رواية عهد الدباغ الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامة

 رواية عهد الدباغ الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامة 

العهد الرابع والعشرون

❈-❈-❈

بفظاظة منه، ود أن يقذفها بتلك البؤرة الضحلة، يغتاظ… ليس من ردها فقط، بل من تلك البسمة الواضحة على وجهها، فتضاعف انزعاجه وتحدث بنبرة مشدودة:

عاجبك منظري أوي كده... ولا شايفة إن اللي بتعمليه هزار... ودمك خفيف.


خرج من البؤرة يقترب نحوها خطوة، عينيه تلمعان بحدة، وصوته انخفض لكنه ازداد قسوة قائلًا :

ابتسامتك دي… مستفزة. بتتعمّدي تستفزيني.


توقفت ضحكة غزال فجأة… كأن كلماته سحبت البساط من تحت مرحها...

أنزلت يدها ببطء من على فمها، وارتسم على وجهها الصمت… الصمت الذي يؤلم حين يمس الكرامه، وهو هانها بقصد


نظرت له للحظة… نظرة قصيرة، كانت تخفي ألمً، حاولت السيطرة على حجز دموع عينيها داخل مُقلتيها...

وتفوهت بهدوء غريب، ونبرة إعتراف تبتلغ غصات قلبها بقسوة داخلها :

عندك حق… أنا ضيفة.

صمتت لثانية تبلع ريقها ، ثم أكملت بنفس نبرة الانكسار:

بس الضيف برضه ما يتشتمش... وعالعموم بعتذر، وهلتزم حدود الضيف.


شد كِنان على فكه، وكأن الرد لم يعجبه… أو ربما يقاوم مشاعر داخله يأبي الإنصياع لها، ويعتذر هو على فظاظته معها، فما حدث كان سهوًا كان من الممكن أن يحدث من غيرها، لكن قاوم ذلك،إستدار بوجهه بعيد عنها، لا يحاول السيطرة على عصبيته فقط بل من أن يشفق قلبه..

،عاد ينظر الى ثيابه المبلولة والطين يغرقها ذلك كفيل ان يُعيد له إحساس القسوة من جديد..تحدث بحدة أقل، لكن ممزوجة بنبرة سيطرة:

محدش شتمك… بس كل واحد لازم عارف حدوده.. محدش طلب منك تسقي الزرع.


رفعت غزال حاجبها بكبرياء وتخدثت بنبرة استيلام وإنكسار خافت:

وأنا عارفة حدودي كويس… بس الظاهر إنك أنت اللي مش عارف تتحكم في أعصابك.


تلك الكلمات اللبسيطة منها وصلت له بشكل مباشر...شعر بغيظ من جِدالها...نظ ناحيتها عينيه أصبحت أضيق، يشوبها لمعة غير مفهومة… بين الغضب وشيء آخر، يخاول طمسه، وتحدث بإستهجان:

إنتُ غلطانه وكمان بتتكلمي معايا بالطريقة دي.


سار خطوة يقترب منها والمياة مازالت تقطر من ثيابه على الأرض، لكن ولا كأنه يشعر ببرودة الطقس،لا يشعر سوا بغيظ منها وهي تجادله، فى البداية باعتذار، ثم بتبريرات وكانها تعطيه درسًا بالأخلاق، بينما هي لم تتحرك من مكانها… بالعكس، ظلت ثابتة مكانها، ورفعت وجهها نظرت له بثبات قائلة:

حضرتك انا إعتذرت، وتمام هلتزم حدودي.


عم السكون لحظات…

فقط هواء الصباح البارد هو ما كان يمُر بينهم، لكن التوتر كان ساخنً كافي ليمحو برودة تلك النسمات.


نظر لها… مطولًا لأول مرة ينتبه فعلًا من ملامحها… من ثباتها… من قوتها في الرد عليه بثبات،لم يتفاجئ بذلك برأسه تحدث:

طبعًا تربية أم صبري،لازم تبقي لسانها حاضر...

لكن مهلًا هنالك شيئًا ذو تأثير بملامحها،لوهله كاد ينجرف لكن قاوم ذلك الاحساس... يرفضه تمامً

ابتلع ريقه بخفه ،ثم فجأة التفت بعيدًا عنها، وتحدث بنبرة أقرب للتمتمة:

أنا مش فاضي للسخافة دي.


وبدأ يسير من جوارها.. لكن قبل ان يبتعد تمامًا… وقف خطوة، وتحدث دون النظر إليها بنبرة أمر:

وخليكِ في حدودك… عشان محدش يزعل.


تركها وغادر ظلت واقفة مكانها ثواني…

ثم أخيرًا، زفرت ببطء، وهيى تشعر إن تلك الضحكة التي كانت قبل قليل تحولت بقلبها لاحساس آخر معاكس تمامً…

ليس شعور بالحزن…بل بالانكسار.

-لكن لا..

هكذا إتخذت قرار فى رأسها بتحدي لذلك المُتعجرف

رفعت راسها قليلًا،ونظرت نحوه وهو بيبعد، وقالت بصوت واطي لكن واثق:

لا… لا يا كنان مش هفضل ضيفة، حتى لو إضطريت أبات عند...


وابتسمت ابتسامة موجعة …وتدمعت عينيها تشعر بأسي

اختفى كنان داخل البيت، كذالك صوت خطواته اختفى تدريجيًا.

سكن المكان... نظرت الى تلك على البؤرة، كذالك آثار قدميه التى حُفرت فى الأرض.

قربت خطوة…وركلت المياة بقدميها بخفة، كأنها تخرج غيظها من قسوة ظروفها.

وقالت بضيق خفيف:

متكبر ومتجبر.


لكن… رغم ضيقها…

تذكرت منظره وهو يقف داخل تلك البؤرة والمياة والطين

وابتسامة غصب عنها ظهرت على شفتيها...

هزت راسها بآسف:

لا… هو شكله يوم صعب فعلًا.


توجهت نحو الاستراحة …

لكن قبل أن تسير خطوتين توقفت

تنظر نحو البيت…نظرة سريعة، يشوبها التفكير… الموضوع ليس فادحً كان من الممكن أن يكون بسيط وينتهي بإعتذارها، لكن يبدوا أن صعب التوافق بينها وبين ذلك المتعجرف أبدًا... شعرت بوجع فى قلبها ظل صدى

كلامه يتردد في أذنيها…

"إنتِ هنا مجرد ضيفة… التزمي حدودك…"

شدت على نفسها، تحاول أن تبتلع مرارة ذلك الإحساس اللي خنق صدرها فجأة…

لكن لم تستطيع، أكملت سير نحو الاستراحة بخطوات سريعة… شبه هروب...

دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء…

اغلقت الباب وقفت خلفه لخظات قبل أن تنهار تشعر بانكسار...

دموعها أخيرًا تحررت من بين أهدابها دون تمهيد…

كأنها كانت تنتظر اللحظة وهي وحدها...

وضعت يدها على فمها تكتم صوت شهقتها، وهي تلوم نفسها بصوت مكسور:

أنا إزاي أسمح لحد يكلمني كده…

تلفتت حولها بعينين مغرقتين…سريعًا اتخذت القرار بدون تفكير وهي تقول بحسم:

ـ لا… أنا مش هقعد هنا.


لكن فجأة توقفت تبكي بحِيرة قائلة:

بس لو خرجت من هنا هروح فين... مينفعش أرجع بيت عمتي وهي مش موجودة.


لكن هنالك صوت آخر ذمها:

وهتبلعي إهانته ليكِ، صعب..عمتي هترجع بعد يومين، ممكن...


عاد عقلها يساوم:

هتروحي فين اليومين، أقل شقة ايجارها بمبلغ مش قليل، كمان مستحيل أروح فندق رخيص، معظمهم مشبوهين..


تفوهت بوجع:

ياااارب، ليه حياتي بالشكل ده دايمًا بحس إني ماليش مكان يأويني.


لكن لا حسمت أمرها ونهضت، جذبت حقيبة ثيابها بدأت تجمع ثيابها بعصبية…

تفتح الحقيبة تضع فيها ثيابها… دون ترتيب… من غير تركيز... يديها كانت ترتعش…وهي تمسح دموعها... تستعجل كأنها تود أن تنتهي قبل أن تعود للاستسلام... بعد وقت انتبهت من ضب ثيابها بتلك الحقيبة الصغيرة.. توقفت

لحظة تلهث، ببكاء، وقعت عينيها على انعاكسها فى المرآة... نظرت لنفسعا كان وجهها أحمر…كذالك عيونها والوجع يظهر بوضوح.


همست لنفسها بوجع:

أنا المنسية اللي جت للحياة بالغلط.. كُل اللى حواليا فرطوا فيا... يمكن حان الوقت حد منهم يفتكرني.


أغلقت الحقيبة بعنف خفيف…حملتها واتجهت للباب... توقفت يدها على المقبض…

ترددت لحظة...الاحتياج صعب...


حسمت أمرها جففت دموعها قائلة بثبات:

حتى لو الاحتياج صعب يا غزال الكرامة أعلى.


شدت على المقبض وفتحته…وخرجت لن تظل ضيفة... غادرت تحفظ ولو جزء من كرامتها خطواتها كانت ثابتة، داخلها

قرار واحد واضح لن تعود لهنا… حتى لو اتطلب منها... خرجت من المنزل كانت تسير بخطوات سريعة، حقيبتها في يدها، ودموعها عادت تهطل رغم محاولتها تمالك نفسها…

لم تكن ترى الطريق بوضوح…


ولا لاحظت ذلك المتسلق الواقف بعيدًا… خلف إحد الأشجار... عيناه كانت تتابعها… بدقة... تبسم وهو ينظر الى هاتفه القديم الإصدار، لكن الصور كانت واضحة، وحتي وإن كان شجارًا، لكن تقاربهما كان فرصة إصتطادها بمهارة.

❈-❈-❈

ليلًا

بشقة فاروق

دلف إلى الشقة، تنهد وهو يُلقي نظرة سريعة نحو غرفة ياسين..كان صوت مجادلته الخافتة مع عهد يصل إليه بوضوح… نبرتها الحانية تحثه على النوم، بينما صوته الصغير يعاند بإصرار طفولي.

اقترب بخطوات هادئة، وجد الباب مواربًا… طرق عليه طرقًا خفيفًا، ثم دفعه ودلف إلى الداخل... ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وهو يقول بنبرة هادئة ممزوجة بمزاح خفيف:

مساء الخير، إيه يا بطل مصحيك لحد دلوقتي مش عندك حضانة بكرة الصبح.


قطب ياسين حاجبيه بضيق طفولي، ولف وجهه بعيدًا وهو يتمتم:

مش عايز أنامظ


تنهدت عهد وهي تنظر إليه وكأنها تستغيث:

بقاله ساعة على الحال ده… كل شوية حجة شكل.


اقترب منه أكثر، وجلس على حافة الفراش ثم مال قليلًا نحو ياسين وقال بنبرة أكثر لينًا:

طب قولي بقى… في إيه مخليك مش عايز تنام.


تردد ياسين لحظة، ثم التفت إليه بعينين لامعتين وإجابه بصوت خافت:

عشان… أنا لما بنام بحلم وحش.


اختفت ابتسامته تدريجيًا، وحل محلها قلق خفي، فمد يده وربت على شعره بحنان:

حلم وحش إزاي.


ضم ياسين الغطاء إليه أكثر، وقال بصوت مرتجف:

بحلم إنك بتمشي… وتسيبني يا بابا.


ساد الصمت للحظة…

نظرة سريعة تبادلها مع عهد، حملت ما يكفي من الألم والدهشة...

ثم عاد ينظر إلى ياسين، ومال نحوه أكثر، صوته هذه المرة ثابت لكنه مليء بالاحتواء:

أنا أسيبك مستحيل يا حبيبي… أنا عمري ما أسيبك..


مد ذراعيه إليه، لم يتردد ياسين لحظة قبل أن يندفع نحوه يحضنه ويتمسك به بقوة.


إحتواه فاروق بيديه بحنان ثم رفع عينيه نحو عهد…

لم تكن مجرد نظرة عابرة، بل شيء أعمق… أطول… كأنه يقرأها دون كلمات.

عيناه استقرت عليها بثبات، تحمل دفئًا هادئًا، وامتنانًا صامتًا لما تفعله… لطفها مع ياسين، صبرها، ووجودها الذي لم يكُن عاديًا بالنسبة له.

ابتسم بخفة… ابتسامة خافتة، لكنها صادقة، خرجت منه دون استئذان...

تعلقت نظراته بملامحها أكثر… تفاصيلها الصغيرة التي التي يعلمها جيدًا بوضوح… قريبة… مألوفة لقلبه.


شعور جارف فى قلبه لها، ود أن يخبرها به لكن تنهد وهو ينظر لها ..

رفعت عينيها نحوه، .

ساد صمت قصير… لكنه لم يكن مريحًا تمامًا، بالنسبة لها.. كان ممتلئًا بشيء غير مُسمى…

نظراته لم تهرب هذه المرة، بل ظلت معلقة بعينيها، كأنه لا يريد أن يفلت تلك اللحظة.

وليست المرة الأولى الذي ينظر لها هكذا …دائمًا كان واضحًا في عينيه شيء لم يحاول إخفاءه…

بينما هي بدأ

إعجاب يتسلل بهدوء، ومشاعر تتخلق فى قلبها الذي… بدأ يعلن التمرُد، ويتقبل مشاعر جديدة.


قطع سكون اللحظة رنين هاتفه…

نغمة حادة اخترقت الهدوء الذي كان يلف المكان، فابتعد بنظره عنها على مضض، وأخرج هاتفه من جيبه.

نظر للشاشة لثوانٍ قبل أن يجيب، صوته عاد رسميًا بعض الشيء...

صمت قليلًا وهو يستمع للآخر، ملامحه بدأت تتغير تدريجيًا وهو يرد:

لا مفيش مشكلة…نتقابل في الغردقة نتمم الصفقة.


أنهى المكالمة ببطء، وظل واقفًا لحظة كأنه يستوعب ما سمعه…

ثم رفع عينيه نحو عهد من جديد، لكن هذه المرة كان في نظراته شيء مختلف… قرار.

تحدث بهدوء:

عندي سفر...صفقة مع عميل روسي وطلب نتممها هناك.


شعور غريب إنتابها لأول مرة، قاومته بأنه ربما التعود على وجوده كل ليلة فى نفس الشقة...

بينما فكر فاروق ولم ينتظر الحديث قائلًا *

هعقد كام يوم هناك إيه رأيك تيجي معايا… إنتِ وياسين.


رفعت رأسها ، ملامحها اختلطت بين الدهشة من طلبه بينما

أكمل بنفس الهدوء، لكن بإصرار واضح:

الجو هناك فى الوقت ده بيبقي حلو وهادي.


ترددت… نظرت نحو ياسين، ثم عادت إليه، صوتها خرج متحفظًا:

بس… السفر كده فجأة… وأنا… وأنا ماليش علاقة بشغلك.


اقترب أكثر،فرصة بقائهم بعيدُا عن هنا، إستغل ذلك وبدأ يُحفز ، بنبرة أعمق:

الشغل مش هيبقى طول الوقت.


تعلقت عيناها به، قلبها بدأ يدق بشكل غير مريح… كلماته كانت أبسط من أن تُرفض، وأثقل من أن تُقبل بسهولة...

هزت رأسها بتردد:

الموضوع مش سهل… ياسين، حضانته… حياتنا هنا…


قاطعها بهدوء، وإصرار وهو لم يرفع عينيه عنها:

دول كام يوم بس.


صمتت… الصراع واضح على ملامحها.

جزء من عقلها يريد أن يوافق… أن تذهب معه دون تفكير،..

وجزء آخر يخاف… من التسرع، من القرب… ومن نفسها... اصبحت تضعف أحيانًا بوجوده...

لاحظ فاروق ذلك التردد على ملامخها، فاستغل فرصة أخرى وهي تحفيز ياسين، الذي ابتسم له بهدوء، ثم قال بنبرة حماس خفيفة:

إيه رأيك تيجي معايا رحلة حلوة نسافر شوية… نغير جو.


وافق ياسين وتوجه نحوه بحتضنه ضمه فاروق وزاد التحفيز وعيناه ترتكز على عهد:

آه… ونبقى سوا طول الوقت.


رحب ياسين، ثم خرج من حضنه وتوجه لـ عهد وتحدث بالحاح:

وعهد تبقي معانا، وافقي عشان خاطري.


نظرت له بيسمه قائلة باعتراض:

والحضانة...


قاطعها وهو يلح عليها:

كتير من اصحابي بيغيبوا ويطلعوا رحلات، أنا كمان عاوز أروح رحله وأركب طيارة.


توقف عن الالحاح ونظر لـ فاروق قائلًا بسؤال:

هنسافر بالطيارة صح يا بابا.


أومأ له براسه قائلًا:

ايوه.


عاد ياسين يتحدث برجاء لـ عهد يحثها على الموافقة، وياسين له سطوة خاصة على عهد تذيب أي تردد بداخلها... فأبتسمت تهز رأسها بموافقة، لكن باعتراض رفعت إصبعها أمامه بتحذير مرح قائلة:

بس لما نرجع تبطل مشاغبات فى الحضانة، الدادا والمِس بيشتكوا من شقاوتك.


اومأ ياسين، وذهب نحوها يحتضنها بمحبه وامتنان، تلاقت عينيها مع عيني فاروق

كانت نظرة صامتة… لكنها ممتلئة بمشاعر

في عينيه ارتسم امتنان واضح… داخله

لم يكن موافقتها مجرد رحلة سفر... يشعر أن تلك الرحلة قد تكون فرصة لزيادة التقارب بينهما...

وبداخلها شيء أعمق، شيء دافئ بدأ يتسلل إليها بهدوء.

❈-❈-❈

بشقةٍ شبه متوسطة… بأحد المناطق الشعبية

كانت كذبتها أن سبب زيارتها هو اشتياقها لوالدها وأخواتها…

تحملت سخافات زوجة والدها، ابتلعت كلماتها الجارحة بصمتٍ مُرهق، فقط لتكسب بضع ساعات إضافية داخل هذا المكان..همست لنفسها بمؤازة:

إتحملي يا غزال مسافة الليل بس.

تعمدت البقاء لوقتٍ متأخر، حتى يصبح الرحيل صعبًا… فيُفرض بقاؤها كأمر واقع، ولو لمسافة الليل فقط... لم تريد أكثر من تلك الأريكة القديمة التي تعرفها جيدًا…

نفس المكان الذي كانت تنام عليه منذ سنوات، وكأن الزمن لم يتغير إلا بداخلها هي...

تمددت فوقها، تسحب الغطاء الخفيف إلى جسدها، لا يقيها بردًا حقيقيًا…

لكنها تمسكت به، كما لو كان الشيء الوحيد الذي يضمها دون أن يجرحها.

ارتجفت قليلًا…

ضمت ذراعيها حول نفسها، محاولة خلق دفءٍ زائف، بينما عيناها تحدّقان في السقف بصمتٍ ثقيل... لم يكن البرد هو ما يؤلمها…

بل ذلك الشعور القاسي بأنها، حتى هنا…

مجرد ضيفة غير مرحبٍ بها... أغمضت عينيها للحظة… محاولةً خداع نفسها بالنوم، لكن الأفكار كانت أقوى من أي محاولة هروب.

تسللت أصوات خافتة من الغرفة المجاورة… همساتٍ متقطعة، يتخللها ضحكٌ مكتوم… تعرفه جيدًا.

ابتسمت بسخرية مريرة، دون أن تفتح عينيها... انقلبت على جانبها، تواجه ظهر الأريكة، تسحب الغطاء أكثر، كأنها تحتمي به من العالم كله…

لكن الدفء لم يأتي.. دمعة ساخنة تسللت رغمًا عنها، انسابت بهدوء على وجنتها، لا تملك حتى رفاهية البكاء بصوت.وفي تلك اللحظة…

تمنت شيئًا واحدًا فقط أن تجد يومً مكانًا…

لا تضطر فيه للكذب كي تبقى... لكن الآن لا شيء أمامها سوا التحمُل، ليومين حتى عودة عمتها من العّمرة.


*****

رغم إرهاقه طوال اليوم… لم يستطع النوم...

تقلب في فراشه أكثر من مرة، زفر بضيق، ثم استلقى على ظهره يحدق في السقف، كأنه ينتظر منه إجابة... هدأ الآن… على عكس الصباح تمامًا...

تلاشت حدته، وسكن ذلك الغضب الذي كان يملأ صدره، ليترك خلفه شعورًا أثقل… وأصدق.

لامه عقله بلا رحمة

رده كان قاسيًا… أكثر مما ينبغي.

مر شريط الحديث بينهما في ذهنه، كلمة كلمة…

توقف عند نبرته، عند نظراته، عند تلك القسوة التي خرجت منه وكأنها شيء طبيعي… بينما هي لم تكن كذلك أبدًا...

مرر يده على وجهه بإرهاق، ثم همس لنفسه بصوتٍ خافت:

أنا ليه عملت كده

لم يكن ينتظر إجابة…لأنه يعرفها.

كانت ابتسامتها…

تلك البسمة البريئة التي استفزته، لم تكن سخرية كما ظن، بل كانت محاولة منها لتمتص غضبه… وهو قابلها بقسوة...

أغمض عينيه للحظة، زفر ببطء، ربما قاله خطأً.

نهض فجأة من فراشه، جلس على طرفه، يمرر يده في شعره بتوتر…

الفكرة تلح عليه منذ دقائق، لكنه يقاومها بلا جدوى.. همس:

أكلمها وأعتذر، لها .

نظر إلى هاتفه الملقى بجانبه…

امتدت يده نحوه… ثم توقفت في الهواء.

تصلب قليلًا، قبل أن يسحب يده ببطء، يتمتم بنبرةٍ خافتة تحمل عنادًا ممزوجًا بندم:

لا… هي كمان غلطت.


لكن…

مر وقت، ولم يشعر بالراحة... بل العكس... نهض من فوق الفراش نظر نحو تلك الاستراحة كانت مُظلمة... همس لنفسه:

أكيد نايمة دلوقتي، بكره هعتذر منها.


هكذا ظن، ونيم ضميره وهو يعود للفراش، يقضي بقية الليل شبه ساهدًا، تستحوذ على جزء من تفكيره... ظن ذاك شيئًا عاديًا لأنه أخطأ في رد فعله ليس أكثر.

❈-❈-❈

بشقة محسن

تقلب فى فراشه، بتلقائية جذب الدثار عليه،لكن امتد بيده فوق الفراش شعر بخواء، كذالك المكان شبه باردًا...إستغرب ذلك فليس من عادة رابيا ترك الفراش ليلًا

فتح عينيه ببطء، وحدّق في سقف الغرفة للحظات كأنه يحاول استيعاب ذلك الإحساس الغريب… الفراغ...

اعتدل قليلًا فوق الفراش، وعاد يمد يده ناحية مكانها مرة أخرى، كأنّه ينتظر أن تصطدم أصابعه بجسدها الدافئ… لكن لا شيء...

زفر نفسه، وأزاح الغطاء عنه، نازلًا بقدميه على الأرض ازدادت حيرته برودة مكانها على الفراش تؤكد أن غيابها ليس قبل لحظات … كأنها لم تكن هنا منذ وقت...

خرج من الغرفة يبحث عنها، لاحظ ذلك الضوء الخافت المُتسلل من غرفة إبنتيهم... ذهب بقلق... دخل تفاجئ بها تجلس على فراش إبنتهم الصغري... تضع ذلك المقياس الطبي الحراري، نظرت له ثم تنهدت بإرتياح... بنفس الوقت كان ظله واضح بالغرفة.. إقترب منهن قائلًا بقلق واضح:

مالها البنت.


أجابته بهدوء:

الحمد لله الحرارة نزلت ونامت أخيرًا


كما خبره حدسه أنها تركت الفراش منذ. وقت...

تفوه بقلق:

البسي ونوديها لدكتور أو مستشفي.


تنهدت بإرتياح قائلة:

لا مالوش لازمة... ده شوية سخونية وإديتها خافض حرارة والحرارة نزلت.. من شقاوتها ولعبها فى الجنينة فى الهوا خدت برد.. وقلب معاها بسخونية العلاج خفف السخونية وأعراض الوجع ونامت، هتصحي الصبح كويسه ان شاء الله، إنت بس خد البنت التانيه لأوضة النوم التانيه هشان متلقطش منها البرد... وانا هفضل هنا جنبها.


نظر لها قائلًا:

وإنت مش هتلقطي منها البرد، ناسية إنك حامل كمان... قومي إنتِ وأنا هفضل هنا.


رفعت رأسها نحوه تشعر باندهاش من لهفته تلك عليها لأول مرة يُظهر ذلك... كما أنه بالفترة الأخيرة كان معظم الوقت عصبيًا


تلاقت عيناها بعينيه للحظات… طويلة بما يكفي لتربكها.

كان صوته حازمًا، لكن خلف حدته شيء آخر… خوف.. اهتمام.. لم تستطع تحديده بدقة، لكنه لم يكن ذاك الجمود الذي اعتادته منه مؤخرًا...

همست بتردد خافت:

أنا كويسة… وهفضل جنبها، مش هينفع أسيبها وهي تعبانة.


اقترب خطوة، ملامحه لانت قليلًا، لكن نبرته ظلت تحمل إصرارًا واضحًا:

وأنا قولت إيه هفضل أنا جنبها… إنتِ أهم دلوقتي.


اندهشت أكثر من كلماته، وكأنها لا تصدق ما تسمعه...

أخفضت عينيها للحظة، ثم عادت ترفعها نحوه، بنظرة تحمل مزيجًا من الدهشة وشيء دافئ بعقلها تفوهت بلا وعي :

أول مرة… تهتم بصحتي كده.


خرجت منها دون قصد، بالكاد مسموعة.

توقف لحظة، وكأن كلماتها أصابته في مكانٍ ما داخله. شد فكه قليلًا، قبل أن يشيح بنظره عنها، يتمتم لنفسه بنبرة منخفضة:

مش أول مرة يا رابيا… إنتِ بس اللي مبتاخديش بالك.


ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا… بل محمل بأشياء كثيرة لم تُقال.

ثم عاد ينظر إليها، هذه المرة بعينين أكثر هدوءًا، وقال بنبرة أقل حدة:

اسمعي الكلام يا رابيا… عشان خاطري.


ترددت، نظرت نحو الطفلة النائمة، ثم إليه… وكأنها ممزقة بين قلب أم لا يريد الابتعاد، وقلب امرأة بدأ يشعر بشيء مختلف منه.

تنهدت أخيرًا، ونهضت ببطء.

وقبل أن تمر بجانبه، توقفت لثانية…

نظرت إليه نظرة خاطفة، مليئة بأسئلة لم تطرحها بعد… ثم خرجت...

ظل واقفًا مكانه للحظات، يتابع أثرها، قبل أن يجلس بجوار الصغيرة، يمد يده يضعها برفق فوق جبينها…

لكن عقله… لم يكن مع طفلته فقط هذه المرة... مع رابيا وتلك الحياة المُذبذبة بينهما، تنهد داخله حِيرة مشاعر

داخله تضارب غير محموم... مشاعر مضطربة وسؤال بعقله الى ماذا ستصل حياتهما معًا يود أخذ قرار فاصل، لكن داخله يخشي الوصول الى نقطة الإنفصال عن رابيا.

❈-❈-❈

مساء اليوم التالي... بالغردقة

بجناح فى أحد الفنادق الفخمة..

تبسمت عهد وهي تنظر الى باسين الذي يقفز فوق الفراش بمرح وشقاوة قائلة:

كفاية تنطيط، ويلا عشان ننام كفاية لعبت كتير النهاردة، من وقت ما وصلنا من بعد الضهر وإنت فى Kids Area (منطقة لعب الأطفال).


وقف عن التنطيط وإقترب منها سائلًا:

بابا من وقت ما وصلنا وهو سابنا.


تبسمت قائلة:

بيخلص شغله، يلا كفاية لعب النهاردة تعالى أغيرلك هدومك بهدوم تانيه تنام فيها... ولا تاخد شاور الأول.


تخابث وتمدد على الفراش قائلًا بطفولة:

لاء شاور لاء أنا هنام كده مش قادر.


ضحكت على افعاله قائلة:

تمام... بس كفاية شقاوة، تغير هدومك وتنام، أنا هلكانه... والا لو اتشاقيت خليك تاخد شاور غصب.


ضحك باستسلام لها وهي تُبدل له ثيابه، ثم بدلت ثيابها بمنامة ناعمة باللون البني الفاتح، وإستلقت لجواره على الفراش تشعر بتوتر، فالغرفة لا يوجد بها سوا فراش واحد كبير، هكذا أطمئنت بوجود ياسين بالمنتصف.


بالفعل بعد وقت ذهب الاثنان الى غفوة... بينما بسبب العمل تأخر فاروق فى العودة حين دلف الى الجناح كان شبة مُظلمً، ذهب نحو الفراش نظر للإثنين وتبسم يشعر بغبطة... شعر بالارهاق، ذهب نحو الحمام أبدل ثيابه بأخرى للنوم، ثم تمدد جوارهما، غفي سريعًا...يشعر بهدوء وراحة.


فى صباح اليوم التالي


فتحت عهد عينيها ببطء، ونظرت إلى جوارها فوجدت الفراش خاليًا. تمطت بيديها تطرد بقايا الكسل عن جسدها، سُرعان ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها حين سمعت صوت ياسين يأتي من حمام الغرفة...

ظنته وحده، فنهضت من فوق الفراش واتجهت نحو الباب بخطوات هادئة، ثم فتحته مباشرةً دون إستىذان.

للحظة توقفت مكانها، وشعرت بخجلٍ مباغت حين وقعت عيناها على فاروق يقف بالقرب من حوض الاستحمام، يمسك بمنشفة كبيرة بين يديه… وكأنه كان على وشك استخدامها...

ارتبكت نظراتها، بينما بقيت للحظة قصيرة لا تعرف لما لم تغادر وتغلق الباب سريعًا… فقط

تجمدت مكانها للحظة عند الباب، بينما رفع فاروق رأسه نحوها عندما سمع صوت فتحه المفاجئ... اتسعت عيناه ببسمه، ثم لف المنشفة الكبيرة حول خصره... وتوجه نحوها تحشرج صوتها لم تستطيع الكلام..، فقد احمر وجهها بشدة وهي تدرك أنها اقتحمت المكان دون أن تنتبه لوجود فاروق. تحدثت بحشرجه مرتبكة:

أنا… أنا افتكرت ياسين لوحده فى الحمام.


بينما جاء صوت ياسين من داخل حوض الاستحمام وهو يزيح الماء عن عينيه، يقول بمرح:

مش تخبطي على الباب، عيب أما تدخلي الحمام وفيه راجل عريان.


ضحك فاروق الذي أصبح خلف عهد، بينما نظرت له عهد بسخط قائلة بمرح:

وفين الراجل العريان ده.


نظر لها بتذمُر قائلًا:

أنا راجل.


ضحكت عهد قائلة:

بجد فاجئتني، ويلا كفاية لعب فى الماية واطلع من البانيو، عشان متبردش.


ضرب المياة بطفولة قائلًا:

طبب، يلا إطلعي من الحمام عشان عيب انا عريان.


ضحكت قائلة بمهاودة:

تمام هطلع، وإنت كفاية كده، الفوطة عندك أهي بلاش تبلها زي عادتك.


اومأ لها... فضحكت واستدارت، لكنها لم تنتبه للمياه المتناثرة على الأرض. كادت تنزلق فجأة، لولا أن فاروق جذبها سريعًا من ذراعها...

في لحظة واحدة أصبحت بين يديه، متشبثة بصدره دون قصد. شهقت بخفة، وشعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجهها...

رفعت عينيها إليه مرتبكة، بينما فاروق نظر إليها مبتسمًا ابتسامة خفيفة، كذالك باسين الذي قال بطفولة:

حاسبي يا عهد، خليك ماسكها يا بابا لا تزحلق تاني.


لم تستدر لتنظر إلى ياسين، كذالك فاروق ضحك بخفة وهو يخرج من الحمام ممسكًا بيد عهد...

كانت ما تزال قريبة منه أكثر مما ينبغي، تشعر برجفة غريبة في صدرها من ذلك التقارب المفاجئ بينهما.... وقبل أن تدرك ما يحدث، مد فاروق يده إلى الخلف وأغلق باب الحمام، بينما ما زالت هي شبه محتجزة بين ذراعه وجسده...

قربها هكذا من قلبه جعله يشعر بانشراح خفي فى صدره… إحساس دافئ يتسلل إلى صدره كلما لامست أنفاسها القريبة لجسده... للحظة، نسي أن يبتعد...

أما عهد فكانت تشعر بدقات قلبها تتسارع بشكل أربكها... حاولت أن تتحرك قليلًا لتفلت من ذلك القرب، لكنها لم تستطع أن تفعل ذلك بسرعة دون أن يبدو الأمر واضحًا...

رفعت عينيها إليه أخيرًا وقالت بنبرة مرتبكة:

ممكن… تسيب إيدي.


نظر إليها فاروق لثانية صامت، كأنه انتبه فجأة لقربهما، ثم ترك يدها ببطء… لكنه لم يبتعد فورًا... تحدث بنبرة هادئة تخفي شيئًا من المزاح:

لو ما كنتش مسكتك… كنتِ زمانك وقعتِ.


تنفست بعمق تحاول استعادة هدوئها، ثم تفوهت بعناد وهي تشيح بنظرها عنه:

ما كنتش هقع.


ابتسم ابتسامة خفيفة، بينما جاء صوت ياسين مرة أخرى من بعيد وهو يقول بمرح:

لأ… كنتي هتقعي أنا شوفت.


تجمدت عهد مكانها لثانية، ثم أسرعت تبتعد بخجل، بينما ضحك فاروق بصوت خافت…

وكأنه نسي كل شيء في تلك اللحظة.

أحنى رأسه قليلًا، ثم رفع وجه عهد بأنامله برفق. نظر إلى عينيها طويلًا… إلى ملامح وجهها التي ازداد احمرارها بشكل فاتن، بينما كانت تعض على شفتيها بتوتر واضح...

شعر بأنفاسها القريبة منه، وبنظرتها المرتبكة التي لم تستطع الهروب من عينيه...

وجد نفسه مسيّرًا خلف رغبة واحدة فقط… أن يقترب أكثر... وأكثر...

اقترب ببطء، حتى انعدمت المسافة بينهما ، بلا تمهُل... لثم شفتيها بقُبلة توق... ثم إزدادت لقُبلات متشوقة وراغبة.

 •تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات