رواية قرية الزمهرير الفصل الثاني 2 - بقلم مصطفى محسن
لقد أرسلت
وبعدها رجعت بهدوء ناحية الغيط، قلبي كان بيدق وأنا خايف يكونوا رجعوا أو يكون الراجل مات، دخلت بين القصب وأنا ببص حواليّا بحذر، وشلت العشب بتاع القصب لاقيته مكان ما سيبته، كان بيتنفس بصعوبة، قربت منه وقعدت جنبه وقلت له بصوت واطي: إنت كويس؟ فتح عينه بالعافية وبصلي كأنه بيحاول يركز في ملامحي، وبعد ثواني قال: إنت مش من هنا صح؟ سكت لحظة وبعدين قولتله: أنا من هنا بس ساكن بعيد، المهم دلوقتي نطلع من المكان ده، حاولت أساعده يقوم لكنه كان تقيل جدًا، فقال لي: اسمعني كويس… لو فضلت هنا هتموت، وأنا كمان هموت، لازم تمشي حالًا، سألته: هما مين؟ ليه كانوا عايزين يقتلوك؟ ساعتها بص حواليه بتوتر وقال: الناس اللي شفتهم مش مجرد كبار بلد زي ما أنت فاكر… دول اللي ماسكين كل حاجة هنا، وكل واحد فيهم وراه سر أسوأ من التاني، وأنا… أنا كنت شغال معاهم، الكلمة دي وقعت عليا زي الصدمة، قولتله: شغال معاهم في إيه؟ رد بصوت مبحوح: في دفن الحاجات اللي ماينفعش حد يعرفها، حسيت جسمي كله قشعر، وبدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد جريمة واحدة، كملت وسألته: يعني إيه حاجات؟ ساعتها بصلي نظرة غريبة وقال: بني آدمين… وورق… وأسرار لو طلعت… البلد كلها هتولع، سكت شوية كأنه بيجمع نفسه، وبعدين قال: أنا غلطت لما حاولت أهرب… عشان كده قرروا يخلصوا مني، سألته بسرعة: وإنت مين أصلًا؟ ساعتها خد نفس طويل وقال بصوت تقيل: الناس دى واحده حقوق كتير مش حقوقهم ومناصب كبيرة مش بتاعتهم الكلمة دي خلت كل حاجة تربط ببعضها، حسيت إن اللي قدامي مش مجرد واحد هربان… ده مفتاح لكل اللي بيحصل في قرية الزمهرير.
-
بصيت له وأنا متوتر وقلتله نقدر نمشي دلوقتي؟ الراجل قال: لو مشينا على الطريق هيشوفونا، لازم نمشي جوه الغيط لحد ما نطلع من الناحية التانية، سندته تاني وقمناه بالعافية وبدأنا نمشي بين القصب، كل خطوة كانت بصعوبة وصوت الكلاب فى كل مكان، وفجاة سمعت صوت حد بيمشى ورانا كنت حاسس إنهم خلاص قربوا يوصلوا لينا، فجأة الراجل وقف ومسك في دراعي بقوة وقال: استنى… لو كملنا سوا هنتمسك إحنا الاتنين، بصيت له وقلتله يعني إيه؟ قال: اسمعني كويس، أنا كده كده ميت، بس إنت لسه قدامك فرصة، الكلام ده ماينفعش يضيع، طلعت بسرعة وقلتله مش هسيبك، لكنه شدني وقال بحدة: اسمع! اللي معايا أهم من حياتي وحياتك، ومد إيده في هدومه وطلع كيس بلاستيك صغير متغلف كويس، حطه في إيدي وقال: ده فيه كل حاجة… أسماء… حسابات… حاجات لو وصلت بره البلد هتفضحهم كلهم، مسك إيدي جامد وقال: اهرب بيه وما ترجعش هنا تاني، كنت لسه هتكلم لكن صوت رجالة قرب جدًا وواحد منهم قال: هما هنا قريب، ساعتها الراجل زقني بعيد عنه وقال بصوت واطي: اجري يا المرة دي أنا جريت فعلًا، جريت وأنا مش ببص ورايا، وصوتهم عليّ بيعلى، لكن بعد خطوات قليلة سمعت صوت ضربة قوية ورايا، وبعدها صوتهم وقف فجأة، واحد منهم قال: خلاص… خلصنا عليه، رجلي وقفت غصب عني للحظة، فهمت إنهم مسكوه، وفهمت إنه مش هيخرج لانه خلاص مات، لكني ماقدرتش أرجع، كملت جري لحد ما خرجت من الغيط ووصلت لطرف القرية، وقفت وأنا بنهج وبصيت للكيس اللي في إيدي، ساعتها بس استوعبت إن اللي معايا ده ممكن يوقع ناس كبار جدًا… بس المشكلة الحقيقية ماكنتش في اللي معايا، المشكلة إن الناس دي عرفت إني شفت كل حاجة… وعرفت كمان إن أنا لسه عايش.
-
وصلت البيت قبل الفجر بشوية، كنت تعبان وهدومي كلها تراب وإيدي بتترعش، قفلت الباب ورايا كويس وسندت ضهري عليه كأني خايف حد يكون ورايا، فضلت واقف شوية أحاول أستوعب أنا وصل البيت إزاي ولسه عايش، وبعدها بصيت على الكيس اللي في إيدي، حطيته على الترابيزة وفضلت باصص له كأنه حاجة ممكن تدمّر حياتي، قعدت وفتحته بهدوء، لقيت جواه شوية ورق متطبقين وفلاشة صغيرة، مسكت الورق الأول وبدأت أقرا، أول ورقة كانت عبارة عن كشف حسابات بأرقام كبيرة جدًا، تحويلات فلوس بأسماء ناس من القرية وناس تانية من بره، لكن اللي شدني بجد كانت ورقة تانية فيها أسامي، أسامي ناس أنا أعرفهم كويس… عمدة القرية، وواحد من أكبر تجار الأراضي، واسم شيخ المسجد، كلهم مكتوب قدامهم أرقام وتواريخ، قلبي بدأ يدق أسرع وأنا بقلب في الورق، لحد ما وصلت لصفحة مكتوب فيها تواريخ قديمة وتحت كل تاريخ جملة قصيرة… "تم الدفن"، حسيت بقشعريرة في جسمي، دي ماكنتش حسابات عادية… دي كانت سجلات لحاجات حصلت واتغطت، بني آدمين اختفوا واتدفنوا وكأنهم ماكانوش موجودين، إيدي بدأت تعرق وأنا بكمّل، لقيت ورقة تانية فيها خريطة بسيطة للقرية وعليها علامات على أماكن مختلفة حوالين الترعة والجبل، بس واضح إنها كانت مستخدمة لدفن الناس، وقفت عند نقطة معينة متعلم عليها بدائرة حمرا، وتحتها مكتوب تاريخ قريب… نفس تاريخ الليلة اللي حصلت فيها كل حاجة، ساعتها فهمت إن الراجل اللي كنت هنقذه كان مجرد واحد من سلسلة طويلة، لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما شغلت الفلاشة على اللاب، فتحت ملف صوتي، وكان صوت الراجل نفسه… بيقول فيه كل حاجة، بيحكي بالأسماء والتفاصيل إزاي كانوا بيختاروا الناس اللي لازم تختفي، وإزاي كانوا بيقسموا الفلوس، وإزاي كل حاجة كانت ماشية بشكل منظم كأنها شغل رسمي، لكن في آخر التسجيل سكت شوية وبعدين قال جملة خلتني أقفل اللاب فورًا وأنا جسمي كله بيترعش… قال: لو التسجيل ده اتفتح، يبقى أنا غالبًا مت… ولو اللي بيسمعني من قرية الزمهرير… يبقى الدور عليه جاي.
-
قعدت مكاني شوية مش قادر أستوعب الجملة الأخيرة، وبعدين رجعت فتحت اللاب تاني وأنا متردد، كملت التسجيل والراجل صوته كان أهدى كأنه عارف إنه بيحكي آخر كلام ليه، قال: الموضوع مش فلوس بس… الفلوس كانت مجرد ستارة، أنا في الأول كنت فاكر زيك إنهم بيخلصوا من ناس ليها مشاكل أو عايزين يغطوا على جرايم، بس الحقيقة طلعت أوسخ من كده بكتير، سكت لحظة وبعدين كمل: الناس اللي كانت بتتدفن ماكنتش عشوائي… كانوا بيختاروا ناس معينة، ناس محدش بيدور عليهم، غُرب، عمال، أو حتى ناس من البلد بس مالهمش حد، بس في شرط واحد… لازم يكونوا لسه عايشين، قلبي وقع وأنا بسمع، وكمل: لأن اللي بيعملوه ماينفعش يتم على ميت، لازم النفس يكون لسه موجود، عشان "العمل" يتم، الكلمة دي خلتني أقرب من اللاب من غير ما أحس، قال بعدها: في الجبل اللي ورا القرية في مغارة قديمة محدش بيقرب لها، المغارة دي من زمان قوي، وقبل ما إحنا نعرف البلد أصلًا، والستة دول ورثوا اللي بيحصل فيها من اللي قبلهم، كل فترة لازم "قربان" يتقدم… مش عشان أساطير ولا حكايات… لكن عشان يحافظوا على اللي معاهم، ساعتها حسيت إن نفسي تقيل، وكأنه بيحكي عن حاجة حقيقية مش خيال، كمل: الأرض هناك مليانة آثار ودهب قديم، محدش يعرف يوصل له غيرهم، وكل ما القربان يتقدم… بيلاقوا أماكن جديدة، وفلوس أكتر، ونفوذ أكبر، الناس فاكرة إنهم كبار البلد عشان فلوسهم… لكن الحقيقة إن فلوسهم دي جاية من حاجة أقدم وأخطر، سكت شوية وبعدين قال بصوت واطي: أنا شفت بعيني… اللي بيرفض يكمل معاهم بيبقى هو القربان اللي بعده، وأنا حاولت أهرب… عشان حسيت الدوري عليا، التسجيل وقف لحظة، وبعدها رجع صوته وهو بيقول جملة أخيرة: أوعى تفتكر إنك بعيد عنهم… لأن اللي يعرف سرهم… بيبقى جزء منه، قفلت اللاب ببطء وبصيت حواليّا في الشقة، لأول مرة حسيت إن المكان مش آمن، وإن اللي بدأ في قرية الزمهرير… ممكن يكون لسه هيكمل معايا أنا.
•تابع الفصل التالي "رواية قرية الزمهرير" اضغط على اسم الرواية