رواية عشقت محتالة الفصل العشرون 20 - بقلم سلمى جاد
__________________________________
في ذلك الوكر المهجور، حيث تتراقص الظلال على الجدران المتشققة بفعل ضوء خافت، كان إبراهيم السويسي يقف كتمثال من غل، ينفث دخان سيجارته التي لم تنطفئ منذ ساعات. وبجانبه منصور، الذي بدا وجهه أكثر غبرة وقسوة تحت هذا الضوء، وعيناه تلمعان بذكاء شيطاني لا يهدأ.
ساد صمت طويل لم يقطعه سوى صفير الرياح، قبل أن يقطعه منصور بصوته المتحشرج:
"إحنا طولنا أوي يا إبراهيم بيه.. أدهم السويسي دلوقت عايش حياته في القصر ولا كأنه عمل حاجة، والبت ياسمين اللي كانت تحت إيدي زمان، دلوقت بقت محمية في حتة حارس اللي كان السبب في حبسي.. الصبر له حدود بردو."
إبراهيم التفت له ببطء، وعيناه تشتعلان بنار باردة:
"الصبر هو اللي هيخلينا ناكلهم وهم صاحيين يا منصور. أدهم فاكر إنه ملك الدنيا، .. والنهاردة، الضربة مش هتكون في ماله ولا في شركته، الضربة هتكون في النخاع."
منصور قرب منه بفضول: "قصدك إيه؟"
إبراهيم كمل وهو بيطفي السيجارة ببرود في جدار متهالك:
"أدهم عنده نقطة ضعف واحدة، طفل ملوش ذنب بس هو اللي هيحرق قلبه.. "يزن". الولد ده هو روح أدهم، ولو يزن اختفى، أدهم السويسي هيتحول لجثة ماشية على الأرض، هيفقد عقله، وده اللي أنا عايزه.. عايزه يدور حول نفسه زي المجنون."
منصور ضحك ضحكة مكتومة مرعبة:
"ياااه.. دي هتبقى ضربة معلم. . بس أنا مش عايز بس الولد، أنا ليا حق عند ياسمين وعلي متنسااش."
إبراهيم حط إيده على كتف منصور وضغط بقوة، وعينيه فيها وعد شيطاني:
"اسمع يا منصور.. الولد مجرد البداية. أنا بوعدك، والمرة دي وعد السويسي اللي ميرجعش فيه، بعد ما نخطف يزن ونربك حساباتهم، ياسمين هتكون ليك. هخطفهالك من وسط بيتها في نفس الوقت ... ياسمين هترجع تحت طوعك تاني، والمرة دي محدش هيقدر ينجدها، لا علي ولا غيره."
منصور عينه لمعت بجنون: "يعني ياسمين هتبقى في إيدي بجد؟"
إبراهيم بابتسامة غدر:
"أيوة.. هتاخدها وتختفي بيها في المكان اللي يعجبك، وتكسر بيها عين علي اللي اتحدى أسياده. إحنا هنخطف يزن عشان نكسرهم، وبعدين هنخطف ياسمين عشان ننهيهم. عايز أدهم يفضل عايش بس ميت من جوه، يشوف عيلته بتتدمر قدام عينيه وهو مش عارف يلحق مين ولا مين."
منصور بدأ يجهز سلاحه وهو بيلهث من الحماس:
"كدة الكلام دخل في الجد. أنا مجهز العربية والرجالة على أول طريق القصر. هندخل من السور الخلفي ."
إبراهيم بصرامة مرعبة:
"مش عايز غلطة يا منصور.. عايز يزن مجرد وسيلة ضغط، وياسمين هي الجايزة بتاعتك.
منصور بتحية عسكرية ساخرة:
"اعتبر القصر بقى تحت رجلك يا باشا.. والليل مش هيطلع غير والصرخة مالية المكان."
__________________________________
منى طلعت بسرعة لياسمين وهي مخبية الاختبارات في إيدها، دخلت الغرفة وقفلت الباب وراها بحذر، وقربت من ياسمين اللي كانت قاعدة على طرف السرير وإيدها بتترعش.
منى مدت إيدها بالاختبارات وقالت بصوت واطي ومشجع:
"يلا يا ياسمين.. خدي دول وادخلي الحمام، اعمليهم وأنا هستناكي هنا بره مش هتحرك. اهدي خالص وسمي الله."
ياسمين هزت راسها بتوتر شديد، وأخدت الاختبارات ودخلت الحمام. قعدت دقايق كانت بتمر عليها كأنها سنين، قلبها كان بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيخرج من مكانه. وبعد لحظات، خرجت ياسمين والدموع مغرقة وشها ومكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، بس مدت إيدها لمنى بالاختبار.
منى أخدت منها الاختبار بسرعة وقالت بلهفة:
"اهدي يا حبيبتي، هو لسه مبانش.. ثواني وهتظهر النتيجة، ادعي يا ياسمين."
عدت ثواني معدودة وياسمين واقفة على أعصابها، بتفرك في إيدها وعينيها مش مفارقة الاختبار اللي في إيد منى. وفجأة، منى شهقت بصوت عالي وعينيها برقت وهي بتبص للجهاز:
"ياسمين! بصي.. ظهر شرطتين! شرطتين واضحين زي الشمس!"
ياسمين سألت بجهل وعدم استيعاب وهي لسه بتعيط:
"يعني إيه يا خالتو؟ الشرطتين دول معناهم إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.."
منى مكنتش قادرة تمسك نفسها من الفرحة، صرخت صرخة مكتومة وضحكت بدموع:
"يعني حامل يا ياسمين! حامل يا روح قلبي، الشرطتين يعني فيه بيبي جاي في الطريق!"
وفي لحظة، منى زغردت زغرودة قصيرة من فرحتها وحضنت ياسمين بكل قوتها، وياسمين انفجرت في العياط بس المرة دي كانت دموع فرحة وراحة، ودفنت راسها في كتف منى وهي بتقول بشهقات:
"الحمد لله يا رب.. الحمد لله. أنا مش مصدقة يا خالتو .. معقولة هجيب بيبي لعلي؟ معقولة هبقى أم؟"
منى بعدت عنها شوية وهي بتمسح دموعها وقالت بابتسامة واسعة:
"ألف مبروك يا أغلى ياسمين في الدنيا.. علي هيطير من الفرحة، والبيت كله هيتغير بالخبر ده. لازم تصلي ركعتين شكر لله يا حبيبتي على الهدية العظيمة دي."
ياسمين هزت راسها وهي بتمسح وشها وبتحاول تستوعب الخبر، وقالت بصوت مرعوش من السعادة:
"حاضر.. هقوم أصلي حالاً."
__________________________________
فجأة، قطع صوت رنين تليفون أدهم هدوء اللحظة الجميلة اللي كان عايشها. أدهم بص للشاشة ولقى المتصل "علي"، ملامحه اتغيرت فوراً وبعد بعيد عن جميلة ويزن عشان ميتوتروش، ورد بجدية:
"أيوة يا علي.. فيه إيه؟"
صوت علي كان طالع منهج ومرتبك:
"أدهم، لازم تيجي الشركة حالاً! فيه كارثة.. ورق الصفقة الجديدة والمستندات المهمة اللي كنا شغالين عليها اتسرقت من الخزنة!"
أدهم غمض عينه بضيق واتنهد بعمق وهو بيحاول يتمالك أعصابه، ورد عليه بنبرة حادة:
"إنت بتقول إيه يا علي؟ إزاي ده حصل؟ وإزاي الورق يتسحب من غير ما حد يحس؟ إنت ناسي أنا قاعد في البيت النهاردة ليه؟"
علي رد بصوت واطي: "عارف يا أدهم، بس الموضوع ضروري. لازم تيجي بنفسك نشوف الكاميرات ونتصرف."
أدهم بصرامة: "أنا جاي.. بس اسمعني كويس، ابعت فرقة حرس إضافية حالاً للقصر، مش عايز نملة تدخل ولا تخرج، فاهم؟"
فلاش باك (ليلة أمس)
بعد ما محمود الشافعي ونادية مشيوا من القصر، أدهم جاله اتصال من "علي" بلغه فيه إن أمن الشركة رصد اتنين مراقبين القصر والشركة بشكل مريب. لما جابوهم وهددوهم بالحبس اعترفوا إنهم رجالة إبراهيم وهو اللي باعتهم .
أدهم وقتها اتأكد إن إبراهيم بدأ يلعب في المكشوف، وعشان كدة قرر إنه ميخرجش للشركة تاني يوم ويفضل جنب جميلة وياسمين ويزن ويشدد الحرس، وكان بيحاول يداري قلقه ده بجو اللعب عشان ميخوفهمش.
العودة للواقع ..
أدهم قفل التليفون ولف لجميلة ويزن، ملامحه كانت اتحولت تماماً للجمود والقوة، وبص لجميلة وقال بنبرة مفيش فيها نقاش:
"جميلة، خدي يزن وادخلوا القصر فوراً.. ومحدش فيكم يخرج للجنينة أو يقرب من الشبابيك مهما حصل، فاهمة؟"
جميلة استغربت جداً من التحول المفاجئ ده وسألت بقلق:
"فيه إيه يا أدهم؟ إنت لسه قايل إنك إجازة وهنقعد سوا! ليه وشك اتغير كدة؟"
أدهم مسك إيدها وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها:
"جميلة، اسمعي الكلام ونفذيه من غير أسئلة دلوقت.. ادخلي جوه واقعدي مع يزن، أنا لازم أروح الشركة ضروري جداً وهرجع مش هغيب. ادخلوا وماتخرجوش أبداً لحد ما أرجع."
جميلة حست إن فيه خطر كبير بيقرب، هزت راسها بخوف وهي بتنادي على يزن وتدخل بسرعة، وأدهم فضل واقف مكانه لحد ما اطمن إنهم دخلوا، وبدأ يدي أوامر للحرس بلهجة حاسمة وهو بيجهز نفسه للمواجهة اللي عارف إنها بدأت فعلاً.
__________________________________
ياسمين كانت لسه قاعدة على سجادة الصلاة، قلبها مليان سكينة ورضا وهي بتهمس بكلمات الشكر لربنا على الهدية اللي وهبها لها. كانت حاسة إن الدنيا بدأت تضحك لها أخيراً، وإيدها بتتحرك بتلقائية وتمسح على بطنها بحنان وهي لسه مش مصدقة إن فيه روح بتكبر جواها..
فجأة، صوت خبط قوي وعنيف على الباب قطع لحظة الخشوع دي. منى قامت بسرعة وهي بتبتسم وقالت:
"ده أكيد علي يا ياسمين! تلاقيه قلبه حاسس ورجع بدري عشان يطمن عليكي.. استني هفتح له أنا."
ياسمين فركت إيدها بتوتر وخجل، وقلبها بدأ يدق بسرعة وهي بتفكر هتقوله الخبر إزاي. لكن الابتسامة دي اتحولت لصرخة رعب في ثانية واحدة.. بمجرد ما منى فتحت الباب، اقتحم المكان أربع رجالة ضخام بملامح إجرامية مرعبة.
واحد منهم زق منى بقوة لدرجة إنها خبطت في الحيطة، ولما حاولت تصرخ وتستنجد، عاجلها التاني بضربة عنيفة بعصاية غليظة على دماغها، وقعت منى مكانها غرقانة في دمها وفاقدة النطق.
ياسمين اتصنمت مكانها على سجادة الصلاة، عينيها كانت مبرقة بذهول وصدمة شلت حركتها تماماً. الرجالة انتشروا في الشقة زي الشياطين لحد ما عيونهم وقعت عليها. واحد منهم قرب منها بضحكة خبيثة وقال:
"هي دي.. تعالي ياحلوة."
ياسمين بدأت تصرخ بهستيريا وهي بتحاول تبعد وتتحامى في ركن الأوضة:
"إنتوا مين؟! عايزين مني إيه؟! يا علي ..يا علي ".
لكن مكنش فيه مجيب.. واحد منهم هجم عليها وشل حركتها بقوة، والتاني طلع منديل مبلل بمادة مخدرة ريحتها نفاذة وكتم نفسها. ياسمين حاولت تقاوم وتزق إيده وهي بتفكر في جنينها اللي لسه مشافش النور، لكن في ظرف ثواني، بدأت الرؤية تتشوش قدامها وجسمها ارتخى تماماً وفقدت الوعي.
شالها واحد منهم على كتفه ببرود وخرجوا من الشقة بسرعة البرق، وسابوا منى سايحة في دمها، والبيت اللي كان من دقايق مليان فرحة، بقى ريحة الموت والخوف مغطية كل ركن فيه.
__________________________________
أدهم خرج من القصر بقلب مقبوض، وعيونه كانت بتراقب كل ركن في الجنينة وهو بيتحرك بأسطول عربياته. كان حاسس إن فيه خيط رفيع بيتشد، بس الواجب وضغط الشغل خلاه يضغط على شكوكه.
أول ما وصل الشركة، لقى الموظفين والأمن في حالة هرج ومرج. دخل مكتبه زي الإعصار ووراه "علي" اللي كان وشه مخطوف.
"الورق فين يا علي؟ إزاي يختفي من الخزنة المصفحة؟"
بدأوا يقلبوا المكتب والشركة كلها، وعدت نص ساعة من البحث بدون نتيجة .
أدهم قعد على كرسي مكتبه بتعب وفجأة، وبالصدفة البحتة، لمح طرف ملف غريب في درج مكتبه الخاص..
سحبه بسرعة وفتحه، ولقى الورق المسروق موجود بالكامل.
أدهم نادى بصوت جهوري: "علي! لقيته.. الورق هنا!"
علي جرى عليه وفرح: "الحمد لله يا أدهم! أكيد الموظف اللي كان شايله غلط وحطه هنا.."
بس أدهم مكنش فرحان، كان فيه برود غريب سكن أطرافه. الإحساس ده مكنش منطقي.. فتح الملف بتركيز، ووقعت منه ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد مستفز:
"تعيش وتأخد غيرها يا سويسي.. النهاردة اللعب على التقيل."
أدهم اتجمد مكانه، والورقة وقعت من إيده. في ثانية، طلع موبايله اللي رابطه بسيستم كاميرات مراقبة القصر، وبمجرد ما فتح الشاشة، الدنيا اسودت في عينه.
المنظر كان مرعب.. الحرس اللي سابهم قدام البوابة وورا السور كانوا مرميين في كل حتة زي خليه نحل مهدومة، معظمهم جثث والدم مغرق المكان. أدهم صرخته اتحبست في زوره، وإيده بدأت ترتعش بشكل جنوني وهو بيقلب الكاميرات.
ضغط على كاميرات الخاصة بداخل القصر ... الصالون.. هدوء قاتل وسكون مريب. قلبه كان بيدق لدرجة إنه حاسس بوجع في صدره. بصوابع مرتعشة، ضغط على كاميرات الدور اللي فوق.. وتحديداً الطرقة اللي قدام الأوض.
في اللحظة دي، أدهم اتصنم كأن روحه هربت من جسمه، ومويايله كاد يقع من إيده.
على شاشة الموبايل، كانت جميلة واقعة على أرضية الطرقة، نايمة على بطنها في وضع يقطع القلب، وتحتها بركة دم كبيرة بدأت مغطية الرخام الأبيض من تحتها
"جميلة!! لأ.. لأ يا جميلة!"
أدهم صرخ بكل قوته وهو بيلف ناحية الباب، وعلي كان وراه مش فاهم حاجة غير إن فيه كارثة حصلت. أدهم ركب عربيته وطار بيها ناحية القصر وهو بيسابق الزمن، وصورة جميلة وهي غرقانة في دمها مش بتفارق عينه، وعقله شغال بيسأل مليون سؤال من ضمنهم :"يزن فين؟؟؟
•تابع الفصل التالي "رواية عشقت محتالة" اضغط على اسم الرواية