رواية شاهد قبر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
انفجر مدير المشروع غضبًا فور انتهاء ناصر من قيادته على المضمار، ودوّى صوته في أرجاء المكان بنبرة حادة لا تقبل الجدل
قال بصرامة واضحة إن ما حدث مرفوض تمامًا، وإنه لن يسمح بأن يتحول العمل داخل الفريق إلى ساحة لتجارب فردية ينفذ فيها كل موظف ما يخطر بباله دون الرجوع إلى الهيكل الإداري
أشار بحدة نحو السيارة ثم نحو ناصر، مؤكدًا أن المؤسسة التي يعملون بها تحكمها قواعد صارمة، وليست بيئة عشوائية تُدار بالاندفاع أو الحدس
ظل ناصر واقفًا في مكانه، صامتًا، يواجه العاصفة بثبات دون أن يُبدي أي رد فعل
لكن أليكس لم يلتزم الصمت، فتقدم خطوة إلى الأمام وتحدث بنبرة متماسكة، مؤكدًا أن ما قام به ناصر لا يمكن اعتباره تصرفًا عشوائيًا، بل دليل واضح على قدرة استثنائية لا يجب تجاهلها
نظر إليه المدير بنفاد صبر، لكن أليكس واصل حديثه، مشيرًا إلى أنه إذا كانت الإدارة غير قادرة على إدراك قيمة ما حدث، فإنه لا يرى مبررًا لاستمراره ضمن هذا الفريق
ساد صمت ثقيل للحظات، قبل أن يقطعه المدير بانفجار جديد من الغضب، حيث أعلن بوضوح أن الباب مفتوح لمن يرغب في المغادرة
ثم وجه حديثه مباشرة إلى أليكس بنبرة حادة تحمل قدرًا من التحقير، مؤكدًا أنه لم يقدم ما يشفع له حتى الآن، وأنه مجرد سائق يعيش على أمجاد الماضي دون تأثير حقيقي في الحاضر
استقرت الكلمات في المكان بثقلها، وبدت ملامح أليكس جامدة للحظة، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة باهتة خالية من أي انفعال
هز رأسه بهدوء، وكأنه حسم أمره، ثم استدار دون أن يدخل في أي نقاش إضافي، وقال بصوت منخفض يحمل قرارًا نهائيًا إن الأمر قد انتهى
اتجه نحو الخارج بخطوات ثابتة، وقبل أن يغادر ألقى نظرة سريعة على ناصر، كانت كافية لتكون دعوة صامتة للمغادرة
أغلق ناصر دفتره بهدوء، ووضع القلم جانبًا، ثم تبع أليكس دون تردد
غادر الاثنان مقر Ford Motor Company دون أن يلتفت أيٌّ منهما إلى الخلف
خلفهما ظل صدى الغضب يتردد داخل الجدران، وأمامهما انفتح طريق مجهول، خالٍ من الضمانات، لكنه مملوء بإمكانية لم تُختبر بعد.
بقي ناصر داخل شقته لأكثر من أسبوع كامل وكأن الزمن توقف عند لحظة خروجه من مقر Ford Motor Company
لم يكن يخرج إلا نادرًا ولم يكن يتحدث مع أحد وكان يقضي وقته بين الصمت والتفكير وأحيانًا يجلس بالساعات أمام أوراقه يراجع حساباته وكأن ما حدث لم يكن نهاية بل بداية غير مفهومة
على الجانب الآخر كان أليكس يحاول استيعاب ما حدث لكنه لم يندم على قراره فبداخله كان يعلم أن ما رآه في ناصر لا يمكن تجاهله
وفي مساء هادئ بينما كان أليكس يجلس في شقته طرق الباب طرقًا غير متوقع
فتح الباب ليجد رجلًا أنيقًا يقف بثبات وملامحه هادئة لكن نظرته حادة وقدم نفسه بهدوء كممثل عن شركة Jeep
لم يكن الاسم مرتبطًا بعالم السباقات بل بعالم الطرق الوعرة والقوة التقليدية ولهذا بدا حضوره غريبًا في هذا التوقيت
طلب الرجل الدخول وجلس بهدوء وكأنه يعرف تمامًا لماذا هو هنا
قال بنبرة مدروسة إنهم لا يملكون تاريخًا في السباقات ولا يحاولون منافسة العمالقة من اليوم الأول
ثم صمت لحظة ونظر إلى أليكس مباشرة وقال لكنهم يعرفون متى يبدؤون
وضع ملفًا أمامه وقال إنهم يريدون بناء فريق من الصفر فريق يحمل فكرًا مختلفًا
رفع نظره وأضاف أن أليكس وناصر هما البداية
لم يتحدث أليكس في البداية فاستمر الرجل وقال إن الشركة مستعدة لتقديم دعم كامل من معدات وتمويل وفريق عمل لكن الهدف ليس الفوز الآن
بل الدخول ضمن العشرة الأوائل
وأضاف بابتسامة خفيفة أن هذا هو طموحهم في المرحلة الأولى وأنهم يريدون فقط إثبات وجودهم
ساد الصمت للحظات ثم قال الرجل إنهم لا يبحثون عن أسماء كبيرة بل عن أشخاص قادرين على صنع الفارق
ثم نهض بهدوء وترك الملف أمام أليكس وقال قبل أن يغادر فكروا جيدًا فالفرصة لا تأتي دائمًا في الوقت المثالي لكنها أحيانًا تأتي بالشكل الصحيح
أغلق الباب خلفه وظل أليكس واقفًا مكانه للحظات ينظر إلى الملف ثم همس لنفسه يبدو أن اللعبة لم تنته بعد
جلس ناصر على طرف المقعد وعيناه تلمعان بابتسامة هادئة تحمل شيئًا من الغموض بينما كان أليكس يقف أمامه شارد الذهن غارقًا في حسابات لا تنتهي
رفع أليكس رأسه أخيرًا ونظر إلى ناصر وقال بتعجب ممزوج بالضيق لماذا تضحك
ثم أكمل بنبرة أثقل نحن في ورطة حقيقية والطريق أمامنا شبه مسدود
أشار بيده نحو الملف الموضوع على الطاولة وقال إن شركة Jeep لم تشارك في سباق حقيقي منذ نشأتها وإذا دخلنا بهذا الشكل سنصبح أضحوكة أمام الجميع
ظل ناصر مبتسمًا وكأن الكلمات لا تمسه ثم همس بهدوء هذا بالضبط ما أحتاجه
نظر إليه أليكس بعدم فهم
أكمل ناصر دعهم يضحكون علينا ودعهم يعتقدون أننا سنخسر
سكت لحظة ثم قال بنبرة أكثر عمقًا كل ما أريده منك أن تتركني مع سيارة الجيب الخاصة بالسباق لمدة شهر
رفع عينيه مباشرة إلى أليكس وأضاف بمفردي
ثم أكمل بهدوء بعدها سأخبرك بالحقيقة وهل لدينا فرصة أم لا وأعدك بذلك
ساد الصمت بينهما للحظات طويلة وكان أليكس ينظر إليه محاولًا قراءة ما خلف تلك الثقة الغريبة
ثم تنهد ببطء وكأنه اتخذ قراره أخيرًا وقال بصوت منخفض تمام
هز رأسه وأضاف موافق
لم تمض أيام قليلة حتى تم إنهاء الإجراءات وانتقل ناصر إلى مقر Jeep
تم اصطحابه إلى قسم مغلق داخل مركز التطوير حيث كانت تقف السيارة المخصصة للمشروع
سيارة خام بلا روح سباق حقيقية حتى الآن
وقف ناصر أمامها للحظات طويلة دون أن يتحرك ثم اقترب ببطء ومد يده ولمس الهيكل المعدني وكأنه يحييها
أغلق الباب خلفه وترك وحده معها لمدة شهر كامل بلا تدخل وبلا ضوضاء
فقط ناصر والسيارة والتحدي
دخل ناصر إلى القاعة المغلقة وأغلق الباب خلفه ثم وقف أمام السيارة صامتًا لثوانٍ كأنه يقف أمام مريض على طاولة عمليات
اقترب ببطء وبدأ يدور حولها خطوة بخطوة وعيناه تتحركان على كل تفصيلة في الهيكل الخارجي وكأنه يقرأ تاريخها من شكل المعدن وانحناءاته
مد يده ولمس السطح ثم الطرقات الخفيفة بأصابعه تكشف له أماكن الإجهاد الخفي واختلاف كثافة المعدن في بعض النقاط
فتح غطاء المحرك بهدوء ومال برأسه للداخل واستنشق رائحة الزيت والحرارة وكأنه يحدد حالتها من رائحتها
بدأ التشريح
فك الأجزاء واحدة تلو الأخرى دون تسرع يضع كل قطعة في مكان محدد ويراقبها بعين ناقدة ثم يسجل ملاحظاته في دفتره
اكتشف أولى نقاط الضعف في مسار تدفق الهواء حيث كانت الزوايا حادة تعيق الانسيابية وتخلق مقاومة غير ضرورية تؤثر على التسارع
قام بإعادة تصميم الممرات الداخلية للهواء وجعلها أكثر سلاسة وانحناءً لتقليل الاضطراب وزيادة كفاءة التبريد
ثم انتقل إلى نظام العادم ولاحظ اختناقًا في خروج الغازات نتيجة ضيق بعض الأنابيب وعدم توافق أطوالها
عدل الأطوال وأعاد توزيع الانحناءات ليخلق تدفقًا متوازنًا يقلل الضغط العكسي ويسمح للمحرك بالتنفس بحرية أكبر
عند نظام الوقود لاحظ تفاوتًا في معدل الحقن بين الأسطوانات مما يؤدي إلى فقدان في الاستجابة
أعاد ضبط نظام الحقن ليصبح أكثر دقة وتوازنًا مما حسن من احتراق الوقود ورفع كفاءة الطاقة الناتجة
توقف عند نظام التعليق ووجد أن توزيع الصدمات غير متناسق مع طبيعة السرعات العالية مما يسبب فقدان تماسك في المنعطفات
أعاد ضبط زوايا التعليق وغيّر نقاط الارتكاز ليحقق توازنًا أفضل بين الثبات والمرونة
أما الوزن فكان عبئًا صامتًا
قام بإزالة أجزاء غير ضرورية واستبدال بعض المكونات بمواد أخف دون التأثير على صلابة الهيكل
أعاد توزيع الكتلة بحيث تصبح أقرب إلى مركز السيارة مما حسن من استجابتها في التوجيه
ثم جاء دور المحرك مرة أخرى
لم يزده قوة بشكل مباشر بل ركز على تقليل الفاقد في كل جزء
قلل الاحتكاك الداخلي وعدل نسب التروس لتتناسب مع التسارع المطلوب بدلًا من القوة الخام
حسّن استجابة الدعسة لتصبح أكثر دقة وسرعة دون أن تكون عنيفة على المكونات
كان يعمل لساعات طويلة دون توقف ينام قليلًا ويعود ليكمل وكأن الوقت لا يعنيه
كل تعديل كان يختبره بعناية ويسجل نتائجه ثم يعود ليحسنها مرة أخرى
لم يكن يبحث عن رقم أعلى فقط
بل عن تناغم كامل بين كل جزء في السيارة
ومع مرور الأيام بدأت السيارة تتغير
لم تعد مجرد هيكل ثقيل مخصص للطرق الوعرة
بل أصبحت أخف وأسرع وأكثر استجابة
وفي إحدى الليالي وقف ناصر أمامها بعد أن أغلق غطاء المحرك ونظر إليها طويلًا ،ثم همس بصوت منخفض
لازال هناك شيء اخر
فى الأيام الخمسه الاخيره أغلق ناصر الباب على نفسه
رفض مقابلة اليكس او إى شخص من الشركه حتى الطعام والقهوه كان يترك له آمام الباب وعندما خرج من الورشه كان مظهره يشبه مهرج سقط فى الوحل وتمرغ فيه لمدة أسبوع كامل
•تابع الفصل التالي "رواية شاهد قبر" اضغط على اسم الرواية