رواية بيت العمده الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي

 رواية بيت العمده الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي

الفصل السادس
بيت العمدة
امتلأت الغرفة بالدخان الكثيف حتى صار الهواء ثقيلا خانقا، وألسنة اللهب تتسلل من أسفل الباب وتزحف ببطء مرعب نحو الداخل....و كانت غصن تسعل بقوة وهي تحاول أن تتنفس، بينما ارتفع صوتها بالصرخات وهي تحك حلقها من أثر الدخان وفي الخارج، تعالت أصوات الرجال وهم يضربون الباب ويحاولون فتحه، لكن دون جدوى ورددت:  
افتحوا الباب.... اكسروا الباب 
دوت الصرخات في الممر، قبل أن يرتفع صوت منصور من الخارج، وهو يصرخ بقلق:
يا كاسر! الباب كله مولع… محدش جادر يقرب منه 
تجمد كاسر في مكانه لحظة، وقد انعكس وهج النار في عينيه بصدمة واضحة فـاقتربت منه غصن بسرعة ووجهها شاحب والدخان يحيط بها من كل جانب وقالت وهي تشير ناحية الشباك:
نط من الشباك يا كاسر… يلا الأرض مش عالية…هتجدر تنط... سيبني واطلع بسرعه... يلا 
نظر إليها كاسر بذهول، وكأن كلماتها أصابته بالجنون وصاح بغضب:  
اسيبك إي... مليش دعوة بيكي إزاي؟ إنتي اتجننتي ولا اب عاد... بتعملي اكده ليه.. هو انتي عايزه تجننيني يا بنت الحلال اس ال انتي بتجوليه دا 
صرخت غصن فيه بغضب وهي تسعل من الدخان وهتفت:  
إنت العمدة وكبير العيلة دي.. لازم تبجى كويس…لو حوصلك حاجه البلد كلها هتبوظ..واخوك هيحرب العيله كلها.... يلا نط بسرعة.. انت لازم تعيش مهما حوصل.  . يلا يا كاسر ابوس يدك 
اشتعلت ملامحه غضبًا أكثر، وصاح بعصبية:
عمودية إي وزفت إيه دلوجتي علي دماغك اسكتي... اسكتي خالص 
القي كاسر كلماته ثم اندفع نحو الشباك وفتحه بعنف وانحنى ينظر إلى الخارج قبل أن يصرخ بصوت جهوري نحو الحراس في الأسفل:
هاتوا السلالم الخشب الكبيرة بسرعة! يلا اتحركوا 
القي كاسر كلماته ثم عاد إليها سريعا، وسحبها من ذراعها غصبا عنها، وأوقفها قرب الشباك وهو يحاول أن يحميها بجسده من الدخان والنار وردد:  
تعالي اهنيه … خليكي جمبي متتحركيش و 
لكن قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، دوى صوت قوي فجأة وتحطم الباب واندفع الخشب المحترق إلى الداخل، وظهر مالك وسط الدخان واللهب وهو يدفع الباب بكتفه بينما يحاول إخماد النار وصرخ بصوت مرتفع:
اطلعوا بره بسرعة... يلا 
لم ينتظر ردا، بل اندفع إليهما، وأمسك بهما معا وسحبهما بقوة نحو الخارج، متجاوزا ألسنة اللهب التي كانت تلتهم مدخل الغرفة وبعد لحظات، خرج الثلاثة إلى الممر، بينما كان الرجال يندفعون بالمياه لإطفاء النار وفور أن خرج كاسر، اندفعت زينب نحوه بلهفة واحتضنته بقوة وهي تقول بصوت مرتجف:
حمد الله على سلامتك يا ضنايا… كنت هموت من الرعب عليك 
وفي تلك اللحظة، اقترب مالك من غصن بسرعة، وأمسك بكتفيها وهو ينظر إليها بقلق شديد وهتف:  
إنتي كويسة؟ حوصلك حاجة 
لم تتمالك غصن نفسها، فانفجرت بالبكاء ودفنت وجهها في صدره وهي تردد:  
كويسه... كويسه.. الحمد لله 
وقف كاسر على بعد خطوات، وعيناه معلقتان بالمشهد أمامه، والغضب يتصاعد في صدره وهو يراها تبكي في حضن مالك وقبل أن ينطق بكلمة، اندفعت هدير فجأة نحوه. أحاطت بذراعيها حوله وهي تبكي، وتقول بلهفة:
إنت كويس؟! يا كاسر رد عليا… إنت كويس؟!
نظر إليها لحظة دون رد، بينما كانت عيناه ما تزالان تتجهان نحو غصن ومالك وفي تلك اللحظة، انتبهت غصن فجأة إلى يد مالك... كانت محمرة بشدة… وقد ظهرت عليها آثار الحروق فشهقت بقلق وأمسكت يده بسرعة وهتفت:  
واه.. واه يا نهار أبيض… إيدك اتحرقت! تعالي بسرعة لازم نروح المستشفى دلوجتي 
هز مالك رأسه رافضا وقال بهدوء:
لع… مفيش داعي. دي حاجة بسيطة 
لكن كاسر تقدم نحوهما هذه المرة، وملامحه متجهمة، وقال بصوت أكثر هدوءا رغم الضيق الواضح في عينيه:
أنا هتصل بالحكيم  يجي يعالج ايدك اهنيه 
ثم نظر إلى مالك مباشرة وقال بجدية:
وشكرا… إنك أنقذتنا 
لم ينتظر كاسر  ردا، بل استدار ودخل إلى الغرفة المجاورة بخطوات سريعة وبعد لحظات، دخل منصور خلفه ووقف كاسر في منتصف الغرفة وملامحه مشدودة بالغضب، ثم التفت إليه فجأة وصاح بعصبية:
إزاي ده حوصل.... وإزاي مالك يجدر ينقذنا وكلكم واجفين بره؟! محدش فيكم ليه لازمة اهنيه نهائي 
خفض منصور رأسه قليلًا وقال:
والله يا كاسر إحنا منعرفش إي ال حوصل. النار ولعت فجأة 
اشتعل غضب كاسر أكثر، وضرب بقبضته على الطاولة بقوة وصاح:  
لع  لازم تعرف... انت لازم تعرف اي ال حوصل 
ثم اقترب منه خطوة وقال بصوت منخفض لكنه مليء بالتهديد:
يعني إيه حد يدخل بيتي ويحاول يجتلني… ومحدش يشوفه.... اتصرف يا منصور… وجيبلي ال عمل اكده. مفهوم؟ 
أومأ منصور برأسه ببطء وقال:
تمام… هعرف مين ورا الموضوع 
ثم استدار وغادر الغرفة، بينما بقي كاسر واقفا في مكانه، والنار التي انطفأت في البيت… ما تزال مشتعلة في صدره. وفي صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس تتسلل ببطء من خلال النافذة المفتوحة، لكنها لم تستطع أن تبدد أثر الدخان الذي ما زال عالقا في جدران الغرفة.... كانت رائحة الحريق واضحة في كل شيء.... في الستائر المتفحمة قليلا، وفي الأثاث الذي اسودت أطرافه، وحتى في الهواء الذي بدا ثقيلا رغم مرور الليل حيث وقفت غصن في منتصف الغرفة، تمسك قطعة قماش مبللة، وتمسح بها آثار السواد عن أحد الأركان... كانت ملامحها متعبة، لكن عينيها تحملان إصرارا واضحا وهي تحاول إصلاح ما أفسدته النيران فتنهدت بخفوت وهي تنظر حولها، وكأنها تحاول استيعاب ما حدث ليلة الأمس وفي تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة ودخل كاسر بخطوات هادئة، وعيناه تتفحصان الغرفة التي بدت وكأنها نجت بصعوبة من كارثة فتوقف عند الباب لحظة وهو يراقبها، ثم قال بنبرة متعجبة:
إنتي بتعملي إي عاد 
لم تلتفت إليه فورا، بل أكملت مسح الطاولة قليلا قبل أن ترد بهدوء:
زي ما إنت شايف اكده … بنضف الأوضة. 
ثم توقفت لحظة، وألقت قطعة القماش جانبا وأضافت:
وكمان كنت هروح أطمن على مالك 
تجهمت ملامح كاسر فور سماعه الاسم وضاقت عيناه قليلا قبل أن يقول بنبرة مستنكرة:
مالك... ده إي ال جابه امبارح أصلًا 
رفعت غصن كتفيها بلا مبالاة وقالت:
معرفش… هبجى أسأله.. ان شاء الله 
ساد صمت قصير، قبل أن يتقدم كاسر خطوة داخل الغرفة ويقول بلهجة حاسمة:
خلاص… أنا هاجي معاكي نطمن عليه مع بعض 
التفتت إليه بسرعة، وكأن الفكرة لم تعجبها، وقالت:
مفيش داعي… إنت عارف أهلي مش بيحبوك 
ما إن أنهت كلماتها حتى تغيرت ملامح كاسر فجأة، واشتعل الغضب في عينيه واقترب منها بخطوتين سريعتين، ثم أمسك بيدها فجأة وسحبها نحوه بعصبية وقال:  
أنا هاجي… حضري نفسك.
شهقت غصن بخفوت، لكن في اللحظة التالية انقبض وجهها بالألم فتوقف كاسر فورا وانتبه أن يده كانت تضغط على ذراعها… في نفس المكان الذي أصيبت فيه فارتخت قبضته بسرعة، وابتعد عنها قليلا وهو ينظر إلى ذراعها بقلق ثم قال بصوت أخفض، وقد خفت حدته:
انا آسف… مكنش جصدي.. انتي كويسه 
غصن بتوتر:  
اها... الحمد لله 
ساد صمت قصير بينهما وتنحنح كاسر قليلًا، ثم استدار نحو الباب وقال وهو يفتحـه:
يلا… حضري نفسك.... هستناكي بره 
خرج من الغرفة بعدها مباشرة، تاركا الباب نصف مفتوح.أما غصن، فبقيت واقفة مكانها للحظة، تنظر إلى الباب الذي خرج منه… بينما يدها ما زالت فوق موضع الإصابة، وقلبها يخفق بتوتر لا تعرف سببه وبعد فتره من الوقت  كان الصمت يخيم على صالة بيت رفاعي، بينما جلس كاسر على الأريكة الخشبية العريضة، وملامحه متجهمة كعادتها، وعيناه تدوران في المكان بحدة.كان رفاعي يجلس أمامه مباشرة، متكئا إلى الخلف وكأن الأمر لا يعنيه، بينما يقبض بيده على مسبحته ويحرك حباتها ببطء.... مرت لحظة صمت ثقيلة، قبل أن يقول رفاعي بلهجة حاسمة:
غصن جالها عريس
تجمّد كاسر في مكانه ورمش مرة ببطء، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. فقال بصدمة واضحة:
عريس إي..... أنا مش فاهم 
حرك رفاعي مسبحته بين أصابعه، ثم نظر إليه بثبات وقال:
عريس يعني عريس… راجل طالب إيدها 
اشتدت ملامح كاسر، فاعتدل في جلسته قليلا وهو يقول بحدة:
نعم؟!  انتوا بتتكلموا في الكلام ده إزاي أصلًا؟ 
رفع رفاعي حاجبه قليلًا، ثم قال ببرود:
بنتنا جالها نصيبها يا كاسر… ومدام إنت متجوز عليها، يبجى خلاص تطلج بنتنا وتتجوز واحد يحافظ عليعا 
في تلك اللحظة، نهض كاسر واقفا بعنف، حتى تحرك الكرسي خلفه قليلًا من قوة اندفاعه واشتعل الغضب في عينيه، وفتح فمه ليتكلم…لكن قبل أن يخرج صوت منه، سمع صوت خطوات على الدرج والتفت الاثنان في نفس اللحظة كانت غصن تنزل الدرج ببطء. وتوقفت عند آخر درجة، ثم نظرت إليهما للحظة قبل أن تقول بهدوء:
أنا موافجه 
ساد الصمت فجأة في المكان ثم انفجر صوت كاسر كالرعد:
انتي مجنونة ولا إي 
تقدم خطوة نحوها بعصبية، بينما كانت عينيه تشتعلان غضبا لكن قبل أن يقترب أكثر، التفت فجأة نحو رفاعي، وقال بحدة تكاد تكون تهديدا:
أنا استحملتك كتير جوب … بس مش هستحمل أكتر من اكده ومن النهارده… معاملتي معاكم هتبجى بالسلاح. 
ثم التفت فجأة إلى غصن، وحدق فيها لحظة قبل أن يقول بلهجة آمرة:
يلا… نروح 
نظرت إليه غصن بثبات، دون أن تتحرك ثم قالت ببرود واضح:
أنا همشي لوحدي 
لم تنتظر ردّه.واستدارت مباشرة، واتجهت نحو باب البيت.وفتحت الباب وخرجت. فوقف كاسر لحظة مكانه، وملامحه متصلبة من شدة الغضب ثم اندفع بعدها بخطوات سريعة خارج البيت… خلفها مباشرة. وبعد فتره من الوقت اندفعت سيارة كاسر تشق الطريق كعاصفة هوجاء، وصوت المحرك يعلو مع ضغطه الغاضب على الدواسة، وعيناه مثبتتان على السيارة التي أمامه.
لم يكن يرى الطريق بقدر ما كان يرى طيفها داخله.
وفي لحظة حاسمة، انحرف بسيارته حتى اعترض طريقها فجأة، فتوقفت الأخرى اضطرارا.
وفتح باب سيارته بعنف، ونزل بخطوات سريعة مشتعلة، ثم اتجه نحو السيارة الثانية وفتح بابها بقوة، ممسكا بذراعها وساحبا إياها إلى الخارج.
فصرخت غصن وهي تحاول الإفلات منه مردده :
اااه.... ايدي.. ما تسيبني في حالي بجا انت عايز مني اي تاني 
قبض كاسر  على ذراعيها بقوة، وعيناه تشتعلان غضبا وهتف :
 إنتي إزاي تمشي اكده هاااا.... رايحه على فين من غير ما أعرف؟
نزعت يدها منه بعصبية وقالت:
 ملكش صالح  بيا! أبعد عني… علاقتنا انتهت… دا لو كان فيه علاقة أصلًا 
اشتد غضبه، وصاح بصوت ارتج له المكان:
 إنتي مجنونة؟! جايبينلك عريس وانتي على ذمتي  وعايزاني أجف أتفرج عليهم وأخدهم بالأحضان؟! وانتي كمان طالعة تجوليلهم موافجة؟!
رفعت رأسها بتحدي وعيناها تلمعان بالدموع والغضب وقالت:  
 أيوه موافجة....و كويس طوي إنك افتكرت إني على ذمتك! طلجني بجا علشان هتجوز واحد تاني… وخليك مع مرتك أم ابنك! يلا سلام 
استدارت غصن  لتعود إلى السيارة، لكن قبل أن تمسك بالمقبض، جذبها إليه فجأة، فاصطدمت بصدره وقال بصوت مبحوح حاد:
 إنتي مرتي أنا… ومستحيل أسيبك لحد غيري مهما حوصل 
وقبل أن تمنحه فرصة للرد، انحنى نحوها وقبلها قبلة خاطفة، ممتزجة بالغضب والخوف والتملك.
فتجمدت بين ذراعيه للحظة…وفجأة، دوي صوت رجولي خلفهما يهتف باسمها بغضب مرددا: 
 غصــــن و
نظرت غصن بصدمه ورددت:  
جابر و 
وفي مكان اخر عند صفاء كانت تصرخ بشده وهي تري امامها زينب علي الارض غارقه في دماءها وفجاه انتبهت الي هذه التي تقف بعيدا وتبتسم و 

•تابع الفصل التالي "رواية بيت العمده" اضغط على اسم الرواية

تعليقات