته إلى تركيا، ولا يعلم متى ستكون عودته.
...
وقفت زينب مدهوشة وهي ترى صالح يحمل باقة من الأزهار ويعطيها لها وكأن الليلة هي العروس وليست سما.
رفعت سما أحد حاجبيها بوجه ممتعض ونظرت إليهما:
ـ على فكرة أنا العروسة!
رمقها صالح بطرف عينه ثم سحب زينب من يدها دون أن يرد عليها.
عبست سما بشفتيها وصاحت بتذمر جعل زينب تحاول الإفلات من يد صالح والعودة إليها:
ـ أنتِ رايحة فين يا زينب؟ أنا قولتلك متسبنيش معاه!
أجفلها قصي بوضع يده على شفتيها حتى تتوقف عن الصياح:
ـ لو حد سمعك دلوقتي يقول عليا إيه؟
حاولت التملص من قبضته مغمغمة:
ـ هيقولوا إن العروسة مش طايقة عريسها!
اتسعت ابتسامة قصي، فأشاحت وجهها عنه، لكن فجأة بدأت أهدابها ترفرف والخجل يلمع في عينيها:
ـ أنا إزاي كنت غبي كده ومش شايفك قدامي؟
...
شعرت زينة بالارتباك عندما دخلت حفل الزفاف برفقة خالتها ووالدها.
ـ أهلاً أهلاً عدنان بيه.. أهلاً يا هانم.
هتف بها هشام بترحيب وهو يتحاشى النظر نحو زينة وكأنها لم تكن شيئاً في حياته.
ـ قربي يا زينة.
قالها عدنان وهو يدفعها برفق للأمام حتى تقدم تهنئتها إلى هشام و لبنى . نظرت إليها لبنى وعلى شفتيها ابتسامة واسعة قائلة:
ـ كان نفسي تكوني عروسة قصي بس نعمل إيه!
ابتسمت إلهام دون تعقيب، لكن عدنان تولى مهمة الرد بعد أن ضحك:
ـ قريب هنعزمكم على فرحها يا لبنى هانم.
...
استندت سماح بجسدها إلى أقرب جدار في مطبخها الضيق بعد أن داهمها الدوار وجعلها تشعر بتشوش الرؤية:
ـ أنا مالي حاسة الدنيا بتلف بيا جامد...
ثم مررت يدها على جبينها وأغلقت عينيها إلى أن بدأ الدوار يقل شيئاً فشيئاً. ولدقائق وقفت هكذا لا تستطيع الحركة واستكمال الطعام لصغيريها:
ـ أنا لازم أروح الوحدة الصحية أكشف وأطمن.
وكادت أن تتحرك إلا أن أقدامها تيبست ثم أنفلتت شهقة منها عندما اقتحم أمر ما رأسها وقد تأخرت عن موعدها الشهري.
لطمت على خديها وهي لا تصدق ما يحدث لها هذه الأيام، وأن إغماءها اليوم في سوق الخضار ربما يكون لسبب ستأتي معه فضيحتها، ولكن كيف يحدث هذا من ليلة واحدة؟
ـ يا مصيبتك السودة يا سماح.. يا مصيبتك السودة لو طلعت الدوخة بسبب المصيبة دي!
وتوقفت عن لطم خديها ثم أخفضت رأسها وصوبت عينيها نحو بطنها....
•تابع الفصل التالي "رواية ظنها دمية بين أصابعه" اضغط على اسم الرواية