رواية شاهد قبر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى

 رواية شاهد قبر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى

وصل ناصر إلى ألمانيا قبل يومين من السباق وكان يحمل تصريحًا واضحًا يحدد دوره كمشاهد فقط
دخل إلى الحلبة وسط ضجيج المحركات واستعدادات الفرق المختلفة وكانت أعينه تتحرك في كل اتجاه وكأنه لا يبحث عن السباق بل عن ما وراءه
وقف في المنطقة المخصصة لمهندسي وفنيي BMW لكنه لم يندمج معهم ولم يحاول إثبات وجوده بل اكتفى بالصمت
لكن في الحقيقة لم يكن يشاهد السباق فقط
كان يراقب كل شيء
نقل نظره إلى فريق Ford Motor Company وبدأ يتابع تحركاتهم بدقة شديدة
راقب المهندسين وهم يتبادلون الإشارات ويدققون في الشاشات
تابع الميكانيكيين أثناء توقفات الصيانة السريعة ولاحظ توزيع الأدوار وسرعة التنفيذ
ركز على الفني المسؤول عن قراءة البيانات ولاحظ توقيت قراراته وردود أفعاله
حتى مدير الفريق لم يسلم من مراقبته
كان يتابع تعبيرات وجهه وحركة يديه وطريقة اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة، لم يكن يرى أشخاصًا،بل كان يرى منظومة تعمل بتناغم،عاد ببصره إلى فريقه،وقارن دون أن يتكلم،مع انطلاق الجولات الأولى لم يتحرك ناصر من مكانه
لم يقترب،لم يتدخل،لم يطرح رأيًا،كان فقط يراقب
يتابع أصوات المحركات ويقارن بين نبراتها
يراقب خطوط السير وزوايا الدخول والخروج من المنعطفات
يتتبع الفروقات الصغيرة في التسارع بين السيارات
في عينيه كانت الأرقام تتحول إلى صور، والحركة تتحول إلى تحليل،مرّت عدة جولات وناصر ثابت في مكانه
صامت تمامًا، لكن داخله كان يعمل بسرعة أكبر من أي سيارة على الحلبة،كان يجمع كل شيء،كل تفصيلة،كل فرق بسيط
كل خطأ غير مرئي،وكأنه ينتظر اللحظة التي تتحول فيها المراقبة إلى يقين
مع استمرار الجولات على حلبة ألمانيا بدأ الإيقاع يرتفع والسيارات تدخل مرحلة الحسم
كان ناصر لا يزال واقفًا في مكانه لكن عينيه لم تعد تتابع الترتيب الظاهر
بل كانت تلاحق التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد
بعد عدة جولات فقط تغيرت ملامحه فجأة
تصلب جسده قليلًا وكأن فكرة خطيرة استقرت في ذهنه
همس لنفسه،خسروا،لم يكن السباق قد انتهى
ولا حتى اقترب من نهايته
لكن بالنسبة له كانت النتيجة قد حُسمت بالفعل
جلس على المقعد خلفه بضيق واضح وبدأ يقضم أظافره بعصبية
عيناه مثبتتان على سيارة BMW وكأنه ينتظر تأكيدًا لما رآه
كل لفة كانت تزيد توتره
كل صوت للمحرك كان يمر في أذنه كإشارة واضحة
وفجأة وقف مرة أخرى،اتخذ قراره
تحرك بخطوات سريعة نحو منطقة إدارة الفريق
تجاوز بعض المهندسين دون أن يلتفت لأحد حتى وصل إلى مديرة الفريق
كانت مهندسة شابة تتابع البيانات على الشاشة بتركيز شديد وتعطي تعليمات سريعة للفريق،وقف ناصر بجانبها دون استئذان،لم تنظر إليه في البداية، قال بصوت هادئ لكنه حاسم،العربية هتخسر السباق،التفتت إليه باستغراب واضح
قبل أن تسأله أكمل،في مشكلة في المحرك
نظرت إليه لثواني ثم ضحكت ضحكة خفيفة وكأنها لم تأخذ كلامه على محمل الجد، قالت له بنبرة فيها شيء من السخرية
السباق لسه شغال ومركزنا كويس،لكن ناصر لم يجادل
لم يحاول شرح،لم يحاول إقناع،نظر للحلبة مرة أخيرة
ثم استدار وترك المكان بالكامل،غادر قبل نهاية السباق
وقبل أن يرى النتيجة،مر يومان،وفي الجولات الثلاث الأخيرة من السباق، بدأ أداء سيارة BMW في التراجع بشكل مفاجئ
انخفضت السرعة تدريجيًا،وظهرت مشاكل واضحة في استجابة المحرك،فقد الفريق مراكزه واحدًا تلو الآخر
حتى انتهى السباق،وكانت النتيجة،المركز السادس
كان ناصر يقف في ممر الطائرة المتجهة إلى فرنسا يحمل حقيبته الصغيرة ويستعد للعودة وكأن الأمر انتهى بالنسبة له
لكن أحد أفراد الطاقم اقترب منه وطلب منه الانتظار للحظات
لم يفهم ناصر السبب في البداية
ثم جاءه اتصال سريع من إدارة BMW
تم إخباره أن مديرة الفريق في ألمانيا طلبت بشكل رسمي ضرورة ضمه إلى فريقها بشكل مباشر
وقف ناصر صامتًا للحظة وكأنه لم يفاجأ
ثم أغلق الهاتف بهدوء،لم يصعد إلى الطائرة
في مساء اليوم نفسه كان يجلس داخل مطعم صغير بإضاءة دافئة
الزجاج المحيط بالمكان كان مغطى بقطرات المطر التي تنساب ببطء
والجو في الخارج بارد والرياح تحرك الأشجار بعنف خفيف
صوت المطر كان منتظمًا كأنه خلفية هادئة لحوار ثقيل
جلست أمامه المهندسة الشابة
ملامحها متوترة لكنها تحاول إخفاء ذلك خلف هدوء مصطنع
لم يضيع ناصر الوقت في مقدمات
قال مباشرة
المحرك الأساسي لازم يتعدل،وضعت نظرها عليه بثبات ولم تقاطعه،أخرج ناصر مجموعة أوراق مرتبة بعناية ووضعها أمامها،كانت مليئة برسومات دقيقة وخطوط حسابية وتعديلات واضحة على أجزاء المحرك،قال بهدوء
ده الحل، بدأت المهندسة تقلب الأوراق ببطء
وعيناها تتحرك بين الأرقام والتفاصيل
كلما تقدمت في القراءة زاد تركيزها واختفى أي تعبير آخر من على وجهها، سكتت للحظات طويلة
ثم همست دون أن ترفع رأسها،التعديلات دي مستحيلة
رفعت عينيها إليه وقالت،العربية مش هتستحمل السرعة دي
الإطارات ممكن تنفجر،والسائق مش هيقدر يسيطر عليها
كان صوتها يحمل خوفًا حقيقيًا،لكن ناصر ظل هادئًا
نظر إليها وقال،لو عايزة تفوزي بالسباق يا سيدة
لازم تتحلي بالشجاعة،ثم مال قليلًا للأمام وقال بنبرة أعمق
بصي للّي قبلك عملوا إيه،خسروا كل السباقات،سكت لحظة ثم قال،أنا بديكي فرصة،تجمدت نظرة المهندسة
وعادت عيناها إلى الأوراق مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن تقرأ فقط،كانت تفكر، أما ناصر فوقف بهدوء،لم ينتظر ردًا
اتجه نحو الباب وخرج إلى المطر، والبرد يلف المكان
وسار في الشارع المبتل حتى اختفى،بينما ظلت هي جالسة
بين الخوف، والقرار.
فتح ناصر عنيه على اتصال قادم، كان حاسس بالبرد وملفوف بالبطانية
همس مين ؟
انا مديرتك الجديده يا ناصر ،انت نسيت ان وراك شغل؟
انا طلبت أوبر منتظرك تحت سكنك ،الفريق كله فى انتظارك!
وصل ناصر مقر الفريق وتعرف عليهم، المديره قالت سواء وافقت على تعديلاتك أو لا فأنت لديك عمل هنا، وقت حضور ووقت انصراف
ثم ايه إلى انت عامله فى نفسك ده ؟ انت محسسنى انك عايش فى الاسكيمو ،كان ناصر يرتدى معطفين ثقيلين وتلفيحه تشعرك انه مجرم هارب من مطاردة الشرطه
انخرط ناصر فى عمله الجديد كان تابع كل شيء بعينيه لكن التجربه مختلفه فى اوقات الراحه كان ناصر يجلس وحيدآ مع طعامه جوار السياره ينظر إليها بحزن كأنها حبيبته
ومع كل تجربه جديده يزداد استيائه لم يصل إى سائق للمعدل الذى يمكنة من الفوز بسباق خلال التجارب
وجد ناصر مديرته الشابه تجلس آمام الشاشه تراقب البيانات
انتى عارفه اننا بالمعدل ده مش ممكن نفوز بأى سباق ؟
معدل السرعه لكل دقيقه اقل من السيارات المنافسه بتلت ثوانى كل لفه ،همست المديره لو ضغطو على السرعه اكتر من كده السياره مش هتتحمل يا ناصر
همس ناصر العربيه هتتحمل، بحالتها الحاليه ممكن تقلص السرعه ثانيه واحده، لكن للفوز بالسباق نحتاج تعديل المحرك
تخفيف وزن السياره وتغير الإطارات ،لازم نستخدم اطارات جديده ،انا راجعت البيانات وعندى مقترحين لاطارات بديله لكن انا برجح الاختيار الأول
همست المديره بعد ما بصت فى البيانات لكن الإطارات دى تقيله وهتقلل سرعة العربيه ؟
رفع ناصر ايده الإطارات دى هتتحمل السرعات إلى هعدلها فى العربيه!
همست المديره، السائق الرئيسى لن يقبل التعديلات الجديده
لازم تقنعه الأول
بص ناصر على العربيه التى تقف ببهاء آمام الممر ،خلينى اركب العربيه، لو مقدرتش اقلص ثانيه من الزمن خلال اول لفه مش هفتح بقى تانى.
كان الفريق كله فى وقت الراحه عندما صرخ محرك السياره
ناصر خلف عجلة القياده ينطلق بكل سرعته والمديره الشابه تقف على الممر وفى يدها ساعة المؤقت
ركض كل الفريق نحو الممر ينظرون إلى الساعه يتهامسون فى ما بينهم مش هيقدر يخلص اللفه فى الوقت المحدد
كان معدل ناصر فى اول تلاتين ثانيه اقل من المطلوب حتى ان مديرة الفريق شعرت باليأس، ثم انطلقت السياره بسرعه خرافيه وتوقع الجميع انفجارها ،عندما توقف ناصر اخيرا
نظر إلى مديرته التى إبتسمت ،٥٩ ثانيه يا ناصر

•تابع الفصل التالي "رواية شاهد قبر" اضغط على اسم الرواية

تعليقات