رواية عهد الدباغ الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامة

 رواية عهد الدباغ الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامة 

العهد الخامس والعشرون 
❈-❈-❈
لم تبتعد هذه المرة…
بالعكس، للحظة قصيرة، ترددت… ثم استسلمت لذلك الشعور الذي اجتاحها فجأة، ذلك الارتباك الدافئ الذي جعلها تغمض عينيها دون وعي… تبادله القبلة بخجل واضح، لكن مشاعر صادقة... 
كانت أنفاسها متقطعة، وقلبها يخفق بعنف، كأنها مازالت تستوعب تلك المفاجأة…  هي  قريبة للغاية بل شبة مُلتصقة به
بينما فاروق، فتفاجأ لثانية…
لم يكن يتوقع استجابتها، لكنه شعر بها… شعر بقبولها، فهدأ اندفاعه تدريجيًا، وتحولت قبلته من شغف مفاجئ إلى شيء أهدأ… أعمق… أكثر احتواءً... لحظات كانت تتقبل قُبلاته… بل وتبادله ذلك بقبول صامت، وكأنها أخيرًا توقفت عن المقاومة… لا ضعفًا، بل لأن قلبها سبقها هذه المرة... أنفاسها اختلطت بأنفاسه، متقطعة… دافئة… تحمل ارتباكًا لم تعهده من قبل... 
وهو شعر بذلك… شعر بتغيرها، فتريث أكثر، وكأن خوفًا خفيًا تملكه أن يفسد تلك اللحظة باندفاع زائد... 
ابتعد عنها قليلًا… بالكاد، فقط ليمنحها مساحة تلتقط فيها أنفاسها، لكن عينيه ظلتا معلقتين بها… تفتش في ملامحها عن أي ندم… أي تراجع... لكنها لم تبتعد. بقيت كما هي… قريبة… عيناها تتهربان منه للحظة، ثم تعودان إليه بخجلٍ لم تستطع إخفاءه.
همس بصوت منخفض، يحمل مزيجًا من الدهشة واليقين:
أنتِ… ساكتة ليه. 
ابتلعت ريقها، وقلبها يدق بعنف، ثم تسألت بصوت خافت:
عاوزني أقول إيه. 
ابتسم ابتسامة خفيفة، هذه المرة كانت مختلفة… أهدأ، أصدق:
طب متقوليش… خلي اللحظة دي هي اللي تتكلم.
عاود يُقبلها، لكن إزدات قُبلاته جموحً، وهي تقبلت ذلك للحظات... لكن سرعان ما ابتعدت، هذه المرة بإرادتها…بعدما إستوعبت وجود ياسين 
فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليه بنظرة مرتبكة، يختلط فيها الخجل مع شيء جديد لم تستطع تسميته بعد…
قالت بصوت منخفض، يكاد يُسمع:
إحنا… بنعمل إيه.. ياسين.. 
لم يُجب فورًا… فقط ظل ينظر إليها، وكأنه هو الآخر يبحث عن إجابة... 
وقبل أن تتعقد اللحظة أكثر
جاء صوت ياسين من الداخل، بنبرة متذمرة:
يا بابا… أنا خلصت شاور والفوطة وقعت فى المايه.. أنا بردت.. متخليش عهد تدخل. 
ظل التوتر معلقًا بينهما… كخيطٍ مشدود لا ينقطع... لم تتحرك عهد، ولم يبتعد هو…
وكأن كليهما ينتظر خطوة من الآخر، أو ربما يخشى أن تكون تلك الخطوة بداية لشيء لا يمكن التراجع عنه.
تنحنحت بخفة، محاولة استجماع نفسها، وقالت بصوت أخف هذه المرة:
ـ أنا… هدخل أشوف ياسين.
لكنها لم تتحرك.
ابتسم فاروق ابتسامة خفيفة، أدرك بها ترددها أكثر من كلماتها، أمسك بيدها ثم قال بنبرة هادئة:
خليكِ وهدخل أنا لـ ياسين … إنتِ اللي محتاجة تهدي شوية.
رفعت عينيها إليه سريعًا، وكأن كلماته أصابت هدفها مباشرة، فتمتمت بدفاع خافت:
أنا هادية.
اقترب خطوة بسيطة… فقط خطوة، لكنها كانت كفيلة أن تُربك أنفاسها من جديد.
قال بصوت منخفض، أقرب للهمس:
لا… مش هادية.
صمت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر في عينيها بثبات:
وأنا كمان زيك.
ارتجف شيء داخلها عند اعترافه الصريح…
هذا الصدق غير المتوقع أربكها أكثر من أي اقتراب... حاولت أن تستعيد سيطرتها، فقالت بسرعة:
اللي حصل ده…
لكنه قاطعها بهدوء، حين وضع إبهامه على شفتيها بأمر بالصمت وتحدث دون حدة:
اللى حصل وضح حاجات كتير يا عهد ومبقاش ينفع ننكره إحنا الإتنين...أنا عارف حقيقة مشاعري.. وأنتِ؟ 
صمتت.. لم تجد ردًا… ولا حتى إنكارًا هذه المرة... خفضت نظرها، تنتظر بقية حديثه... بينما هو كاد يعترف بعشقه لها منذ البدايه... لكن توقف، وهي نظرت له ترددت…لحظة طويلة مرت، قبل أن تهمس دون أن ترفع عينيها:
مش عارفة.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه كان يتوقع هذه الإجابة تحديدًا... مد يده ببطء… لكن ليس ليمسكها هذه المرة، بل فقط ليرفع ذقنها برفق، حتى تنظر إليه.
قال بهدوء:
خليكِ مش عارفة دلوقتي… بس متهربيش بعيونك عني.
نظرت إليه بصمت، وقلبها لا يزال مضطربًا…
لكنها لم تبتعد... وهذه المرة…كان هذا في حد ذاته إجابة.
كأنها فى حالة توهان رغم أنها ليست القُبلة الأولى، لكن شعور مختلف عن المرات السابقة، تنفست  بتسارع، كأنها استفاقت فجأة من حالة غريبة، وابتعدت خطوة للخلف وهي تقول بتوتر:
ياسين…
توقفت ترسم بسمه كأنها فرصة كي تخفي خجلها وتوترها... 
هز  رأسه بخفة، محاولًا استعادة هدوئه، ثم مر من جانبها متجهًا للحمام، لكنه توقف لثانية قربها…
وقال بصوت خافت:
هنتكلم… بعدين... ثم دخل، وتركها وحدها…
تلمس شفتيها بأنامل مرتجفة…وقلبها لا يزال يرفض أن يهدأ.
وقفت مكانها للحظات… لا تتحرك… فقط تستمع لصوت دقات قلبها التي تملأ أذنيها... 
مررت أناملها على شفتيها مرة أخرى، وكأنها تتأكد أن ما حدث كان حقيقيًا… ليس مجرد لحظة عابرة أو وهمٍ عالق.
تنهدت ببطء…ظلت واقفة بمكانها كأن قدميها إلتصقت بالأرض، تضم كفيها إلى بعضهما، وعيناها شاردتان… لكن بداخلها عاصفة لا تهدأ... سألت نفسها: 
إيه اللي حصل لي. 
تمتمت بها بصوت خافت، وكأنها تخشى حتى من سماع اعترافها لنفسها... فاقت من تلك الحالة  حين عاد فاروق من الحمام يمسك يد ياسين الملفوف بمنشفه فوق رأسه تنسدل حتى منتصف ساقيه ، وقد بدا أنه تمالك نفسه… أو هكذا حاول أن يبدو... لكن ما إن وقعت عيناه على عهد، الواقفة في مكانها كما تركها، حتى تباطأت حركته قليلًا…
نظرتها المرتبكة، وملامحها التي ما زال يكسوها الاحمرار، أعادت إليه نفس الشعور الذي حاول تجاهله منذ لحظات.... 
لكن قطع ذلك التواصل 
حين ترك ياسين يده وتوجه نحو عهد قائلًا: 
يلا بسرعة يا عهد تعالي لبسيني عشان انزل مع بابا. 
فاقت من ذلك وإنحنت قليلًا قائلة بعناد مرح: 
مش كنت بتقول إنك راجل... خلاص لبس نفسك. 
رفع يده وقبض على يدها بطفولة قائلًا: 
بس عشان مستعجل. 
ربتت على المنشفة فوق رأسه وتبسمت بحنان قائلة: 
مكار وبتوه، ماشي تعالي أقف عالسرير على ما أجيب لك هدوم.. ذهبت نحو خزانة الثياب جذبت ثياب وعادت له تبتسم، بنفس الوقت 
أخرج فاروق له ثياب وضعها على مقعد ، وبدأ يرتدي أمامها دون استعجال… لم يخجل من ان تراه عاري أو ربما… تعمد ذلك.
لوهلة رفعت عهد رأسها نحوه لكن سريعًا تحاول أن تشيح بنظرها، لكن دون جدوى…
هناك شيء ما شد انتباهها رغماً عنها،
طريقة حركته الهادئة، ثقته، وحتى ذلك الصمت المشحون بينهما.
ابتلعت ريقها،حاولت اللهو مع ياسين وهي تضع الثياب على جسده حتي إنتهت، تحدثت تحاول كسر توترها: 
ياسين… خلص. 
رد وهو يزرر أزرار قميصه ببطء:
وأنا كمان خلصت لبس. 
ساد صمت مره 
ثم رفع عينيه إليها فجأة، وكأنه قرر ألا يترك المسافة بينهما آمنة أكثر من اللازم، وقال بنبرة منخفضة تحمل معنى خفي:
ـ وإنتِ… مش هتنزلى معانا يا عهد. 
لحظات ظلت صامته .
ابتسم بخفة،  وتوجه نحوها خطوة واحدة فقط كانت كفيلة أن تقربه منها مجددًا، لكن هذه المرة دون أن يلمسها… فقط وجوده القريب كان كافيًا ليعيد ارتباكها بالكامل.
قال بهدوء:
لا... 
توقف أمامها مباشرةً ظل ينظر إليها،نظرة طويلة… أهدأ من قبل، لكنها أخطر.
وكأنه يختبر صبره…أو صبرها هي. 
ارتبكت أكثر، وأجابت بسرعة:
أنا… لاء إنزلوا إنتم وأنا مش جعانة.. هتصل على ماما الاول. 
ساد الصمت قليلًا... تواصل بالنظرات بينهما... جزم فاروق لولا وجود ياسين لكان جذبها يُقبلها يعترف بعشقه لها منذ البدايه لكن توقف وهي نظرت له تبتسم... قطع تلك النظرات ياسين الذي ذهب نحو قاروق وقف جواره قائلًا 
أنا لما أكبر هبقى راجل أعمال زي بابا وجدو محي وعمو محسن، واروح معاهم الشغل. 
رتبت له خصلات شعره بمرح قائلة: 
أحلى راجل أعمال. 
ضحك فاروق كذالك ياسين الذى تحدث ببراءة طفوليه: 
أيوه ويبقي عندي زباين حلوة زي اللى كانت واقفة مع بابا إمبارح. 
ضحك فاروق بخفة مصطنعة، ثم نهض وهو يربت على كتف ياسين:
دي مش زبونة دي مسؤولة البنك اللى بتعامل معاه...و يلا يا راجل الأعمال الصغير… عندنا شغل مهم.
قفز ياسين بحماس، وتعلق بيده:
يلا يا بابا. 
وقبل أن يتحركا، التفت ياسين إلى عهد ولوح بيده:
لما أرجع هحكيلك على الشغل كله. 
ابتسمت له، ولوحت بالمقابل قائلة بمرح:
مستنياك يا سيدي.
تحرك فاروق نحو الباب، لكنه توقف لثانية… التفت إليها بنظرة سريعة، وكأنه يريد أن يقول شيئًا،  لكن اكتفى بالصمت... 
فتح الباب خرج ياسين وهو خلفه...أغلق الباب يستمع الى ياسين الذي يتحدث بلا توقف… صوتهما بدأ يبتعد تدريجيًا حتى اختفى تمامًا.
ساد السكون... ظلت واقفة مكانها لثواني… تنظر نحو الباب، ثم زفرت ببطء، وعادت تجلس.
مدت يدها تلقائيًا ترتب خصلات شعرها… نفس الحركة التي فعلتها لـ ياسين منذ قليل، لكنها توقفت فجأة، وعادت جلمة ياسين.
"بنت حلوة…"
ترددت في رأسها … لكنها لم تمر مرورًا عاديًا.
هي لا تغار… أو هكذا أقنعت نفسها دائمًا.
لكن ما هذا الشعور التي شعرت به الآن ... بالتأكيد فضول. 
تذكرت نظرة فاروق… ذلك التردد السريع، والنبرة التي حاول أن يخفي بها شيئًا... 
همست لنفسها بنبرة منخفضة:
مسؤولة البنك. 
لم تقتنع.
أسندت ظهرها للخلف، ورفعت بصرها للسقف، تحاول ترتيب أفكارها… لكنها بدلًا من ذلك، بدأت تربط أشياء لم تكن تربطها من قبل.
تأخره أحيانًا…
انشغاله الدائم 
أغمضت عينيها، ثم فتحتهما ببطء…
تنفض ذاك الشعور المُستجد... تبرره أنه فضول المعرفة ليس أكثر. 
تنهدت برفض وتصميم: 
ماشي يا فاروق…أما أشوف مسؤولة البنك دي.. أخد شاور وبعدها أتصل علي فاروق واتحجج بـ ياسين، أحكم بنفسي على مسؤولة البنك،إن كانت حلوة ولا...يمكن يكون عايش فى دور صائد الجميلات. 
تفوهت بتصميم: 
اخد شاور الأول وبعدها اتصل على فاروق أشوفهم فين واتحجج بـ ياسين. 
بالفعل بعد وقت ليس بقليل، وقفت أمام اللمرآة تطالع إنعكاسها بتقييم، كذالك.. رتبت خصلات شعرها،ثم جذبت هاتفها وحقيبة يدها وغادرت الغرفة...دلف الى المصعد الكهربائي،فتحت هاتفها وقامت بإتصال على فاروق الذي رد عليها:
بتصل اعرف انتم فين عشان اجي أخد ياسين بدل ما يعطلك.
اجابها:
إحنا فى مطعم الأوتيل.
- تمام أنا فى الأسانسير دقايق وأكون عندكم.
بعد دقائق كانت تدلف الى مطعم الفندق،بخثت بعينها حتى وجدت مكان جلوسهم،رأت ان هنالك إمرأه تجلس معهما..كان ظهرها لها بخطوات متهادية ذهبت نحوهم بفضول رؤية تلك السيدة...
بينما فاروق الذي رأها منذ أن دلفت الى المطعم خفق فلبه بسعادة وإبتسم ونهض واقفً ينتظر وصولها،شعرت تلك الأخري بدهشة فى البداية...لكن فهمت حين توقفت عهد لجوارة تحدث ببسمه وضع يده حول خصرها وعرفها هي أولًا:
-مدام عهد مراتي.  
-مدام جُمانة مسؤولة إعتمادات البنك أومأت جُمانةرأسها ببرود قائلة: 
تشرفنا يا مدام. 
كذالك عهد رحبت بها بفتور رفعت وجهها وتبسمت لـ فاروق الذي جذب المقعد لها حتي جلست ثم جلس هو الآخر عاد يتحدث مع جُمانه بالعمل، بينما جمانة تتمعن النظر لــ عهد حقًا جميلة كذالك  عهد تمعنت النظر هي فعلا كما وصفها ياسين كذالك  مثلها غيرةمحجبة تبدوا ذات ثقة فى نفسها،جلست عهد تراقب حديثها العملي مع فاروق من اسفل نظارتها الشمسية،..لكن 
الأطفال دائمًا مزاجيون،من كان قبل قليل مبهور بجمال المسؤولة،الآن يشعر بفتور نحوها،إقترب برأسه من عهد وهمس لها:
أنا زهقت وعاوز اروح حديقة الألعاب.
لوهلة ارادت عهد البقاء لكن إلحاح ياسين جعلها تنهض من على اللمبعد  بعدما نهض ياسين. 
نظر لهما فاروق بتساؤل: 
رايحين فين. 
اجابته عهد بمرح: 
رجل الاعمال زهق وعاوز يروح حديقة الألعاب، وأنا هروح معاه... هنسيبكم تكملوا شغلكمم براحتكم. 
تبسم فاروق بإيماءة... 
ظلت عيناه تتابع عهد الى أن أختفت، شعرت بأن حديثه السابق عن عشقه لها كان قليل... شعرت بانهزام، وإستسلمت لواقع كان واضحًا من البداية 
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
صدفة تسمع كنان على حديث رابيا مع تلك الشعثاء
عبر الهاتف... 
تفوهت رابيا بعتاب: 
كده يعني حتى مفكرتيش تتصلي عليا بالموبايل تطمني عليا، يعني لو مش بتصل عليكِ إنتِ متتثليش عليا، مش كفاية مشيتي من البيت ومقولتليش. 
تنهدت غزال بغصة قائلة بتبرير كاذب: 
ما قولت لكِ إن بابا إتصل عليا وطلب مني اروح له واتمسك فيا ابات عنده اليومين اللى فاتوا، لحد عمتي ما ترجع.. وأهو كلها ساعات توصل. 
بعتاب تفوهت رابيا: 
برضوا كنتِ قولت لى قبلها، كده اكتشف  صدفة انك مش فى البيت ده عمتي لما كنت بكلمها، شكت وقالت لى أوعي تكوني زعلتيها. 
بغصة فى قلبها، شعور قاسي أن تجد غرباء يشفقون عليك،يشعرون بغيابك... وأقرب الأقربين إليك ما يجمعك معهم صلة دم ليسوا سوا  مجرد أسماء سد خانة فقط مثل والدها التي لا يهتم بأي شأن يخصها
.. ولم تشعر بحنانه حتي ليومين فقط يستضيفها، لكن شعرت أنها عبئ عليه هو وزوجته، رغم إدعائها أنها إشتاقت إليهم... 
عادت تتجاذب الحديث مع رابيا، التى تنهدت قائلة: 
ياريتك كنتِ هنا كنتِ هتساعديني  فى التحضير لإستقبال اللى جايين من السعودية. 
بتبرير كاذب تفوهت غزال: 
وأنا كمان كان نفسي بس عندى محاضرة مهمة كمان ساعة ونص، وأستاذ المادة دي طبعه صعب وأوقات كتيرة بيطول فى المحاضرة كمان كان نفسي أستقبلهم فى المطار، بس المهم يوصلوا بالسلامة. 
تفهمت رابيا  قائلة: 
خلاص هقفل الاتصال عشان تلحقي تفطري قبل ما تنزلى للجامعة..أشوفك المسا بقي.
بمجرد أن إنتهي الإتصال.. أغلقت الهاتف من يدها على تلك الآريكة الرخامية الموضوعة أمام أحد الحدائق العامة ثم  جلست، اختفت تلك الابتسامة الهشة،كأنها لم تكن... 
سحبت نفسًا مرتجفًا، ثم همست لنفسها بصوت بالكاد يُسمع: 
اشتاقت لهم … قد إيه أنا كدابة…ده حتى مسافة الليل بحس إني عبئ على حياة ناس غريبه عني مش المفروض ده أبويا وأخواتي... 
انكمشت أصابعها تضم يدها بقبضة قويه تزم طرفي مِعطفها الثقيل،علها تشعر ببعض الدفئ، وعيناها امتلأتا بدموع قاومتها بشدة،
لكن تلك الغصة…تلك الغصة اللعينة لم ترحمها.
شعور ثقيل… قاسي…
أن تصبح مجرد "واجب" في حياة من يُفترض أنهم سندك.
لا دفء…لا لهفة…ولا حتى سؤال بالخطأ.
مجرد زائر… والأفضل الا تطيل فى الزيارة.. 
فى خضم تلك الحالة البائسة التي تشعر بها سمعت صوت مواء.. نظرت نحوه وجدت قطة صغيرة هزيلة كأن موائها ألم تشعر به.. 
بحثت عيناها ببطء نحو مصدر الصوت… حتى إنحنت وجدت قطة صغيرة وليدة أيام حتى ان فروها لم يكتمل تنزوي فى  ركن أسفل الآريكة، 
قطة صغيرة… هزيلة، شعرها شبة أملس.. وعيناها الواسعتان تلمعان برجاءٍ صامت، كأنها لا تملك سوى هذا المواء لتخبر العالم أنها ما زالت هنا… ما زالت تقاوم.
تعلقت عينا غزال بها لثواني…
ثوانى طويلة، كأنها ترى نفسها أمامها… نفس الجوع، لكن ليس للطعام… بل لشيءٍ أعمق… للدفء… للانتماء.
همست بصوتٍ مبحوح:
فين مامتك... حتى إنتِ… تايهة زيي. 
اقتربت القطة بحذر، تتقدم خطوة وتتراجع أخرى، كأنها تخشى الرفض… أو ربما اعتادت عليه... مدت غزال يدها ببطء…
ترددت لحظة… ثم ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت:
متخافيش… أنا مش هأذيكِ.
للمرة الأولى منذ وقت طويل… كان في صوتها حنان حقيقي، غير مُصطنع… غير مُجبرة عليه... إستكانت القطة أخيرًا قرب قدمها، ثم التصقت بها بخفة، كأنها وجدت ملجأً مؤقتًا من هذا العالم القاسي.
ارتجف قلب غزال…
شيئًا ما انكسر بداخلها… أو ربما… شيئًا  ما بدأ يلتئم... 
أنزلت يدها على رأس القطة، تمسح على فرائها برفق، وهمست:
شكلك جعانة…
توقفت لحظة… ثم أضافت بمرارة خافتة:
وأنا كمان…
لكنها لم تقصد جوع الطعام... في تلك اللحظة…
لم تكن القطة وحدها من تبحث عن مأوى…
كانتا اثنتين…روحان تائهتان…إلتقيا صدفة…في ركنٍ منسي من هذا العالم... بعيدًا قليلًا عن قسوة القلوب.... حملتها بين ذراعيها وعادت تجلس على الآريكه وضعتها على فخذها.. أطعمتها من طعامها الإثنتان كانتا جائعتان …شبعت القطة.. فغفت، أو ربما شعور بالأمان كانت تحتاج إليه... تبسمت غزال وهي تُملس على فرائها قائلة:
من النهاردة هتبقي رفيقتي... هسميكي..
فكرت لحظات ثم قالت:
ونيسة... هسميكي "ونيسة"
نهضت تحملها وما تبقي من الطعام وجذبت هاتفها وضعته بحقيبة يدها تسير بها …كأنها وجدت سببًا صغيرًا للاستمرار…
شيئًا بسيطًا… لكنه يكفي ليمنح يومها معنى.
كانت خطواتها بطيئة… لكنها أكثر ثباتًا من قبل،
تحتضن "ونيسة" بحذر، كأنها تخشى أن يختفي هذا الدفء إن شدّت عليها أكثر.
......****
بينما  كِنان ظل واقفًا…
لم يتحرك منذ أن سمع نطق رابيا إسم غزال
لم يكن ينصت بدافع الفضول…
لكن الكلمات وصلت إليه رغمًا عنه  غرزت فيه شعورًا لم يفهمه فورًا…
شد كِنان فكه قليلًا…
واستقرت عيناه في الفراغ، كأن الاسم وحده كان كافيًا ليوقظ داخله شعور غريب… أو ربما شيئًا لم مازال لا يفهه..نطق عقله إسمها .
"غزال…"
رددها بصمت داخلي،.. بطريقة مختلفة… أبطأ… أثقل.
يتردد صدا... 
صوتها وهي تتكلم… نبرتها المكسورة… ذلك العتاب الذي لم يكن موجّهًا له… لكنه أصابه.
حرك قدمه خطوة… ثم توقف.
يده انقبضت دون وعي، كأنه يحاول الإمساك بذلك الشعور الهارب.. تمتم بضيقٍ خافت:
ـ وإنت مالك بها، شاغل عقلك بها ليه. 
سؤال لنفسه… أكثر منه استنكارًا... 
هو لم يعتد أن يتأثر…
ولا أن يقف هكذا… مترددًا…
ولا أن يهتم لحديثٍ لا يعنيه.
زفر ببطء…ومرر يده على وجهه بخشونة، كأنه يحاول استعادة توازنه المعتاد.
❈-❈-❈
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
مظاهر روحانية بعودة الثلاث مُعتمرين
إستقبالًا مميز
كانت الأجواء مختلفة… ليست كأي يوم عادي، بل مشبعة بشيء خفي… سكينة تتسلل بين الجدران، وكأن البيت نفسه يستعد لاستقبال بركة عائدة...
علّقت رابيا بعض الزينة البسيطة عند المدخل… لم تكن صاخبة، بل اختارت ألوانًا هادئة، تتماشى مع زهوة اللحظة...
وضعت مصحفًا مفتوحًا على الطاولة، وبجواره سبحة…  تعلن أن هذا البيت اليوم… بيت لا يخلوا من الذِكر.
وقف محسن بجوار الباب، هو وطفلتيه …كانوا في عالمٍ آخر، يركضون، يتسابقون… يسألون كل دقيقة هل وصلوا بالفعل بعد قليل
دخل الثلاث …
إجلال و يارا وخلفهما محي
بوجوهٍ مختلفة…أكثر بهاؤًا ونقاء.. طغت على 
ر ملامحهم..رغم وجوههم المتعبة من السفر… كذالك هادئة… نقية… كأن شيئًا ثقيلاً تُرك هناك… وعادوا أخف... الأحضان تلاحقت…الدموع سبقت الكلمات…الدعوات خرجت دون ترتيب…
-حمد لله على السلامة…
-تقبل الله…
-نورتوا البيت…
اقتربت رابيا  ببطء… لم تندفع مثل البقية… لكنها حين وصلت، احتضنتهم وكأنها تحتضن الطمأنينة نفسها.
أما كِنان…
فبقي في الخلف قليلًا.
يراقب.
لكن عينيه… لم تكن جامدة كما يظن الجميع.
كانت تتأمل ذلك المشهد… وكأنها تسأل سؤالًا صامتًا:
كيف يمكن لرحلة… أن تُغير كل هذا
وبدون أن يشعر…اقترب خطوة كاد ينحني على إجلال، لكن منعه محي، رفع كنان ونظر له ببسمه، لكن بادله محسن بنظرة زغر قائلًا:
بلاش تماحيك كتير مش سلمت عليها فى المطار، خلاص خلصنا.
ضحك كنان قائلًا:
ماشي يا حاج عشان خاطرك بس هقعد جنبها.
تهكم محي وتركه بالفعل جلس جوار إجلال التي ربتت على كتفه ببسمه، لكن فجأة شعر كأن هنالك شيء ناقص عكس الوداع قبل السفر، كان هنالك
…لكن فجأة شعر كأن هناك شيئًا ناقص…
فراغٌ خفي… لا يُرى، لكنه يُحَس.
نفس المكان… نفس الوجوه… نفس الأصوات التي كانت تملأ البيت ضجيجًا ودفئًا…
لكن هناك تفصيلة صغيرة… كانت دائمًا موجودة… والآن اختفت.
تجمدت ابتسامته قليلًا…
وعيناه تحركتا بين الوجوه… كأنه يفتش عن شيء لا يريد أن يسأل عنه
لم يراها في المطار…
رغم أنه كان متأكدًا… بل واثقًا… أنها ستكون أول الواقفين لاستقبال عمتها.
قطّب حاجبيه قليلًا…
ذلك الشعور بالفراغ أصبح أوضح… وأثقل.
تمتم بداخله بسخرية خافتة:
غريبة. 
عاد ببصره نحو إجلال… ثم يارا… ثم باقي الوجوه…
لكن الحقيقة كانت واضحة عيناه تبحث عنها تلك الشعثاء غزال الآن  غير موجودة... 
تنفس ببطء… محاولًا تجاهل الأمر…
لكن عقله لم يُطاوعه.
❈-❈-❈
طال الوقت لم يشعرون به فالوقت الجمييل يمضى في لحظات مهما طال إنصرف الجميع. 
بشقة محسن
دلف  الى غرفة النوم تنهد بإرهاق،لفت نظره وقوف رابيا أمام المرآة بيدها ثوب بلون الأزرق مُرصع ببعض الأجحار الملونة... إنعكس ظله بالمرآة إستدارت تنظر له تبتسم وهي تقترب منه قائلة:
شوفت عمتي جابت لى عباية لونها أزرق... اللون ده خاص بالصبيان، أنا أتفألت بيه خلاص قلبي بيقولى إني حامل فى ولد، مش هلبسها هشيلها فى الدولاب، وأبقي ألبسها فى السبوع إن شاء الله.
ابتسم محسن وضع يده على بطنها قائلًا:
بنت ولد المهم صحتكم إنتم الإتنين.
مجرد كلمات منه شعرت بالرضا لأول مرة تتجرأ وتبادر وتقوم بمعانقته قائلة:
ربنا يخليك لينا.
تركها تعانقه… بل شدد ذراعيه حولها قليلًا… دون تفكير…
وكأن جسده سبق عقله هذه المرة.. 
أغمض عينيه لثانية…
لأول مرة يشعر بسكينة…
لكن فجأة…
تسللت دوخة خفيفة إلى رأسه… كأن الأرض مالت قليلًا…
أغمض عينيه وفتحهما سريعًا… فهدأت… لكن لم تختفِ تمامًا... 
لم يُعلق… ظنها لحظة عابرة.
لكن رابيا… لم تكن غافلة... رأت تنرحه للحظة
شهقت بخضة، وتركت العباءة من يدها، واقتربت منه سريعًا بلهفة:
مالك يا محسن. 
رفع يده فورًا… وكأنه يوقف قلقها قبل أن يكبر، وقال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
مفيش… بس فجأة حسيت بدوخة بسيطة.
لكنها لم تقتنع…
عينها دققت في وجهه… شحوبه الخفيف… تلك الرمشات السريعة…
وضعت يدها على ذراعه، وقالت بإصرار:
دوخة بسيطة إزاي  وشك أصفر. 
تنهد بخفة، محاولًا التماسك:
ده إرهاق بس…من وقت سفر،فاروق الغردقة والشغل فى المقر والمدابغ كله عليا،غير  اليوم كان طويل.
هكذا برر لكن ربما ليس ذلك الحقيقة…
ذلك الإحساس لم يكن مجرد إرهاق عادي.
اتسعت عينا رابيا أكثر، وقالت بقلق واضح:
تعالى اقعد  عالسرير.
جذبته برفق ليجلس على حافة السرير، وقلبها بدأ يدق أسرع…
لم يكن هذا محسن الذي تعرفه… دائمًا ثابت… صلب… لا يشتكي.
جلست أمامه مباشرة، تبحث في عينيه:
بصلي… في إيه.. إنت بتحس بإيه بالظبط. 
مرر يده على وجهه،   هذه المرة، دون مقاومة ليس مستغربً من قلقها الزائد عليه رغم جفاؤة هي عكسه...تنهد قائلًا بصوت ثابت :
دوخة… بسيطة 
سكت لحظة… ثم أضاف بصراحة لم يعتدها:
يمكن… زادت أكتر شوية بسبب الارهاق.
ابتلعت ريقها…
ذلك الاعتراف الصغير… كان كافيًا ليزيد خوفها..ويضع قلق قلبها .
مدت يدها تمسك بكفه، وقالت بحزمٍ ممزوج برجاء:
لا… كده مش هينفع… إحنا لازم نطمن... لازم تعمل كشف طبي شامل. 
نظر لها…في عينيها خوف صادق… ليس مبالغًا فيه… بل نابع من شيء أعمق...
شعور… أنها لا تحتمل أن يحدث له شيء…
تنهد ببطء ضاحكًا يقول: 
كشف طبي عشان دوخة … ثم هز رأسه باستسلام خفيف:
تمام  حاضر… نطمن.
شدت على يده أكثر…قائلة: 
حتى لو دوخة بسيطة برضوا نطمن. 
أومأ لها برأسة 
اختفت فكرة العباءة… واللون الأزرق… والتفاؤل…لم يبقَ في قلبها…
إلا دعاء واحد صامت... أن يحفظه الله. 
تنهدت وجلست على الفراش قائلة: 
نام على رجليا أعملك مساچ لراسك... شوفت عمي محي كان نايم على رجل عمتي وبتعمل له مساچ.. وقتها قالت لى إنه مرهق والمساچ ده بيخفف التوتر. 
بالفعل وضع محسن رأسه على ساق رابيا التي بدأت تدلك فروة رأسه بحركات دائرية، بدأ يشعر بالتحسُن، لكن ضحك سائلًا بإستفسار: 
وشوفتي ماما وبابا فين بقي. 
أجابته بتلقائية: 
مره كنت داخله الاوضة أسألها عن حاجة مهمة. 
إستغرب محسن ذاك قائلًا: 
غريبة ده بابا مش بيسمح لواحد فينا يدخل أوضة نومه، مفيش غير يارا، بس. 
ضحكت رابيا، إستطرد محسن حديثه بمرح: 
بابا بيحب البنات، لكن إحنا لينا معاملة تانية خالص... يعني يادوب سلم عليا، وقالي عاوز تقرير مفصل بشغل الفترة اللى كان فيها فى السعودية. 
ضحكت رابيا قائلة: 
عمي محي بيتعامل معاكم كده عشان رجالة، لكن فى الحقيقة هو حنين جدًا وبيخاف عالكل..إنت فيك كتير منه..حنون وبتحب البنات... 
توقفت بداخلها غصة، هنالك شيء واحد فقط سيء لديه... المزاج... متقلب المزاج.. …وذلك ما يجعل التعامل معه أحيانًا كالسير فوق خيطٍ مشدود…
خطوة واحدة خاطئة… قد تُفسد كل شيء.
توقفت أناملها لحظة فوق شعره…
لكنها سرعان ما عادت تُكمل تدليكها، كأنها تُخفي ما خطر ببالها.
لم ينتبه محسن في البداية…
كان مغمض العينين، مستسلمًا لذلك الإحساس المريح…
لكن صمتها المفاجئ… لم يمر عليه.
فتح عينيه ببطء…
ورفع رأسه قليلًا لينظر إليها، متفحصًا ملامحها وتسأل:
سكتي ليه. 
ابتسمت بسرعة… ابتسامة خفيفة، مُصطنعة بعض الشيء قائلة:
مفيش… سرحت شوية.
لم يقتنع…
عاد برأسه إلى ساقها، لكنه هذه المرة لم يُغمض عينيه، وقال بنبرة أخف… لكنها أكثر تركيزًا:
لا… في حاجة... إتكلمي. 
ترددت…لا تعلم نبرة صوته أكانت تحريض ام تحذير لكن
نظرت بعيدًا للحظة، ثم قالت بنبرة هادئة تحاول أن تكون طبيعية:
كنت بقول إنك شبه عمي محي فعلًا… بس…
رفع حاجبه بخفة:
بس إيه. 
تنهدت بخفوت…
ثم قالت بصراحة حذرة:
بس ساعات بتبقى متقلب… ومش بعرف أتوقعك.
ساد الصمت لثوانٍ…
تصلب جسده قليلًا تحت يدها…
واختفت تلك الراحة التي كان يشعر بها منذ لحظات.
سحب نفسًا عميقًا…
ثم قال دون أن ينظر إليها:
قصدك عصبي.
هزت رأسها برفق قائلة:
مش دايمًا… بس لما بتضايق، بتبقى قاسي… حتى لو مش قصدك.
أغمض عينيه هذه المرة… لكن ليس استرخاءً…
بل كأنه يواجه شيئًا داخله.
مرت لحظة…
ثم تحدث بصوتٍ منخفض سائلًا:
وأنا أذيتك قبل كده.
تعلقت عيناها به…
سؤال بسيط… لكنه أثقل مما يبدو... فماذا سترد، فليست كل الأذية عُنف فقط
ترددت…
ثم ابتلعت ريقها وتجرأت وأجابت بهدوء صادق:
أيوه… بس مش لوحدك.
فتح عينيه فجأة…
ورفع رأسه لينظر إليها مباشرة سائلًا:
يعني إيه، مش فاهم: 
ابتسمت ابتسامة باهتة… وقالت بتوضيح:
يعني أنا كمان استحملت وسكت… وده غلط.
ظل ينظر إليها…
طويلًا…
وكأنها للمرة الأولى… لا تُجامل… ولا تُخفف الكلام.
مرر يده على وجهه ببطء…
ثم قال بنبرة مختلفة… أقل حدة… وأكثر صدقًا:
أنا مش بعرف أتعامل غير كده لما أكون مضغوط.
ردت بهدوء:
ما أنا فاهمة… بس ده مش مبرر.
سقطت كلماتها ببساطة… لكنها كانت حاسمة.
ساد الصمت مجددًا…
لكنه هذه المرة… لم يكن مريحًا بالكامل.
مدت يدها مرة أخرى، تُكمل تدليك رأسه… لكن بحذرٍ أكثر.
أما هو…
فلم يُبعدها... بل أغلق عينيه ببطء…
وكأن لمسها… رغم كل شيء…
ما زال المكان الوحيد… الذي يهدأ فيه.
اومأ لها برأسه... نظرت لوجهه عاد له الرونق مره أخري إبتسمت سائلة: 
بقيت أحسن. 
نهض عن ساقيها وجذبها معه تممد على الفراش وجذبها على صدره يحتويها... يشعر بخفقات قلبها، استسلم الاثنان للغفيان... ربما بعد تلك الصراحة تأتي للقلوب راحة. 
❈-❈-❈ 
بالغردقة 
رغم شبة الظلام الذي يعم الغرفة، كذالك غفيان ياسين منذ وقت، لكن لا تشعر بالنعاس، رغم نومها على الفراش، نظرت نحو ياسين الذي همهم ببعض الكلمات لم تفهمها، رغم ذلك ضحكت... نظرت للطرف الآخر للفراش، مكان نوم فاروق كان خاليًا، مرت ليالي وهي تغفوا معه على فراش واحد …حقًا هنالك ياسين…
حاجز صغير… بريء…
لكنّه كان يفصل بين أشياء أكبر بكثير... 
سحبت نفسًا ببطء…
وعيناها لا تزالان معلقتين بالمكان الفارغ بجوارها... ذلك الفراغ…
لم يكن مجرد مكان على الفراش…
بل إحساس كامل... 
مرت الليالي الماضية وهي تشعر بوجوده… حتى وهو صامت…
حرارته القريبة… أنفاسه المنتظمة…
ذلك الأمان الغريب الذي لم تعترف به لنفسها.
أما الليلة…
فكل شيء مختلف.. برد خفيف تسلل إليها…
رغم الغطاء.حركت يدها دون وعي…
امتدت نحو ذلك الجانب…
لكنها توقفت قبل أن تلامسه... 
سحبت يدها سريعًا…كأنها ارتكبت خطأ.
أغمضت عينيها بقوة…
وهمست لنفسها بنبرة محاولة للتماسك:
شعور عادي، أكيد تعود.. مش أكتر
لكن قلبها…
لم يكن يصدق تلك الكلمة.فتحت عينيها مرة أخرى…ونظرت إلى ياسين…ابتسمت رغمًا عنها…وهمست بخفوت:
إنت السبب…
لكنها لم تقصد الطفل…ولا براءته.
بل تقصد ذلك الحاجز…الذي كان يمنعها…
ويحميها…فى نفس الوقت.
تقلبت على جانبها…
تعطي ظهرها لذلك الفراغ…
تحاول أن تهرب من شعورٍ بدأ يكبر داخلها…
رغبة خفية…خوف أكبر.
لكن…
رغم محاولتها…ظلت واعية لكل شيء…
لصوت الباب…لأي حركة في الخارج…
لخطواته.. وكأن جزءًا منها…
ينتظر أن يُفتح الباب…
وأن يعود فاروق…ليملأ ذلك الفراغ…
ليس على الفراش فقط…
بل داخلها أيضًا... 
تنهدت  كذالك تثائبت، وضعت يدها على فمها بتلقائية، توقفت يدها فوق شفتيها، تذكرت قبلاته لها فى الصباح، أغمضت عينيها تستشعر ملمس شفتاه... تشعر أنها فى صراع حميم
قلبها يتمرد عقلها يستجيب لذلك التمرُد بل وينجرف هو الآخر. 
فتحت عينيها نفضت ذلك، تنهدت تلوم نفسها على ذلك الضعف الذي يسيطر عليها منذ بداية الرحلة. 
نهضت من فوق الفراش وتأكد من دثر ياسين، ثم ذهب الى تلك الردهة الملحقة بالغرفة.. 
فتحت التلفاز وجلست على آريكة مقابلة له، 
…تقوم بالتقليب بين القنوات بلا هدف…
عينها على الشاشة… لكن عقلها في مكان آخر تمامًا.
الإضاءة الخافتة المنبعثة من التلفاز انعكست على ملامحها…
كشفت سكونًا ظاهريًا… يخفي ضجيجًا داخليًا لا يهدأ.
تنهدت بخفوت…
وألقت بجسدها أكثر داخل الأريكة، تضم ساقيها إليها كأنها تبحث عن دفءٍ مفقود.
ضغطت على زر التحكم مرة أخرى…
قناة تلو الأخرى…
وجوه… أصوات… موسيقى…
لكن لا شيء يعجبها فتظل عليه...
تمتمت بضيق:
ولا حاجة عاجباني. 
ألقت بجهاز التحكم  بجوارها…
وأمالت رأسها للخلف، تغمض عينيها للحظة…
لكنها لم تستطع الاستسلام.. فتحت عينيها فجأة…
ونظرت نحو باب الغرفة…
وشعور غريب يتسلل إليها… مزيج من التوتر والانتظار.
مرّت ثواني…
ثم عادت ببصرها للشاشة…
لكن تركيزها كان هشًا… يتكسر مع كل صوتٍ خافت... وفجأة…
صوت مفتاحٍ يُدار في الباب الخارجي.
اعتدلت في جلستها بسرعة…وقلبها بدأ يخفق بشكلٍ أوضح.. لم تتحرك…انتظرا
أنفاسها تعلقت في صدرها…
وعيناها اتجهتا نحو مدخل الردهة…
وفي نفس اللحظة 
ظهر فاروق.. الذي إبتسم بتلقائية قائلًا: 
مساء الخير... لسه صاحية. 
أجابته بكذب: 
أيوه كنت بتابع التلفزيون. 
نظر نحو شاشة التلفاز وتبسم سائلًا: 
بتسمعي مصارعة حُرة. 
نظرت نحو التلفاز قائلة: 
كنت بقلب بين القنوات.. وإنت أخبار شغلك إيه. 
جلس لحوارها وتنهد بإرهاق قائلًا: 
إجتماعات مفاوضات طول اليوم. 
نظرت لوجهه حقًا يظهر عليه الإرهاق.. قبل ان تتحدث تفاجئت به يقترب أكثر منها، شعرت بالتوتر، نهضت سريعًا... تحاول الهرب قائلة: 
أنا كبس عليا النوم و... 
لم تكمل بقية حديثها، وشهقت حين جذبها بقوة من يدها فسقطت على ساقيه.. سريعًا وضع راسه فى تجويف عنقها هامسًا إسمها بنعومة: 
عهد.. 
إرتبكت كانها فقدت الوعي حتي انها لم تشعر كيف وضعها فوق الآريكة يُشرف عليها بجسده، يده تسللت تفتح أزرار منامتها  …وهي مُرتبكة كأنها لا تستوعب ما يحدث…
تصلب جسدها للحظة…
أنفاسها تعثّرت، وقلبها اندفع بعنفٍ داخل صدرها، كأنه يرفض هذا التسرّع المفاجئ... 
همست بصوتٍ متقطع، تحاول أن تستعيد وعيها:
فا… فاروق… إنت بتعمل إيه…
لكن صوته جاء قريبًا… دافئًا… ومحملًا بشيء لم تعهده منه بهذا الوضوح:
وحشتيني. 
تجمدت كلماتها عند تلك الجملة…
ارتبكت أكثر… لكن هذه المرة لم يكن الخوف وحده… بل شيء آخر… أكثر نعومة… وأكثر خطورة... 
رفعت يدها بتردد… وضعتها على صدره، كأنها تحاول أن تُبعده…لكنها لم تدفعه حقًا.
فقط… توقفت.أنفاسه لامست عنقها…
أغلقت عينيها لحظة… محاولة أن تتمسك بعقلها وسط هذا القرب الذي أربكها.
همست بضعفٍ خافت كأنه تحذره:
ياسين جوه. 
كأنها تتمسك بتلك الجملة كطوق نجاة.
توقف فاروق لثانية…رفع رأسه قليلًا… نظر إليها... كانت عيناها مرتبكتين…
لكن بهما شيء آخر… لم يكن رفضًا كاملًا.
مرر يده ببطء على جانب وجهها…
وتحدث بنبرة أكثر إنخفاض… أكثر هدوءًا:
وأنا بره كل الوقت. 
سقطت كلماته بهدوء… لكنها حملت عتابًا خفيًا.
ارتعشت شفتاها…تحاول أن تجد ردًا… تفسيرًا… أي شيء يعيد التوازن لتلك اللحظة.
لكنها لم تستطع.فقط نظرت إليه…
طويلًا…بين رغبة في الهروب…
وأخرى في البقاء…

 •تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات