رواية عشقت محتالة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سلمى جاد
البارت 21
أسطول العربيات عمل صريرة مرعب على الأرض والتراب ملى المكان، وفرملت العربيات فجأة قدام باب القصر المفتوح على آخره. أدهم نزل من العربية قبل ما تقف تماماً، وعلي كان في ضهره.
أدهم دخل القصر وهو بينهج، وصوت أنفاسه كان هو الوحيد اللي مسموع في وسط سكون مريب، سكون يقبض القلب. بدأ يطلع درجات السلم بسرعة جنونية، وقلبه بيدق طبول في صدره.. وفجأة وقف.
تسمر مكانه في طرقة الدور اللي فوق، عينيه وسعت بذهول، ولف براسه ببطء ناحية اليمين.. وفي اللحظة دي حس ببرودة تلج سكنت جسمه كله، وأطرافه اتجمدت مكانها. شافها.. جميلة.
جسمها كان ساكن تماماً على الأرض، زي جثة هامدة غرقانة في صمتها، نايمة على بطنها وشعرها مداري وشها، وتحتها بركة من الدم بدأت تنشف وتنتشر على الرخام الأبيض.
"جميلة!!"
صرخ أدهم بوجع هز حيطان القصر، وجرى عليها وارتمى على ركبه جنبها. رفع شعرها عن وشها بإيد بتترعش، لقى عينيها مقفولة وشها شاحب زي الورق. بدأ يهمس باسمها بصوت مخنوق ومكسور:
"جميلة.. ردي عليا يا جميلة.. فتحي عينك يا حبيبتي، أنا جيت أهو.. قومي عشان خاطري."
بدأ يحركها بانهيار وغياب وعي وهو بيحاول يشيلها، لكن علي لحقه بسرعة ومسك إيده بقوة عشان يوقفه:
"أدهم! أوعى تحركها.. متحركهاش دلوقتي يا أدهم، الطعنة ممكن تكون مأثرة على حاجة جوه، والحركة غلط.. لازم نوديها المستشفى حالاً بالإسعاف اللي جت تحت."
أدهم هز راسه بوجع وهو ضاغط على إيد جميلة بقوة، وعيونه مش مفارقة وشها. في اللحظة دي، واحد من الحراس اللي نجوا جرى عليهم وهو ماسك جنبه وبينزف، وقال بصوت متقطع:
"أدهم بيه.. للأسف.. يزن بيه اتخطف.. إحنا أسفيييين."
أدهم غمض عينه بألم رهيب، وضغط على سنانه لدرجة إن فكه كان هيتكسر، وشدد قبضة إيده على إيد جميلة وهو بيحاول يستجمع قوته.
في المستشفى
تم نقل جميلة بسرعة البرق، ودخلت غرفة العمليات فوراً، وأدهم وعلي فضلوا مستنيين بره في حالة من الضياع. أدهم كان قاعد على الكرسي، حاطط راسه بين إيديه، وهدومه لسه عليها أثر دم جميلة.
فجأة، موبايل علي رن بصوت عالي في هدوء الطرقة. علي طلع الموبايل واستغرب لما لقى بواب العمارة متصل بيه أكتر من عشر مرات. ضيق المسافة بين حواجبه بقلق ورد بسرعة:
"أيوة يا عم رمضان.. فيه إيه؟"
صوت رمضان جاله لاهث ومرعوب:
"يا علي بيه الحق! أنا لقيت باب شقة حضرتك مفتوح على آخره، قعدت أنادي مفيش حد رد.. ولما دخلت، لقيت الست منى واقعة على الأرض وبتنزف، ومدام ياسمين مش موجودة في الشقة خالص يا بيه!"
علي بص لنقطة في الفراغ وجسمه اتصنم وف ثواني كان بيجري خارج من المستشفى .. وأدهم كان في عالم تاني وملاحظش غيابه.
_________________________________
علي وصل قدام باب الشقة، رجله كانت تقيلة كأنها مربوطة بسلاسل حديد، والسكوت اللي طالع من جوه كان بيخنق أنفاسه. دخل بخطوات مرعوشة، البيت اللي كان دايما دافي بحس ياسمين، بقى بارد وفاضي بشكل مرعب.
أول ما عينه وقعت على الصالة، اتصنم مكانه والدم هرب من عروقه؛ شاف خالته "منى" واقعة في الأرض غرقانة في دمها وفاقدة الوعي تماماً، ومنظر الشقة المكركب بيقول إن فيه معركة حصلت هنا.
علي انهار على ركبه قصادها، الدموع كانت محبوسة في عينه من الصدمة، وبإيد بترتعش حاول يجس نبضها، لقى لسه فيه أمل.. شالها بين إيديه وهو بيحاول يفوق نفسه ويستجمع شتات عقله اللي طار، وجري بيها على المستشفى .
______________________________
في اللحظة اللي أدهم كان واقف فيها والدم غلي في عروقه، باب العمليات اتفتح فجأة وعلى آخره، وخرج الدكتور وهو بيمسح جبينه من تعب العملية. أدهم ملقاش نفسه غير وهو بيجري ناحيته، ملامحه كانت مرعبة وعيونه بتسأل قبل لسانه:
"دكتور! طمني.. جميلة عامله إيه؟"
الدكتور أخد نفسه وهز راسه بطمأنينة لأدهم وقال:
"اطمن يا أدهم بيه، الحمد لله.. رغم النزيف الكتير اللي حصل لها إلا إن ربنا ستر، الطعنة مأصابتش أي عضو حيوي، وكانت بتبعد كام سنتي بس عن الكلية.. إحنا قدرنا نسيطر على الموقف وهي دلوقتي حالتها مستقرة، وهننقلها حالاً لغرفة عادية."
أدهم غمض عينه وخد نفس طويل وكأن الروح رجعت له من تاني، وما هي إلا ثواني وخرج السرير المتحرك من العمليات، وجميلة كانت نايمة عليه، وشها شاحب زي الورق، والممرضين بيجروا بالسرير بسرعة ناحية الغرفة المجهزة لها.
أدهم مشي جنب السرير وهو ماسك إيدها الباردة، ودخلوها الأوضة وبدأوا يركبوا لها المحاليل. قعد جنبها وعينه مش بتفارق ملامحها
أدهم كان قاعد على الكرسي جنب سرير جميلة، عينه مش بتفارق ملامحها. القلق بدأ ينهش في قلبه مش بس على جميلة ويزن، لكن في حاجة تانية كانت شاغلة باله.. علي.
علي مختفي تماماً، لا رد على تليفونات ولا حس، وأدهم عارف إن علي مستحيل يختفي في وقت زي ده إلا لو فيه كارثة تانية حصلت. طلع تليفونه للمرة العاشرة، وطلب رقم علي، والرد كان المعتاد: "الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة".
أدهم ضغط على التليفون بغضب لدرجة إن مفاصل إيده ابيضت، وقام وقف فجأة وخرج برا الأوضة، لقى واحد من الحراس واقف حراسة، شاور له بحدة:
"بقولك إيه.. علي مختفي بقاله فترة وتليفونه مقفول. تقلب لي الدنيا عليه دلوقتي، فاهم؟
الحارس هز راسه بسرعة: "أمرك يا أدهم بيه"
أدهم رجع دخل الأوضة تاني، وجوا كأنه سباق مع الزمن. قعد جنب السرير، وبدأت ملامح جميلة تتحرك ببطء، وجفنها اترعش قبل ما تفتح عينيها بصعوبة. أول ما شافت أدهم قدامها، ملامحها اتنفضت بالرعب، وصرخت صرخة مكتومة وهي بتنطق اسم "يزن" بهستيريا:
"يزن!! يزن يا أدهم! خدوا يزن!"
بدأت تعيط بحرقة وجسمها كله بيترعش، أدهم سحبها لحضنه بسرعة وهو بيحاول يهدّيها بصوته المبحوح:
"اهدي يا جميلة.. اهدي يا حبيبتي، أنا جنبك.. يزن هيرجع، والله هيرجع، بس اهدي عشان جرحك."
جميلة فضلت تبكي في حضنه وهي بتشهق، وبعد دقايق بدأت تهدى شوية، وأدهم بعد وشها عنه وبص في عينيها بحنان ممزوج بالغضب:
"احكي لي يا جميلة.. إيه اللي حصل بالظبط؟ "
جميلة حكت له ، وإزاي الملثمين طعنوها لما حاولت تمنعهم وأخدوا يزن من بين إيديها. أدهم كان بيسمع وعروق جبهته بتبرز من كتر الغل. وفجأة، الباب خبط ودخل الحارس اللي كان بعته يدور على علي، كان بينهج ووشه مخطوف:
"يا أدهم بيه.. أنا رحت بيت علي بيه زي ما أمرت، . البواب قالي إن فيه رجالة اقتحموا الشقة، ومدام ياسمين اختفت تماماً..
وملحقوش يوصلوا لحد غير 'الست منى' خالة علي بيه، لقوها مرمية على الأرض غرقانة في دمها، وعلي لسه واصل بيها المستشفى حالاً."
أدهم اتنفض مكانه، والدم هرب من وشه، الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة.. همس باسمها بذهول ووجع:
"ياسمين!..
أدهم طلع موبايله بسرعة والمرة دي إيده كانت بتترعش بجد، طلب رقم علي وهو بيدعي إنه يرد.. وبالفعل، بعد كام جرس، جه صوت علي باهت ومكسور:
"أيوة يا أدهم.."
أدهم نطق بلهفة وعصبية:
"علي! إيه اللي حصل عندك؟ ياسمين فين يا علي؟ الحرس بيقولوا إنها مش موجودة!"
علي سكت لثانية، وصوت شهقة مكتومة طلعت منه وقال بنبرة مليانة عجز:
"مش عارف يا أدهم.. مش فاهم حاجة خالص. رجعت لقيت الدنيا مقلوبة، الشقة مكسورة وخالتي سايحة في دمها وياسمين ملهاش أثر.. أنا دلوقتي واقف قدام العمليات مستني حد يطمنني على خالتي، ومخي هيوقف من التفكير.
أدهم أخد نفس عميق وحاول يسيطر على بركان الغضب اللي جواه، غمض عينه بقوة وهو بيضغط على قبضة إيده. التفت لجميلة اللي كانت ملامحها بدأت تسترخي واستسلمت للنوم مرة تانية من كتر الإرهاق والألم اللي مرت بيه،
قرب منها بحنان ومسح على شعرها، وباس رأسها بوسة طويلة مليانة وعد بالانتقام.
قام أدهم وخرج من الغرفة، وشه كان زي لوح الثلج، وقف قدام الحراس اللي محاصرين الطرقة وقال بصوت واطي وحازم:
"عينيكم متغفلش ثانية واحدة عن الباب ده.. أي حد يقرب، ملوش عندي غير الرصاص. فاهمين؟"
الحراس ردوا بصوت واحد: "تمام يا أدهم بيه!"
أدهم سابهم ومشي بخطوات سريعة وواثقة في طرقة المستشفى، ركب عربيته وانطلق بأقصى سرعة للمستشفى التانية اللي فيها علي..
__________________________________
قاعد قدام الشاشة، عينه مش مفارقة الكاميرا اللي متركبة فوق باب العمارة..
علي بيعيد الفيديو للمرة الألف.. الكادر ثابت على مدخل العمارة، وفجأة بيظهروا.. اتنين ملثمين، حركتهم سريعة، شايلين ياسمين بين إيديهم وهي غايبة عن الدنيا تماماً، كأنها عروسة خشب مفيهاش روح.
شالوها وركبوها في عربية كانت راكنة بالظبط قدام البوابة، كأنهم مرتبين كل حاجة بالمللي ..علي كل ما يعيد اللقطة، قبضته بتزيد.. مفاصل إيده بدأت تبيضّ من كتر الضغط، وعروق رقبته هتنطق من الغل. الفيديو بيخلص، ويبدأ من تاني.. هو شايف كل حاجة، بس مش عارف يلمس حاجة.
فجأة، حس بإيد بتتحط على كتفه، لف لقى أدهم واقف وعيونه محملة بوجع وغضب مكتوم. أدهم سحبه لحضنه وطبطب عليه بقوة وهو بيسأله بصوت مبحوح:
"إيه الأخبار يا علي؟ طمني.. إيه اللي حصل بالظبط؟"
علي بعد عنه وهو بيمسح وشه بضياع ورد بنبرة مكسورة:
"مش فاهم حاجة يا أدهم.. حاسس إني في كابوس. خالتي منى جوه بين الحياة والموت، وياسمين اتخطفت.. بيتي اتكسر وعرضي اتهان وأنا مش عارف مين اللي عمل كدة ولا هما فين!"
أدهم اتنهد بغضب زلزل صدره، وقعد علي على الكرسي وقعد جنبه وهو بيحاول يثبته:
"استهدي بالله يا علي.. إن شاء الله خير، وياسمين هترجع. اللي عمل كدة حسابه معايا عسير"
فجأة، باب العمليات اتفتح وخرج الدكتور، راجل كبير في السن وعلى وشحه ملامح وقار وهدوء. علي قام جرى عليه بلهفة:
"طمني يا دكتور.. خالتي منى عاملة إيه؟ أرجوك قولي إنها بخير."
الدكتور ابتسم طمأنه وهو بيقلع النظارة:
"اهدى يا ابني، الحمد لله.. النزيف وقف والضربة مجتش في مكان قاتل. هي كويسة دلوقتي، بس محتاجة تفضل تحت الملاحظة يومين لحد ما حالتها تستقر تماماً."
علي اتنهد براحة مكسورة وهز راسه بالشكر. وأثناء ما هما واقفين، موبايل أدهم رن برقم مجهول. أدهم سكت تماماً وعيونه برقت، فتح الخط وجاله الصوت اللي بيكرهه أكتر من أي حاجة في الدنيا.. صوت إبراهيم السويسي بضحكته الشيطانية:
"إزيك يا ابن أخويا؟ وحشتني يا أدهم.. قولت أسلم عليك وأطمنك إن الأمانة وصلت بسلام."
أدهم عروق رقبته برزت وصرخ بغضب مكتوم وهو بيضغط على الموبايل:
" يزن فين يا إبراهيم!! ؟ لو لمست شعرة منه هنهي نسلك كله ..انت فاهم؟"
إبراهيم رد ببرود مستفز:
"الولد معايا وفي عنيا، متقلقش.. بس لو عاوزه يرجع لحضنك سليم، تجيلي بكرة في المكان والزمان اللي هحددهولك، ومعاك التنازل اللي إنت عارفه. سلام يا بطل."
الخط قطع، وأدهم كان الغضب بيتطاير من عينيه لدرجة تخوف. علي، رغم جرحه، قرب منه وربت على كتفه بقوة وقال:
"إن شاء الله هيرجع يا أدهم.. يزن ابني زي ما يكون ابنك، والله ما هنسيب إبراهيم غير وهو ميت تحت إيدينا. أنا معاك لآخر نفس."
أدهم بص لعلي بأسف وقال بنبرة واطية:
"أنا عارف إن ظروفك صعبة يا علي، ومش حمل إنك تشيل همي وهم يزن دلوقتي، بس وحياة غلاوة ياسمين عندك لترجع بالسلامة
هز راسه بأمل وهو بيحاول يصدق ، والاتنين مكنوش يعرفوا إن ياسمين ويزن في الحقيقة موجودين في نفس المكان، وإن اللي خاطفهم واحد .
__________________________________
في عتمة المخزن المهجور، كانت خيوط العنكبوت بتتحرك مع كل نفس غل بيخرج من إبراهيم السويسي. منصور كان واقف قدامه وبيمسح على سلاحه ببرود، بس فجأة بص لإبراهيم باستغراب وسأله بنبرة حيرة:
"بس قولي يا إبراهيم بيه.. ليه مقلتش لأدهم إن ياسمين هي كمان معانا؟ ليه خليت الخبر محصور بس على يزن؟"
إبراهيم لف ببطء، وعيونه كانت بتلمع بشر وشيطنة، طلع سيجارة وولعها وهو بيبتسم ابتسامة صفرا:
"عايز ألاعبهم شوية يا منصور.. الصبر في الوجع بيخلي الطعم أحلى. لو قلناله دلوقتي، هيهجم بكل اللي حيلته والموضوع هينتهي بسرعة. لكن أنا عايزه يجي بكرة وهو مكسور، عينه في الأرض عشان خاطر أخوه، يمضي ويتنازل عن كل أملاكه وشركاته وهو فاكر إن ده التمن الوحيد."
سكت إبراهيم ثواني وكمل وهو بينفخ الدخان في وش منصور:
"وبعد ما يرجعله يزن، والورق يبقى في جيبي.. بعدها بكام يوم نرجعله ياسمين، بس بعد ما تكون إنت أخدت غرضك منها واكتفيت تماماً. ساعتها بقى، المساومة هتبقى أغلى بكتير.. الضربة مش هتبقى في الفلوس، هتبقى في الشرف."
ضحك إبراهيم ضحكة مكتومة مرعبة وكمل:
"أدهم ميعرفش الحقيقة المرة.. ميعرفش إن ياسمين دي تبقى أخته! تخيل كدة لما يكتشف إنه خسر ماله، وأخته اتدمرت تحت إيدك وهو مش عارف يلحق مين ولا مين."
منصور عينه برقت بجنون، وبدأ يسقف بإيده بذهول وهو بيضحك بصوت عالي:
"يااااه! ده إنت مش بني آدم يا باشا.. ده إنت شيطان ومربّي شياطين! دي هتبقى كسر عينه بجد."
وتعالت ضحكاتهم الشيطانية في المكان، صدى الصوت كان بيملى المخزن.
وفي أوضة تانية مليانة كراتين وتراب، كانت ياسمين قاعدة على الأرض، ضامة رجليها لصدرها وبتحاوط بطنها بإيد بتترعش من الخوف. الدموع كانت شلال على وشها، وهمست بصوت مبحوح ومنكسر:
"يا رب.. مليش غيرك... تعالى خدني بقا يا علي، أنا خايفة أوي"
__________________________________
المستشفى - جناح جميلة
السكون كان سيد المكان، مبيقطعهوش غير صوت نقط المحلول وهي بتنزل بانتظام ممل. جميلة كانت باصة للسقف بعيون تايهة، وفجأة الباب اتفتح بهدوء ودخل أدهم. حاولت تتعدل بسرعة وهي بتشهق من الألم، حطت إيدها على جنبها ووشها اتكرمش بوجع
أدهم جرى عليها بلهفة: "اهدي يا جميلة.. فيه إيه؟ عايزة إيه يا حبيبتي؟"
سألته بشهقات مكتومة: "لقيت يزن يا أدهم؟"
أدهم بصلها بصمت، وعينيه كانت شايلة حزن الدنيا كله. جميلة فهمت الإجابة من نظرته، نزلت راسها على المخدة وغمضت عينيها بقوة، والدموع نزلت زي السيل. أدهم اتنهد بوجع، قلع الجاكيت وفتح أول زراير قميصه وقعد جنبها، وبدون كلام سحب راسها لحضنه.
انهارت جميلة في حضنه وهي بتصرخ بصوت مكتوم:
"يزن يا أدهم.. رجعهولي، ده ابني! عاقبني أنا بأي حاجة، خد حياتي بس سيب يزن.. هو ملوش ذنب."
أدهم كان عارف إنها مش في وعيها من الصدمة والتعب، فسابها تخرج كل الكبت اللي جواها، ولما هديت خالص همس في ودنها: "وحياتك عندي ليرجع لحضننا تاني.. ارتاحي دلوقتي."
بعد شوية راحت في النوم من كتر الإجهاد والتعب، وأدهم اتمدد جنبها بحرص، وخدها في حضنه وهو بيفكر في جحيم بكرة.
__________________________________
في شقة علي
دخل شقته وهو حاسس إن جدران البيت بتضغط على نفسه. الصالون اللي كان دايما فيه ضحكها بقى كئيب. دخل أوضتهم وقعد على السرير وهو باصص للفراغ، مش عارف يبدأ منين ولا يدور فين.
قلع قميصه ورماه على الكرسي بضيق، فالقميص وقع شيء صغير كان موجود على الكرسي وعمل صوت بسيط.
علي استغرب، نزل جابه ولقاه شيء وردي ملون، ملامحه مش باينة من الضلمة. راح ناحية النور وبص عليه بجهل، لكن فجأة ريقه نشف وصدمة لجمت لسانه.. "اختبار حمل!".
رفع الجهاز في النور وشاف الشرطتين بوضوح، قلبه بدأ يدق بعنف . فتح موبايله بسرعة وسأل شات جي بي تي عن معنى الشرطتين، وبعد ثواني جاله الرد:
" الشرطتين في اختبار الحمل معناهم إن النتيجة إيجابية
يعني غالبًا في حمل.. لو حابب تبعتلي صورة الاختبار وانا أقولك النتيجة الدقيقه أنا تحت أمرك يا علي"
علي فعلا صور الاختبار وبعته وف ثواني جاله الرد
"مبروك ..الاختبار واضح فيه شرطتين، وده معناه إن النتيجة إيجابية بنسبة كبيرة، يعني في حمل إن شاء الله.
علي حضن الاختبار بقوة وغمض عينه بوجع رهيب، النار اللي في صدره زادت أضعاف. ياسمين مخطوفة وهي شايلة حتة منه.. الخبر اللي كان المفروض يرقص من الفرحة بسببه، بقى هو أكبر دافع للغل والانتقام في قلبه.
__________________________________
في المخزن المهجور، الباب الحديدي اتفتح بصرير يخلع القلب، ودخل منصور بوشه اللي كأنه خارج من كوابيسها القديمة. ياسمين اتنفضت مكانها، وعينيها كانت مبرقة بذهول وصدمة شلت لسانها.. هي كانت فاكرة إن الكابوس ده انتهى، بس القدر كان ليه رأي تاني.
منصور بدأ يقرب منها بخطوات بطيئة ومستفزة، وعيونه بتلمع بشهوة انتقام وغدر، وقال بصوت فحيحه زي التعبان:
"أخيراً يا ياسمين.. بعد السنين دي كلها، رجعتي تاني تحت طوعي. والمرة دي مفيش علي ولا فيه أدهم السويسي يلحقك مني.. النهاردة هتبقي بتاعتي وبس."
ياسمين رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة الباردة، وجسمها كله كان بيترعش بهستيريا. استغربت ليه ذكر اسم أدهم وايه علاقته بالموضوع لكن الخوف شل تفكيرها ..وبدون تفكير، حطت إيديها الاتنين على بطنها وكأنها بتحاول تخبي روح جواها من عيونه، وصرخت بصوت مبحوح من الرعب:
"ابعد عني يا منصور! أرجوك متلمسنيش.. أنا.. أنا حامل!"
الكلمة نزلت على منصور زي الصاعقة، وقف مكانه فجأة وعيونه وسعت بذهول، والشر اللي كان في عينه اتحول لذهول ممزوج بقرف وخوف، وردد الكلمة بذهول:
"إيه؟ حامل؟؟"
منصور بص لبطنها بقرف وكأنه شايف قنبلة موقوتة، وفجأة لف بضهره وخرج بره الأوضة بسرعة وهو بيخبط الباب وراه بعنف.
ياسمين فضلت مكانها بتنهج بوجع، ودموعها نازلة بصمت وهي بتمسح على بطنها وبتهدي نفسها. وفجأة، في وسط السكون المرعب ده، سمعت صوت بكاء ضعيف وشهقات طفولية جاية من ورا الحيطة اللي جنبها.
" أنا عايز أروح.. يا بابا انت فين؟ تعالى خدني "
قامت براحه وبصت من الفتحة وشافت يزن قاعد في ركن ضلمة، ضامم رجله لصدره وبيعيط بحرقة، والتراب مالي لبسه وشعره.
ياسمين فضلت بصه له بحزن كبير، هي متعرفش مين الطفل ده ولا إيه علاقته بمنصور، كل اللي جه في بالها إنه أكيد ضحية تانية لمنصور المجرم، طفل بريء اتخطف عشان يكسروا بيه قلب حد.
الفتحة في الحيطة ما بين الكراتين مكنتش بعيدة، فياسمين قدرت بجسمها الضعيف تتسحب وتعدي من وسط الكراتين المركونة لحد ما وصلت للأوضة التانية اللي فيها يزن. نزلت على الكراتين بهدوء وقربت منه بخطوات حذرة وهي بتنهج من التعب.
قعدت قدامه على ركبتها، وبصت في عينيه اللي كانت غرقانة دموع، وهمست بصوت حنين يطمنه:
"إنت كويس يا حبيبي؟ متخافش.. أنا جنبك."
يزن رفع راسه وبص لها باستغراب، مسح دموعه بظاهر إيده وهو لسه بيشهق من الخوف، وهز راسه ببطء كأنه بيستمد منها الأمان. ياسمين مدت إيدها بحنان ولعبت في شعره الغزير اللي كان مليان تراب، وقعدت جنبه على الأرض وخدته في حضنها، وقالت بصوت واطي ومطمئن:
"متخافش .. أنا مش عارفة إنت مين ولا إيه اللي جابك هنا، بس أنا جنبك ومش هسيبك أبدًا. ربنا كبير وهيخرجنا من هنا بالسلامة..
في ركن ضيق ومعزول، كان منصور بينهج ونبضات قلبه سريعة، ملامحه كانت مزيج من الصدمة والقرف. أول ما شاف إبراهيم السويسي واقف، جرى عليه ووشه مخطوف.
منصور بصوت واطي ومبحوح:
"الحق يا إبراهيم بيه.. المصيبة طلعت أكبر مما نتخيل. البت ياسمين.. طلعت حامل!"
إبراهيم اتصنم مكانه، والسيجارة وقعت من إيده وهو بيبص لمنصور بذهول وصدمة شلت لسانه لثواني، وردد الكلمة كأنه مش مستوعبها:
"حامل؟.. إنت بتقول إيه يا منصور؟ حامل من مين.. من علي؟"
منصور خبط بإيده على الحيطة بغل:
"وهيكون من مين غيره يعني! بتقولي ابعد عني عشان اللي في بطني.. الكلب علي زرع حتة منه جواها، واللعبة كدة باظت خالص."
إبراهيم ملامحه اتغيرت فجأة، وعينه لمعت بشر وتفكير شيطاني أعمق، قرب من منصور وهمس له بلهجة آمرة:
"ولا باظت ولا حاجة.. اسمعني كويس، إنت هتاخد غرضك منها زي ما اتفقنا، بس خد بالك. مش عايزها تسقط، فاهم؟"
منصور بصه باستنكار وقرف:
"إنت بتقول إيه يا باشا؟ بقولك حامل! أنا ماليش في الجو ده، أنا كنت عايز أكسر عينها وعين علي، مش أشيل شيلة مش شيلتي."
إبراهيم ضغط على دراع منصور بقوة وقال بصرامة:
"افهم يا غبي! الواد اللي في بطنها ده دلوقتي بقى ورقة الجوكر الحقيقية في إيدينا. الكنز اللي هنذل بيه علي وأدهم طول العمر."
منصور نفض إيد إبراهيم عنه بعصبية وصرخ بصوت مكتوم:
"كنز إيه وزفت إيه! أنا ماليش دعوة بالحسابات دي. أنا راجل ليا مزاجي، ومزاجي مش مع واحدة حامل. أنا كنت عايزها وهي ياسمين اللي أعرفها، مش وهي شايلة روح جواها. أنا مش هكمل في القرف ده!"
إبراهيم وشه احمر من الغضب وعروقه برزت وقال بغضب :" غبي"
__________________________________
الشمس طلعت وكأنها بتكشف ملامح يوم ملوش ملامح لسه. جميلة فتحت عينيها ببطء، حست بتقل في جسمها وألم لسه بيسمع في جنبها، بس أول حاجة عينيها وقعت عليها كانت أدهم.
كان قاعد جنبها، ساند ضهره على الكرسي وباصص للسقف بشرود مخيف، عيونه كانت غرقانة في سواد السهر والتفكير، وكأنه شايل جبال على كتافه. أول ما حس بحركتها، انتبه ومال عليها، لمس جبينها بحنان وباسه بصمت وهدوء، وسألها بصوت مجهد:
"إنتي كويسة؟ حاسة بأي وجع؟"
ردت عليه بصوت واطي وخافت:
"أيوة.. أحسن شوية."
لسه كانت هتكمل كلامها، بس قطع اللحظة دي رنة موبايل أدهم اللي كانت زي صوت الإنذار في هدوء الأوضة. أدهم قام وقف، شاف اسم المتصل وبان على وشه الجدية التامة.. كان محمود. رد بسرعة:
"أيوة يا محمود بيه.."
جاله رد محمود وصوته باين فيه القلق والحزم:
"أدهم، أنا عرفت باللي حصل في القصر .. . أنا مستنيك إنت وعلي في المكتب حالا، لازم نتحرك بالعقل قبل السلاح."
أدهم وافق بكلمة واحدة: "مسافة الطريق وهنكون عندك."
قفل الخط وبص لجميلة اللي كانت بتراقب ملامحه بخوف. قرب منها تاني، مسك إيدها وباسها بقوة، وبعدين باس راسها وقال بنبرة مليانة وعد:
"أنا لازم أمشي يا جميلة.. علي هيجيلي ومحمود بيه عايزنا."
جميلة مسكت في إيده بخوف وسألته والدموع بتلمع في عينيها:
"أدهم.. هترجعلي يزن؟ أرجوك يا أدهم، مش هرجع القصر من غيره.".
أدهم هز راسه بثقة رغم الوجع اللي جواه، وبص في عينيها وقال بصرامة:
"أوعدك يا جميلة.. يزن هيرجع، والكلب اللي عمل كدة هيدفع التمن غالي أوي. خليكي قوية عشان خاطري."
سابها وخرج من الأوضة بخطوات سريعة، وجميلة فضلت باصة لأثره وهي بتدعي بقلبها إن ربنا يحميهم. أدهم لقى علي مستنيه في طرقة المستشفى بعد ما محمود كلمه هو كمان ، علي كان وشه خالي من أي تعبير غير الغضب، وإيده كانت ضاغطة على اختبار الحمل اللي في جيبه وكأنه بيستمد منه القوة.
__________________________________
أدهم وعلي وصلوا مكتب محمود الشافعي، والتوتر كان مالي المكان. محمود استقبلهم بوش عابس وعيون مليانة قلق، وقرب من أدهم ربت على كتفه بقوة كأنه بيدي له من ثباته، وقال بصوت رزين:
"أنا عرفت كل اللي حصل يا أدهم.. طمني، فيه أي جديد ظهر؟"
أدهم اتنهد بضيق وعيونه كانت بتطلع شرار:
"إبراهيم كلمني يا محمود بيه.. الكلب خاطف يزن وعايزني أروح له كمان شوية، عشان يملي شروطه وياخد التنازل اللي عاوزه مقابل يزن."
محمود الشافعي اتنهد بغضب وهز راسه بأسف:
"إنت كدة بتحط إيدك تحت ضرسه يا أدهم.. إبراهيم عارف نقطة ضعفك كويس، وعارف إنك عشان خاطر يزن مش قادر تفكر صح ولا تاخد قرار فيه مخاطرة. بس خلي بالك، اللي زي إبراهيم ميتأمنش له، وأكيد لما تروح هيكون محضرلك فخ."
أدهم قبض على إيده بقوة وبص لمحمود بتركيز:
"أنا عارف يا محمود بيه.. بس مفيش قدامي حل تاني، ابني في إيده. قولي أعمل إيه؟ أنا جاهز لأي حاجة بس يرجع بالسلامة."
محمود الشافعي قرب من خريطة كانت مفرودة على المكتب وبدأ يشاور على نقطة معينة بصرامة، وبدأ يسرد الخطة .....
علي كان قاعد في مكتب محمود الشافعي وجسمه موجود بس، لكن عقله كان في عالم تاني خالص. عينيه كانت مثبتة على نقطة في الفراغ، وسرحانه كان مرعب لدرجة إن أدهم ناداه أكتر من مرة وما ردش.
النار اللي في صدر علي كانت مضاعفة؛ أدهم عارف إن يزن مع إبراهيم، لكن علي تايه.. مش عارف ياسمين في إيد مين؟ ولا هي فين؟ ولا هيعملوا إيه في طفله اللي شايلاه في بطنها؟فكرة إنها ممكن تكون بتتوجع أو خايفة وهي لوحدها كانت بتنهش في قلبه.
بعد ما خرجوا ...علي بص لأدهم وعينيه كانت تايهة تماماً، وكأنه بيدور على إجابة لسؤال ملوش حل، ونطق بصوت واطي ومخلوق:
"تفتكر هي كويسة يا أدهم؟ تفتكر حد لمسها؟ ياسمين رقيقة أوي، مبتستحملش الخوف.. والبيبي.."
سكت فجأة قبل ما يكمل الكلمة، وضغط على جيبه اللي فيه الاختبار بكل قوته لدرجة إن مفاصل إيده ابيضت. أدهم استغرب نبرة علي ونظرة الانكسار اللي في عينه، بس افتكر إن ده خوف طبيعي من شخص مش عارف مصير مراته إيه.
__________________________________
أدهم نزل من العربية بهدوء يحسد عليه، رغم إن بركان من الغضب كان بيغلي جواه. رفع إيده لفوق علامة الاستسلام وهو ماسك شنطة الأوراق السوداء في إيده التانية. ورغم إنه كان بيمشي بخطوات ثابتة ورا الحرس اللي استقبلوه بتفتيش دقيق ، إلا إن عينيه كانت زي الصقر، بتسجل كل ركن وكل زاوية في المكان.
قبل ما يدخل من البوابة الحديدية الضخمة، أدهم ميل راسه بلمحة خاطفة ناحية التبة الرملية البعيدة، وكأنه بيبعت رسالة صامتة لعلي. لمح خيال حركة بسيط جداً ورا المواسير القديمة، اتطمن إن علي بدأ يتسرب للداخل، ورجع وشّه لجموده المعتاد ومشي مع الحرس لعمق المخزن.
جوه، كانت الإضاءة خافتة وريحة التراب والزيت مغطية المكان. أدهم دخل صالة واسعة، وفي نهايتها كان قاعد إبراهيم السويسي على كرسي خشب قديم وكأنه ملك على عرش من حطام ،وعينيه بتلمع بانتصار قذر.
إبراهيم سقف بإيده ببطء وهو بيبتسم ابتسامة صفرا:
"نورت مخزنك يا أدهم بيه.. كنت عارف إن يزن غالي عندك أوي لدرجة إنك هتيجي برجلك لحد هنا ومن غير حرس كمان."
أدهم وقف على بعد خطوات منهم، رمى الشنطة على الأرض بقوة وقال بصوت رخيم وهادي جداً بس مرعب:
"الورق أهو يا إبراهيم.. كل الشركات والمصانع والسيولة اللي في البنك، بكرة الصبح هتكون باسمك. دلوقتي.. ابني فين؟".
منصور ضحك ضحكة عالية ومستفزة وقرب خطوتين من أدهم:
"مستعجل على إيه يا سويسي؟ إحنا لسه بنقول يا هادي. وبعدين الورق ده تمن يزن بس.. إنت نسيت حاجة كمان لازم آخد تمنها منك."
أدهم سأله باستفهام بارد: "حاجة إيه؟"
منصور صرخ بكلمات محملة بغل السنين:
"عمري اللي ضاع وأنا مستني آخد الثروة! شبابي اللي ضاع بسبب أبوك وإنه كان أحسن مني في كل حاجة وأبويا بيفضله عليا طول عمري. ولما مات وأخدنا الورث دخلت في صفقة خسرتني كل فلوسي وبدل ما يساعدني ويقولي فلوسي هي فلوسك، بقى يرميلي فلوس كل شهر كأنها صدقة!"
رد أدهم بغضب مكتوم:
"أبويا عمره ما ظلمك، حتى بعد ما ضيعت فلوسك ساعدك وشغلك واداك حصة في الشركة.. وبعد ما مات وأنا وأختي توهنا إنت مكلفتش نفسك تدور علينا واعتبرت إننا موتنا وضيعت الشركة بعد ما بقيت الوريث الوحيد، ولولا إني رجعت وبقيت بشتغل ليل نهار عشان أقوّم الشركة تاني، مكانش اسم السويسي بقى له وجود النهاردة"
إبراهيم عينه برقت بشر وجنون وهو بيقوم من مكانه، وهبد بإيده على الترابيزة وصوته الحاقد ملى المكان:
"ماتجبش سيرة اسم السويسي على لسانك! الشركة دي كانت من حقي أنا! أبوك كان طول عمره بياخد اللقطة والمدح وأنا في الظل.. ولما صدقت إن الدنيا ضحكت لي، بعد ما قتلت أبوك وأمك معاه!"
ابتسم بشر أول ما لاحظ الصدمة اللي شلت ملامح أدهم، وكأن الوقت وقف عند اللحظة دي، وكمل بمنتهى البرود:
"أووه.. أنا أسف إني صدمتك، بس أنا اللي دبرت الحادثة لعيلتك لما كانوا رايحين يحتفلوا بعيد ميلادك، والعربية اتقلبت واتحرقت ومات هو وأمك.. لكن اتفاجئت إنكم مكنتوش معاهم في العربية."
في اللحظة دي، شريط أسود مر قدام عيون أدهم.. افتكر أحداث اليوم ده اللي مابتفارقهوش ثانية، يوم ما كانت الأنوار والزينة مالية المكان عشان عيد ميلاده، وفجأة أمه تعبت بسبب السكر اللي عندها، وأبوه أخدها بسرعة عشان يروحوا أقرب مستشفى وسابوهم في المطعم.. ومبعدش كتير والخبر جاله إن العربية اتقلبت بيهم وراحت في حضن النار.
أدهم افتكر إزاي بقى هو وأخته في الشارع تايهين، لحد ما الناس ودوهم الشرطة، ومن صدمة أدهم وقتها مكنش قادر ينطق ، ولما ملقوش ليهم حد، انتهى بيهم الحال في دار أيتام.
إبراهيم كمل وهو بيتمشى حوالين أدهم بانتصار:
"عرفت إنكم في دار أيتام، إنت وأختك.. وكنت ناوي أخلص عليكم وقتها، بس حسيت إني مش هستفيد حاجة، وأني خلاص خلصت من أبوك والورث بقى في جيبي.. بعت واحد يتبنى أختك عشان يبعدها عنك تماماً، وكان فيه حد جاي يتبناك إنت كمان عشان يخلصني منك، لكن العيلة اللي اتبنتك سبقوني ومن وقتها أثرك ضاع.. لحد ما رجعت لي تاني زي اللعنة."
أدهم كان في حالة ذهول تام، وجع السنين كله اتجمع في قلبه في لحظة واحدة، همس بوجع وصوت مخنوق:
"وأختي.. أختي فين يا إبراهيم؟"
إبراهيم ابتسم بخبث وهو بيشاور بصباعه على ورق التنازل:
"هقولك.. هقولك هي فين وهتتصدم لما تعرف إنها كانت أقرب مما تتخيل.. بس الأول، امضي يا أدهم.. امضي وخد أخوك، وغور من وشي للأبد."
أدهم القلم في إيده، وعقله مش مستوعب ..
اسمين ويزن كانوا قاعدين وفجأة لقوا راجل من رجالة إبراهيم فتح الباب بعنف، وعيونه كانت بتدور في الأوضة ، وفجأة اتصنم مكانه لما شاف ياسمين ويزن قاعدين مع بعض في ركن واحد، وياسمين محاوطاه بدراعها وكأنها بتحميه بروحها.
الراجل صرخ بصوت هز جدران المخزن:
"إيه اللي جابك هنا يا روح أمك؟ ومين اللي سمح لك تقربي منه؟"
ياسمين كانت بتترعش ومنهارة من العياط، حضنت يزن بقوة أكبر وهي بتصرخ:
" أرجوك سيبه ده طفل ملوش ذنب.. "
قرب منها بخطوات وحشية، زق ياسمين بكتفه بكل قوته لدرجة إنها اتكفت على الأرض وهي بتصرخ بوجع وماسكة بطنها، وراح شادد يزن من وسط عياطه وصريخه. يزن كان بيرفس في إيده وبيصرخ بأعلى صوته:
"يا بابا ! الحقوني!"
الراجل شاله تحت دراعه وخرج من الأوضة ، وصوت بكاء الطفل كان بيقطع القلب ويملى طرقة المخزن الضيقة. ياسمين فضلت على الأرض، بتنهج بوجع وخوف، ودموعها مش راضية تقف وهي بتهمس باسم علي وكأنها بتستنجد بيه في سرها.
في اللحظة دي، ومن تحت الأرض، كان علي بيتحرك في ممرات المواسير الضيقة،
وصل لفتحة تهوية بتطل على الطرقة الخلفية، ولمح الراجل وهو شايل يزن ومتجه بيه ناحية المكان اللي أدهم وإبراهيم موجودين فيه.
اللحظة كانت حاسمة، أنفاس أدهم كانت بتتحرق وهو شايف يزن في إيد منصور، ويزن أول ما لمح أدهم صرخ بلهفة هزت كيان أدهم: "بابا!"
أدهم غمض عينه ثانية واحدة بيستجمع قوته، وهز راسه ليزن بطمأنينة وهو بيضغط على سنانه: "متخافش يا حبيبي.. أنا جيت، مفيش حد يقدر يلمسك طول ما أنا عايش."
وفجأة، الإشارة دوت في المكان.. صوت طلقة واحدة كانت كفيلة تقلب المخزن لساحة معركة. قوات الشرطة اللي محمود الشافعي كان مرتب معاهم اقتحموا المكان من كل الأبواب والمنافذ. الرصاص بدأ يغطي صوت الصريخ، وإبراهيم السويسي حاول يهرب من الباب الخلفي لكن رجال الشرطة كانوا أسرع منه، وحاصروه ووقعوه على الأرض والكلبشات اتقفلت على إيده وهو بيغل بآخر أنفاسه.
أدهم جرى على يزن وشاله من الأرض، رفعه لحضنه بقوة وكأنه بيحاول يدخله جوه ضلوعه، ويزن كان بيترعش وبيمسك في قميص أبوه بهستيريا. علي وصل في اللحظة دي، وعيونه كانت بتدور في كل حتة، أخد يزن من أدهم وحضنه هو كمان وباس راسه، والاتنين كانوا بيستعدوا يخرجوا من المكان ده.
لكن يزن وقفهم فجأة بصوته الطفولي المبحوح من العياط:
"استنوا! لازم ننقذ صاحبتي اللي كانت معايا"
علي وقف وبص ليزن باستغراب: "صاحبتك مين يا يزن؟ إنت شوفت حد جوه؟"
يزن رد وهو بيشهق: "الراجل الشرير كان خاطف بنت كمان، وكنا قاعدين مع بعض وهي طيبة أوي، ووعدنا بعض إننا هنخرج سوا.. لازم تاخدوها معانا"
علي بص لأدهم بنظرة سريعة، وفهم إن فيه طفلة تانية مظلومة في الحكاية دي. هز راسه وقال لأدهم بصرامة: "اخرج إنت بيزن وأمنه في العربية، وأنا هدخل أجيب البنت دي وأحصلكم."
علي دخل الممرات تاني، وبدأ يفتح الأوض أوضة أوضة وهو بينادي بصوت واطي، مكنش فيه حد، والهدوء بدأ يرجع للمكان بعد ما الشرطة سيطرت. وصل لآخر غرفة في الممر، فتح الباب الحديدي اللي كان موارب.. وفجأة، الزمن وقف بالنسبة لعلي.
اتصنم مكانه، السلاح وقع من إيده على الأرض وعمل رنة خلت المكان يتهز في عينيه. مكانتش طفلة.. كانت ياسمين.
قاعدة على الأرض في ركن ضلمة، خصلات شعرها نازلة على وشها المليان تراب ودموع، وشكلها مجهد ومنهار تماماً.
علي همس باسمها بصوت طالع من أعماق قلبه المكسور: "ياسمين؟"
ياسمين رفعت راسها ببطء، ولما شافت ملامحه وسط النور الضعيف، عينيها وسعت بذهول مش مصدقه، وصرخت بضعف وهي بتحاول تقوم بصعوبة: "علي ؟.....
•تابع الفصل التالي "رواية عشقت محتالة" اضغط على اسم الرواية