رواية قرية الزمهرير (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم مصطفى محسن
رواية قرية الزمهرير الفصل الاول 1 - بقلم مصطفى محسن
اسمي عاصم، عندي أربعين سنة وبشتغل محاسب في شركة خاصة في القاهرة. حياتي هنا هادية جدًا، شغل الصبح وبالليل أرجع شقتي أقعد لوحدي زى كل يوم. الناس هنا فاكرين إني من القاهرة، لكن الحقيقة إني من الصعيد، من قرية صغيرة أغلب الناس عمرهم ما سمعوا عنها. اسمها قرية الزمهرير. قرية بعيدة عن الطريق العمومي شوية، ومحاطة بجبلين من الناحيتين. في النهار كل حاجة فيها طبيعية، فلاحين رايحين الغيط وعيال بتجري في الشوارع الضيقة. لكن أول ما الشمس بتغيب، الناس بتقفل أبوابها بدري والشارع بيبقى فاضي بسرعة. زمان وأنا صغير كنت فاكر إن ده عادي، لكن لما كبرت فهمت إن في حاجة غلط في القرية دي. السبب الحقيقي اللي خلاني أسيب الزمهرير ومارجعش لها تاني كان في ليلة واحدة بس. الليلة دي كنت راجع متأخر وعديت جنب الترعة، سمعت صوت رجالة بيتكلموا بصوت واطي، فخبيت نفسي ورا شجرة. كانوا ستة من كبار البلد، ومعاهم كشافات وبيحفروا حفرة في الأرض. في الأول افتكرتهم بيدوروا على كنز، لكن لما قربوا الحاجة اللي معاهم للنور شفت الحقيقة… كانوا بيدفنوا راجل. الراجل ده كان متربط، وجسمه كله تراب، لكن اللي خلاني أتجمد مكاني إن الراجل ده فتح عينه وبص حواليه… وكان لسه عايش.
-
أنا اتجمدت مكاني ومقدرتش أتحرك، كنت سامع صوت نفسي عالي كأن كل اللي واقفين سامعينه، واحد منهم قال بسرعة خلصوا قبل ما حد يعدي من هنا، والتاني رد عليه وقاله متخافش مافيش حد من اهل القرية يقدر يخرج من بيته بعد الوقت ده، بعدها واحد فيهم نزل جوه الحفرة وشد الراجل من هدومه ورماه فيها كأنه بيرمي شوال، الراجل كان بيحاول يتحرك بس واضح إنه كان ضعيف جدًا، وسمعته بيقول بصوت مبحوح حرام عليكم سيبوني… أنا معملتش حاجة، ساعتها واحد من الرجالة ضربه برجله وقال اسكت خالص، وبعدين بدأوا يردموا التراب عليه وهو لسه بيتحرك، وأنا واقف مستخبي وقلبي بيدق بطريقة عمري ما حسيت بيها قبل كده، كنت عايز أجري أو أصرخ أو أعمل أي حاجة، لكن جسمي كله كان تقيل كأني مربوط في الأرض، وبعد دقايق قليلة التراب غطى الحفرة تماما وكأن مفيش حاجة حصلت، واحد منهم بص حواليه وقال كانكم محدش شاف حاجة، واللي حصل هنا يفضل هنا، ساعتها أنا فهمت إن اللي شوفته الليلة دي لو حد عرف إني شوفته… أنا كمان ممكن ادفن زي الراجل ده بالظبط.
-
فضلت مستخبي ورا الشجرة ومستنيهم يمشوا، قلبي كان بيدق لدرجة إني حسيت إنهم ممكن يسمعوه، بعد شوية واحد فيهم قال يلا نمشي من هنا، وفعلاً بدأوا يتحركوا ناحية الطريق الترابي. وأنا فاكر إنهم مشيوا خلاص، كنت لسه هطلع من مكاني… لكن فجأة واحد فيهم وقف. وقف كأنه افتكر حاجة. بص حواليه في الضلمة وقال بصوت واطي: استنوا… انا شايف اثار رجل على التراب غيرنا؟ الدم جمد في عروقي، وماقدرتش أتنفس. الراجل قرب خطوتين ناحية الشجرة اللي أنا مستخبي وراها، وكان النور الضعيف بتاع الكشاف بيقرب مني شوية شوية. ساعتها بس فهمت إن خطوة واحدة زيادة منه كانت كفيلة إنه يشوفني. فضلت ثابت مكاني، عيني على الأرض ومش قادر حتى أرفع راسي. بعد ثواني طويلة حسيتها ساعات، واحد من الرجالة نده عليه وقاله: يلا يا راجل مفيش حد، خلصنا ومحدش شاف حاجة. الراجل وقف لحظة كأنه متردد، وبعدين لف ومشي معاهم. استنيت لما صوتهم اختفى تماما، وفضلت مكاني شوية كأني مش مصدق إني لسه عايش. بعدها طلعت ببطء من ورا الشجرة وبصيت ناحية الحفرة اللي دفنوا فيها الراجل. المكان كان هادي جدًا، نفس السكون التقيل اللي كانت القرية بتغرق فيه كل ليلة.
-
لكن وأنا واقف هناك… سمعت صوت خفيف جاي من تحت التراب. صوت ضعيف جدًا… كأنه حد بيخبط بإيده من تحت الأرض. وقتها بس عرفت إن الراجل… لسه عايش فعلًا. وأنا كنت الشخص الوحيد اللي عارف إنه مدفون هنا. المشكلة إن الستة اللي شفتهم الليلة دي… كانوا من أقوى الناس في قرية الزمهرير. ولو عرفوا إني شوفتهم… هكون فى الحفرة اللي جنب الترعة وهيكون ليا مكان فيها أنا كمان.
-
وقفت مكاني لحظة ومخي كان بيجري في ألف اتجاه، الصوت اللي جاي من تحت التراب كان ضعيف بس واضح، كأن الراجل بيحاول يخبط بإيده عشان حد ينقذة. بصيت حواليّا بسرعة، الطريق كان فاضي والدنيا سكون، لكن كلامهم كان لسه بيرن في ودني: محدش شاف حاجة. ساعتها حسيت إن قدامي اختيارين مفيش غيرهم، يا إما أجري وأنسى اللي شوفته كأن الليلة دي ماحصلتش، يا إما أحفر بإيدي وأطلع الراجل قبل ما يموت. قلبي كان بيقول اهرب… لكن رجلي اتحركت ناحية الحفرة لوحدها. ركعت على الأرض وبدأت أزيح التراب بإيدي بسرعة، التراب كان تقيل وإيدي بتترعش، وكل شوية أبص ورايا خايف حد يكون رجع. بعد شوية ظهرت إيد الراجل من تحت التراب، كانت بتتحرك ببطء. مسكتها وشديت التراب حواليها لحد ما ظهر وشه. كان بينهج بصعوبة وعينيه مقفولة من التراب. قربت وشي منه وقلت له بصوت واطي: متخافش… أنا هطلعك. الراجل فتح عينه بالعافيه وبصلي كأنه مش مصدق إن في حد واقف جنبه. وبعد ما أخد نفس طويل قال كلمة واحدة خلت الدم يجمد في عروقي… قال: اهرب يا ابني… لو عرفوا إنك شفت اللي حصل… هيقتلوك أنت كمان. وفي اللحظة دي بالظبط… سمعنا صوت موتور عربية جاي من بعيد ناحية الترعة. نفس الطريق اللي الرجالة الستة مشيوا منه من شوية. وقتها بس فهمت إنهم… ممكن يكونوا راجعين.
-
اتجمدت مكاني لحظة وبصيت ناحية الطريق، نور العربية كان بيقرب، ومفيش وقت أفكر، مسكت الراجل من كتفه وحاولت أرفعه، كان تقيل ومش قادر يقف على رجله، بس مكنتش أقدر أسيبه، سندته بالعافية وجرجرته بعيد عن الحفرة ناحية الزرع اللي جنب الترعة، دخلناه جوه الغيط واستخبينا ورا زرع القصب، نور العربية وقف قريب جدًا من المكان، وسمعنا صوت باب العربية وهو بيتفتح، واحد منهم قال بحدة: أنا قولتلكوا كان في حد هنا، في حاجة مش مظبوطة، والمصيبة انهم شافوا الحفرة، اتحركوا بسرعة ناحيتها، وأنا واقف حابس نفسي بإيدي عشان مايتسمعش، الراجل اللي معايا كان بيحاول يتنفس بالعافية، قربت من ودنه وقلت له اسكت خالص مهما حصل، خطواتهم قربت من الحفرة، وفجأة واحد فيهم شتم وقال: الحفرة مفتوحة! في حد كان هنا، ساعتها قلبي وقع، راجل منهم قال: دوروا حواليكم، اللي عمل كده لسه مبعدش عن هنا، سمعت صوت خطوات داخلة ناحية الغيط، القصب حوالينا بدأ يتحرك، وأنا عارف إنهم لو دخلوا أكتر هيلاقونا، بصيت للراجل لقيته بيبصلي بخوف، ساعتها خدت قرار من غير تفكير، سيبته بهدوء على الأرض وقولت له ماتتحركش وغطيتة بعشب القصب، وخرجت من مكاني وجريت الناحية التانية من الغيط، واحد فيهم شافني وقال بصوت عالى: استنى عندك! وجري ورايا، والباقي جري وراه، وأنا بجري بكل قوتي ومش شايف قدامي من الضلمة، كنت عارف إنهم لو مسكوني يبقى انتهيت، بس في نفس الوقت كنت متأكد إنهم سابوا الراجل ورايا، وبعد دقايق جري دخلت في سكة ضيقة بين البيوت وفضلت مستخبي لحد ما صوتهم بدا يختفى، فضلت قاعد على الأرض بانهج ومش مصدق إني نجيت، لكن الحقيقة إن اللي حصل بعدها هو اللي خلاني أسيب قرية الزمهرير كلها… لأن الراجل اللي أنقذته في الليلة دي… ماكانش شخص عادي خالص.
•تابع الفصل التالي "رواية قرية الزمهرير" اضغط على اسم الرواية
