رواية صياد النايا الحانا الفصل السابع 7 - بقلم اية العربي

 رواية صياد النايا الحانا الفصل السابع 7 - بقلم اية العربي

بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل السابع من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي
تظل المرأة تتجاوز، وتغفر، وتمرر، وتتغافل، ولكنها لا تنسى؛ فاحذر من يومٍ يأتي حاملًا معه رحيل بلا عودة، حينها لن ينفعك قضم أناملك العشر ندم .....
آية العربي
❈-❈-❈
منذ ما حدث في الشركة و هي لا تنفك عن التفكير بالحالة التي يشعر بها جابر ، خاصةً أن ما حدث كان أمامها ، ومن المؤكد أنه شعر بالإهانة البالغة ، و بانزعاج يزعجها .
ليته كان أجاب على اتصالها آنذاك واستطاعت مساعدته بدلًا من أن يصبح منافسًا لهم فيما بعد يريد الانتقام .
هل هذا حقًا ما يقلقها أم أنها تبالغ في التفكير بأمره ؟ هل تفعلها وتهاتفه مرةً أخرى لتعرض عليه المساعدة خلسةً ؟ أم تترك الأمر برمته ؟
ها هي تجلس خلف مكتبها في غرفتها تقلب هاتفها في يدها ، تفكر وهي على وشك التنفيذ ، ولكن حياؤها يمنعها ..
يبدو أن الأفكار تلتهم سكان هذا المنزل ، فها هو نوح يقف أيضًا في غرفته ، مستندًا على نافذته يشغله أمر مودّة .
منذ لقائهما و هي لم تأتِ ، ولم تحضر محاضراتها عبر الإنترنت ، يشعر بالحرج في السؤال عنها ولكن عقله لا يتوقف عن التفكير فيها ، يخشى أن يكون قد أصابها مكروهًا ، خاصةً وأن نظرات ذلك الشاب نحوها كانت غاضبة متجهمة ومتوعدة .
لتأخذه أفكاره إلى شكٍ جعل قلبه مُلتاعًا ، هل يمكن أن تكون عائلتها متشددة ؟ هل عاقبوها لمجرد وقوفها معه وسؤالها عن شيء ؟
اعتدل في وقفته ونطق مستجيرًا وهو ينظر للأفق :
- يارب .
راودته فكرة سريعة وقرر تنفيذها ، وإن صدق حدسه سيذهب ويطلب يدها ، هذان اليومان جعلا قلبه وعقله يعيدان تفكيرهما في أمرها ، لن ينتظر زواج ريم ولن يقصر معها قط ، ولكن عليه أن يلحق بمن هواها فؤاده ، وهكذا سيتحدث مع والدته وشقيقته ليرى ماذا هو بفاعل .
تحرك يستل هاتفه من فوق مكتبه و خرج من غرفته باتجاه غرفة شقيقته المنشغلة في التفكير بجابر .
لذا حينما طرق نوح الباب انتفضت كأنه اقتحم عقلها ، لترفع رأسها نحو الباب بترقب ناطقة :
- اتفضل .
دلف نوح يطالعها مبتسمًا ابتسامة تعلن تأهبه حينما دلف واتجه يجلس أمامها متحمحمًا ، فقطبت جبينها بتعجب من حالته ونطقت :
- خير يا نوح ؟
مسح على وجهه بتوتر لا يعلم كيف يبدأ كلامه ولكنه نطق مُجبرًا :
- فيه خدمة صغيرة عايزك تعمليهالي ، ممكن ؟
نطقت بإيماءة مؤكدة والترقب باديًا في نظرتها وهي تتكتف باستعداد :
- أكيد ، قول وأنا عيوني ليك .
ابتسم لها ثم نطق بهدوء :
- فيه طالبة عندي مابتحضرش بقالها يومين ، ولا حتى بتدخل محاضرات الأونلاين ـــــــ
تجلى التوتر على أساريره فازدرد ريقه وهو يتابع :
- يعني بس لو اچبلك رقمها وتكلميها على إنه إنتِ زميلتها وكدة ؟ نطمن بس ونشوف هي كويسة ولا إيه ؟
قلبت عينيها أمامه وأطرقت رأسها تطالعه بثقب ثم تساءلت بمكر :
- طالبة عندك ؟ وغايبة بقالها يومين ؟ من امتى وانت بتهتم بالمواضيع دي يا نوح ؟ ماتخليك دوغري ياخويا !
حدجها بنظرة ثاقبة فتحمحمت توضح ماكرة :
- قصدي يعني احكيلي ، دانا افرحلك بردك !
زفر بضيق لتسرع في تهدئته فهي تدرك حذره وخجله من هذه المواضيع ، لذا استطردت :
- يا نوح لو بتحبها عرفني ، وفيها إيه يعني ؟ دي حاچة تسعدني إنك أخيرًا فكرت في نفسك .
أعطته الأمان ليهدأ ، ولكنه يفكر هل يبوح لها بالفعل بكل ما يعتليه ، أم يعطيها رؤوس أفكاره ؟
ليتنهد بعمقٍ ثم نطق موضحًا :
- ياريم هي بنت مختلفة عن اللي في الدفعة ، هادية ومتحفظة وفي حالها ، وانتِ عارفة إن دي الصفات اللي بحبها ، مش حنكر وأقول إني مش منچذب ليها ، بس كنت متردد آخد الخطوة دي دلوقت ، لكن من يومين بعد ما خلصت المحاضرة هي چت ووقفت قدامي تسأل عن حاچة ، وقتها چه واحد وقف بالعربية وأول ما شافته وشها اتغير وخافت وچريِت تركب معاه ، ومن وقتها لا چت الچامعة ولا حضرت أي محاضرة أونلاين .
عم التوتر أركان ملامحه حينما نهشه القلق مجددًا واسترسل بترقب :
- أچبلك رقمها وتكلميها كإنك زميلتها ؟ تسألي عليها بس ؟
رأت حالته وشعرت به ، برغم فرحتها تجاهه فهو يهمل التفكير في نفسه كثيرًا ، في المقابل يهتم بها وبوالدتهما ، لذا ابتسمت تجيبه باهتمام :
- طب يالا مليني الرقم ، وقولي اسمها .
انتعش داخله فبدا ذلك على ملامحه وهو يعبث بهاتفه متلهفًا بثقل ولكنها تقرؤه ، لذا استعدت وبالفعل بدأ يملي عليها الرقم وهي تكتبه وأخيرًا أعطاها اسمها بعيون لامعة قائلًا :
- اسمها مودّة .
أخفت ابتسامتها ثم قررت الاتصال وعم الصمت في تأهب بالغ من كلاهما .
أعطى جرسًا ، واثنين ، وثلاثة ، ثم فُتِح الخط لتستعد ريم للحديث ولكنها سمعت صوتًا ذكوريًا يتساءل بغلظة كأنه على وشك المشاجرة :
- ألو ؟
توترت ريم وتأهب نوح ولكنها أشارت له بأن يهدأ ونطقت بنبرة متروية في ظاهرها :
- سلام عليكم ، ممكن أكلم مودّة لو سمحت ؟
صمت قليلًا ثم تساءل بذات النبرة :
- أجولها مين ؟
أدركت أنه ليس من مدينتهم لذا استرسلت بهدوء مبهم وعينيها على شقيقها :
- أنا زميلتها في الچامعة ، قلقت عليها لما ماجتش وقلت اطمن ، هي كويسة ؟
صمت الرجل لثوانٍ حتى شعرت ريم بالريبة وتهاوى قلب نوح قبل أن يسمعا صوتًا أنثويًا ينطق بخفوت :
- ألو ؟
عرفها على الفور ليومئ لشقيقته بتحفز عالٍ يحثها على مجاراتها لتنطق ريم بذكاء خشية من وجود أحدهم بجانبها :
- أزيك يا مودّة ، أنا ريم البسيوني ، قلقت عليكي لما ماچتيش ، ودفترك معايا ، وحتى محاضرات الأونلاين مش بتحضريها ، إنتِ كويسة ؟
كانت مودّة تقف أمام شقيقها الأكبر ووالدها ، يطالعانها بنظرات ثاقبة حادة لذا لفت وجهها قليلًا وأسرعت تفكر ، ريم البسيوني ؟ ليس في دفعتها بنت بهذا الاسم ؟ لتشعر بهمس قلبها يخبرها أن هذه الريم تابعة لدكتور نوح البسيوني لذا أجابتها بهدوء ظاهري وهي تلتفت وتطالعهما مجددًا :
- أزيك يا ريم ، أنا كويسة ، كنت واخدة دور برد شديد شوية ، شكرًا على سؤالك .
أسرعت ريم تتابع بنبرة ود ظاهرية :
- ألف سلامة عليكي ، طيب حترچعي امتى ؟ فيه محاضرات مهمة ماينفعش تفوتك ، ماتنسيش إن الامتحانات قربت .
أشار لها والدها بأنها سوف تعود غدًا لذا انفرجت أساريرها وهي تجيبها بارتياح :
- حرچع بكرة إن شاء الله .
هدأ قلب نوح ، فأخيرًا ستعود ويراها ، وبعدها لن ينتظر أكثر من ذلك ، ليترك ريم تنهي المكالمة قائلة :
- تمام يا مودّة حشوفك بكرة بقى إن شاء الله .
أغلقت معها ونظرت إلى نوح تبتسم قائلة بترقب :
- الحمد لله هي كويسة أهي ، بس بيتهيألي يا نوح أهلها متشددين شوية ، شوف أنا بتكلم مع عملا كتير بس أول ما سمعت صوت أخوها اتوترت ، ممكن يكونوا مشددينها عليها شوية .
أومأ يؤكد على حديثها فهذا ما يتضح له لذا نطق وهو ينهض :
- فعلًا معاكي حق ، بس الحمد لله إننا اطمنا عليها .
قطبت جبينها تطالعه وهو يستعد للمغادرة فنطقت بتذمر :
- إنت رايح فين ؟ خلاص كدة مهمتك خلصت ؟ يعني مالكش أخت تقعد معاها ؟
حدجها بتفحص ونطق مستنكرًا :
- إحنا حنبدأ غيرة بدري ولا إيه ؟ أنا رايح أنام علشان اقوم بدري أشوف مصلحتي .
تحرك خطوة ولكنها أوقفته تردف بتلاعب :
- تشوف مصلحتك ولا تشوف مودّة يا دكتور نوح ؟ عادي عادي تصبح على خير ، وانا بردك في الخدمة لو في أي مصلحة .
ابتسم يجز على شفتيه ثم مال نحوها ومد يده يصفع رأسها بخفة ثم اعتدل يردف بابتسامة تعبر عن ارتياحه :
- تصبحي على خير ، قومي نامي إنتِ كمان يالا .
غادر الغرفة وتركها تبتسم عليه وتعيش الفرحة من أجله ، ثم قرر أن يتجه إلى غرفة والدته يطمئن عليها ككل ليلة قبل أن ينام ، ليجدها تصلي قيام الليل لذا جلس ينتظرها بعدما اطمأن قلبه .
بينما عاد جابر آل حانا يحتل رأس ريم ، وتفكر هل ترسل له رسالة ؟ ربما عليها أن تتبع إحساسها ، لذا عادت تلتقط هاتفها وتعبث به لمدة ثوانٍ ثم قررت إرسال رسالة نصية محتواها
( مساء الخير يا أستاذ چابر ، أنا قولت أسيبك يومين تهدى ، وبعتذر عن الطريقة اللي مستر معتز تعامل مع حضرتك بيها ، وحكون مرحبة چدًا بأي مساعدة اقدر اقدمها ليك ولشركتك الجديدة ، بتمنى ترد على رسالتي )
أرسلتها وجلست تفكر ، هل سيجيب ؟ وهل سيقبل المساعدة ؟ أم أن غضبه سيجعله يود لو ينتقم ؟
❈-❈-❈
على الجهة الأخرى عند مودّة
وقف الأخ محتدًا مستنكرًا قرار والده :
- حتبعتها بكرة كيف يابوي ؟ مش جولنا موضوع الچامعة ده انتهى عاد ؟
نطق الأب وهو يتطلع على مودّة التي تقف تتكتف وتنظر نحو شقيقها بحزن :
- بزيادة إكدة يا مسعود ، ده مستجبلها بردك ، وهي عرفت غلطتها وماحتكررهاش تاني واصل ، ولا إيه يا بتي ؟
أومأت مؤكدة تجيب والدها بنبرة منكسرة عاجزة :
- حاضر يا بابا .
انفعل شقيقها وزادت حدته وهو ينطق بتأكيد :
- يبجى ماحتخرچيش من إهنة غير وانتِ لابسة النجاب .
تأهبت وعبست ملامحها تجيبه باستنكار وهي تشير بيديها :
- حلبسه كيف يا مسعود غصب عني ؟ أني ماريداهوش .
كاد أن يهجم عليها أمام والده الذي رفع يديه يصيح بنظرات حادة لكليهما :
- ارچع مكانك يا مسعود ، وانتِ يا مودّة اللي أخوكي يچوله حيتنفذ ، النجاب سُترة يابتي وحماية ليكي ، ومعايزش اسمع حديت تاني .
تجهمت ملامحها ونظرت لهما بخيبة ولكنها لا تمتلك حق الاعتراض ، فإن فعلت ستحرم من جامعتها لذا أومأت بصمتٍ حزين ونطقت قبل أن تتحرك نحو غرفتها :
- اللي تشوفوه .
غادرت وتركتهما يقفان ينظران لبعضهما وكلاهما يرى أنه على صواب .
❈-❈-❈
باتت غرفتها تضيق بها ، وكأن الجدران الأربعة يقبضون عليها كلما نظرت لهذه الأغراض المبعثرة التي لم تجمعهم ، بل تركتهم لتتشبع بالحقد منهم .
إنه يحرقها عن عمد ، يريد أن ينتقم منها على محاولتها لقتله آنذاك ، ما يفعله ليست أفعالًا عابرة على الإطلاق ، إنه أخبث مما توقعت .
يفكر ويخطط وينفذ ويستمتع بالنتيجة التي دومًا تصب في مصلحته .
التفتت مجددًا تنظر نحو الملابس والعطور وغيرها بكرهٍ يقطر من مقلتيها وحدثتهم بتوعد :
- افرح يا عمار دلوك ، افرح وانبسط جبل ما تتجتل بالغدر والخيانة كيف ماغدرت باخوي ، هانت يا ولد الحنانوة ، إنت اللي اخترت تاخدني حداك .
ابتسمت حينما نسجت لها شياطينها الخطة التي ستسير عليها من اليوم فصاعدًا لذا نهضت من على فراشها وتحركت نحو الحقيبتين ثم دنت تجمع الأغراض وتعيدهم بداخلهما بعنف مرددة وهي تتمسك بإحدى الجلابيب السوداء :
- حلبسها وأني باخد عزا أخوي بعد ما احرج جلبك على كل اللي عملته .
نفضتها بعدها وأسرعت تلملم البقية وتتمتم بغضب وتوعد ثم انتهت ونهضت تحاول إغلاقهما وسحبهما إلى أحد الأركان .
❈-❈-❈
في قصر حسنين
جالسًا مع ولديه في المندرة، يرتشفون الأرجيلة والدخان يتصاعد عاليًا تزامنًا مع قهقهاتهم الصاخبة .
ليتحدث حسنين بنبرته الساخرة عن شقيقه :
- بس أني اتكيفت جوى لما عيلة عبود ماجبلوش بحكمه ، مهو مش كل حاچة حتمشي على كيفه .
نطق ابنه راجح بعدما نفث دخانه عاليًا يلقي برأيه :
- بس بردك يابوي عيلة عبود غلطانين ، والمرة دي عمي كان معاه حج لما جال إن لازما يدفعوا حج المحصول للهلايلة .
ردد حسنين مؤكدًا بانتشاءٍ وحقد :
- عارف إنهم حرامية ، بس كيفوني لما صغروه جدام الهلايلة ، أصل عبد الوهاب بجى شايف حاله جوي ، خليه يعرف إن مش كل حاچة حتمشي تحت طوعه .
نطق سيد وهو يضع الجمرة على رأس الأرجيلة ويقلبها :
- بس من ساعة ماتحل موضوع التار ده يابوي والبلد مالهاش سيرة غير عن عمي والشيخ زيدان ، ده الرچالة بيجولولي إنهم طلبوا منه يرشح نفسه في الانتخابات وهو رفض ، ماتعملها إنت يا بوي ؟
صوبها باتجاه عقله فانطلقت تخترق رأسه ليردف مستفسرًا وهو ينسج هذه الفكرة :
- ابجى نايب ؟ تصدج ياد يا سيد عچبتني الفكرة دي ، بس حنعملها كيف ؟
نطق راجح مقترحًا :
- سهلة يا بوي ، بس حتحتاچ دعم كَبير جوي ، ودعاية صُوح ، أني من رأيي اللي ممكن يفيدك في الليلة دي هو چابر ، كلمه واتحدت وياه ، مادام عمي مهواش رايد يبجى أنت أحج بيها من الغريب .
أومأ سيد مؤكدًا :
- صوح يا بوي ، بس كلم عمي لاول وعرفه بردك علشان مايجولش إنك ماكبرتوش .
حدجه حسنين بنظرة مستنكرة ولوح بيده برغم أنه محق ، ولن يخطو خطوة كهذه بدون دعم شقيقه ، ليشرد ويفكر في الأمر بالفعل ، بينما مال سيد على شقيقه راجح يغير دفة الحوار قائلًا بخبث :
- أبوك دلوك لازمًا يدور على خطة بديلة ، موضوع عمار وولاء طلع فنكوش وأهو هيتچوز بنت الحوامدية .
تنفس بانتشاء يسترسل وهو يتذكر ملامحها وشموخها وقوتها المعهودة والمعترف بها لدى الجميع :
- البت دي فرسة يا راچح ، أني عيني كانت منيها ، بس حنجول إيه ، ولاد عمك حظهم نار ، بعد ما جولنا هيجتلوه طلع تعلب كبير وطلب يدها .
نطق راجح يستفسر بتعجب :
- مش دي اللي جالت مش حتچوز ، ووجفت جدام الناس كلياتها وحلفت إن يوم ما ياخدو بتارهم ويجتلو عمار هيكون يوم فرحها ؟ دي بتكره كره العمى ، حتتجوزه كيف ؟
هز منكبيه يجيبه مغتابًا إياها بفجور :
- ماهو مر خمس سنين أهو ، وتلاجيها زهجت وغيرت رأيها ورايدة تتچوز بأي طريجة ، مهو خسارة فرسة زي دي تعنس بردك .
نطق حسنين حينما استمع لكلام ابنه الأخير بنبرة غامضة :
- الحوامدية مرحبين جوي بالنسب ده ، بس مهواش حيكمل ، وافتكروا حديتي .
تساءل سيد بتأهب :
- اشمعنى يا بوي ؟
استنشق حسنين من أرجيلته يصدر أصواتًا متتالية ثم نفث دخانه وأردف مبتسمًا ومتباهيًا بذكائه :
- أصل البت فرحة دي استرچلت ومن وجت ما مات أخوها وهي طايحة في الكل ، ماحتنفعش مع عمار واصل ، عمار كيف أبوه معايزش واحدة تعلى عليه ، علشان إكدة الچوازة دي حتتفشكل ، ووجتها حجوزه ولاء وحعمل اللي في راسي بردك ، حسنين ولد الحنانوة مهواش حيخسر واصل ، وبكرة تشوفوا أبوك يا واد منك ليه .
❈-❈-❈
فتحت باب غرفتها ودلفت تحمل فنجانًا من القهوة التي أعدتها له ، تسلطت أنظارها عليه وهو يدلل صغيره ويناغشه ، يجلس على الفراش ويحمله ويحدثه كأنه رجلٌ رشيدٌ قائلًا بجدية زائفة :
- مش المفروض بجى تنزل الشركة مع أبوك بدل مانت جاعد في الدار إكده ويا الحريم ؟ مايصحش عاد إنت عندك أربع شهور دلوك ؟
يطالعه الصغير ويبتسم بمرحٍ لتتقدم نهاد مبتسمة وتضع الفنجان على الكومود وهي تنطق بسعادة :
- كلامك صوح يا مهران ، خده معاك وحتكون عملت فيا چِميلة ، بس ماتچيش تشتكي بعدها .
تحمحم واعتدل تتلاشى ضحكته تدريجيًا وهو يطالع القهوة قائلًا بهدوء :
- تسلم يدك .
نطقت مأخوذة به :
- بألف هنا على جلبك .
جلست قبالته تطالعه وتبتسم فتعجب وتساءل وهو يريح صغيره جانبًا :
- فيه حاچة ولا إيه ؟
نطقت بعفويتها وحبها له :
- فرحانة إنك مبسوط ، يارب دايمًا إكدة .
أنبه ضميره لذا لف وجهه عنها ومد يده يحمل فنجان القهوة وارتشف منه رشفة ليتجلى على ملامحه الإعجاب بها ، فهي تصنع فنجان قهوة متميز المذاق ، لا ينكر تعلقه به من يدها لذا نطق بهدوء :
- أهو الفنچان ده هو اللي بيظبط مزاچي .
ابتسمت تجيبه وتسرد له ماحدث بعفويتها :
- عارف مين چه يزورني النهاردة ؟
ترقب يطالعها ويتساءل :
- مين ؟
نطقت بقلق من تغير حالته المزاجية ، ولكنها لا تنوي إخفاء شيء ٍ عنه ولم تعتد ذلك لذا نطقت :
- ولاء ، چت تشوفني وتجعد معايا شوية ، انبسط جوي لما شوفتها .
شعر أن استكمال الحديث سيأخذ منحنى آخر ولكنه لم يرد كسر خاطرها لذا ابتسم ونطق ببرود مغيرًا دفة الحوار سريعًا :
- كويس ، هي عمتي نچوى لسة تحت ؟
أجابته ولم تستشف هروبه من سماع شيء عن عائلتها بل استرسلت :
- لاء روّحَت ، بس فيه حاچة غريبة حُصلت معايا عايزة احكيهالك .
أدرك أن لا مفر من حديثها لذا أومأ وعاد يرتشف قهوته ويستمع لها مجبرًا لتسرد :
- البت حسناء لابسة خاتم بيجولوا مقروء عليه ، الخاتم ده اللي يلبسه بيتحقق اللي هو عايزه ، طبعًا أني ماصدجتش الحديت ده ، مع إنها لما لبسته الچدع اللي كانت بتحبه اتجدملها وحيخطبها ، بس النهاردة وإحنا في المطبخ چاتلها مكالمة وراحت ترد ونسيته على الحوض ..
لكزت ساقه بخفة وضحكت بعفوية تتابع بترقب :
- جومت أني لبسته ودعكته بيدي ، جولت أشوف الحديت ده صوح ولا أي كلام ، ولجيتها راچعة تاخده واضايجت جوي لما شافته في يدي و جال ايه إني إكدة حاخد من سعادتها .
قهقهت ولم يفعل بل يتابعها وهي تستطرد :
- كنت عايزة أجولها بطلي عبط يابت إنتِ حتصدجي المكروب ده....
انفرجت أساريرها وبدى التحفز على ملامحها وهي تتابع :
- بس جبل ما افتح بؤي لجيت ولاء چاية وبتجول إني اتوحشتها ، وفضلنا جاعدين سوى نتحدت كيف الأخوات ، وبعدها لجيتك داخل بتضحك ومبسوط ، تفتكر صوح أخدت من سعادة حسناء ؟
نطقتها وضحكت فابتسم وقطب جبيته يستفسر متسائلًا :
- بتهزري صُوح ؟
هدأت ضحكتها ونطقت وهي تقف حائلة بين الجدية والمزاح :
- ماعرفاش يا مهران ، أني بسمع حكايات كَتير إهنه .
هز رأسه معترضًا ونطق محذرًا :
- ماتصدجيش الليلة دي ، اللي حصل ده مچرد صدفة طبعًا ، وبعدين كيف تلبسي خاتمها من أساسه ؟
حينما لمحت الضيق ارتسم على ملامحه أسرعت تحاول تهدئته فنطقت بمراوغة :
- ماجصديش حاچة يا مهران ، أني بهزر معاك ، هو يعني معجول أصدج الحاچات دي ؟
نظر لها بشكٍ ثم زفر يومئ ونظر لصغيره الذي غفا فرفع الغطاء على جسده وربت عليه ثم عاد لها ينطق موضحًا :
- الحاچات دي حتى لو چابت نتيجة وجتها ، بس بعد إكده بتجلب الخراب ، لإنها حرام ، أوعي تصدجي !
رفعت كفيها تنطق مدافعة :
- مامصدجاش يا مهران ، أني بحكيلك اللي حُصل وعارفة إنها صدفة ، ماتضايجش نفسك واشرب الجهوة عاد .
زفر وعاد يرتشف فنجانه وعم الصمت لبرهة بينما نهضت نهاد بعدها تتحرك نحو خزانتها تنتقي ثيابًا لها ثم نظرت له تردف بمقلتين لامعتين وترقب :
- حدخل أخد شاور ورچعالك ..
أومأ لها فتحركت تختفي في الحمام وجلس يتابع أثرها ويفكر فيها ، ألهذه الدرجة تتلهف لابتسامته !
ابتسم ساخرًا من نفسه ، فهو أيضًا بات يتلهف للضحك والسكينة وكل ما يريده أن يعيش حياة هادئة ويجد من يفهمه جيدًا ...
❈-❈-❈
دلفت غرفة ابنتها لتراها بعدما طرقت الباب والأخرى لم تجِب ، نظرت نحوها لتجدها متسطحة على الفراش تغط في نومٍ عميق .
عبست ملامحها من كثرة نوم ابنتها واتجهت تجلس بجانبها وتحاول إيقاظها بخفة لذا نطقت وهي تملس على جبهتها :
- نوارة ؟ جومي يابتي وبزياداكي نوم عاد .
لم تستيقظ بسهولة لذا حاولت صابحة مجددًا تلكزها بخفة فتململت نوارة والتفتت تفتح عينيها وحينما فعلت ونظرت في وجه والدتها ؛ انتفضت فجأة تعلن عن صرخة مكتومة وعيون جاحظة مبتعدة عن محيطها لذا صُدمت صابحة وتجمدت تنظر لابنتها بصمت قبل أن تحرر لسانها وتنطق بتروٍ :
- أعوذ بالله من الشيطان الرچيم ، مالك يابتي ؟ اتخلعتي كده ليه ؟
حدقت نوارة بها تتأكد مما تراه ، لتجده وجه والدتها بالفعل لذا التمعت عينيها ، فحينما أبصرت لم يكن وجه والدتها بل كانت ملامح مخيفة .
التقطت نفسًا قويًا ثم أسرعت ترتمي في حضن والدتها وتبكي موضحة :
- ماعرفاش إيه اللي بيحصل معايا يا أما ، أني خايفة جوي .
تهاوى قلب صابحة وهي تحتضن ابنتها وشردت تسبح وتفكر ثم تساءلت وهي تملس على خصلاتها :
- احكيلي يا نور عين امك ، ماتخبيش حاچة يا نوارة ، جولي .
سمعت صوتًا في عقلها هي فقط ، يخبرها ألا تبوح بشيءٍ وإلا سيتم إيذائها بشكلٍ لم تتوقعه .
ذلك الصوت يردد على مسامعها كلمات فيجعلها تستجيب لهُ ، وتتأثر به لا إراديًا ، لذا ابتعدت ورفعت عينيها تنظر لوالدتها التي تحثها مسترسلة :
- احكيلي يا بتي اللي بيحصل معاكِ !
ابتسمت نوارة ، بل قهقهت بشكلٍ مخالف لحالتها ونطقت :
- اتفرچت على فيلم رعب جبل ماعيني تغفل ، علشان اكده جومت مخلوعة ، مافيش حاچة ماتجلجيش .
نظرت لها صابحة بشكٍ بدأ يتضخم داخلها ولكنها أومأت ونطقت وهي تربت على ساقها :
- طب تعالي ريحي على رچلي لما أرجيكي ، لاجل ما الكوابيس دي تحل عنك ، وماتتفرچيش على الأفلام دي تاني .
حاولت الهرب من الرقية بناءً على تعليمات من ذلك الصوت الذي يقطن داخلها لذا نهضت تردف وهي تخطو نحو الحمام :
- حروح الحمام وأجيلك نطلع نجعد برا شوية لإني چعانة ..
تحركت نحو الحمام وجلست صابحة تفكر ، وعقلها يدور حول نجوى ، يجب أن تنتبه بشكلٍ أكبر على ابنتها ، وألا تسمح لنجوى بأن تنفرد بها ، فهي لا تثق بها على الإطلاق ، وحالة ابنتها هذه لا تبشر بخير ...
❈-❈-❈
كان يجلس في غرفته يتحدث مع أحد أصدقائه وشريكه في العمل ، يخططان لشركتهما الجديدة ويتابعان آخر المستجدات عبر الحاسوب والهاتف .
لم يلحظ رسالة ريم بعد ، حيث كان بالفعل منشغلًا في العمل ، ولكن حينما انتهى وقت العمل وسأله أحمد شريكه عن خطته قائلًا :
- إنت متأكد إن ريم دي هتكلمك تاني يا چابر ؟ ولا هناكل هوا كلياتنا ؟ خد بالك أكيد بردك البنت دي مهياش سهلة ، دي سكرتيرة معتز .
شرد جابر يتذكرها ويتذكر ملامحها حينما أهانه معتز ، تذكر مكالمتها له حينما غادر ، تذكر عرضها للمساعدة آنذاك ، ليجيبه بنبرة واثقة :
- ماتجلجش ، حتتكلم ، ولو ماتكلمتش صاحبك مش حيغلب بردك ، اكده ولا اكده حناخدها منيه .
زفر أحمد مطولًا ونطق بنبرة عملية بحتة :
- أني المهم عندي إن مشروعنا يسمع ويچيلنا عملا وعروض من ناس كَبيرة وتجيلة في أجرب وجت ، لو ده حُصل حنبجى عدينا يا چابر .
ابتسم چابر ونطق بتثاؤب وتأكيد :
- حيحصل يابو حميد ، يالا اجفل دلوك النوم كبس عليا .
ودعه وأغلق معه ثم عبث بهاتفه ليظبط ساعة المنبه ليتفاجأ برسالة نصية منها ، لا ينكر اندهاشه برغم أنه كان يتوقع ذلك ، انفرجت ملامحه وأسرع يفتحها ويقرأ محتواها ، لينفجر بعدها ضاحكًا وقد أحرز هدفه لذا أسرع يهاتف أحمد صديقه مرةً أخرى عبر الحاسوب مكالمة مرئية ، ليفتح الآخر متعجبًا ينظر إلى جابر الذي نطق بحماسٍ عالٍ وهو يعرض الهاتف أمامه من خلال الكاميرة :
- شوف واقرا بنفسك اللي مهياش سهلة باعتة إيه ؟ اسمع يا ابو حميد واتعلم من چابر ولد الحنانوة (مساء الخير يا أستاذ چابر ، أنا قولت أسيبك يومين تهدى ، وبعتذر عن الطريقة اللي اتعامل بيها مستر معتز ، وحكون مرحبة چدًا بأي مساعدة اقدر اقدمها ليك ولشركتك الجديدة ، بتمنى ترد على رسالتي ) .
رأى أحمد وسمع بحماس وعلت ملامحه ابتسامة ماكرة ليتساءل :
- حترد عليها ؟
أومأ جابر ونطق مأخوذًا ومتباهيًا بنفسه :
- استنى حكلمها دلوك ، اسمع واتعلم .
بالفعل عبث بهاتفه يتصل بها وينتظر ، لم تغفُ بعد ، لذا حينما أتاها اتصاله ترددت أتجيب أم لا ، خاصةً وأن الوقت قد تأخر ، ولكنها لن تطيل لذا فتحت الخط تردف بتوتر :
- مساء الخير يا أستاذ چابر .
أجابها برزانة مخادعة :
- مساء الخير يا أستاذة ريم ، أني آسف إني بكلمك دلوك ، بس كنت شغال وماختش بالي من رسالتك حجك عليا .
تحمحمت وازدردت ريقها تجيبه بتوتر برغم نبرتها الرسمية :
- لا أبدًا ، أنا بس قلت أسيبك لما تهدى شوية بعد اللي حصل وأأكد عليك إني موچودة في أي وجت للمساعدة أو الاستفسار عن أي حاچة .
ادعى العبوس والحزن ونطق يستعطفها أمام أحمد المشدوه بطريقته :
- أني عارف إني كنت جليل الذوج معاكي آخر مرة ، وماعرفتش أرد عليكي بعد ما نزلت من الشركة ، أني آسف بس وجتها كنت حاسس إني مخنوج ومش عارف اتحدت ، سامحيني معلش .
نجح في استعطافها ببراعة فنطقت مؤازرة :
- لا خالص أنا متفهمة ده ، ومش عايزاك تفكر في اللي حصل وقتها ، يعني حاول تتچاوز وأنا معاك في أي مساعدة زي ما قولتلك ، وأنا واثقة إن خلال فترة قريبة شركتك حتسمع بإذن الله .
ابتسم ونطق وهو يغمز لصديقه عبر الشاشة بحماس :
- مش عارف اشكرك كيف يا أنسة ريم بس حجيجي رسالتك دي جت في وجتها ، أني فعلًا محتاچ مساعدتك چدًا .
شعرت بالسعادة لأن هذا ما تحب أن تفعله ، تقديم المساعدة بالنسبة لها شيئًا تفتخر به لذا نطقت بحماس :
- تمام ، بكرة إن شاء الله حخلص شغلي وارچع اتواصل معاك وتقول اللي محتاچه ولو قدرت أساعدك فيه خير وبركة .
سيختلق لها خصيصًا مشكلةً ما في عمله ليضمن وجودها معه لأطول فترة ممكنة لذا نطق بمكرٍ :
- لو ينفع معلش نأچلها لبعد بكرة ، أصل أني رايح بكرة أشوف الموقع وأرتب مع كام موظف إكده ، إيه رأيك ؟
أومأت تجيبه بهدوء :
- تمام مافيش مشكلة ، يبقى بعد بكرة إن شاء الله .
تحمحم يردف بخبث :
- تحبي آچي أخدك ولا أجولك العنوان ؟
تفاجأت وتأهبت تعتدل بعدما كانت تستند على وسادتها لتتساءل :
- هو لازم وچودي ؟ أنا ممكن أقدم المساعدة من البيت ، ولا إيه ؟
نطق بترقب وتحفز شديدين كمن يطهو أرز على نار هادئة :
- براحتك خالص ياست البنات ، رايداني أبعتلك الفايلات على إيميلك ماعنديش مانع ، رايدة تنوريها في الشركة وتشتغلي على سيرفرات الشركة هكون ممتن طبعًا ، اللي إنتِ ترتاحي فيه .
استشفت أنه يسحبها نحو شركته ، ولم تستشف خبثه في الانتقام من معتز لذا نطقت بهدوء في محاولة منها لإرضائه :
- معلش خليني أتابع من البيت ولو لقيت إني لازم أتواچد معاكم ححاول ، بس زي مانت عارف أنا في الأول وفي الآخر موظفة أساسية في شركة النعماني ، ومش مناسب أكون متواجدة معاكم في الموقع بشكل متكرر .
أومأ بتفهم يجيبها برزانة ماكرة :
- كلامك كله موزون يا آنسة ريم ، وانتِ صوح ، عامةً اللي تشوفيه ، ومش عارف حرد چميلك ده كيف ، بس إنتِ لحجتيني من مشكلة واعرة جوي .
ابتسمت وشعرت بالسعادة مجددًا تجيبه :
- العفو ، أنا فعلًا حكون مبسوطة لو قدرت أقدملك حلول لمشكلتك .
تنهد مطولًا بتعمد ثم نطق بنبرة مؤثرة :
- تصبحي على خير .
- وأنت من أهله .
أغلقت معه ليبتسم بمكرٍ شديد وينظر بثقب إلى صديقه الذي يتكتف ويطالعه بنظرة إعجاب قائلًا :
- دانت طلعت تعلب كبير جوي يا ولد الحنانوة .
ابتسم جابر يظهر أسنانه الناصعة ويردف متباهيًا :
- لساتك شوفت حاچة يا ابو حميد ؟ بكرة تشوف ريم دي وأني بحركها كيف الخاتم في اصباعي ، اصبر بس داني ناوي اسحب البساط من تحت رچلين ولد النعماني ، واكفيه على وشه كمان .
❈-❈-❈
بعد يومين
ظهرًا .
أعد الحاج زيدان آل حامد هدية كبيرة ليرسلها إلى قصر آل حانا مع حفيده يونس .
انتهى الرجال من تحميل سيارتي نقل صغيرتين ، إحداهما ممتلئة بخيرات مزارعهم المتنوعة ، والأخرى معبأة بعددٍ من الأغنام التي تصدح أصواتها في الأرجاء لتصل إلى فرحة التي تقف تتكتف وتطالعهم من نافذة المطبخ ناطقة بغلٍ صريح :
- بالسم الهاري إن شالله .
سمعتها منصورة فتنفست بعمق تستغفر سرًا ونطقت بما لم تعد تحتمل :
- مايصحش إكده يابتي ، راعي إن دول أهلي بردك .
حدجتها بغضبٍ مكبوت ولم تجبها بل اندفعت خارجًا تصعد لغرفتها بينما في الخارج نطق حسان موجهًا حديثه لابنه :
- يالا يا ولدي اتوكل على الله ، روح مع الرچالة ووصلهم سلامنا .
أومأ يونس بطاعة وتحرك يرتدي جلبابه ويقبض على مسبحته واستقل السيارة الأولى يجاور السائق وانطلقت السيارتين تحت أنظار زيدان المترقبة ليلتفت بعدها وينظر إلى ابنه متسائلًا :
- أيوب فين يا حسان ؟
نطق حسان وهو يلتفت معه ويتجهان نحو الأريكة الخشبية المرتكزة في الحديقة يجلسان عليها ويوضح :
- كيف ما جولت يا بوي ، شيعته أسيوط يچيب الحاچات اللي جولت عليها .
أومأ بارتياح فهو لم يرغب في تواجده هنا أثناء إرسال هذه الأغراض حتى لا ينهشه الغضب ، يكفيه حفيدته فرحة التي من المؤكد أنها الآن تشعر بالحزن ، ولكنه على يقين أن حزنها هذا سيدفنه ابن آل حانا بنفسه ..
❈-❈-❈
بعد قليل
توقفت السيارتين في باحة قصر آل حانا ، وترجل الرجال منها ووقف عبد الوهاب وعمار يستقبلانهم بحفاوة وترحاب ، أسرع يونس نحو خاله يرحب به فعانقه عبد الوهاب باشتياقٍ بالغ يعبر عنه بأريحية الآن ، يربت على ظهره مرددًا بحنين :
- أخيرًا يا ولد منصورة الغمة انزاحت ، اتوحشتك واتوحشت أمك جوي .
بادله يونس بحنين ونطق وهو يبتعد قليلًا :
- وهي كمان يا خال نفسها تشوفك جوي .
اتجه يرحب بعمار ولكنه لم يعانقه بل اكتفى بسلام اليد ليبادله عمار قبل أن تخرج صابحة وتنطق بحفاوة وسعادة تجلت على أساريرها :
- يا مرحب يامرحب بولد الغالية .
أسرعت تعانقه فهي تحبه كثيرًا وكانت تتلهف لرؤيته ، ليبادلها بترحابٍ وحبٍ برغم تحفظه و نطق وهو يبتعد ويطالعها مبتسمًا :
- تسلمي يا خالة صابحة ، مبسوط إني شوفتك بخير .
ليتابع بعدها وهو يوزع نظراته بينهم :
- دي هدية بسيطة من چدي وباعتلكم السلام هو وأبوي .
ابتسم عمار ورفع رأسه بشموخ ليدرك أن الجد يرد بهدية مماثلة ، بينما نطق عبد الوهاب مرحبًا :
- الله يسلمهم يا ولدي ، وهدية مجبولة ، اتفضل .
تحمحم يعترض ويردف معتذرًا :
- معلش وجت تاني ، باجي ع العصر ساعة ولازمًا أبجى في المسچد .
كان الرجال ينقلون الأغراض إلى المطبخ من بابه الخلفي ، بينما آخرون يسحبون الأغنام إلى الحظيرة الخلفية ، لتنطق صابحة بتصميم وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الداخل :
- لاء ماحيحصلش الحديت ده ، داني ماصدجت شوفتك ، حتتغدى ويانا الوكل چاهز أهو .
كاد أن يعترض ولكن خاله دفعه من ظهره بخفه ونطق قبل أن يتفوه :
- أوعاك تعترض على أمر صدر من الحاچة صابحة ، الدار كلها تزعل .
ابتسم واضطر للقبول ودلف معهم ليصدح صوت صابحة وهي تنطق بحماس :
- يالا يا رتيبة چهزوا السفرة ، يونس ولد الغالية حيتغدى ويانا .
اتجهوا يجلسون لحين تجهيز المائدة لتأتي نهاد من المطبخ ترتدي عباءتها وحجابها واتجهت ترحب به بابتسامة قائلة :
- كيفك يا يونس ؟ وكيف عمتي صحتها عاملة إيه ؟
ابتسم لها ونطق وهو يغض الطرف باحترام :
- الحمد لله يا أم حمزة ، كلنا بخير تسلمي ، إنتِ عاملة إيه ؟
ابتسمت تومئ ونطقت بحنين لعمتها منصورة الحنونة :
- أني زينة ، سلملي على عمتي كتير ، وجولها إني نفسي أشوفها جوي .
أومأ لتؤكد صابحة على حديثها :
- كلنا يابتي نفسنا نشوفها ، الحمد لله الغمة انزاحت وجريب هنتچمع تاني .
جاءت نوارة من المطبخ أيضًا تخطو على استحياء حتى وقفت أمامهم ونطقت مرحبة بهدوء :
- أزيك يا يونس ، عامل إيه ؟ نورتنا ؟
لا إراديًا رفع رأسه يطالعها ولم يستطع بعدها أن يغض الطرف بسهولة بل أنه أطلق العنان لعزيمته بأن يطرق رأسه قليلًا ونطق بهدوء يحوي الكثير داخله :
- الله يسلمك يا نوارة ، تسلمي .
نظرت صابحة لهما وشيئًا من السعادة راودها وتمنت خفيةً أن يتحقق ما تفكر به لذا ابتسمت ونطقت وهي تلوح بيدها :
- يالا يا نوارة انتِ ونهاد ساعدو رتيبة والبنات وچهزوا أحلى سفرة .
أومأتا وأسرعتا تتحركان نحو المطبخ وبالفعل لم يمر بضع دقائق حتى تم تجهيز مائدة تحمل كل ما لذ وطاب ترحيبًا بيونس ابن الغالية .
تجمعوا حول المائدة ليتساءل يونس بترقب :
- أومال مهران وچابر فين ؟
أجابه عمار بهدوء :
- مهران في الشركة مالوش وجت محدد ، وچابر بردك ويا اصحابه في الشركة الجديدة بتاعتهم .
أومأ بتفهم وجاءت نهاد تجلس بينهم ثم تبعتها نوارة التي بدأت تشعر بصداع يهاجم رأسها منذ أن رأت يونس ولكنها تحاملت حرجًا لوجوده .
خطت تسحب مقعدًا لتجلس عليه ولكن بدون مقدمات اقتحم عقلها دوار عنيف وتداخلت الأصوات في عقلها ورأت وجوه الجميع متجهمة وهم ليسوا بذلك ، حاولت أن تقبض على المقعد لتحتمي به من السقوط ولكن قبضتها كانت مبالغ فيها فانسحب المقعد من بين يديها منزلقًا يسقط وتسقط معه فاقدة للوعي وسط صدمة الجميع وهرولة عبد الوهاب وعمار نحوها ..
❈-❈-❈
يجلس خلف مكتبه منشغلًا في عمله ، سمع رنين هاتفه فنظر له ليجده رقم تيا ، زفر وترك مافي يده ونظر للهاتف يفكر ، هو لم يتواصل مع عمها إلى الآن ، لقد حاول بالفعل ولكن الأخير يعمل خارج الأقصر ولم يعد بعد ، ومن المؤكد هي تنتظر خبرًا منه ، أو ربما تكون بحاجة إلى النقود أو أغراضٍ ما لذا زفر وأجبر على الإجابة .
وضع الهاتف على أذنه بعدما فتح الخط يتحدث بهدوء :
- مساء الخير يا آنسة تيا .
سمع صوتًا أنثويًا ليس لها وإحداهن تخبره :
- سلام عليكم يا فندم ، أنا بكلمك من مستشفى المدينة ، صاحبة التليفون ده فيه ناس لقوها مضروبة ضرب چامد ومرمية في حتة مجطوعة ، وتليفونها لقيناه في چيبها وممعهاش أي حاچة تاني ، فتحناه لقينا رقمك ، ممكن تاچي علشان إحنا بلغنا المركز وزمانهم على وصول ..
انتفض من مكانه وهب واقفًا يعيد الحديث في عقله بصدمة لينطق وهو يستل مفاتيحه و سترته ويتحرك مسرعًا :
- تمام، چاي حالًا ..

•تابع الفصل التالي "رواية صياد النايا الحانا " اضغط على اسم الرواية
تعليقات