رواية حين عدت الى الجذور الفصل الخامس 5 - بقلم روان ابراهيم
دخلنا وسمعنا صوت عياط والدنيا مش مظبوطة خالص… أول ما دخلنا البيت من جوه لقينا هرجلة مش طبيعية. الناس داخلة طالعة، أصوات عالية، وكل واحد بيسأل التاني ومحدش فاهم حاجة.
بصيت قدامي لقيت مريم بنت عمي سالم منهارة من العياط، وشها أحمر وعينيها وارمين.
اتكلمت بسرعة وقلق:
تميم: في اي؟ مالكوا؟ حد حصله حاجة؟
مريم ردت وهي بتشهق من العياط:
مريم: تميم بالله عليك مشوفتش مالك؟! بيقولوا في حا… حادثة كبيرة على الصحراوي… ومالك كان ماشي من هناك… وبنرن عليه مقفول!
قلب تميم دق بعنف، بس حاول يبان هادي.
تميم: طيب اهدي… خير إن شاء الله، ميكونش حصل حاجة. أنا أصلاً مشفتهوش من الصبح.
فجأة زهره دخلت عليهم وهي منهارة تمامًا.
زهره بانهيار: تميم! ابني يا تميم… بالله عليك شوفهولي فين… أنا مرعوبة… بالله عليك رجعلي ابني.
تميم قرب منها بسرعة:
تميم: حاضر يا عمتي… اهدي بس عشان كده غلط عليكي.
زهره: أهدى ازاي وأنا معرفش ابني فين ولا حصل له اي!
لارا قربت بسرعة من زهره وحضنتها، كانت بتحاول تهديها وهي نفسها دموعها نازلة. زهره مسكت في لارا بقوة كأنها بتتشبث بأي أمل… وفجأة جسمها كله ارتخى ووقعت في حضن لارا.
لارا بصدمة: تميم!
كلهم جريوا عليهم.
تميم شال زهره بسرعة وطلع بيها على أوضتها.
لارا واقفة في الصالة دموعها بتنزل وهي ماسكة إيد نورسين.
مريم واقفة مكانها مش مستوعبة أي حاجة… وزين بيحاول يهديها.
البيت كله بقى مليان توتر وخوف.
بعد شوية تميم نزل وهو بيتكلم في التليفون بعصبية:
أيوه يا دكتور… محتاجك تيجي حالاً… في حالة إغماء.
قفل المكالمة وبص لعز اللي كان بيحاول يتصل بأي حد ممكن يعرف حاجة.
تميم: عز… أنا هطلع على الصحراوي أشوف اي الدنيا هناك. أنت خليك مع الجماعة هنا… في دكتور جاي لعمتي زهره دلوقتي… خليك معاه، وأول ما تعرف حاجة رن عليا.
مريم قربت منه بسرعة وعيونها مليانة دموع:
مريم: تميم بالله عليك خدني معاك.
تميم بص لها باستغراب:
تميم: أخدك فين يا مريم؟! إنتي اتجننتي؟
مريم: بالله عليك يا تميم… أنا هموت من القلق… قلبي وجعني عليه… مش هقدر أقعد هنا معملش حاجة.
تميم زفر بعصبية:
تميم: وإنتي هتعملي اي لما تيجي؟!
لارا بصت له وقالت بهدوء:
لارا: تميم… خدها معاك… إن شاء الله ميكونش فيه حاجة… بس عشان تطمن.
تميم سكت لحظة وبعدين قال بعصبية خفيفة:
تميم: تعالي يا مريم… أما نشوف آخرتها.
خرجوا بسرعة، وركب تميم العربية.
مريم قعدت جنبه وهي ماسكة إيديها ببعض بتوتر.
الطريق للصحراوي كان طويل وتقيل… مريم طول الطريق بتبص للتليفون كل شوية يمكن مالك يرن… لكن مفيش حاجة.
بعد حوالي نص ساعة… بدأوا يشوفوا نور عربيات الشرطة والإسعاف من بعيد.
كل ما يقربوا أكتر… قلب مريم كان بيدق أسرع.
وصلوا أخيرًا لمكان الحادث.
كان المنظر مرعب.
عربيات كتير واقفة على جنب الطريق… عربية إسعاف فاتحة أبوابها… صوت اللاسلكي بتاع الشرطة… وناس متجمعة بتبص بقلق.
كان واضح إن في حادثة كبيرة حصلت.
تميم نزل من العربية بسرعة… مريم نزلت وراه وهي بتبص حواليها بخوف.
كان في عربية مقلوبة على جنب الطريق… الإزاز بتاعها متكسر… وعربية تانية خبطت فيها من قدام، والكبوت بتاعها متطبق.
الأرض كان عليها آثار فرامل طويلة… باين إن السواق حاول يوقف العربية فجأة.
ورجال الشرطة واقفين بيبعدوا الناس عن المكان.
قلب تميم انقبض… عينه بدأت تدور وسط العربيات بسرعة.
وفجأة… عينه وقعت على عربية واقفة جنب الطريق.
تميم قرب خطوة… واتجمد مكانه.
تميم بصوت واطي: لا…
مريم بصت على نفس الاتجاه… ولما شافت العربية…
شهقت بقوة.
كانت عربية مالك.....تميم وقف لحظة قدام عربية مالك… قلبه بيدق بعنف، وعقله رافض يستوعب أي حاجة. مريم كانت واقفة جنبه، عينيها متعلقة بالعربية كأنها مستنية حد يطلع منها ويقولهم إن كل ده سوء تفاهم.
مريم بصوت مهزوز:
مريم: دي… دي عربية مالك… صح؟
تميم ما ردش فورًا… عينيه كانت بتلف حوالين المكان بسرعة، كأنه بيدور على أي دليل يطمنه.
في اللحظة دي شاف ظابط واقف قريب، بيتكلم في اللاسلكي. تميم خد نفس عميق ومشي ناحيته بسرعة.
تميم: لو سمحت يا فندم… العربية دي بتاعة واحد قريبنا… ممكن تقولّي حصل اي بالظبط؟
الظابط بصله لحظة، وبعدها قال بنبرة عملية:
الظابط: الحادثة حصلت من حوالي ساعة… عربية نقل فقدت السيطرة وخبطت كذا عربية في الطريق.
قلب تميم وقع أكتر.
تميم: طيب… الناس اللي كانوا في العربيات؟
الظابط اتنهد وقال:
الظابط: في حالتين وفاة… والباقي إصابات… اتنقلوا على المستشفى من شوية.
مريم سمعت الكلمتين… “حالتين وفاة”… جسمها كله اترعش.
مريم بصوت مكسور: يعني اي… يعني ممكن…؟
تميم لف لها بسرعة:
تميم: مريم… اهدي.
لكن مريم بدأت تعيط أكتر، دموعها بتنزل من غير ما تعرف توقفها.
مريم: مالك كان هنا يا تميم… عربيته هنا… يعني هو كان هنا!
تميم حاول يفضل ثابت، بس الخوف كان باين في عينيه. مالك بالنسبة له مش بس ابن عمته… ده أقرب واحد ليه من زمان.
بص للظابط بسرعة:
تميم: المصابين اتنقلوا على مستشفى اي؟
الظابط: مستشفى ال****… الإسعاف خدهم هناك.
تميم ما ضيعش ثانية.
تميم: يلا يا مريم.
مريم ركبت العربية وهي لسه بتعيط، وإيديها بترتعش.
العربية اتحركت بسرعة في الطريق… تميم سايق وهو مركز قدامه، بس عقله مليان أسئلة.
هو مالك كان في العربية وقت الحادثة؟
ولا نزل منها؟
ولا يمكن… يكون من المصابين؟
مريم فجأة اتكلمت وسط عياطها:
مريم: تميم… لو حصل له حاجة أنا… أنا مش هقدر أعيش.
تميم ضغط على الدركسيون بقوة.
تميم بهدوء حاول يفرضه على نفسه: محدش قال إن حصل له حاجة… يمكن يكون من المصابين بس.
بعد شوية وصلوا المستشفى.
كان قدامها عربيات إسعاف واقفة… وممرضين داخلين طالعين بسرعة.
تميم نزل من العربية بسرعة ومريم نزلت وراه.
دخلوا الاستقبال… المكان مليان توتر.
تميم: لو سمحت… في مصابين من حادثة الصحراوي اتجابوا هنا؟
الممرضة بصت في الورق قدامها:
أيوه… لسه واصلين من شوية.
تميم بسرعة: ممكن أعرف أسماءهم؟
الممرضة هزت راسها:
الحالات دلوقتي في الطوارئ… لسه بيتسجلوا.
مريم وقفت جنب الحيطة… حطت إيديها على وشها وهي بتعيط.
تميم كان واقف قدام باب الطوارئ… عينه على الباب… مستني أي دكتور يطلع.
وفي نفس الوقت… في البيت.
عز كان واقف في الصالة والتليفون في إيده.
أخيرًا تميم رد.
عز: تميم! طمني… اي اللي حصل هناك؟
تميم سكت لحظة… صوته طلع تقيل.
تميم: حصل حادثة كبيرة… في حالتين وفاة… وفي مصابين اتنقلوا المستشفى.
البيت كله سكت فجأة.
لارا قربت أكتر وهي حاسة إن قلبها هيقف.
عز بسرعة: مالك فين؟
تميم رد ببطء:
تميم: مش عارف… لسه محدش قال أسماء.
مريم في الخلفية كانت بتعيط بصوت عالي.
القلق ضرب البيت كله.
زهره أول ما سمعت كلمة “وفاة” بدأت تنهار تاني.
زهره: لا… لا يا رب… ابني لا!
لارا مسكتها بسرعة تحاول تهديها.
لارا: إن شاء الله خير… أكيد خير.
عز أخد القرار بسرعة.
عز: خلاص… إحنا جايين المستشفى دلوقتي.
قفل التليفون.
بعد حوالي نص ساعة…
العيلة كلها كانت وصلت المستشفى.
لارا دخلت بسرعة وهي بتدور بعينيها… لحد ما شافت تميم واقف قدام باب الطوارئ، وشه متوتر بشكل عمرها ما شافته عليه قبل كده.
مريم كانت قاعدة على الكرسي جنب الحيطة… عينيها حمرا من العياط.
الكل وقف مستني.
الثواني بقت تقيلة.
وفجأة… باب الطوارئ اتفتح.
ودكتور خرج… وبص عليهم.
الدكتور: أهل المصابين في حادثة الصحراوي؟
قلب الكل وقف في اللحظة دي.
لكن لسه… محدش فيهم يعرف.
مين اللي مات… ومين اللي جوه بيحارب عشان يعيش.
باب الطوارئ اتفتح فجأة… وكل العيون اتجهت ناحيته في نفس اللحظة.
الدكتور خرج وهو شايل الملف في إيده وباصص حواليه.
الدكتور: أهل المصابين في حادثة الصحراوي؟
تميم اتحرك خطوة لقدام فورًا، وعز وقف جنبه. مريم قامت من على الكرسي بسرعة لدرجة إنها كانت هتقع.
تميم: أيوه يا دكتور… إحنا أهلهم.
الدكتور بص في الورق لحظة وبعدين قال بنبرة هادية بس جدية:
كان في كذا حالة جاية من الحادثة… في حالتين وفاة… والباقي إصابات.
الجملة وقعت على الكل زي الصاعقة…
مريم حطت إيديها على بقها وهي بتبكي أكتر.
مريم: مين… مين اللي مات؟
الدكتور هز راسه:
الحالات اللي توفت اتنقلت المشرحة… لكن في مصاب حالته خطيرة جدًا… دلوقتي في العناية المركزة.
قلب تميم اتقبض فجأة.
تميم بسرعة: اسمه اي؟
الدكتور بص في الملف:
مالك حسين.
مريم شهقت شهقة قوية…
مريم: لا!
رجليها ما شالتهاش وقعدت على الكرسي وهي بتعيط بانهيار.
تميم للحظة حس إن الدنيا كلها بتلف حواليه…
مالك… صاحبه اللي كبر معاه… ابن عمته… اللي كان شايفه أكتر من أخ.
تميم بصوت واطي: حالته اي يا دكتور؟
الدكتور: عنده إصابة قوية في الرأس وكسر في الضلوع… ودخلناه العناية المركزة فورًا… الحالة حرجة بس لسه في أمل.
مريم بدأت تعيط أكتر.
مريم: أنا عايزة أشوفه… بالله عليك خليني أشوفه!
الدكتور هز راسه بهدوء:
دلوقتي مينفعش… الحالة لسه خارجة من العمليات والإجراءات… لازم يستقر الأول.
زهره أول ما سمعت اسم مالك انهارت تمامًا.
زهره بعياط: ابني… ابني يا رب!
لارا مسكتها بسرعة قبل ما تقع… حضنتها وهي بتحاول تهديها رغم إن دموعها هي كمان نازلة.
لارا بهدوء: إن شاء الله هيبقى كويس… إن شاء الله.
في نفس الوقت تميم كان واقف ساكت… عينيه ثابتة على الأرض… عقله مش قادر يستوعب اللي حصل.
لارا لاحظت سكوته… سابت زهره مع نورسين وقربت منه.
كان واقف لوحده جنب الحيطة… إيده على راسه.
لارا بصوت هادي: تميم…
تميم ما ردش… بس أخد نفس طويل.
لارا: هيبقى كويس… إن شاء الله.
تميم ضحك ضحكة خفيفة بس مليانة تعب.
تميم: مالك عمره ما كان ضعيف… بس أول مرة أحس إني مش قادر أعمله حاجة.
لارا قربت خطوة كمان.
لارا: وجودك هنا لوحده مهم… وهو أكيد محتاجك.
تميم بص لها لأول مرة من ساعة ما وصلوا… عينيه كان فيهم خوف واضح.
تميم: لو حصله حاجة… أنا مش هسامح نفسي.
لارا هزت راسها بسرعة.
لارا: متقولش كده… أنت ملكش ذنب في اللي حصل.
تميم بص بعيد تاني ناحية باب العناية المركزة… كأنه مستني مالك يخرج في أي لحظة ويقولهم إن كل ده كابوس.
الوقت بدأ يعدي ببطء شديد…
ساعات تقريبًا وهم قاعدين في الممر.
مريم قاعدة على الكرسي ورأسها بين إيديها… كل شوية تعيط بصوت واطي.
زهره جنبها وزين بيحاول يهديها.
عز واقف يتكلم مع الدكتور من وقت للتاني.
أما تميم… فكان واقف قدام باب العناية المركزة تقريبًا طول الوقت.
لارا كانت قاعدة جنبه.
كل شوية تبص عليه… تلاقيه ساكت… عينيه مليانة قلق.
بعد فترة تميم قال بصوت واطي:
فاكرة لما كنا صغيرين؟
لارا بصت له باستغراب:
مين؟
تميم: أنا ومالك… كنا دايمًا بنتخانق على كل حاجة… بس في الآخر نرجع نضحك.
سكت لحظة وكمل:
عمره ما سابني في حاجة.
لارا حطت إيدها على إيده بهدوء.
لارا: وهو مش هيسيبك دلوقتي.
تميم بص لإيديها لحظة… وبعدين رجع بص للباب.
في اللحظة دي باب العناية المركزة اتفتح…
ودكتور خرج.
العيلة كلها وقفت في نفس اللحظة.
قلب تميم كان بيدق بسرعة.
تميم: يا دكتور… مالك عامل اي دلوقتي؟
الدكتور قال:
الحالة لسه حرجة… لكن استقرت شوية.
مريم قربت بسرعة.
مريم: يعني هيبقى كويس؟
الدكتور رد بهدوء:
لسه بدري نقول… بس أهم حاجة إنه عدّى أول مرحلة.
الكل اتنفس شوية…
لكن القلق لسه مالي المكان.
الدكتور كمل:
ممكن واحد بس يدخل يشوفه لدقيقة.
مريم بصت لتميم فورًا…
وتميم بص لباب العناية… قلبه بيدق بعنف.
وأخيرًا قال:
أنا هدخل....مريم أنتِ مش هتقدري تشوفيه بالحاله دي
الممر كله بقى ساكت…
وتميم اتحرك ببطء ناحية باب العناية المركزة… وهو مش عارف هيشوف صاحبه في اي حالة.
•تابع الفصل التالي "رواية حين عدت الى الجذور" اضغط على اسم الرواية