رواية شاهد قبر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
عاد ناصر إلى فرنسا بسرعة غير معتادة وكأن الاستدعاء يحمل وراءه شيئًا أكبر من مجرد سؤال
لم يمر على السكن بل توجه مباشرة إلى المصنع التابع لـ BMW
كان الجو داخل المبنى مختلفًا هذه المرة والنظرات لم تكن عادية والهمسات تدور حوله دون كلمات واضحة
تم استدعاؤه فورًا إلى مكتب مدير المصنع
وقف أمام الباب لثواني ثم طرقه وجاءه صوت حاد يطلب منه الدخول
فتح الباب ودخل بثبات ورأى المدير واقفًا بجوار نافذة كبيرة ويده خلف ظهره
استدار المدير فجأة ونظر إلى ناصر مباشرة وكانت عيناه حادتين كأنه يحاول قراءته
ثم قال بدون مقدمات انت صنعت تلك السيارة
لم يتردد ناصر وأجاب بهدوء أيوه
اقترب المدير خطوة وقال بنبرة أعمق كيف فعلت ذلك
صمت ناصر لحظة قصيرة ثم قال اشتغلت على الهيكل القديم وعدلت توزيع الوزن وغيرت مسارات التدفق وحاولت أقلل الفاقد
رفع المدير يده مقاطعًا وقال أنا مش بسألك عن اللي عملته أنا بسألك فهمت ده ازاي
تغيرت نظرة ناصر وقال بهدوء وثقة العربية كانت بتقول
لم يفهم المدير في البداية لكنه لم يقاطعه
أكمل ناصر وقال كل عيب بيترك أثر وكل تأخير له سبب وأنا ربطت بين اللي شفته في السباق واللي لقيته في الحطام
تحرك المدير ببطء وجلس خلف مكتبه ثم قال أنا جربت العربية
سكت لحظة ثم أكمل السرعة زادت
رفع نظره مباشرة إلى ناصر وقال واحد ونص من عشرة
ساد صمت ثقيل في الغرفة
قال المدير انت فاهم يعني إيه الرقم ده
ناصر لم يرد
فقال المدير بصوت منخفض لكنه مليء بالثقل ده الفرق بين الخسارة والمنافسة ،ثم مال للأمام وقال اللي عملته ده مش تعديل عادي ده تغيير في سلوك العربية
نظر إليه بتركيز شديد وقال انت مش مجرد ملاحظ أعطال
صمت لثواني ثم قال انت مشكلة أو فرصة
استند للخلف وقال والسؤال دلوقتي هنستخدمك ولا هنوقفك
وقف ناصر ثابتًا وعيناه لم تهتز ،وقال بهدوء استخدموني
نظر مدير المصنع إلى ناصر للحظات وكأنه يعيد تقييمه من جديد ثم قال بنبرة هادئة لكنها حادة
هل تستطيع زيادة سرعة أي سيارة
لم يتعجل ناصر في الرد وأخذ نفسًا قصيرًا ثم قال
ليس كل السيارات بالطبع
تغيرت ملامح المدير قليلًا وكأنه ينتظر تفسيرًا
أكمل ناصر بهدوء
الموضوع مش رقم بيتحط وخلاص
فيه تكنيكات كتير وعوامل زي توزيع الوزن وتدفق الهواء واستجابة الأنظمة
لكن مش كل عربية بتقبل التغيير بنفس الشكل
سكت لحظة ثم قال
السيارة دي بالذات كانت مطيعة أكتر من اللازم
كانت بتستجيب لأي تعديل كأنها مستنية حد يفهمها
وكأنها بتحب اللي بعمله فيها
ضحك المدير فجأة ضحكة قصيرة خرجت بعفوية
ثم قال بسخرية خفيفة
يعني لو في عربية مش مطيعة ومش بتستجيب لك مش هتعرف تطورها
نظر إليه ناصر بثبات وقال
نعم
ساد صمت قصير داخل الغرفة
جلس المدير للخلف وبدأ يفكر بعمق وعيناه لا تفارق ناصر
كأنه لا يسمع الكلمات فقط بل يحاول فهم العقل الذي أمامه
بعد لحظات أشار بيده وقال
اتفضل ارجع لشغلك
تحرك ناصر نحو الباب بهدوء وفتحه ثم خرج دون أن ينظر للخلف
ظل المدير جالسًا مكانه لثواني ثم تمتم بصوت منخفض
قد يكون بارع ومخترع، لكنه مجنون
عاد ناصر إلى صالة العمل داخل المصنع بخطوات هادئة وكان عقله مشغولًا بالكامل
ما إن مر بين خطوط الإنتاج حتى بدأت الهمسات تتحرك من حوله وكانت العيون تلاحقه والكلمات تتناثر بين العمال والمهندسين دون وضوح
هذا هو الذي أنقذ السائق وهذا هو الذي بنى السيارة والبعض يراه غريبًا والبعض يراه عبقريًا والبعض يهمس أنه مجنون
لم يلتفت ناصر لأي منهم وكأن الأصوات لا تعنيه وجلس في مكانه أمام شاشة البيانات وفتح ملفات السيارة التي عمل عليها
ثبت نظره على الأرقام وبدأ يتابع درجات الحرارة ومعدلات الضغط ونسب تدفق الهواء ومؤشرات الاحتكاك وزوايا توزيع الوزن
بدأ يراجع كل شيء من البداية لكن هذه المرة بعقل مختلف فلم يعد ينظر إلى ما حدث فقط بل إلى سبب حدوثه
كان يبحث عن سر واحد وهو لماذا تقبلت تلك السيارة التعديل بهذا الشكل
أخرج دفتره القديم ووضعه بجانبه وبدأ يكتب ويرسم خطوطًا متشابكة بين البيانات
لاحظ أن الهيكل الخارجي لم يتأثر رغم الزيادة في الأداء وهذا يعني أن الإجهاد لم يتركز في نقطة واحدة بل تم توزيعه بشكل متوازن
ركز على مسارات الهواء ووجد أنها بعد التعديل أصبحت أكثر انسيابية مما خفف الضغط على الأجزاء الحساسة
راجع نظام التعليق واستجابة الدعسة واكتشف أن التعديلات لم تسرع السيارة فقط بل جعلت استجابتها أكثر مرونة وأقل عنفًا على المكونات
همس لنفسه أن السيارة لم تقاوم التغيير بل تأقلمت معه
بدأ يسجل ملاحظاته بدقة أكبر وكتب أن السر لم يكن في القوة فقط بل في التوافق بين الأجزاء
رسم دوائر وأسهم توضح كيف أن كل تعديل صغير كان يدعم الآخر وكأن السيارة دخلت في حالة توازن جديدة بدل أن تنهار تحت الضغط
رفع رأسه للحظة ونظر أمامه بشرود ثم عاد للكتابة بسرعة أكبر وكأنه يخشى أن تضيع منه الفكرة
وفي نهاية الصفحة كتب جملة واحدة
ليست كل سيارة تجبر على السرعة وبعضها فقط يفهم كيف يصل إليها.
دخلت فريق BMW سباق اخر فى اليابان ونال المركز الخامس بعد منافسه كبيره مع فريق فورد الامريكى
بدا ان كل شيء يسير بلا مبلاه، وصلت الأخبار إلى ناصر داخل المصنع مما جعله يهمس داخله استطيع ان احصل على المركز الأول اذا سمح لى بقيادة السياره.
كان السائق الرئيسى لفريق الشركه قد تعافى من أصابته
ولم يحضر سباق اليابان وما ان استطاع ركوب السياره حتى سأل عن الشخص الذى كان يصرخ عليه فى سباق فرنسا
قال انه يريد رؤيته، يريد أن يعرف كيف تمكن من تخمين انهيار السياره بينما لم يفلح فريق الخبراء فى السباق من ملاحظة ذلك
إدارة الشركه استجابة لقائد الفريق ووجهة دعوه لناصر للسفر إلى ألمانيا قبل الجوله القادمه لفروميلا فى ألمانيا
وصل ناصر ألمانيا والتقى السائق المشهور الشاب
الراجل استمع لناصر بتركيز لكن مبررات ناصر لم تقنعه
وهما بيتكلمو كانو قريبين من مكان التدريب وكانت سيارة الفريق تصرخ تحت قيادة سائق اخر
ناصر بص على العربيه ومن غير مقدمات قال العربيه إلى هناك دى مش ممكن تكسب سباق محتاجه تعديلات
السائق قعد يضحك ،مش معنى انك اكتشف عطل بالصدفه يديك الحق تطلق افترأت على أكبر فريق خبراء فى الشركه
شكرا لك المقابله انتهت.
لكن ناصر مرجعش فرنسا، طلب من إدارة الشركه متابعة سباق فورميلا ألمانيا إلى كان بعد يومين
إدارة الشركه وافقت ان ناصر يكون حاضر مع فريق المساعده من المهندسين لكن كمشاهد فقط.
•تابع الفصل التالي "رواية شاهد قبر" اضغط على اسم الرواية