رواية فرصة ثانية الفصل الثالث 3 - بقلم ملك عبد الله احمد
أنتِ طالق.
"سقطت الكلمة من فمه تقيلة لكن الغريب إن صدري ما انكسرش زي ما توقعت.
الإنسان بيطلع أضعف بكتير مما يظن الحاجة اللي بيحارب عشانها سنين، أول ما توصل لنهايتها، ما بيصرخش فرح
ولا حتى بيبكي.
بس شعور غريب بدأ يتسلل جوايا, حرية, أمان
وكأن باب حياة جديدة اتفتح فجأة.
افتكرت كلام صاحبتي يوم ما قالتلي:
_السعادة مش هتخبط على بابك وإنتِ واقفة مكانك…
لا بتسعي،
ولا بتحاولي،
ولا حتى بتجاهدي.
إنتِ بنفسك قاطعة طريق السعادة عنك ومستنية تلاقي نفسك أميرة.
وقتها أنا حاولت وحاربت.
ولأول مرة حسّيت إني فعلاً خبطت على باب السعادة بنفسي.
رفعت إيدي بهدوء وبعدت إيده اللي كان ماسكني بيها، وبخطوة صغيرة بعدت عن قدامه.
_ أتمنى تعيد حساباتك يا ابن عمي
وتشوف هتقدر تكمل وتفتح بيت وأنت بنفس الشخصية دي ولا لأ.
أنا مش بلومك أنت اتربيت على كده.
بس ربنا اداك عقل ونضج تفكر بيهم.
ها مستعد تدمر حياة حد تاني؟
_مش طلقك يبقى امشي من هنا يلا.
" ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها مرارة"
_همشي يا مرات عمي بس…
"سكت لحظة، وأنا ببص حواليّ في البيت اللي عشت فيه سنين"
_أنا عمري ما هنساكم ولا هنسى إنكم تبقوا مين.
العيب واللوم مش عليكم أصل اللي أقرب منكم هو اللي شرّدني هستنى منكم إيه؟
"هزيت راسي بأسى"
_بس والله مكنتش عشمانة كتير.
لوّح بإيده بعصبية:
_ بس بس! بطلي كلام!
أنا مش هسيبك يا هنا فاهمة؟ مش هسيبك.
“سكت لحظة وبصلي بنظرة غريبة قبل ما يكمل"
_أنا آه طلقتك بس مش بمزاجي زي ما انجبرت على جوازك انجبرت على طلاقك.
"قرب خطوة وقال بنبرة أخطر"
_بس اتأكدي يـاسر الحنفي ما بيسيبش حقه.
مش هكدب كلامه خلّى الخوف يزحف جوايا.
نظراته, طريقته'خلتني مش فاهمة هو ممكن يعمل إيه بعد كده.
لكن رغم الخوف كان في إحساس تاني أقوى.
إحساس إني أخيرًا خلصت من القيود القديمة.
عارفة إن العقبات مش هتخلص وإن الحياة غالبًا لسه هتقسى عليّا.
بس يمكن لو حاولت تاني الدنيا تحن شوية.
وفجأة قطعت صوتي ضحكة مستفزة:
_يلا يا ياسوره، سيبك بقى من ده كله الحفلة المفروض لمين؟ ليّا ولا ليها؟
"بصيت ليها وضحكت بشفقة مش قادرة أفهم إزاي حد يكون بالسطحية دي؟
ولا كأن الكلام اللي اتقال هزّها ولا كأن بيت اتكسر قدامها.
الغريب مش هي بس الغريب أهلها اللي واقفين مبتسمين، وكأنهم أصحاب حق"
ساعتها بس فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في شخص واحد, المشكلة في عقول كاملة اتربت على نفس الفكرة.
وقفت لحظة بصيت حواليا في المكان اللي كنت فاكرة يوم إنه هيبقى بيتي.
جدران حافظت أسرار كتير دموع اتخبّت وكلام اتبلع خوفًا من مشاكل أكبر.
الغريب إني ما حسّتش بحاجة لا حنين ولا حتى وجع.
كأن كل المشاعر اللي كان ممكن أحسها مـ'اتت قبل اللحظة دي بكتير.
لفّيت جسمي بهدوء ناحية الباب خطواتي كانت بطيئة لكن ثابتة ورايا كان صوتهم لسه بيتكلم, همسات, تعليقات ونظرات بتتبعني.
لكن لأول مرة ما حاولتش أسمع.
مديت إيدي لمقبض الباب وقبل ما أفتحه وقفت ثانية.
يمكن آخر مرة أبص للمكان ده رفعت عيني عليهم كلهم…
على الوجوه وقلت بحُزن دافين
_ربنا يعوض كل واحد فينا على قد نيته.
فتحت الباب خرجت وقفلته ورايا بهدوء وقفت مكانى لحظة اتنفس بسرعة.
كأني كنت في حرب طويلة، بجري وبحارب وبقاوم بكل قوتي و… كـسبت.
آه ده حصل فعلًا!! دلوقتي يا هنا إنتِ كسبتي وتقدري تكملي.
طلعت جري على فوق فتحت باب أوضتي بسرعة.
إيدي كانت بترتعش وأنا بمسك الفون.
دورت على رقمها وضغطت اتصال.
وضربات قلبي كانت أعلى من صوت الرنة.
أول ما ردت صرخت فيها:
_نـهلة!!
جالي صوتها المتفاجئ:
_هنا؟!
وحشتيني يا بنتي فينك؟
بقالك فترة بتصل بيكِ ومش بتردي.
خدت نفس سريع وقلت فجأة:
_أنا اطلقت!
_إيـه؟!
إزاي؟! وإنتِ عاملة إيه دلوقتي؟
"ابتسمت لأول مرة من زمان"
_فـرحانة.
_فـرحانة؟!!
أنتِ بتقولي إيه؟!
هو إيه اللي حصل؟
"ضحكت ضحكة خفيفة، وأنا بحاول أشرح شعوري"
_إني عملت زي ما إنتِ قولتي.
قررت أحاول'وأجاهد'وأسعى عشان ألاقي السعادة.
_نـهلة أنا حاسة إني فاضية من جوه
بس مش فراغ وحش مفيش قسوة مفيش خوف مفيش حتى حزن.
حاسة إني اتولدت من جديد.
_أنا مش فاهمة حاجة بصراحة
بس مادام إنتِ فرحانة يبقى مش مهم.
وسمعت ابتسامة في صوتها وهي بتكمل:
_أخيرًا سمعت صوتك سعيد.
إنتِ فين دلوقتي؟
"بصيت حواليا في الأوضة والبيت اللي خلاص مبقاش ليا"
وقلت بهدوء:
_لسه في البيت، أنا تنازلت عن كل حاجة.
بس المشكلة إني معرفش هروح فين معنديش مكان ولا حد أروحلُه.
وقلت ببساطة:
_بس عادي مش مهم حتى لو هقعد في الشارع أحسن من هنا.
فجأة صوتها عليّ:
_ إنتِ هبلة؟!
وأنا فين؟ تعالي بسرعة أنا لسه في المسجد.
عدي عليّا وأنا هستناكي.
_جايالك.
قفلت المكالمة وبصيت حواليا في الأوضة للمرة الأخيرة.
المكان اللي كنت بقف فيه كتير وأنا بسأل نفسي
هو ده فعلًا البيت اللي كنت بحلم بيه؟
الغريب إني ما حاولتش آخد حاجة.
لا هدوم ولا حتى ذكريات.
كل حاجة هنا كانت تقيلة على قلبي.
مسكت الفون بس وخرجت.
نزلت السلم بسرعة خطواتي بتتردد في المكان اللي قضيت فيه سنين.
فتحت الباب وخرجت، الشارع كان هادي بشكل غريب.
الهوا لمس وشي كأنه بيغسل آخر أثر للمكان ده من جوايا.
مشيت بسرعة مش عارفة أنا رايحة فين بالظبط.
بس عارفة حاجة واحدة إني مش راجعـة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد شوية وصلت قدام المسجد.
وقفت لحظة أبص حواليا لحد ما شفتها.
واقفة مستنياني عند الباب وبتبصلي كأنها بتتأكد إني فعلًا أنا أول ما عيوننا اتقابلت جريت ناحيتي بسرعة.
وقبل ما أقول أي كلمة شدتني لحضنها.
حضنها كان دافي كأنه بيعوضني عن سنين.
ويمكن لأول مرة من وقت طويل… عيطت.
انهياري كان غريب مزيج من الوجع والحزن والانتصار.
ربّتت نهلة على ضهري بهدوء وقالت:
_خلاص يا هنا خلاص.
"بعدت عني شوية وبصت في وشي كويس"
_أنتِ كويسة؟
"مسحت دموعي وضحكت بخفة"
_أيوه, أول مرة أكون كويسة بجد.
"هزّت راسها وكأنها مش مصدقة"
_والله كنت حاسة إن اليوم ده هييجي…
بس مش متوقعة السرعة دي.
ابتسمت بتعب:
_أنا نفسي مش مصدقة.
بصتلي فجأة بجدية:
_طيب يلا.
_يلا فين؟
"ابتسمت وقالت ببساطة"
_على بيتي.
_نهلة لا'أنا مش عايزة أتعبك.
رفعت حاجبها وقالت بنبرة حاسمة:
_تعب إيه؟!
"ومسكت إيدي" _إنتِ مش ضيفة إنتِ أختي.
ضحكت وأنا ببص لها بمكر:
_حاسّة في الآخر هتطلعي كل ده أختي فعلًا
مستحيل يكون حبك ليا صداقة بس.
ضحكت نهلة وقالت:
_ليه لأ؟
كل حاجة جايزة ومباحة يا صديقتي العسولة.
ضحكنا على منطقنا العبثي…
ومسكنا إيد بعض ومشينا بهدوء.
لكن بعد شوية فضولي غلبني فبصيت لها:
_هو إنتِ عايشة فين ومع مين؟!
قالت ببساطة:
_مع عمّتو.
"بصيت لها باستغراب" فكملت:
_إحنا أصلًا مش من هِنا.
بس نزلنا القاهرة عشان جاسر أخويا قرر يأسس حياته هنا ويشتغل لأن أغلب فرص الشغل المناسبة ليه هنا.
وبالمناسبة هو دكتور.
قطبت حاجبي باستغراب:
_عمتك وأخوكي؟ أنا مش فاهمة حاجة.
ضحكت نهلة:
_عشان إنتِ أصلًا متعرفيش عني حاجة.
وبعدين قالت وهي بتفتح باب البيت:
_يلا نطلع وهقعد أحكيلك كل حاجة عني وعن أهلي.
و أضافت بهدوء:
_بالمناسبة… جاسر أخويا من أب بس.
رفعت حاجبي بدهشة:
'واو… شكلك عيشتي مأساة زيي يا نهلة.
هزّت كتفها وقالت بهدوء:
_محدش فينا بيعيش مرتاح في الدنيا يا هنا.
كلنا عندنا ابتلاءات وظروفنا عمرها ما بتكون متساوية.
بس الشاطر اللي يعرف يتعامل مع ابتلاءه صح.
وقفت قدام باب شقة وقالت:
_أهو بيتي.
بصيت حواليّ بإعجاب:
_تبارك الله بيتك عسول جدًا يا نهلة.
_تعالي بس شوفيه من جوه تحفة.
كل الأفكار دي من تصميم جـاسر طول عمره شاطر ومجتهد.
وقفت مكاني فجأة وقلت بتوتر:
_استني أنا هدخل إزاي؟
"بصتلي باستغراب فكملت بسرعة"
_أخوكي هِنا…
والمفروض أصلاً دلوقتي أدور على مكان أقعد فيه.
تعالي نأجلها لمرة تانية.
بصتلي نهلة وكأني قلت أكبر نكتة في الدنيا.
_إنتِ فاكرة يعني إني هسيبك؟!!! عيب عليكِ والله.
وبعدين قربت وقالت تطمني:
_ما تقلقيش من جاسر.
وأشارت لفوق: أنا أصلاً بنام في الشقة اللي فوق
وهم بيبقوا تحت.
وإنتِ هتيجي معايا.
فاهمة؟
بصيت لها لحظة واتنهدت باستسلام.
_طيب… ماشي.
ابتسمت نهلة بانتصار وهي بتفتح الباب.
كانت هادية بشكل غريب صوت خطواتنا بس هو اللي بيتردد على السلم.
طلعنا كام درجة وفجأة…
اتسمع صوت رجولي هادي نازل:
_نهلة!!
اتجمدت مكاني بصيت لها بسرعة أما هي فابتسمت ببساطة كأن الموضوع عادي.
ظهر شاب طويل ملامحه هادية لكن عينيه كانت مركزة علينا نظراته وقفت عليّ لحظة.
ثم قال بهدوء:
_أهلاً.
بصيت لنهلة بتوتر واضح لكن نهلة قالت بسرعة وبطبيعية:
_جـاسر دي هنا، صاحبتي.
ثم بصتلي بابتسامة:
_وهنا ده جـاسر أخويا.
فضلت نظراته عليّ لحظة تانيةثم قال بهدوء غريب:
_أهلًا يا هنا.
مش عارفة ليه لكن طريقته خلت قلبي يدق أسرع شوية.
— فين عمتو يا جاسر؟
— خرجت من شوية يا نهلة.
أنا كمان نازل دلوقتي على المستشفى عندي نَبَطشية الليلة، زي ما أنتِ عارفة.
هزّت نهلة راسها وقالت بهدوء:
— آه صح… ربنا يعينك.
ثم أشارت ناحيتي وهي بتبتسم:
— دي هنا صاحبتي هتقعد معايا فوق النهارده.
بص لي جاسر لحظة سريعة نظرة هادية، لكنها مركزة.
ثم قال ببساطة:
— أهلاً وسهلاً.
اكتفيت بابتسامة خفيفة وأنا برد:
— أهلًا.
التفت جاسر ناحية الباب وقال:
— خلي بالكوا من نفسكم لحد مع عمتك تيجي وأنا هبقى أعدّي الصبح عليكِ.
هزّت نهلة كتفها وقالت بمزاح:
— لو فضيت يعني.
ابتسم ابتسامة خفيفة و فتح الباب وخرج.
ووقفت نهلة قدام باب الشقة طلعت المفاتيح من شنطتها…
وهي بتقول بابتسامة:
_استعدي بقى البيت مش تحفة بس ده دافي كمان وحنين.
ضحكت بخفة:
_واضح إنك بتحبيه.
هزت كتفها:
_طبعًا… ده بيتي.
فتحت الباب أول ما دخلنا، حسيت بدفء غريب في المكان.
الإضاءة هادية والبيت مرتب بطريقة بسيطة لكن جميلة.
بصيت حواليّ بإعجاب:
_بجد تحفة يا نهلة.
ابتسمت بفخر:
_مش قولتلك أغلب الأفكار دي من جاسر.
كملت وأنا ببص حواليّا:
_واضح إنه ذوقه حلو.
وقفت قدّامي وبنظرة فيها مكر غمزلتلي وقالت:
البيت… ولا جـاسر؟
•تابع الفصل التالي "رواية فرصة ثانية " اضغط على اسم الرواية