رواية خالد وملك الفصل التاسع 9 - بقلم سلمى ايمن
في اليوم التالي.. يومٌ مختلفٌ عما قبله.
كانت قعده في المترو بهيئتها الجديدة، وعيناها كل دقيقتين تلمح شاشة الهاتف لتتأكد من منظرها بأنها مرتبه، بينما بعدها تبحث في المكان عنه، ولم يمضي وقت طويل حتى رأته امامها بعدما تحرك القطار من المحطة
كان بيبص عليها باهتمام وإعجاب شديد، كأنه في حلمٍ لا يود الاستيقاظ منه وهي قدام عينيه بتلك الطلة التي تذكره بفتاة عمره
_ نادين...
قالها وعيونه في الأرض بحزن مرير ولما رفعهما ثانية شافها وهي تلوح له بيده بابتسامة بسيطة، فأخفى حزنه وتقدم منها وجلس بجانبها، ثم التفت نحوها ببطء وقال :
_ جميلة... ألف مبروك على الحجاب.. شكراً.
بصت ليه وقالت بابتسامة رقيقة:
= تسلم جداً.. وشكراً على إيه.. ده أنا اللي شكراً ومليون شكراً ليك.
نظر إليها بتساؤل عن سبب شكرها، فأكملت
_ لأنك خليتني أشوف نفسي بنفسي مش بعيون اللي حواليا، وحقيقي ده خلاني أكون أكتر من سعيدة بنفسي.. فشكراً ليك.
ابتسم لها وقال:
= سعيد إنك لاحظتِ ده، وده شيء يفرحني ويسعدني كمان.
بعد مرور دقايق في صمت دون كلام قامت من جانبه وهي تنظر للأرض وقالت
_ أنا لازم أمشي دلوقتي.. عشان ورايا حاجات، فأشوفك مرة تانية.. سلام.
=استني دقيقة...
وقفت وهي بتديله ظهرها وأحست بتوتر شديد، فقام هو واتجه نحوها وأخرج شيئاً من جيبه ومد يده قائلاً:
_ اتفضلي.
التفتت وبصت للشيء اللي في يده، وجدته جواباً (مغلفاً). قال لها:
= ده جواب أنا كاتبه.. وبقالي فترة مخبيه على أمل إنها تقرأه في يوم، بس افتكرت إنه هيفضل موجود لحد ما التراب يغطيه ويخفيه.. بس بشوفتك، ورغم إنك مش هي، بس يكفي إنك شبهها.
_ وعاوزني اخده ليه
= احتفظي بيه.. لحد ما يجي الوقت اللي تقرأيه.
مسكت الجواب لثوانٍ وقلبته بين يديها كان غلافاً أبيض باهتاً تغطيه طبقة من الأتربة الفضية، فرفعت أنظارها إليه وهزت رأسها من غير كلام، ثم انصرفت وهي تلقي عليه نظرة أخيرة قبل أن تضع الجواب في حقيبتها وتتابع سيرها...
.....
دخلت بيتها، وبمجرد ما دخلت رأتها أمامها، فابتسمت لها بحنان وهي تقترب منها وقالت:
_ كنتِ مستنياني يا روحي
هزت عبير رأسها ببطء، فقالت لها ملك بحماس:
= مستعدة نمشي ولا إيه
هزت رأسها وهي تقول لها ببطئ: مستعدة...
= أشطااات.. بس مش عاوزة خوف ولا قلق، هنروح عادي ونسلم عادي ونتكلم عادي جداً زي ما بتكلمي معايا.. تمام يا عبيرتي
هزت رأسها ثانية بقلق طفيف وهي تأخذ أنفاسها، مستعدة لما هو قادم.
وبعد مرور دقائق قليلة، وقفت ملك في مكان حيّ وهي تنظر في ساعة هاتفها بانتظاره، مستغربة تأخره، بينما كانت الأخرى تمسك يدها بقوة وخوف ومضاش وقت طويل حتى رأته قادماً بسيارته، فابتسمت وهي تشير لعبير
_هو ده مهند.. هناك أهو
وتذكرت المحادثة التي دارت بينها وبينه بالأمس حكت له عن حالة عبير التي فاجأته ولم يكن يتوقعها..
[فلاش باك]
_سلام عليكم.. إزيك يا مهند
= الحمد لله بخير.. أنتِ عاملة إيه
_ الحمد لله.. بقولك إيه يا مهند، هو أنت بتعرف تتعامل مع الناس اللي عندهم أعراض رهاب اجتماعي هو مش نفس الأعراض بالظبط، بس فيه شوية منها؛ كقلة الكلام، والقعدة كتير في البيت، والخوف والقلق الزايد من الناس.
= اممم ده ممكن يكون اكتئاب من حاجة حصلت زمان، بتكون محفوظة جوه الإنسان وتسبب له وحدة ويكون قليل الكلام وبعيد عن اللي حواليه.. هو مين أساساً
_ أختي عبير.. من صغرها، يعني قول من وهي عندها 9 سنين وهي في الحال ده.
= طب مجربتوش تتكلموا معاها أو تعرفوا إيه السبب اللي خلاها توصل للمرحلة دي
_ حاولت كتير معاها بس مفيش فايدة، وكل ما أكلمها تبعد عني وتهرب. جبت لها دكتور نفسي وبرضه مفيش فايدة فسبتها لراحتها، لكن حسيت إنها بتضيع أكتر وخفت تعمل في نفسها حاجة، ولما شفتك وعرفت إنك دكتور قلت أجرب تجربة تانية مش هخسر حاجة.
= طب جبيها بكرة عندي و...
_ لأ لأ مينفعش أجيبها عندك، هتعرف إني جايباها لدكتور ومش هترضى، فإحنا نقعد في أي حتة كده ومتقولهاش إنك دكتور، أنا جايباها بنية إنها تتعرف عليك مش أكتر.
= عندها كام سنة
_ 18 سنة
=اممم تمام ماشي.. اقفي لي في (....) وهاجي آخدكم بالعربية ونشوف.. تمام
_ تمام.
[العودة للواقع]
نزل من العربية وهو ينظر ليهم بابتسامة بسيطة، ومد يده لملك فسلمت عليه، وبعدها مد يده للأخرى، فتراجعت عبير بخوف شديد وهي تمسك يد أختها وثيابها بشدة، وبصت بعيد عنه.
قالت له ملك بابتسامة:
_ معلش، عبير بتكسف تسلم على أي حد فاعذرها
ابتسم لها ورجع يده وقال:
= لا عادي، وده شيء حلو إنها متسلمش على أي حد وخصوصاً الرجالة..و
بعديها بص لملك وقال:
_ ألف مبروك على الحجاب.. شكلك حلو فيه.
قالت ملك بإحراج:
= تسلم جداً.. حبيت آخد الخطوة دي والحمد لله ربنا يثبتني فيها.
قال لها وهو يتجه للسيارة ثانية:
_ يارب.. أكيد مش هنفضل واقفين في الشارع كده، اركبوا.
هزت ملك رأسها وجذبت عبير معها، اللي فضلت طوال الوقت ممسكة بها، تحاول قدر الإمكان الابتعاد عنه أو تجنب أي كلام معه، ركبت جانبها في الخلف ويدها في يد أختها، فابص مهند لها في المرآة بابتسامة بسيطة:
_قفلتِ الباب كويس يا عبير
نظرت الناحية الأخرى بقلق، وأحست ملك بارتعاش يدها، فوضعت يدها على رأسها تمسح على شعرها بحنان وقالت
=مالك يا عبير في إيه.. حاسة بحاجة
قال مهند بهدوء:
_ افتحي لها الشباك لو حاسة بخنقة.
وفعلت ملك ذلك، فاقتربت عبير برأسها من الشباك وأغمضت عينيها، وظلت طوال الطريق على تلك الوضعية، مبتعدة عن أي نظارت، تلجأ لظلامها الداكن ثانية......
......
في الناحية الأخرى...
كانت هي واقفة وهو ينظر إليها بتركيز واهتمام ممسكاً بباقة ورد حمراء، فنظرت إليه بضيق والتفتت قائلة:
_ لأ.. أنا مش عاوزاك يا خالد
قال لها برجاء وعيونه في الأرض:
= بس أنا حبيتك.. غصب عني حبيتك
_ تحبني إزاي يا خالد.. ده هما يدوب يومين اللي عرفنا بعض فيهم.. لحق قلبك يتعلق بيا
أمسكها من كتفيها وأدارها نحوه وهو ينظر في عينيها بحب:
= ومن إمتى والحب بيتقاس بالمدةمسمعتيش عن الحب من تاني نظرة
_ يخرب بيتك اسمها من (أول) نظرة
قالتها أميرة وهي تخطف منه باقة الورد وترميها أرضاً:
= دي عشر مرة نعيد فيها التمثيل، وكل شوية كلمة مختلفة.. ده محمد نام على نفسه من كتر ما عدنا
كان محمد ممسكاً طبق من الفشار، وبيده الثانية هاتفه اللي ميفارقهوش أبداً، وقال بلامبالاة:
_لأ لأ كملوا أنا معاكم متقلقوش، بس اللقطة الأولى معجبتنيش لأنك كنت ماسك الورد جامد ولا كأنه حتة من دمك
أمسكت أميرة باقة الورد ثانية ورمتها على محمد وهي تقول بعصبية شديدة:
= وأنت إيه القرف اللي جايبه ده... أقولك هات لي من عند محل الورد كام وردة حمراء على بمبي، تجيب لي ورق شجر من الجنينة وصبغه لي أحمر ولاففه لي في ورق جرانين ده أنت طلعت بيئة أوي صحيح
رد عليها محمد وهو يلملم باقة الورد اللي تبعثرت:
_ طب والله شكلها حلو، أنتِ اللي ذوقك بقى قديم أوي.. ده أنا حتى رشيت عليها شوية من معطر البيت عشان تديها ريحة أحلى
نظرت إليه أميرة بضجر وقالت:
= ربنا يسامحك يا أخي.. ويا ريتك مركز معانا أصلاً، بقالنا ساعة بنمثل قدامك وأنت ولا هنا
زفر خالد بضيق وقعد جنب محمد وقال:
_ أنا مش عاوز أكمل القرف ده تاني.. أنا هعرف أتصرف
قال له محمد موافقاً:
=الله عليك يا أخويا.. عين العقل. لما تقابلها يا عم ابقى قولها اللي في عقلك، رغم إني لسه مش مصدق إنك هتتجوز ملك بس مش مهم... سيبك من نظرة تانية ولا نظرة أولى وكل معايا فشار وريح.
ردت عليه أميرة بحدة:
_ أنت عاوزه يكون زيك كده.. معندهوش اهتمام ولا مبالاة بحاجة عاوزه يقعد اللي في عقله تليفونه وإزاي يكسب في (ببجي) ويطفح الأكل وينام وعلي كده كل يوم ولا اي
رمى محمد الهاتف وقام فجأة ونظر إليها بغضب:
= قصدك إيه يا أميرة ما بلاش تخليني أفتح في الكلام.. شوفي نفسك بتعملي إيه الأول بدل ما تتكلمي على عيشة الناس
بصت له باستغراب من لهجته اللي انقلبت فجأة، ولكنها ردت بحدة:
_ لا معلش، افتح لي في الكلام.. عندي شوق أعرف هتقول عني إيه، ولا ميكنش عندك كلام أصلاً غير الكلمتين اللي حافظهم بتفضي غلك فيهم
مسك محمد ذراعها بشدة مما خلاها تتألم وتبص ليها بتعجب من نظراته الغاضبة التي شابهت نظرات خالد ولكنها كانت أكثر قسوة، وكلما تكلم زاد ضغطه على ذراعها
= ومالو.. أفتح لك طالما أصريتِ. أنا عيشتي أحلى وأجمل من عيشة واحدة بتأذي الناس عشان مصلحتها، وأحسن كمان من إني أكون بارد ومستفز والناس كلها بتبعد عني.. وأنتِ فيكي كل الصفات دي وأسوأ، بس إيه مفيش دم ولا إحساس ولسه مكملة! خليكي كده براحتك بتتحمي ورا أبوكي في كل حاجة يا... جبانة
كانت هيا تتلوى بألم وهي تصرخ بصوت عالٍ:
_ "سيب دراعي دراعي خلاص هيكسر في إيدك يا مجنون.. سيبهاااا
بس كأنه لم يسمعها، بل استمر في غضبه وضغطه حتى وقعت على الأرض من شدة الألم وصراخها يملأ المكان:
= من النهارده معاملتي معاكي هتكون بشكل تاني خالص يا أميرة، وميهمنيش بقى بابا ولا ماما.. تتحمي فيهم، تشتكي لهم، تعيطي لهم، مش فارق لي حاجة! أي تصرف أو تمادي مع حد تاني يبقى استحملي بقى... فاهمة
في اللحظة دي، مقدرش خالد الجلوس أكثر من كده بعد ما أدرك أن الأمر أصبح خطيراً جدا، فقام وفصل بينهم سريعاً ابتعدت أميرة وهي تبكي وتمسك ذراعها بألم شديد، فقال خالد لمحمد بضيق:
_إيه اللي أنت عملته ده.. حد يعمل في أخته كده
رد محمد بأنفاس متلاحقة
= معلش.. محتاجة تتربى من أول وجديد. ودي استحالة تكون بنت.. البنت مهما كانت قاسية بتفضل طيبة من جوه، إنما دي شيطانة
_ استغفر الله يا عم متقولش كده، وبعدين ما أنت متعود تسمع الكلام ده منها وبتكبر دماغك، إيه اللي خلاك تعمل كده دلوقتي
بص محمد لأميرة نظرة جعلتها ترتعد، ثم بص لخالد وقال بمرارة:
= أميرة متفقة مع أبوك إنهم يجوزوك أنت وملك، وأنا وأختها، عشان يقدروا يرفعوا قضية للبيت اللي ساكنين فيه وياخدوا الورث...
•تابع الفصل التالي "رواية خالد وملك" اضغط على اسم الرواية