رواية صياد النايا الحانا الفصل العاشر 10 - بقلم اية العربي

 رواية صياد النايا الحانا الفصل العاشر 10 - بقلم اية العربي

بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .

اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين  ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين

الفصل العاشر من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي 

نعيش في عالم يعلمنا جيدًا كيف نكتب رواية سعيدة، ولكنه يجهل كيف يجعلنا نعيشها، بتنا ممثلين بارعين في إظهار ابتسامتنا حتى اقتنعت عقولنا بأننا مثاليين، نعطي دروسًا عن كيفية التعامل مع المشاعر، ومشاعرنا تبكي خلف الأبواب المغلقة، ألم يكن من الأفضل أن ننظر قليلًا لأنفسنا؟ ونسندها لتحبو نحو راحتها بدلًا عن مساندة الغرباء؟

بقلم آية العربي
❈-❈-❈

جالسًا خلف مكتبه في غرفته يعد محاضراته ، يفكر بها وكيف هي الآن ، ليته يستطيع الاطمئنان عليها ، هو على استعداد لفعل أي شيء لكي تكون بخير و حسب ، نظرتها له صباحًا من أسفل النقاب كانت نظرة استنجاد صريحة  .

زفر بضيق ورفع يده يدلك جبينه وما لبث أن أنزلها حتى وجد هاتفه يعلن عن  ورود اتصال ، التقطه ونظر إليه فوجده رقمًا غير مسجل ، صوتًا أتى من قلبه يخبره أنها هي ، لذا أجاب على الفور يتساءل بإنصات :

- ألو ؟

سمع صوت حشرجة خفيفة تواري نفسها خلف نبرة ناعمة مذبذبة حينما قالت  :

- دكتور نوح ، أني مودّة  .

قفز قلبه فرحًا وألمًا في ذات الوقت ، سماعه لصوتها أسعده ، وسماع نبرتها آلمته ، لذا نطق متلهفًا  :

- مودّة ، إنتِ كويسة ؟

كادت أن تصدر شهيقًا ولكنها استطاعت كتمانه ونطقت بتلعثم وخوف  :

- ممكن تروح تزور أبويا في المستشفى وتخليه يعچل في طلبك  .

جاءته أمنيته تتراقص على سجادة حريرية ، برغم دهشته من طلبها ولكنه بالطبع هذا أول شيء سيفعله بعد أن يغلق معها ، وهذا ما أخبرها به بنبرة مطمئنة حيث قال  :

- حروح له حالًا ، وحعمل أي حاجة تخليكي مبسوطة ومرتاحة ، بس طمنيني في حد مزعلك ؟ لو فيه أي حاچة عرفيني وأنا هتصرف .

هجمت عليها أفعال شقيقها وقسوته معها وتعنيفه لها بلسانه ويده ، كأنها لقيطة وليست شقيقته ابنة أبيه وأمه ، يفتعل الذرائع ليعنفها ، ولم يعمل بوصية والده له منذ أن تم حجزه في المشفى ، ولم تعد تحتمل تصرفاته ، ولولا خوفه من التساؤلات لكان منعها من الجامعة ، وبالفعل هذا ما فعله اليوم ، أخبرها بعدما عنفها ألا تذهب إلى الجامعة هذا الأسبوع ، لذا فقد طفح كيلها وقررت الاتصال على نوح وطلب مساعدته بعدما غفا  ..

نطقت تجيبه مختصرة كي تغلق قبل أن يكتشف أمرها  :

- لاء أني زينة ، بس اعمل كيف ماجولتلك الله يسترك .

- تمام حاضر ، استني مني مكالمة  .

نطقها بضيق نسبةً لحالتها لتسرع قائلة بترجٍ  :

- لا ماتتصلش انت ، أني حبچى اكلمك  .

- تمام  .

أغلقت معه فوقف يفكر في غرابة طلبها ، هي ليست من هذا النوع من الفتيات وبما أنها فعلت إذًا هناك ما تخفيه وتتألم بسببه ولم يكن عسيرًا عليه أن يفهم أن شقيقها هو السبب  ..

أسرع يتجه نحو الخارج ليخبر والدته بما حدث ويصطحبها معه إلى المشفى لزيارة الحاج طاهر و إتمام قراءة الفاتحة ..

❈-❈-❈

كانت تجلس بعباءتها السوداء وطرحتها التي تطوّق جبينها كعصابةِ حرب، لا كطرحة حداد؛ ففي سواد ثيابها كانت تخفي مخالبها، وفي صمتها كانت تحيكُ جنازةً لمن يجرؤ على اعتراض طريقها؛ غدًا حنة نوارة وبعد غد زفافها على الشيخ يونس المعالج للأسحار ، ومنذ عدة أيام وقصر آل حانا يستقبل الناس من كل حدبٍ وصوب ويقدم لهم كل ما تشتهيه الأنفس على شرف حفل زفاف ولدا الحاج عبد الوهاب آل حانا، كان هذا الحفل يفترض أن تشارك فيه بصفتها والدة العروسين ، لم يكن يهمها الاستحواذ على جابر أو عمار بقدر ما كانت تصارع لتستحوذ على نوارة لابنها، كان هذا آخر أملٍ لها وسعت لتحقيقه ولكن في نهاية المطاف ذهبت من بين قبضتها كحفنة ماء، ذهبت لمن سيسعى ليكتشف الأسرار  .

ولكنها تعهدت أن يتذوق الجميع هذه النيران والجمرات التي تبتلعها داخلها الآن، حرقة صدرها وتشابك ضلوعها التي تتلوى غضبًا لابد أن يشعروا بها، لن تتركهم يهنئون لقد نبذوها واحتقروها منذ زمن وعاملوها كما لو كانت نكرة، دومًا ما كانوا يميزون منصورة عنها وبرغم ذلك العداء بسبب الثأر و الذي ظنت أنه طوق نجاتها، إلا أن شقيقتها هي من ربحت هذه الحرب  .

جاءت ابنتها من خلفها تحدق بها لتجدها في هذه الحالة لذا جلست مجاورةً لها تتساءل بسخرية  :

- مالك ياما عاملة چنازة ليه؟ كن ولادك ماتوا، خلاص فكك منيهم مالناش نصيب فيهم.

لم تجِبها، بل تتنفس غيظًا كأنها على وشك أن تتفحم ، ليأتي ولدها راضي أيضًا ويجلس معهما، انحنى يمد يده يأخذ إحدى حبات الموز من فوق الطاولة ثم اعتدل يقشرها ويأكلها وهو يغمز لشقيقته مستفهمًا فهزت كتفيها ومطت شفتيها على حالة والدتها  .

أنهى راضي الثمرة ونطق مترقبًا باستفزاز متعمد وهو ينحني عليها   :

- كل ده علشان بت خالي حتتجوز يعني ؟ كانك ماعزمتيش زين ع العمل   .

ضحكت سجود ونطقت تجاريه في مزاحه  :

- أو ممكن يكون ولد خالتك فكه .

تعالت ضحكاتهما فلم تجد ما تنفث به عما يعتمل صدرها خاصة حينما ذكرت ابنتها سيرة الشيخ يونس لذا نهضت تنقض فجأة عليها وتنهال فوق جسدها بالضربات فأسرع شقيقها يخلصها ولكنها لم تفلتها بل ظلت تلكمها والأخرى تكورت على نفسها تصرخ وتستنجد ولكن نجوى كانت حادة وقاسية ، تضرب بعنف وتُردد  :

- أني حخليكي تضحكي زين ، ابجي اضحكي لما ولد الحوامدية يكشف الستر يا مقصوفة الرجبة ، هو انتوا مادريينش بالمصيبة اللي أني فيها !!

انتهت وارتدت على الأريكة تتنفس بحدة وتصفع رأسها وتميل يمينًا ويسارًا مرددة  :

- أعمل إيه دلوك ؟ أفض الچوازة دي كيف ؟ يا مرك يا نچوى، يا حظك الغبرة يا نچوى.

جلس راضي يتطلع عليها وعلى شقيقته التي اعتدلت تدلك جسدها وتنوح دون إضافة كلمات أخرى، بينما استطردت نجوى بعد وقتٍ بشرودٍ وغلٍ صريح لا تخشى من إظهاره أمام ولديها  :

- مافيش غيره هو اللي يجدر يساعدني  .

مال راضي عليها يتساءل بترقب  :

- هو مين ده ياما؟

نطقت بغموض وهي تنظر أمامها وتدلك كفها المتألم من صفعاته لابنتها  :

- معرفة جديمة  .

نظرت لكليهما ورفعت سبابتها تسترسل محذرة  :

- اسمعو اما اجولكو، أني على الليل إكدة هدلى لحد الجنوب وارچع، وانتوا غطوا عليا، روحو دار خالكو وجومو بالواچب واللي يسأل عني جولو راحت المركز تكشف وچاية  .

نفض راضي يده يردف بلا مبالاة  :

- أني ماليش صالح بحديت النسوان ده، عندك بتك أهي جوللها  .

التفتت تنظر نحو سجود التي طالعتها بضيق تجاهلته نجوى وهي توضح بنظرات حادة متبلدة  :

- حسك عينك تُجعي بكلمة اكدة ولا إكدة، هطين عيشتك، فاهمة؟

مطت شفتيها بتهكم ونطقت وهي تُبعد عينيها عنها  :

- ماشي  .

❈-❈-❈

وقفت متخشبة والصينية تهتز بين كفيها المرتعشين ، يطالعها وينتظر تفسيرًا منها عما وجده .

تحركت خطوتين تضع الصينية فوق الطاولة ثم اعتدلت تخطو نحوه وتنحني تلتقط ما في قبضته حيث تخجل من رؤيته ، ليتها فعلت ما روادها ليلة أمس من شعور حينما صدح صوتًا داخلها يخبرها بأن تتخلص من هذا السحر، ولكنها تغافلت عنه وانشغلت بأعمال المنزل مع البقية  .

قبضت بكفيها عليه ونطقت بتوترٍ بالغ وهي تترجاه بعينيها أن يرحمها  :

- ماتشغلش بالك بيه ، ده حاچة جديمة وممنهاش عازة دلوك .

بكى الصغير فنهض يحمله ويربت عليه وهو في حالة صدمة ، ثم تحرك نحو الباب وفتحه واتجه إلى الأسفل ليجد والدته تتحرك نحو المطبخ فناداها فالتفتت له مستفسرة ، ناولها الصغير ونطق بتقاسيم وجهٍ حادة  :

- خلي حمزة معاكي دلوك  .

التقطته منه بعدم فهم و عاد أدراجه للأعلى ودلف غرفته يغلق خلفه ويتجه نحوها ، كانت قد أخفت السحر سريعًا في حقيبتها للتخلص منه بعد ذلك .

انتفضت على إثر غلق الباب والتفتت تطالعه فتقدم منها ونطق بملامح قاتمة  :

- عملالي عمل يا نهاد ؟ واخدة حتت من هدومنا الداخلية وعاملة عليها عمل ؟

تجمعت الغيوم في مقلتيها وشعرت بكمٍ متضخمٍ من الندم فنطقت تبرر بتلعثم  :

- معاك حج في كل كلمة هتجولها، أني عارفة إني غلطت ، ماتزعلش ، دي كانت أول وآخر مرة .

هز رأسه بصدمة وعدم استيعاب يصيح  :

- مازعلش؟ هو أني لجيت حاچة ضايعة مني؟ ده سحر معمول لي ومن مرتي ، إنتِ واعية بتجولي ايه؟

لم تكن تتوقع ذلك، ولم تعِ مدى فداحة خطأها إلا الآن لذا حاولت الاعتذار فمدت يدها تمسك بكفيه ونطقت باكية  :

- أني مافكرتش إكدة يا مهران صدجني، كل اللي فكرت فيه إن دي وسيلة تخلي حياتنا أحسن، انچريت ورا شيطاني ، بس أني عملت كل ده علشانك  .

نفض يدها ورفع سبابته يحذرها قائلًا بجمود  :

- أوعــــــاكي ، ماتجوليش عشاني، إنتِ عملتيه علشان نفسك، دخل دماغك كلام حسناء الچاهلة ومشيتي وراها، بس أني محاسمحكيش عاللي عملتيه ده  .

تحرك يغادر منفعلًا فأسرعت تحول بينه وبين باب الغرفة وتتصدى له معللة بضعف وبكاء  :

- ماتمشيش دلوك، اجعد لما نتحدت، بجولك أول وآخر مرة، اعتبرها غلطة.

- بعدي يا نهاد، ماتجفيش في وشي دلوك  .

ساءت حالتها وبدأت تنهار فصرخت تصيح :

- لاء هجف، انت اللي خلتني الچأ للسكة دي، جسوتك عليا ومعاملتك الچامدة معايا، كل ليلة تجرب مني وتحسسني إني فوج السما واصحى الاجيني في سابع أرض، مافهماش ليك حالة ولا عارفة ارضيك كيف، بتحاسبني بذنب أبوي كل دجيجة وماطيجش تسمع وچعي، جيدالك العشرة شمع وبردك ولا معبرني ولا مجدر مشاعري، خليتني روحت لدچال وعصيت ربنا لأجل ماحس بحنيتك عليا، إنت مشارك في الذنب ده معايا بمزاچك أو غصب عنيك  .

لم يحتمل أن تلقي باللوم عليه، هو الآن يقف أمام مرآة خداعة توهمه بأنه المظلوم في هذه العلاقة، يرى أمامه امرأة لا تفهمه جيدًا، يرى ابنة عمٍ لطالما بغض أفعاله، يرى زوجة تتقن دور المظلومية برغم أنه لم يسئ إليها يومًا ، لا يرى سوى نفسه ولا يشعر سوى بمشاعره المحطمة بمطرقة الإجبار وكلمات الاستفزاز التي لن ينساها قط  .

وجدته متجمدًا كالعادة لا يشعر بها، تنفخ في إربة مثقوبة، لذا ضمت يديها إليها وجلست أرضًا محطمة الخاطر أمامه،تبكي على ما فعلته لأجل رجلٍ متحجر القلب، وحينما بات على شفا أن يتأثر داخله بها أسرع يفتح باب الغرفة ويندفع نحو الخارج ويتركها تكمل نحيبها وهي على أملٍ أنه سيهدأ ويعود  ...

نزل الدرجات بتخبط ليقابله والده الذي رأى ملامحه لذا أوقفه قابضًا على ذراعه يتساءل  :

- رايح على فين؟

باغت والده بنظرة غاضبة وعاجزة عن مواجهته كالعادة، لذا أبعد عينيه ونطق قبل أن يكمل خطاه  :

- مخنوج شوية  .

غادر القصر برمته ووقف عبد الوهاب يتطلع على أثره بتنهيدة متعبة وهو يراه يشتهي السير بإرادته في سبيل منغمس بالوحل  ..

نظر للأعلى كأن عينيه تبحث عن نهاد ولكن ناداه أحد الرجال من الخارج فتحرك ليرى ضيوفه ثم سيصعد ليراها  ..

❈-❈-❈

في المشفى

توجها إلى الغرفة المتواجد بها الحاج طاهر،دلفا يلقيان السلام فأدار طاهر رأسه ببطء ليراهما،نظر نحو نوح كأنه كان ينتظره ،ابتسم بارتياح ينافي ألمه، وأشار لهما نحو المقاعد فاتجهت نجلاء تجلس قبالته وتطالعه بترقب فهي تراه لأول مرة لذا نطقت تتمنى له الشفاء قائلة  :

- ألف سلامة عليك يا حاچ طاهر، شدة وتزول إن شاء الله  .

أومأ لها بوهن بينما نطق نوح وهو يجلس جوارها :

- شد حيلك يا حاج طاهر علشان تقوم بالسلامة لاولادك  .

ابتسم الرجل ونطق بضعفٍ وإجهاد  :

- الحمد لله، كل اللي يچيبه ربنا خير، الحمد لله  .

تحمحم نوح ووجد صعوبة في الحديث الذي كان مستعدًا له لذا نظر لوالدته لتساعده فنظرت له نظرة مشابهة تدل على حرجها، فقد اعتقدت أن حالته تسمح للحديث عن هذا الأمر ولكنه يبدو في حالة صحية سيئة  .

تفاجآ حينما سعل بخفة ونطق وهو يشير إلى نوح ليقترب منه ففعل يميل عليه ويسمعه وهو يردف  :

- أني خابر إنك مستني بجالك كتير، وجولت لمسعود ولدي يتصل عليك تيچي بس هو مرضاش وجال لما أطلع من إهنة ، أني مش هلاجي لبتي راچل أحسن منك يا ولدي،خلينا نخلص الموضوع ده دلوك .

ابتسمت نجلاء ونطقت رأفةً بحالته  :

- ارتاح بس يا حاچ ولما تبقى تقوم بالسلامة، الدنيا مش حتطير  .

استنكر نوح جملتها سرًا، فقد عُقد بينهما اتفاق أثناء مجيئهما على ألا يغادرا المشفى إلا بعد قراءة الفاتحة، ولكنه أُجبر أن يومئ ويردد مثلها  :

- أمي معاها حق يا حاچ طاهر، لما نطمن عليك نتمم كل حاچة إن شاء الله  .

تنفس الرجل ونظر له بصمتٍ لبرهة،هو يعلم جيدًا ما لا يعلمه نوح ، يعرف كيف سيظلم مسعود شقيقته ، بات يخشى أن يفارق الحياة ويتركها تحت سطوته وهو لن يحسن معاملتها لذا عاد يردف بوهن تكسوه نبرة التصميم والخوف   :

- هنتمم دلوك ، لو معاك رجم مأذون كلمه ، وخليني اكلم مسعود ولدي يچيب مودّة وييچي علشان تكتبوا الكتاب ، ولو خرچت من اهنة على رچلي حعملها أحسن فرح ، ولو ربنا أخد أمانته ابجى فرحها انت  .

توزعت الصدمة بالتساوي على نجلاء ونوح الذي اختلطت صدمته بفرحته بتأثره بكلمات طاهر الحزينة، لقد أتى ليقرأ الفاتحة ولم يكن في مخيلته أن يغادر المشفى وهي زوجته، ولكن ربما هذه فرصته  .

التفت ينظر لوالدته ينتظر دعمًا منها فوجدها تمط شفتيها بقلة حيلة وصدمة بينما ردد طاهر بتعجل  :

- ماتضيعش وجت يا دكتور نوح ، يالا عاد ارفع تلفونك واتحدت وشوف مأذون ، وخليني اكلم مسعود بعديها  .

ظل نوح يفكر لبرهة ، هل يفعلها هكذا دون أي مقدمات ؟ ماذا عن خططه التي وضعها ؟ ولكن بما أن هذا طلب طاهر وهو في هذه الحالة إذًا سيقبل  ،أومأ ونطق بتوتر وهو ينظر نحو والدته التي تحذره بقلقٍ أمومي  :

- تمام  .

نهض يخطو خطوتين نحو الخارج والتقط هاتفه يعبث به ليتحدث إلى أحد أصدقائه ليساعده في إحضار مأذون  .

❈-❈-❈

غادر الرجال وتحرك عبد الوهاب مع ولديه عمار وجابر داخل القصر  ، كلٍ منهم تحرك إلى وجهته بينما هو اتجه يبحث عن صابحة فوجدها تقف عند باب المطبخ تزفر بتعبٍ فناداها يتساءل  :

- نهاد معاكِ يا صابحة؟

التفتت تطالعه بملامح مجهدة وتجيبه  :

- لاء يا عبده فوج، طلعت ساعة ما جه مهران ومانزلتش تاني ومروة طلعتلها الواد دلوك لما نام  .

أومأ بتفهم ثم نطق وهو يتحرك  :

- طيب أنا حطلع اشوفها، وانتِ بزياداكِ اكدة روحي يالا ارتاحي  .

ابتسمت له  وسألته بترقب قبل أن يصعد الدرج  :

- حُصل حاچة يا عبده؟

زفر ونطق وقدمه تلامس الدرجة الأولى  :

- حعرف واحكيلك  .

صعد الدرج وتحرك يقف أمام غرفتها يطرق الباب وينادي بنبرة أبوية  :

- يا نهاد  ...

ثواني حتى فتحت الباب تطالعه بنصف ابتسامة لا تخفي احتقان ملامحها واحمرار مقلتيها، لذا عم الحزن تقاسيمه ونطق وهو يتحرك للداخل ويغلق الباب خلفه  :

- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عمل فيكي إيه العبيط ده  .

عاد بكاؤها يتجدد لا إراديًا ونطقت تراوغ وهي تتحرك معه نحو المقاعد الموجودة في الغرفة  :

- ماعملش حاچة يا عمي .

جلس وأمرها بربتات يده أن تجلس جواره ففعلت فنظر إليها متفحصًا ملامحها ثم مد كفه يجفف دموعها وعاد يكرر  :

- عملك إيه؟ جولي وأني حچبلك حجك  .

حدقت فيه تفكر وتفشى التوتر على ملامحها ، أتخبره بما حدث ؟ نطق يحثها على البوح  :

- احكي يابتي وماتجلجيش،كل حاچة وليها حل  .

تنهدت تنهيدة عميقة ونطقت بندمٍ تسرد له ما حدث  :

- الغلط عندي يا عمي، أني ارتكبت ذنب واعر جوي  ، مشيت ورا حديت چاهل وروحت عملت عمل ليا أني ومهران، كان غرضي سعادتنا بس أديني وجعت في شر أعمالي ومهران شاف العمل  .

حزن وصُدم مما قالته، لم يتوقع منها أن تسلك هذا الطريق على الإطلاق، لذا نطق معاتبًا  :

- إيه اللي يوصلك تعملي اكدة يا بتي؟ وعشان إيه؟

بكت وسريعًا قررت أن تبوح بما يعتلي صدرها منذ ما يقارب العامين لها في هذا المنزل، نطقت بألمٍ قاسٍ يعذب قلبها ويؤلم حنجرتها  :

- معاملة مهران يا عمي هي اللي وصلتني لاكدة، أني من يوم ماتچوزته مادتلوش غير الحب والاهتمام بس هو دايمًا يچابلهم بالصد والبرود ، مابيحبنيش يا عمي، مابيحسش بيا ولا بوچعي ولا بيطيج يسمع حديتي، بعمل كل حاچة تخليه يرضى وما بيرضاش واصل  .

- تجومي تروحي تعملي عمل وتمشي فى سكة تخالف شرع ربنا؟

نطقها برغم حزنه المتضخم عليها، لتومئ معترفة بذنبها  :

- عارفة إني غلطت غلطة كبيرة جوي، بس صدجني ياعمي عملت اكدة علشان أجربه مني  .

شرد فيها وفي حالتها وضعفها لينتابه الغضب تجاه شقيقه القاسي، هو من أوصلها لتلك الحالة من الضعف ، قسوته جعلت منها هشة لا تستطيع مواجهة أية رياحٍ كورقة خريفية ذابلة .

نطق بنبرة مؤازرة يبث فيها العزيمة والثقة  :

- يابتي احنا اللي بنسعى ليكم مش العكس، يعني إيه ما بيحبكيش؟ نجصك إيه عن الحريم؟ لو لف الدنيا بمنجاش هيجيب زيك منين؟ ليه تجومي وتدخلي عركة مش بتاعتك؟ المفروض هو اللي يحارب علشانك وانتِ تجعدي وتحطي رجل على رجل  .

زمت شفتيها لا إراديًا ونظرت له تلتقط على مسامعها كلماته ودموعها تنهمر، فأومأ يتابع وهو يلكزها بخفة كي يزيح حزنها   :

- مش هو ولدي الكبير و ضهري وبعتمد عليه في مصلحتي وسري ؟ بس أني في النجطة دي بالذات حعامله معاملة چوز بتي، يابت دانتِ زينة الصبايا كيف البت نوارة، عمل إيه وهبل إيه اللي تعمليه علشان تستچدي حبه، أوعي تجللي من نفسك ومن جيمتك مرة تانية  .

ظلت محدقة به فمال عليها يسترسل  :

- الحريم دايما رد فعل، حيعاملك زين ويتجي ربنا فيكي عامليه زين الزين، حتحسي إنه مش طايجك أجفلي في وشه ميت باب، هتلاجيه ناططلك م الشباك وبكرة تجولي أبويا عبده الوهاب جال  .

ابتسمت ونجح في ترميم جزءًا من خاطرها، لذا تنفست فمال يلتقط عدة محارم ورقية من فوق الطاولة واقترب منها يجفف ويمسح وجهها ثم اعتدل يزفر ويستغفر مستطردًا  :

- ماتعلجيش جلبك بعبد واصل، علجيه بربك ووكليه كل حاچة هتلاجي حياتك دي مافيش احسن منيها، ولدي أني عارفه زين، طيب وعنده ضمير بس نفسه عنيدة وموهوم إننا جيدناه في أهم قرار في حياته، همليه واخفي حبك عنه هتلاجيه يتچنن ويعجل في نفس الوجت  .

عادت تبتسم مجددًا وتستفسر  :

- هيتچنن ويعجل كيف يا عمي؟

- هتشوفي ، ويالا جومي اغسلي وشك وغيري خلجاتك دي وصلي واستغفري ربنا وبعدها انزلي اجعدي معانا   .

نطقت بطبيعها المعتادة تتساءل :

- طب هو حيرچع يا عمي  ؟

- لا حول ولا قوة إلا بالله، ماطلعش هو لحاله اللي عبيط، يابت أني جولت لك إيه دلوك؟

نطقها مستنكرًا فنطقت توضح بطبعٍ يغلبها  :

- حشيل همه بردك يا عمي، مش چوزي وابوه ابني!

لا ينكر أنه أحب هذا منها، يعترف أنه كان أنانيًا حينما اختارها زوجة لابنه المغفل الذي يطرد كل هذا الاهتمام والحب ليثبت فقط أنه ليس مغفلًا  .

زفر ونطق يوضح  :

- كلمة عبيط دي ماتطلعش برا واصل، أني جولتها لإنه مزعلك، بس مهران لو سمعها حيزعل، عارفة ليه؟

هزت رأسها بلا فتابع  :

- دي كلمة أبوكي ليه من صغره، أبوكي بردك ليه ذنب كبير في عمايل ولدي دي، كان عنده غية كل ما يشوفه يجل منيه جدام الناس، وأني كنت آجي عليه واجوله عمك، ومايصحش، ودي كانت غلطة مني، كان لازم اوجف اخويا عند حده، بس چدك وصاني مادوسش على رچل أخوي واصل، وصاني ونسي يعلمه  .

قالها بشرود وانزعاج فأومأت مأكدة تضيف بحزن  :

- چدي الله يرحمه نسي يعلم أبوي حاچات ياما  ..

ربت على ظهرها وانحنى يقبل رأسها ويردد  :

- حجك عليا، طول ماني عايش ماعيزش اشوفك في الكسرة دي تاني، ارفعي راسك دي فوج يا بنت الحنانوة، وچهزي حالك لاجل حنة نوارة، عايزك كيف الجمر بكرة، ولما تشوفيه ماتعبريهوش، اسمعي حديتي واعملي بيه وحتشوفي  .

حنانه أجبرها أن تنحي حزنها جانبًا وتبتسم له داعية بصدق  :

- ربنا يخليك ليا ياعمي ، ياريت كنت انت أبوي  .

- ماني أبوكي يا بت  .

قالها وهو يحاوط كتفها ويشدد عليها فأومأت مرارًا فتنفس بارتياح وتحرك يغادر الغرفة وتركها تزفر بحرارة وتنظر نحو صغيرها النائم ثم قررت أن تنفذ كلمات عمها الذهبية برغم قلبها الذي يتآكل قلقًا عليه...

❈-❈-❈

وقفت ريم توزع نظراتها بين الموجودين بغرابة ، لم تصدق حينما هاتفها شقيقها وأخبرها أن تأتي إلى هنا في الحال ، عن أي كتب كتاب يتحدثون ؟

كان مسعود يجلس مستريحًا على الأريكة في انتظار المأذون ، لم يسعفه الرفض حيث أن طاهر وضعه أمام الأمر الواقع ، لذا جلس يسترق النظرات إلى ريم التي نالت إعجابه ويفكر ربما يطلبها لنفسه ويتبادلا الشقيقات هو ونوح .

نعم من طريقة ملابسها ولفة حجابها تبدو متحررة قليلًا ، ولكنه يمتلك الطريقة لترويضها جيدًا  .

أما مودّة فجلست تجاور والدها وتمسك بكفه بمقلتين باكيتين ، متوترة وخائفة ومندهشة في آن ، بعد قليل ستصبح زوجة دكتور نوح البسيوني ، هذا الرجل الذي تحبه خلسة ويشغلها منذ وقت ، ستذهب بعد ذلك إلى الجامعة وهي زوجته !!

كلما رفعت عينيها تجده ينظر لها بنظرات داعمة ويبتسم ابتسامة صافية لذا تهرب منه سريعًا ، اقتربت منها نجلاء حينما لاحظت انكسارها وحزنها وضعفها ، ربتت على كتفها وانحنت تحدثها بنبرة حنونة  :

- ماتعيطيش يا حبيبتي ، إن شاء الله هيبقى كويس .

أومأت لها مودة بهدوء ، ولكنها تدرك أن والدها لن يصر على كتب كتابها بهذه السرعة الا إذا كان يشعر بخطبٍ ما ، سيتركها مبكرًا ؟؟ هي بحاجته ، سيتركها تحت رحمة مسعود القاسي ، تركتها والدتها منذ زمن والآن ستفقده أيضًا ؟

اتجهت نجلاء تقف بجانب ابنتها وانحنت عليها تردد بخفوت   :

- البنت دي شكلها غلبان أوي ، واخوها ده مش مرتحاله ، ربنا يستر بس قلبي مش مطمن  .

اتجهت نظرات ريم لا إراديًا نحو مسعود فوجدته يبتسم لها لذا أبعدت نظرها عنه وعبست تشارك والدتها إحساسها  :

- أنا كمان زيك يا ماما ، بس خلاص فات وقت الكلام ، المأذون چاي بعد شوية .

رن هاتف نوح فأجاب على الفور ثم تحرك يغادر الغرفة ليستقبل صديقه والمأذون اللذان أتيا في الخارج .

عاد معهما بعد قليل فدلف المأذون يلقي السلام ويتمنى الشفاء للمريض ، ثم اتجه يجلس على الأريكة المجاورة ويبدأ في إجراءاته  ..

فتح دفتره وبدأ بالبسملة وتبعها بخطبة الزواج ، أنصت له الجميع  ، ثم طلب هوياتهم فناولوه إياها فبدأ بتجهيز العقد ، كان المشهد برمته غير مألوفٍ على الإطلاق ، ولكن الجميع رضخ لرغبة طاهر المريض..

أخرج نوح عدة صور شخصية كان يحتفظ بها في محفظته ، بينما أخرج مسعود صور مودّة التي التقطتها بشكلٍ فوري أثناء مجيئهما  ، ناولاها للمأذون الذي نظر لنوح ونطق بلطفٍ  :

- تعالى يا عريس اجعد چنبي إهنة ، وانت يا حاچ طاهر أنا حجول بصوت عالي وانت جول ورايا  ــــــــ

أومأ طاهر بوهن بالرغم من فرحته بتحقيق رغبته ، ومرت بضع دقائق قبل أن يستطرد المأذون معلنًا إياهما زوجًا وزوجة  :

- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير  ، جوم يا دكتور نوح بوس چبين زوچتك  .

ابتسم نوح وحلقت روحه داخله ، كلمة زوجته باتت كلحنٍ ممتع خاص به ، واقعها على أذنه جديد وسعيد ينعش قلبه الذي تمناها  .

نهض بتمهل يخفي حماسه ويتقدم منها فتوترت بشدة ولولا جلوسها لركضت هربًا ، اقترب حتى وقف أمامها ، وناولها كفيه ليساعدها في النهوض ، وجدها تنظر نحو شقيقها بخوفٍ فنطق يؤكد لها بثبات  :

- إحنا اتچوزنا يا مودّة  .

رفعت نظرها له و ناولته كفيها فعادت ابتسامته تشق ثغره وظل يحدق بعينيها ثم اتجه بها خلف الستارة كي يبعدها عن الأنظار ، ترك كفيها وامتدت يداه يرفع عنها نقابها وينحني لينظر من أسفله إلى ملامحها بأريحية فوجد وجنتيها تشعان احمرارًا من التوتر لذا استرسل بحب  :

- ألف مبروك  .

ارتعشت شفتيها وهي تبتسم فأنزل النقاب ثم حاوط رأسها بكفيه ودنا يقبل جبهتها وابتعد يتنفس بارتياح وتركها تجلس واتجه يقبل يد والدها و يشكره ، ثم اتجه ليعانق والدته و ينقل لها مشاعره وسعادته بالحصول عليها .

أما ريم أخذها فضولها لتتجه نحوها وتنطق بحماس وسعادة :

- مش قادرة اصبر انا كمان ، عايزة اشوفك.

ابتسمت مودٌة وأومأت تنهض وتتجه مع ريم إلى خلف الستار لتكشف عن وجهها.. حينما رأتها ريم نطقت بحماس  :

- بسم الله ماشاء الله ، إنتِ زي القمر  .

- شكرًا

نطقتها مودة بخجل اختلط بسعادتها فبدت بملامح جميلة بريئة وناعمة  .

بعد دقائق غادر المأذون وصديق نوح وجلس مسعود بطريقة فظة يردف بتبجح  :

- لازمًا تعرف يا دكتور نوح لولا إن دي رغبة أبوي ماكنش كتب الكتاب ده حيتم ، ومش معنى إنها بجت مرتك تفكر إن اكدة خلاص ، إنت تفهم في الأصول زين ، يعني الشجة والعفش والأمور المعروفة دي كلياتها لازمًا نتحدت عنيها  .

نظر له نوح بثقب ، وتملكته جسارة رباطهما سويًا لذا نطق برتابة وثقة  :

- اللي مودّة والحاچ طاهر يؤمروا بيه أنا متكفل بيه  .

ضحك مسعود ونطق ببرود  :

- جصدك اطلع أني منيها  .

مال قليلًا ليتسنى له النظر نحو والده المجهد يستطرد  :

- سامع يا حاچ طاهر ، قولك إيه في حديت الدكتور !

عصفت الأجواء بينهم فنطقت نجلاء برقي ومغزى مبطن  :

- نوح ابني مش حيقصر مع مودّة خالص يا أستاذ مسعود ، أنا مقدرة إنها اختك واكيد انت خايف عليها ويهمك سعادتها، ماتقلقش هي هتعيش معانا زيها زي ريم بنتي بالضبط .

نظر مسعود إليها في ترقب ونطق بتهكم :

- حتعيش معاكم كيف يا ست الكل ؟ اختي ماحتطلعش من بيتنا غير على شجة خاصة بيها .

التفتت نجلاء تنظر الى نوح باستنكار فنظر الثاني نحو مسعود ونطق موضحًا  :

- شقتي وشقة والدتي في نفس الدور  .

نطقت مودة بلطفٍ يخفي رغبتها في الخلاص وهي تطالع نجلاء  :

- حتى لو الشجة مش چاهزة أني ماعنديش أي مشكلة أعيش معاكو في شجة واحدة  .

استفزته فباغتها بنظرة أخافتها رآها نوح وكاد أن يحتد عليه ولكنه تمالك نفسه ، فهو سيستفرد بها بعد قليل حينما سيعودان للمنزل ، لذا فليسايره إلى أن يأخذها إلى بيته .

نطق بنبرة ودٍ زائفة  :

- لاء طبعًا يا مودّة لينا شقتنا لوحدنا ، حتى لما مسعود والحاچ طاهر يحبوا يزورنا يبقوا واخدين راحتهم ، إيه رأيك يا مسعود لو تچيب مودة وتيچوا بكرة تتفرچوا عليها ؟

نجح في استقطابه ليدعي التفكير قبل أن يردف ببرود  :

- تمام ، جول العنوان وحنعدي عليك ، ولعله خير  ..

نطقها واتجهت عيناه نحو ريم التي تجلس تتابع بصمت هذا الحديث الذي لم يرُق لها قط ، تتحمل فقط لأجل شقيقها مثلها مثل والدتها التي أحبت مودّة كثيرًا ولكنها لم تحب هذا الأخ مطلقًا..

❈-❈-❈

صباحًا

استيقظ جميع من في قصر آل حانا باكرًا حيث اليوم ستقام ليلة الحناء لنوارة داخل القصر ، ولعمار خارجه  
ولم يكن الاحتفال مقتصرًا على قصر ال حانا فقط، بل يمتد لقصر آل حامد أيضًا. 
وليلة الحناء في الأقصر تختلف عن غيرها من البلاد ، مميزة في العادات والمؤكولات والملابس..

الجميع مستمتع برغم الأعمال الشاقة ، فاليوم ستوزع الهدايا والنقود وسيقام احتفالًا كبيرًا لعائلتين من أعرق العائلات هنا ، والوافدون من المعارف والأصدقاء في طريقهم إلى هنا برًا وجوًا   .

ترجل جابر يتخذ خطواته السريعة من فوق الدرج حتى وصل إلى الأسفل ينادي على نوارة التي كانت تقف عند باب غرفتها تتحدث مع إحداهن من بنات العائلة  .

أتته فسحبها نحو ركنٍ هاديء ونطق محذرًا  :

- أني رايح دلوك أجابِلها يا نوارة وحرن عليكي وأني معاها ، أوعاكي تخربطي في الحديت ولا تنسي اسمها، ريم البسيوني ، ماتجوليش البسيوني جولي ريم بس، هتحلفيها تيچي ومش هتجفلي غير بعد ماتجولش إنها چاية ، تمام؟

أومأت بضجر وتأفأف تجيبه  :

- بزياداك يا چابر عاد ، من امبارح وانت عمال تحفظني كني عيلة صغيرة جدامك، يالا روح شوف مصلحتك وحل عني  .

عبس في وجهها ونطق بحزنٍ كاذب  :

- في عروسة تعمل في أخوها تزعل أخوها منيها جبل ما تسيب الدار بيوم، ده بدل ما تسيبي ذكرى حلوة في جلبي من ناحيتك؟

توسعت حدقتيها وهي تتابع دراميته لذا دفعته ليتحرك ونطقت موبخة بمزاح  :

- وهو فيه واحد مايعبرش اخته يوم حنتها ومايهموش غير الغزالة بتاعته بردك ؟

التفت يكمم فمها وينظر حوله يطمئن ونطق بخفوت يوضح  :

- لاء غزالة إيه ؟ اللي بيني وبينها مصلحة بس ، ووطي صوتك الحديت ده سر بينا، اوعي يا نوارة تجولي لحد.

زفرت تتنهد وأردفت بهدوء  :

- تمام مش حقول، يالا اتكل على الله  .

هندم ربطة عنقه وتحمحم وتحرك ليغادر وتركها تتجه نحو المطبخ، توقف حينما لمح سجود حيث دخلت من باب القصر لتوها ، رأته وابتسمت وتحركت نحو فابتسم يدعي فرحته ويرحب بها فاتحًا ذراعيه يقول  :

- اهلًا بالغالية بنت الغالية، تصدجي أني لسة سائل عنك وعن عمتي حبيبتي، أومال هي فين؟

قالها وادعى البحث بعينيه حولها فضحكت مستمتعة بترحيبه تبادله الحديث  :

- راحت المركز تكشف وحتيجي كمان شوية.

ادعى الاهتمام يتساءل  :

- وه ؟ خير ؟ طمنيني عنيها، أروحلها حالًا لو فيه أي حاچة.

هزت رأسها بلا تجيبه  :

- لا ده كشف اسنان عادي ماتجلجش، أومال انت رايح فين إكدة بالشياكة دي .

ابتسم بتباهٍ يجيبها  :

- دي أجل حاچة عندي ، رايح اچتماع شغل ، بس ماتمشيش إلا اما ارچع  .

أومأت بتأكيد تجيبه مطمئنة   :

- لا مماشياش دلوك واصل ، إحنا جاعدين إهنة لما الحنة تخلص  .

- زين جوي  .

قالها مبتسمًا يسترسل  :

- يالا سلام دلوك  .

تحرك يغادر ويزفر بقوة حينما ولاها ظهره ، خرج يضع نظارته ويتجه لسيارته يستقلها ويردد  :

- خليكي انتِ وامك اكدة احلموا وحتصحوا على كوابيس ، جال تتچوزوا اولاد عبد الوهاب جال ، مابجاش فيه غيرك يا هبلة اللي تبجى مرتي وامك الحرباية تبجى حماتي ، اعوذ بالله منكو .

قالها وأدار المحرك يتجه إلى وجهته بينما في الداخل مر عبد الوهاب على المطبخ ينادي على نهاد من بين النساء ، كانت تقف تعد الطعام بشرودٍ وحزن لذا لم تسمعه فلكزتها صابحة تنبهها  .

انتبهت له فتحركت نحوه فأخذها نحو الخارج وسألها بخفوت حيث لم يعد ابنه للبيت :

- فيه چديد؟

هزت رأسها بلا و نطقت :

- ماعرفش عنيه حاچة، وكنت هكلمه بس مسكت نفسي في آخر لحظة  .

تنفس بعمق وأومأ يفكر ثم نطق بنصح  :

- لا اوعي تكلميه دلوك، سبيه واني حتصرف..

أومأت له وعادت إلى المطبخ بينما تحرك هو نحو الخارج يستغفر ربه من تصرفات ابنه الغير مسؤولة .

❈-❈-❈

كان ينام في مكتبه في الشركة

طوال ليله يفكر فيما حدث أمس ، استعاد الأيام الماضية وحياته معها منذ أن تزوجا ، هي وهو لا يناسبان بعضهما ، لا هي تستطيع فهم ما يعاني منه ولا هو قادرٌ على تقبلها في حياته .

ما يحدث معه ليس بيده ، ذلك السد المقام بينه وبينها ليس هو من شيده بل شُيّد بأحكام وقوانين عائلية ظالمة ، يراها وهي تحاول تحطيم ذلك السد ولكن طاقتها لا تكفي وهو لا يستطيع مساعدتها  .

يحاول أن يتخلى عن قيوده ولكن لم ينجح ، وليلة أمس أثبتت له أن حياتهما لن تتغير للأفضل بل ستزداد سوءًا مع مرور الوقت ، لذا فالأفضل له أن ـــــــــ.

طرقات على باب مكتبه أيقظته ففتح عينيه ينظر أمامه لبرهة حيث لم تتركه الأفكار لا في الحلم ولا اليقظة  .

دلك عينيه ونهض يعتدل ثم زفر ووقف يتجه نحو الباب ، فتحه ليجدها أمامه ، وقف يطالعها بنظرة مختلفة عن السابق ، وكعادتها أهدته ابتسامة منفرجة ونطقت وهي تدخل من مسافة صغيرة بينه و بين الباب  :

- أنت فعلًا نمت هنا ؟ لما الحارس قال ماصدقتش ، ليه يا مهران ؟

أغلق باب المكتب وتحرك يعود ويجلس على الأريكة ، فاتجهت تجلس قبالته وتنظر بثقب إلى ملامحه المجهدة ثم عبست و نطقت بقلقٍ ظاهري  :

- في ايه يا مهران مالك ؟ احكيلي ، ماتفكرش اني صغيرة يعني وكدة أنا دماغي توزن بلد  .

ابتسمت حينما نطقت كلمتها الأخيرة ، وجلست تترقبه وتحثه على البوح بما يعتليه ، فنطق يبوح بترقب  :

- اتخانجت انا ونهاد  .

صمتت لبرهة تحدق به ثم عادت لعبوسها وأرجعت ظهرها للخلف تنطق بنبرة عقلانية مبطنة بالخبث  :

- تمام ، مش حابة اتدخل طبعًا بس مش كويس إنك تسيب البيت وتنام هنا ، يعني مش صح يا مهران خصوصًا علشان خاطر حمزة ، الأفضل انكوا كنتوا تقعدوا وتتكلموا وتحلوا أي خلاف بينكو ، وبعدين إنت انسان هادي وعقلاني جدًا فالموضوع بس محتاج شوية تفهّم  .

رفع كفيه يحيط وجهه ويعيد التفكير مرة تلو الأخرى بينما هي تحيطه بنظراتها وتتابع  :

- مهما يكن يا مهران إنت اللي بتقود العلاقة دي .

صمتت تترقبه ، كان داخل قوقعته ، يفكر في نفسه لدرجة لم تعد تسمح له برؤية قهر نهاد أمس أو خبث تيا الآن  .

نطقت حينما طال سكونه  :

- طيب دلوقتي روق خالص وأنا هقوم اطلبلك قهوة علشان تفوق  .

نهضت لتفعل ولكنها تفاجأت به يقبض على معصمها فالتفتت تطالعه باستفهام فحدق بها ونطق بما لا رجعة فيه  :

- تتچوزيني ؟

تسمرت مكانها تطالعه بصدمة ، لم تكون تتوقع أن يطلبها بهذه السرعة ، تفاجأت فعادت تجلس فترك يدها وانتظر ردها بتفحص فازدردت ريقها ونطقت متلعثمة  :

- مهران إنت بتقول إيه ؟ مش ممكن .

- ليه مش ممكن ؟

تساءل  لتجيبه وكأنها تشعر بالدهشة  :

- مش معقول علشان اتخانقت مع مراتك تتجوز عليها ، انا مش هقبل بكدة أصلًا  .

هز رأسه يوضح بثقل كأنه يخطو بين رمالٍ باتت تحيطه من كل جهة ولم يعد يعرف طريق العودة  :

- مش بسبب الخناج ، أني رايد اتچوزك إنتِ .

التمعت عينيها بشكلٍ مفاجئ وصمتت تزيح نظراتها عنه فنطق مستفهمًا بتوتر وتخبط يحتله كليًا :

- مالك يا تيا ؟ أني ضايجتك ؟

هزت رأسها بلا وعادت تحدق به ونطقت بفحيح   :

- لاء ، أنا بس عايزة اقولك إن انا عندي مشاعر ناحيتك من بداية لقاءنا ، إنت راجل مستحيل مايتحبش يا مهران ، بس أنا مش هقدر افرح واقولك موافقة ، أنا قررت أخفي مشاعري دي من يوم ما قولت لي انك متجوز  .

لم يتفاجأ من حديثها بل كان يشعر بذلك كلما نظر إليها ، لذا فإن عرضه الآن مبني على ذلك ، ليردف مؤكدًا وقاضيًا على أي صوتٍ داخلي يعنفه  :

- خلينا نتچوز يا تيا ، وصدجيني مش هتندمي ، مالكيش صالح بچوازي ، إنتِ حتكوني مرتي بردك وليكي حقوق عندي ، دي لا حاچة عيب ولا حرام ، ده حجنا  .

رفعت كفيها بعدم استيعاب تبتسم وهي تبكي وتردف بتخبط  :

- مش عارفة ، حقيقي مش عارفة  .

نطق بهدوء  :

- فكري دلوك ، ولو وافجتي هاخدك ونطلع مع الفوج اللي رايح أسوان النهاردة وهناك نكتب الكتاب  .

تجلى الذهول على ملامحها ونطقت  :

- النهاردة ازاي ؟ والفرح ؟ مهران انت بتهزر ؟

أجابها بجدية وتأكيد   :

- مش ححضره ، إنتِ بس فكري وبلغيني  .

ظلت جالسة تطالعه إلى أن طرقت مديرة مكتبه الباب ودلفت تطالعهما بشكٍ بات أشبه باليقين ، ولكنها لم تستطع إلا أن تلتزم الصمت ، ليت عمار هنا لكان أوقفها عند حدها ولكنه منشغلٌ في تجهيزات زفافه ، حسنًا لا بأس سيعود بعد أيام ولن يقبل بهذه الأفعال مطلقًا .

هكذا فكرت وهي تتقدم منه وتخبره برسمية   :

- الرحلة اللي رايحة أسوان هتتحرك النهاردة الساعة 6 يا مهران بيه  .

أومأ والتفت ينظر نحو تيا التي نهضت تنوي التحرك نحو مكتبها وقبل أن تفعل نطقت أمام الموظفة  :

- هفكر وابلغك يا مهران بيه ، عن اذنك  .

❈-❈-❈

وصل جابر  أمام شركة معتز ، يجلس في سيارته ينتظر مجيء ريم ،  يهندم نفسه ويبتسم بمكره المعتاد ، يتمنى أن يحالفه الحظ ويراهما معتز  ..

نظر في ساعة يده فعلم أنها على وشك المجيء ، لذا نفخ يستعد ويراقب الطريق..

وجدها تتقدم بسيارتها وتحاول ركنها في المكان المعتاد ، ترجلت بعدما حملت حقيبتها و ها هي تغلق سيارتها وتتجه نحو الشركة ولكنها توقفت حينما نداها من خلفها  :

- ريم  .

التفتت تطالعه بتعجب ما لبثت أن توترت ونظرت حولها خوفًا من رؤية معتز له ، ثم حاولت أن تهدأ فمعتز عادةً لا يأتي الآن ، لذا تساءلت وهي تراه يقف أمامها ويبتسم وعيناه تطالعها بثقب  :

- بتعمل إيه هنا يا مستر چابر ؟

ابتسم ونطق مأخوذًا بها وبجمالها و أناقتها بنظراتٍ متعمدة  :

- ماحبتش اتحدت وياكي ع الموبايل ، جولت لازمًا اجابلك بنفسي ، عارف إن چيْتي إهنة غلط بس كان لازم اشوفك  .

تأثرت تأثرًا خفيًا بكلماته وهيأته ونظراته الثاقبة لذا تنهدت بعمقٍ وسألته بترقب  :

- طيب خير إيه الموضوع ؟

دس يده في جيبه يخرج بطاقة دعوة ويناولها إياها قائلًا بهدوء  :

- دي دعوة ليكي ، النهاردة حنة نوارة اختي وهي طلبت مني اچبلك الدعوة دي واجولك تنورينا  .

التقطتها منه وفتحتها تنظر لها بابتسامة مجاملة ، كانت دعوة رائعة ، تتميز بالأناقة والفخامة ، تليق بعائلة آل حانا ، شردت في تفاصيلها لبرهة تتساءل هل أخبر شقيقته عنها ؟ لماذا ؟

رفعت أنظارها تطالعه وتردف معتذرة  :

- ألف مبروك بس أنا بعتذر مش حقدر احضر ، شكرًا ع الدعوة بس حقيقي مش حينفع  .

عبس والتقط نفسًا مطولًا ثم دس يده في جيبه مجددًا يخرج هاتفه ويتصل بشقيقته التي لم تجب سريعًا لذا اغتاظ داخله منها ، ليعود وينظر إلى ريم مبتسمًا والهاتف على أذنه يصرخ داخله بأن تجيب ، وبالفعل أجابت نوارة قبل أن ينتهي الاتصال فأردف متلهفًا  :

- أيوة يا نوارة ، أني وصلت دعوتك للأنسة ريم ، بس بتجول مش حتعرف تاچي ، موافجة ع الحديت ده ؟

قالها وغمز لريم وقبل أن تجيبه نوارة ناولها الهاتف يردف بحماسٍ مخطط له  :

- خديها أهي عايزة تتحدت وياكي  .

التقطت ريم الهاتف بحرج ، تضعه على أذنها وتتحدث برقي  :

- صباح الخير ، ألف مبروك يا نوارة ، وشكرًا ع الدعوة بس للأسف مش حقدر اجي  .

نطقت نوارة بنبرة لينة بعدما استمعت لحديثها الراقي  :

- الله يبارك فيكي يا ريم ، وطبعًا أني مجدرة ظروفك ، بس حاولي ، حكون مبسوطة جوي لو عرفتي تاجي ونتعرف على بعض ، وماتجلجيش هنكون كلياتنا حريم ، وجصر آل حانا مايتوهش واصل ، شوفي ظروفك إيه بردك وحستناكي .

وضعاها في موقف لا تحسد عليه ، فطرأ على عقلها الذهاب بالفعل ، ولكن كيف ستقنع والدتها وشقيقها نوح ، لذا ازدردت ريقها وأجابتها بلطفٍ  :

- تمام ، ربنا ييسر إن شاء الله ، والف مبروك مرة تانية  ..

ناولت الهاتف إلى چابر الذي أغلقه في وجه شقيقته ودسه في جيبه ثم وقف يحدق بها ويحاول إقناعها مجددًا بعبثيته  :

- يالا بجى يا ريم ماتزعليش اختي عاد ، دي نفسها تشوفك جوي من حديتي عنك ، هتاچي صوح ؟

نظرت حولها ولا تعلم بماذا تجيبه ثم ابتسمت بهدوء تنطق  :

- ححاول إن شاء الله .

- تحبي اچي اخدك  ؟

تساءل بها لتهز رأسها سريعًا وتنطق  :

- لاء أنا عارفة المكان ، لو ماما ونوح وافقوا إني اچي يبقى تمام ، عن اذنك .

تحاول أن تسرع قبل أن يأتي معتز ، ولكن لسوء حظها أتي معتز مبكرًا على غير عادة ، ورآهما سويًا ، رأته ريم التي لم تعد تعرف ماذا تفعل ، نظرت نحو جابر بعتبٍ ونطقت بخفوت  :

- كان الأفضل يا چابر ماتجيش هنا .

وجدها توترت وعم القلق تقاسيم وجهها فالتفت ينظر خلفه ليجد عيني معتز تخترقه وهو يترجل من سيارته ويتجه نحوهما  .

تعمد جابر أن يحدجه بنظرة استفزازية إلى أن اقترب معتز ووقف أمامهما ثم حدق بريم يتساءل  :

- خير ؟

تضخم توترها ولم تعرف بماذا تجيبه لينطق جابر متوليًا الدفاع عنها  :

- صلاح الخير يا معتز ، كنت بوصل دعوة أختي للآنسة ريم ، بعتالها دعوة عن طريجي ، أصل عجبال عندك حنتها النهاردة  .

كبت معتز غيظه جسديًا ولكن نظراته تفضحه ، يباغت ريم بغضبٍ عاصف ويلومها بصمت ، وهذا لم يرُق لجابر الذي استطرد وهو يمد ذراعه ليلفه إليه بهدوء خبيث  :

- كلمني كيف مابكلمك  .

نزع معتز يده بعنف ثم دفعه بكلتا يديه  ونطق صائحًا  :

- بعد يدك وغور من اهنه .

ترنح جابر الذي اشتعل موقد انتقامه ، بينما شهقت ريم وحاولت أن تحيل بينهما قبل أن يتعاركا ، فنطقت بترجٍ  :

- مستر معتز لو سمحت اهدا وخلينا ندخل الشركة ، وچابر حيمشي  .

تصنم يحدجها بغرابة ويردد  :

- چابر  ؟ هو فيه إيه بالضبط ؟

أطفأ جابر موقده حينما حصل على ما يريده ، راوده تشفي داخلي وهو يرى معتز أمامه يقف يواجه طعنة تلاقاها لتوه من ريم ، لذا هندم حلته ونطق وهو ينظر نحوها باستعطاف مختلط بالضيق  :

- أني آسف ليكي يا آنسة ريم ع اللي حُصل ده ، عن اذنك  .

تحرك يغادر بعدها كأنه قطع الشر لأجلها ، ولكنه تركها تواجه اتهامات وشك معتز بها ، صوت ضميره المدفون يحاول أن يؤنبه ويخبره أنه نذل ولم يكن عليه أن يتركها في هذا الموقف ، ولكنه سيتحمل العواقب ، يقسم أنه لن يضرها بشيء، جُل ما يخطط له أنه فقط يريد أن يصفع معتز من خلالها ، أما هي فلها مكانتها في شركته ومكانتها في عقله ، لن يكون نذلًا ويتخلى عنها بعد قضاء مصلحته ، وبهذا أقنع عقله وعاد يردم قبر ضميره كالعادة ..

وقف معتز يطالعها باستنكار ويتساءل  :

- عملتي كده ليه ؟

قطبت جبينها وتساءلت بتوتر  :

- عملت إيه  ؟

اقترب منها خطوة فابتعدت خطوة تطالعه بغرابة فاحتد وهو ينطق  :

- طعنتيني في ضهري ،  من امتى وانتوا بتتكلموا ، واخته مين اللي بعتالك دعوة وتعرفيها منين ؟ انتِ بتخونيني يا ريم ؟

فرغ فاهها لبرهة ثم نطقت مدافعة  :

- مستر معتز لو سمحت خد بالك من كلامك معايا ، يعني إيه بخونك ؟ مش انا اللي أعمل حاچة زي دي ، كل مافي الأمر إني قدمت لمستر چابر مساعدة والموضوع خلص على كدة .

وجدت نفسها تصارحه ، فلن تهرب أو تكذب حتى لا تنزعج من نفسها أكثر ، ولكنه قابل حديثها بضحكة استهانة ونطق وهو يومىء مرارًا  :

- مساعدة !  مساعدة !  قدمتي مساعدة لچابر آل حانا ألد أعدائي ! دي خيانة رسمي ، إنتِ إزاي تعملي فيا كدة ؟

زجها داخل قفص اتهامٍ ضيق فشعرت بالمحاصرة والعجز فحاولت الدفاع عن نفسها وهي تلتفت وترى أنظار المارة من حولها لتنطق بعدما ثبتت أنظارها عليه  :

- حضرتك بتبالغ چدًا ، أنا انتمائي الأول والأخير كان ومازال للشركة ، مستحيل أعمل حاچة تضرها  .

نطق بضيق وهو يشير بكفيه مستنكرًا  :

- للأسف مابقاش عندي ثقة فيكي ، خيبتي أملي  .

ذُهلت من تضخم ردة فعله ، والتمعت عينيها لثوانٍ قبل أن تردف بغصة تكونت في حلقها  :

- تمام ، تقدر حضرتك تشوف المناسب ليك وللشركة وتعمله ، عن اذنك  .

تحركت من أمامه تغادر المكان وهي تبكي ، تتمنى لو يناديها ويعتذر فهي تحب عملها هنا وتعتبره مقدسًا ، ولن تتقبل فكرة الاستقالة منه ، وبالطبع لم تخطئ في حقه ولن تفعل وتراه يبالغ بشدة ، لذا ربما من الأفضل أن تبتعد قليلًا وتتركه يفكر جيدًا  .. 

❈-❈-❈

عم المساء و أُنير قصر آل حانا بالأنوار المبهجة ، فتحت بوابتيه لاستقبال الوفود بترحابٍ كبير ، في الحديقة يجلس الرجال مصطفين حول بعضهم ، وفي المنتصف يرتكز مقعد العريس وأمامه طاولة يرتكز عليها طبق الحناء المخمر والمغطى إلى أن يحين استخدامه حيث لم يأتِ عمار بعد  ..

وعلى طاولة ثانية جانبية ممتدة على طول خمسة أمتار، وضعت أكياس الهدايا المغلفة ، وضع بداخلها قطعتين من الشوكولاتا ، وكيس من الحناء ، وقطعة أثرية تقليدية من التراث المصري كهيكل على عدة اشكال منها الهرم الأكبر أو أبو الهول أو رأس الملك توت غنخ أمون أو رأس الملكة كليوباترا وغيرها من القطع الرائعة المصغرة والمعدة خصيصًا لهذه المناسبة بختمٍ مخصص لعائلة آل حانا لتبقى ذكرى رائعة خاصة لدى الوافدين من خارج البلاد  . 

طاولة أخرى توازيها وُضع عليها كمٕا كبيرًا من الوجبات المغلفة ، لكل فردٍ وجبته الخاصة التي تحتوي على أنواع لذيذة من الأطعمة المجهزة بعناية وإتقان والتي يغلب عليها الطابع والطعم الأقصري المميز .

ينظم هذا الحفل عددًا من الشباب الذين يرتدون ملابس موحدة ، ومعهم عددًا من الشابات مخصصات لتنظيم حفل السيدات في الداخل ، أتى بهم عبد الوهاب بعد استشارة عمار كي لا يحدث فوضى بسبب بعض الأفراد الغير مسؤولين سواءً من الرجال أو النساء  ..

في داخل القصر وفي ردهته الواسعة كانت النساء تجلسن و تتبادلن أطراف الحديث بصوتٍ صاخب  ،  إحداهن تتحدث عن التجهيزات وكم الثراء الملحوظ ، وأخرى تتحدث عن ملابس صابحة وحليها وتنتظر بحماس ظهور العروس وظهور نهاد لترى ماذا ترتديان ، وأخرى تتحدث وتحزر عما بداخل أكياس الهدايا ، وغيرها تتحدث مع صديقتها عن مشكلتها الخاصة ، وغيرها من الأحاديث المتعارف عليها في هذه المناسبات  .

كانت نجوى تجلس بينهن تسعى لإخفاء حقدها ، مجبرة أن تفعل ، ربما تنعم بالقليل من الهدوء نسبةً لما فعلته وستفعله بعد قليل .

وكانت صابحة تسترق النظر إليها بين الفنية والأخرى ، حذرة تجاهها ومترقبة ، تتمنى أن ما تفكر به مجرد شكوك لا علاقة لنجوى بها  . 

❈-❈-❈

في الأعلى

تقف عند الشباك ترتدي قفطانًا رائعًا يليق بها بشكلٍ تام ،  زيتي اللون يعكس جمال ملامحها ، ينسدل بعد خصرها بشكلٍ لافت ، تعصج خصلاتها على هيئة كعكة كبيرة وتركت خصلتان منسدلتان على جبينها ، تضع على كتفيها حجابًا من الشيفون لتستخدمه إن دخل أحد الرجال إلى مجلس النساء .

تراقب عينيها جميع الحضور ، لم يأتِ ولم ترَه قط ، أيعقل أن ما حدث بينهما يعيقه عن حضور حفل حناء شقيقه ؟

هل ينتظر اتصالًا منها يا ترى ؟ ضعفها يردد عليها بأن تفعل ، وكلمات عمها لها أمس تعنف ذلك الضعف وتصفعه كلما تحدث ، لذا فإنها تستمع لتلك الكلمات القوية ، لن تهاتفه لأنها تعلم يقينًا أنها إن فعلت ستندم بعدها ، ستنتظره إلى أن يأتِ وتتحدث إليه .

ولكنها تحمل على عاتقها هم ما فعلته ، وهل يمكن أن ينقلب السحر على الساحر ؟ تفكر في التوبة والتراجع عن هذا السوء ولكن كيف تفعل ؟ كيف تبطله ؟ وما هي شروط توبتها ؟

هب على عقلها يونس ابن عمتها ، هل تسأله ؟ اليوم حنته ومن المؤكد أنه الآن غير متاح ولكن توترها وخوفها وتخبط أفكارها يخبروها أن تحاول الاتصال به  .

اتجهت تجلس على الفراش تلتقط هاتفها ثم حاولت الاتصال به وتوترها وصل لقمته ، انتظرت ليجيب وكادت أن تغلق حينما طالت إجابته ولكنها وجدته يفتح الخط وينطق بترقب  :

- سلام عليكم ، كيفك يا بنت خالي  .

التقطت نفسًا مطولًا تقوي به نفسها ، ثم نطقت  :

- الحمد لله يا يونس زينة ، بس كنت حسألك لو حتاچي إهنة ؟

كان يقف في ركنٍ خالٍ من حديقة القصر ليتسنى له سماعها نسبةً للصخب الذي يعم المكان ، تعجب من سؤالها ورد بسؤالٍ  :

- خير ؟ فيه حاچة ولا إيه ؟ نوارة زينة ؟

أسرعت تجيبه بتخبط  :

- زينة ماتجلجش ، أني عارفة ان الوجت مهواش مناسب ، بس كنت حسألك عن حاچة وفكرتك حتاچي ، خلاص يا يونس شوف مصلحتك ، معلش أزعچتك .

شعر أنها تحتاج للمساعدة الضرورية وإلا لما هاتفته في هذه الظروف ، لذا تنهد ونطق بتروٍ  :

- استني يا نهاد ، حروح مكان مناسب واكلمك ، اديني دجيجتين بس  .

أغلق وجلست تنتظره بعقلٍ مشتت ، هل ما تفعله صحيح ؟ هل تسرعت ؟ ولكنها تريد إبطاله في أسرع وقت ، والتحقق ما إذا كان له أثرًا سيئًا أم لا ، تشعر بالندم وتشعر بشيءٍ سيء لا تعرف ماهيته ، لذا هي بحاچة إلى المساعدة  .

نهضت تتجه نحو الباب وتوصده بالمفتاح ، ثم عادت تجلس على فراشها وتنتظر اتصاله ، وبالفعل وجدته يهاتفها بعد دقيقتين ففتحت تستمع له وهو يردف  :

- جولي يا نهاد سامعك ، خير ؟

عزمت أمرها وبدأت تخبره بشكلٍ مستتر وهي تفرك كفها في ردائها  :

- أني مش هطول عليك ، بس دلوك فيه واحدة غالية عليا ، چوزها يعني مهواش زين وياها ، تجريبًا مابيحبهاش ، هي حاولت كتير تتحدت وياه بس هو دايمًا يتهرب منيها ، وده خلاها يعني تلچأ لسكة الأعمال ، راحت لواحد عملها عمل لجلب الحبيب وحطته تحت سريرها ، طبعًا چوزها عرف وحصل بينهم مشكلة كبيرة ، بس هي ندمانة دلوك وكانت عايزة تعرف تتصرف كيف ، تعمل إيه لاجل ما تبطل أثره وتخلي ربنا يسامحها .

أسبل يونس جفنيه يستغفر ربه وأدرك على الفور أنها الفاعلة ، وكم آلمه ذلك وأشعره بالضيق ، كيف لابنة خاله المتعلمة أن تلجأ لهذه الأفعال ؟

تنفس لبرهة وأجابها بآية قرآنية مباشرة  :

- ربنا سبحانه وتعالى جال في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم"وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ".

صدّق يتابع بإرشاد وتوعية  :

- صديقتك لازم تعرف زين إنها ارتكبت ذنب كبير جوي ، النفع والضرر بيد ربنا ، ولولا إن الأعمال بتتحسب بالنوايا لكان زمانها واجعة في الشرك بالله دلوك  .

صُعقت فأسرعت تنطق ببكاء وتخبط  :

- لاء أعوذ بالله ، شرك إيه ، أني مكانش جصدي إكده واصل ، استغفر الله العظيم يارب .

تخبطها جعلها تعترف أنها الفاعلة دون أن تعي ، ولكنه لم يرد أن يخجلها فتابع حديثه  :

- يانهاد لازما يكون عنديها ثقة مطلقة في ربها ، الأعمال دي ممكن لا سمح الله تجلب نتيجة عكسية لو المقصود بيها كان شخص مهزوز ، ربنا بيجول "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".

وجدها صامتة ، أو ربما تعيش الندم وتبكي ، لذا استرسل  :

- دلوك اسمعيني زين ، هجولك تخليها تعمل إيه وتبطله كيف  . 

❈-❈-❈

في المركب السياحي المتهجه في رحلة نيلية إلى أسوان  .

وقف مهران يستند على السياج وينظر للمياه ويفكر ، يمسك بلفافة تبغٍ يدخنها لأول مرة ، هل سيحصد نتيجة ترضيه على ما فعله ؟

من المؤكد سينقلب الوسط عليه ، ولكن بعد ذلك سيدركون أنهم أوصلوه إلى هذه النقطة بأيديهم ، وسيتقبلون قراراته وسيحترمونها أيضًا ، هو فقط يبحث عن راحته ولم يرتكب جريمة أو يخالف شرعًا  .

رفع سيجارته إلى فمه يسحب منها مطولًا ، ثم نفث دخانها يشعر بالمرارة تحيط فمه وحنجرته ، ولكنها لم تكن أشد مرارة مما يعيشه منذ أشهر  .. 

نادته تيا فالتفت يطالعها فوجدها تقف على بعد مترين نحو الداخل وتتابع بترجٍ يغلفه الدلال الماسخ  :

- تعالى هنا علشان خايفة اجي عندك اقع تاني  .

ابتسم وألقى السيجارة في النهر ثم تحرك نحوها ووقف يطالعها بترقب فابتسمت تجيبه بمقلتين ماكرتين  :

- أنا موافقة يا مهران  ...

•تابع الفصل التالي "رواية صياد النايا الحانا " اضغط على اسم الرواية

تعليقات