رواية حين عدت الى الجذور الفصل السادس 6 - بقلم روان ابراهيم
تميم وقف قدام باب العناية المركزة لحظة… إيده على المقبض، لكن ما فتحش الباب فورًا. أخد نفس عميق، كأنه بيجمع نفسه قبل ما يشوف صاحبه بالحالة دي.
فتح الباب ببطء… ودخل.
الهدوء جوه كان تقيل…
نور أبيض هادي مالي الغرفة، وصوت الأجهزة الطبية هو الصوت الوحيد اللي مسموع. جهاز القلب بيطلع صوت منتظم… بيب… بيب… بيب.
تميم مشي خطوتين لجوه… وبعدين وقف.
عينيه وقعت على السرير.
مالك كان نايم…
رأسه متلففة بضمادة، وجسمه متوصل بأسلاك كتير… جهاز التنفس جنب وشه، وإيده فيها كانيولا والمحاليل ماشية ببطء.
المنظر ضرب تميم في قلبه.
قرب أكتر… لحد ما وقف جنب السرير.
بص لوش مالك كويس… الكدمات واضحة على خده وجبهته، ووشه شاحب بشكل يخوف.
تميم مد إيده ببطء… مسك إيد مالك.
كانت باردة شوية… لكنه مسكها بإحكام كأنه خايف تسيبه.
اتكلم بصوت واطي لكنه ثابت:
مالك… أنا هنا.
سكت لحظة… عينه كانت بتلف على وش صاحبه.
مالك… إحنا كلنا هنا… سامعني؟
قرب شوية من السرير… صوته بقى أهدى.
مريم برا… منهارة عليك.
بلع ريقه بصعوبة.
عمتي زهره… من ساعة ما عرفت وهي مش على بعضها.
ضغط على إيده أكتر.
قوم بقى يا مالك… في حاجات كتير لسه عايزين نعملها سوا.
عينيه لمعت… لكنه حاول يفضل ثابت.
فاكر لما قولنا هنطلع الرحلة دي سوا؟
لسه وعدتني إنك مش هتسيبني لوحدي فيها.
صوته واطي شوية… لكنه واضح.
أنا مستنيك تقوم… وتفضل تزن عليا زي كل مرة.
الجهاز جنب السرير طلع نفس الصوت المنتظم…
بيب… بيب… بيب…
تميم بص لوشه تاني… كأنه مستني أي حركة.
وفجأة… دمعة نزلت من عين تميم من غير ما يحس.
مسحها بسرعة بإيده التانية… لكنه ما سابش إيد مالك.
أنا هنا… فاهم؟
مش هروح في حتة.
فضل واقف شوية كده… ساكت… بس ماسك إيده.
لحد ما صوت هادي قطع اللحظة.
الممرضة: لو سمحت يا فندم… لازم تخرج دلوقتي… الحالة محتاجة راحة.
تميم هز راسه بهدوء.
بص لمالك مرة أخيرة… وضغط على إيده بخفة.
هطلع بس… بس أنا بره.
وسابه… ولف ناحية الباب.
أول ما خرج…
مريم قامت من على الكرسي بسرعة وجريت عليه.
مريم بلهفة وخوف: تميم! مالك عامل اي؟ طمني… بالله عليك!
تميم وقف لحظة… واضح عليه التعب.
تميم بهدوء: لسه تحت تأثير المخدر… بس حالته مستقرة شوية.
مريم دموعها نزلت أكتر.
مريم: شوفته؟ كان شكله عامل ازاي؟
تميم ما حبش يوصف المشهد… فاكتفى يقول بهدوء:
تميم: هيبقى كويس إن شاء الله.
مريم بدأت تعيط تاني… وزين قرب منها يحاول يهديها.
أما تميم… فمشي شوية بعيد عنهم وقعد على الكرسي اللي جنب الحيطة.
حط كوعيه على رجليه… وبعدين دفن وشه بين إيديه.
واضح جدًا إن الإرهاق مسيطر عليه… ساعات طويلة من القلق والتوتر والخوف.
لارا كانت واقفة من بعيد… عينيها عليه.
شافت قد ايه كتافه تقيلة… قد ايه تعبه باين… رغم إنه طول الوقت كان واقف قدام الكل بثبات.
قربت منه بهدوء… وقعدت جنبه.
لارا بصوت واطي: تميم…
تميم رفع راسه شوية… عينيه حمرا من التعب.
لارا بهدوء: إن شاء الله هيقوم بالسلامة.
تميم بص قدامه… وقال بصوت متعب:
يا رب.
سكت لحظة… واضح إنه خلاص استنزف كل طاقته.
لارا حطت إيدها على كتفه بهدوء.
لارا: حاول ترتاح شوية.
تميم ما ردش… بس بعد لحظة مال برأسه على كتفها.
لارا اتفاجئت ثانية… لكنها ما اتحركتش.
سابتُه مكانه… وخدت نفس هادي.
أنفاس تميم بدأت تهدى تدريجيًا…
التوتر اللي كان ماسكه من ساعات بدأ يسيبه.
وبعد دقائق… عينيه تقفلت.
نام… نوم تقيل من التعب.
لارا فضلت قاعدة مكانها… ثابتة.
كتفه مائل عليها… وأنفاسه بقت أهدى.
رفعت عينيها لباب العناية المركزة…
وبصت له لحظة طويلة.
وبصوت شبه همس قالت:
قوم يا مالك… كلنا مستنينك.
الممر قدام العناية المركزة كان هادي بشكل غريب… هدوء تقيل كأن الوقت نفسه واقف.
الأنوار البيضاء القوية كانت منعكسة على الأرضية اللامعة، وصوت الأجهزة الطبية اللي جوا الغرف هو الصوت الوحيد اللي بيكسر الصمت من وقت للتاني.
تميم كان نايم على كتف لارا… نوم مش عميق، لكنه نوم واحد exhausted تمامًا.
ملامحه رغم هدوئها كانت باينة عليها علامات الإرهاق… حاجبيه مقبوضين شوية كأنه حتى وهو نايم لسه شايل القلق جواه.
لارا كانت قاعدة ثابتة… ما اتحركتش خالص.
كتفها كان شايل وزن راسه، لكنها ما حاولتش تبعده. بالعكس… كانت حاسة إن اللحظة دي حساسة جدًا.
نورسين كانت قاعدة على الكرسي اللي جنبها… عينيها بتتنقل بين لارا وتميم وبين باب العناية المركزة.
الممر كله كان مليان توتر… حتى الناس اللي ماشية بعيد كانوا بيهمسوا بصوت واطي.
مريم كانت قاعدة على الطرف التاني من الممر… إيديها متشابكة بقوة لدرجة إن مفاصلها بقت بيضا.
كل شوية ترفع عينيها ناحية باب العناية… وبعدين ترجع تبص للأرض.
زين كان واقف جنبها… بيحاول يهديها من غير كلام كتير.
لكن الحقيقة إن محدش فيهم كان هادي.
بعد وقت طويل نسبيًا…
تميم اتحرك شوية في نومه.
فتح عينيه ببطء… كأنه مش فاهم هو فين في الأول.
بص حواليه… وبعدها استوعب إنه لسه في المستشفى.
رفع راسه بهدوء من على كتف لارا… لكن أول ما رفعها حس قد ايه كان متعب.
لارا بصت له وقالت بصوت واطي:
ارتحت شوية؟
تميم مسح وشه بإيده… وبعدين قال بصوت مبحوح من التعب:
شوية.
نورسين ابتسمت ابتسامة خفيفة:
الحمد لله… شكلك كنت واقع من التعب.
تميم هز راسه بس من غير ما يرد… عينيه رجعت تلقائيًا لباب العناية المركزة.
نفس النظرة القلقة رجعت لعينيه.
في اللحظة دي…
باب العناية اتفتح.
ممرضة خرجت بسرعة وهي ماسكة ملف… وراها دكتور.
الكل وقف تقريبًا في نفس اللحظة.
مريم كانت أول واحدة تتحرك… جريت ناحيتهم بسرعة.
يا دكتور! مالك عامل اي؟!
الدكتور وقف قدامهم… ملامحه هادية لكنه باين عليه التعب.
بص في الملف لحظة وبعدين قال:
حالته مستقرة دلوقتي… بس لسه في العناية.
مريم بلعت ريقها بصعوبة.
يعني… خطر؟
الدكتور قال بهدوء:
الإصابة في الرأس كانت قوية… لكن العملية نجحت الحمد لله.
لارا أخدت نفس بارتياح خفيف.
تميم كان واقف ساكت… مركز في كل كلمة.
الدكتور كمل:
أهم 24 ساعة جايين… لازم نراقب الحالة كويس.
مريم دموعها نزلت تاني… لكنها كانت أقل حدة المرة دي.
ممكن نشوفه؟
الدكتور هز راسه بالنفي:
دلوقتي لأ… لما الحالة تستقر أكتر.
تميم قال بهدوء:
تمام يا دكتور.
الدكتور مشي… والممر رجع هادي تاني.
مريم رجعت تقعد على الكرسي… لكنها كانت بتتنفس أسرع.
تميم قرب منها شوية.
مريم…
رفعت عينيها له.
تميم… أنا خايفة.
تميم بص لها لحظة… وبعدين قال بصوت ثابت:
مالك قوي… مش هيقع بسهولة.
مريم حاولت تهدى شوية.
نورسين بصت للارا وهمست:
واضح قد ايه هو مهم ليهم.
لارا عينيها كانت على تميم… شايفة قد ايه بيحاول يبان ثابت.
قالت بهدوء:
أيوه.
بعد شوية…
عز وصل للمستشفى.
دخل الممر بسرعة وهو بيدور عليهم.
تميم!
تميم لف ناحيته.
ها؟!
عز قرب منهم بسرعة.
في اخبار اي؟
تميم قال باختصار:
العملية نجحت… بس لسه في العناية.
عز أخد نفس طويل.
الحمد لله.
الوقت كان بيعدي ببطء شديد.
ساعة… وبعدها ساعة تانية.
كل شوية ممرضة تدخل وتخرج من العناية.
مريم كانت بتقوم كل مرة تسألهم نفس السؤال.
تميم كان واقف أغلب الوقت… أحيانًا يقعد دقيقة ويرجع يقف.
لارا لاحظت إنه مش قادر يهدى.
قربت منه مرة تانية.
تميم… اقعد شوية.
بصلها وقال:
مش قادر.
ليه؟
سكت لحظة… وبعدين قال بصوت واطي:
حاسس إني لو قعدت… حاجة هتحصل.
لارا فهمت إحساسه.
قالت بهدوء:
مفيش حاجة هتحصل.
نورسين قربت منهم وقالت:
تعالوا نشرب حاجة… يمكن تهدوا شوية.
تميم هز راسه:
لا… أنا هفضل هنا.
لارا قالت لنورسين:
روحي انتي هاتي حاجة لمريم.
نورسين مشيت.
الممر رجع هادي.
تميم كان واقف قدام باب العناية… عينيه ثابتة عليه.
لارا وقفت جنبه.
قالت بعد لحظة:
تميم.
همم؟
هو مالك… قريب منك قوي كده؟
تميم ضحك ضحكة خفيفة رغم التعب.
ده أكتر واحد فاهمني.
سكت لحظة… وبعدين كمل:
كبرنا سوا… اتخانقنا سوا… واتجننا سوا.
لارا ابتسمت ابتسامة صغيرة.
واضح.
تميم بص لباب العناية تاني.
بس أول مرة أحس إني ممكن أخسره.
صوته كان هادي… لكن مليان خوف.
لارا قالت بهدوء:
مش هتخسره.
تميم بص لها لحظة… كأنه بيدور في كلامها على طمأنينة.
ثم رجع عينيه للباب.
الممر كان ساكت…
لكن فجأة…
صوت جهاز إنذار خرج من جوه العناية.
صوت حاد.
الكل اتجمد مكانه.
مريم قامت بسرعة.
اي الصوت ده؟!
باب العناية اتفتح فجأة… ممرضين دخلوا بسرعة.
ودكتور جري وراهم.
القلب في صدر تميم دق بعنف.
لارا بصت له… ولأول مرة شافت القلق الحقيقي في عينيه.
مريم بدأت تبكي.
يا رب… يا رب…
الممر كله بقى متوتر…
والدقايق بقت تقيلة بشكل مخيف.
الممرضين دخلوا بسرعة، ودكتور ركض وراهم.
تميم وقف كأنه مجمد، عينيه مثبتة على مالك اللي كان مربوط بالأجهزة وممدد على السرير، جسمه كله أبيض من الأسلاك، وكل جهاز بيطلع صوت منخفض لكنه متواصل.
مريم جريت بسرعة وقربت من تميم:
تميم… مالك… هو كويس؟
تميم بص لها وعيونه مليانة توتر:
هدي شوية يا مريم، كل حاجة تحت السيطرة دلوقتي.
لكنه حتى هو، بالرغم من كلماته الهادية، كان قلبه بيجري في صدره.
شال عينيه من مالك للحظة وبص للارا اللي واقفة جنب، حسيتها كانت هادية… بس عينها كانت بتحكي الخوف اللي جواه.
حط راسه على كتفها كأنه بيدور على ثبات… لارا ما تحركتش، مسكت إيده بخفة كأنها بتديله طاقة إنه يفضل واقف.
الممر كان ساكت… كل صوت فيه كان واضح. دقات الأجهزة، صوت الممرضة اللي بتعدل في الأجهزة، وحتى التنفسات كانت باينة.
تميم حاول يركز على صوت الممرضين، لكن كل ثانية كان بيضيع فيها في الخوف على مالك.
الممرضة وقفت قدامه وقالت له:
لازم تبعد شوية… صحته دلوقتي محتاجة هدوء.
تميم رجع عينيه لمالك، دمعة واحدة وقعت من عينه… مسك فمه بسرعة عشان محدش يشوفها.
مالك… أنا هنا، كلنا هنا… محتاجينك… مريم برا منهارة عليك… قوم في حاجات كتير عايزين نعملها سوا.
مريم شالت إيديها على وشها وابتدت تبكي بحرقة… كل دمعة كانت كأنها تنقل خوفها وقلقها على تميم.
تميم حط إيده على راسه كأنه شايل كل التعب والقلق في نفسه.
لارا قربت منه أكتر، مسكت إيده وشدتها بخفة:
أنا هنا معاك… كل حاجة هتبقى كويسة.
تميم ركّز في صوته لما رد لها:
عارف… بس… الخوف جوايا… مش قادر أهدي.
نورسين كانت قاعدة على الكرسي جنب لارا… عينها مش قادرة تبعد عن مالك، بس كانت بتحاول تركز على لارا وتميم… محاولة تهدي اللحظة، لكنها كانت شايفة التوتر في كل حتة حوالينهم.
مريم ما قدرتش تتحمل أكتر، ركضت ناحية باب العناية:
يا رب… يا رب…
تميم و Lara اتحركوا مع بعض ناحية الباب، بس مشيتم بحذر.
تميم حط إيده على كتف لارا، مش حابب يسيبها، وحاسس إن وجودها جنبه هو اللي مسكه واقف… مش قادر يسيب الخوف يسيطر عليه.
بعد شوية، الممرضة نادت عليه تاني:
لازم تسيب السرير دلوقتي… صحته محتاجة هدوء.
تميم اتنهد بصعوبة، لكن ما شالش عينيه من مالك إلا لما شاف إن الممرضين أخدوه بعيد.
رجع لارا شوية، راسه مائل على كتفها، وهو واقف كأنه اتشال منه جزء من التوتر… بس قلبه لسه دقاته سريعة.
مريم عادت تقعد على الكرسي، لكن كانت مش قادرة تبعد عينيها عن مالك، كل مرة الممرضين يدخلوا يظبطوا أجهزة كان قلبها يوقف.
تميم فضل واقف… مش قادر يقعد… لارا ضمت إيده بخفة، وبصتله:
حاول تهدي، أنا معاك.
عارف… بس الصراحة، لما شوفه كده… قلبي بيتقطع.
اللحظة دي كانت مليانة صمت ثقيل، بس كل صمت فيها كان مليان مشاعر: خوف، توتر، حب، وارتباط… كل حاجة كانت مختلطة.
بعد شوية، نورسين حاولت تخفف الجو شوية:
تعالوا، نقدر نطلع برا شوية… الهواء ممكن يساعدنا نهدى.
تميم هز راسه بس متمسك بمكانه:
مش قادر دلوقتي… قلبي واقف.
لارا فهمت شعوره… مسكت إيده بإحكام أكتر:
أنا مش هسيبك دلوقتي… مفيش حاجة هتحصل.
مريم بقت تقعد ساكتة، عينيها لسه على باب العناية، ودموعها مش قادرة تبطل.
تميم نظر لها بخوف وحنان:
هتهدي يا مريم… هو قوي… هيعدي.
الكل فضل في الممر… الوقت كان بيمشي ببطء رهيب… كل ثانية كانت تقيلة، وكل نفس كان فيه خوف مش قادرين يتحكموا فيه.
يُتبع....
•تابع الفصل التالي "رواية حين عدت الى الجذور" اضغط على اسم الرواية