رواية لأجلها الفصل الحادي والستون 61 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الواحد والستون
خرجت من بوابة الكلية تتنفس الصعداء بعد يوم دراسي حافل، لكن أنفاسها انقبضت فجأة حين تجمدت عيناها على ذلك الطيف المألوف والمنبوذ، يتقدم نحوها في نية واضحة للحديث معها كما يفعل منذ فترة، لقد كان ينتظرها في البداية خارج أسوار الجامعة أما الآن فقد بلغت به الجرأة أن ينتظرها خارج محيط كليتها! يبدو أن هذا الاحمق مُصِرّ أن يتسبب لها في فضيحة لعنة الله عليه.
ـ رغد يا رغد.....
في تلك اللحظة، اضطرت رغد أن تقف وتلتف إليه ، يجتاحها الغضب والاشمئزاز وهي تطالع طلته البهية امامها، تراه يرتدي ملابس لا تناسب سنه وسلوكه "المتصابي" أن يوهم المارة بشبابٍ ولى وانتحر على أعتاب أفعاله، كم تود الصراخ ومسح كرامته أمام الجميع ولكن ثقل الكلمات على لسانها سوف تجعلها بالتأكيد هي الأضحوكة امام زملائها التي بالكاد تتحدث معهما كي تخفي حرجها من ذلك العيب الخطير.
خاطبها بابتسامة لزجة فور ان وصل اليها، يعيد خصلتين من شعيرات رأسه الخفيفة من الأساس إلى الخلف:
- لازم كل مرة كدة تولي وشك مني وتمشي اول ما تشوفيني، فأضطر انده عليكي عشان اوقفك؟ مش ناوية بقى تبطلي كسوف وتديني فرصة اكلمك واشرحلك انا عايز إيه؟
ردت بحدة وباحتقار واضح له ولمحاولاته البائسة للظهور امامها بمظهر "الدنجوان" وهو رجل كبير عنها بسنوات عديدة ويُفترض أن يوقر فرق الضعف على الاقل بينه وبينها في العمر،.
ـ مش كسووف دا اسمه ققررف، قرف من ببرودك ووومن تناحتك، انت يا عم انت ششيلت الاحساس ومعدتتش عندك دم، بلللغت بييك الجرأة تتدخل تستنناني داخل حرم الكلية كمممان
وكأنه لم يسمع السبة والشتم عليه, بل استمر في بروده :
ـ براحة شوية يا رغد متتعصبيش وانت بتزعقي ، عشان معلش يعني، أعرف بس لو بتشميني انتي بتقولي إيه؟
وختم بضحكة ما أثقلها زادت من قهرها، هذا الوقح يذكرها بالنقص الذي كان يلجم لسانها طوال فترة ارتباطه بشقيقتها، النظرات الغير مريحة واللمسات الخبيثة بحرص، ولكن وقبل أن تتطور لتقارب التحرش كان شقيقتها يقظة لتنتبه إليه وتضحي بزواجها منه وتنقذها.
ـ انننت راجل مش محترم.
نعتته بها، وقد اعتلت ملامحها قسوة لم تعهدها في نفسها قبل ذلك؛ واحتقن وجهها بغضب عارم لتبصقها فى وجهه، فتوقعت أن تأخذه كرامته ويلملمها على الاقل بذهابه او حتى رد الشتيمة ولكن وكأنه قد أغلق على أذنيه ليرد بتساهل مستفز:
ـ الله يسامحك يا رغد، بس انا مقدر اكيد سوء ظنك فيا بعد الكلام اللي اختك ملت بيه مخك، مع انك شوفتي اني سكنت معاكم كذا شهر في بيت واحد عمري ما مديت يدي ولا بصيت لك نظرة مش هية لكن القلب وما يريد، انا حبيبتك واختك لما حست كدة بهدلت الدنيا ووصلتها بالطلاق ومع ذلك أنا برضو رغبت ان ارجعها من تاني لكن هي شافت نصيبها يبقى من حقنا احنا كمان نشوف نصيبنا ، وافقي يا رغد وانا اعيشك برنسيسة وكل اللي ترغبيه مجاب.......
ـ اسكتتتت
همست بها بصوت يرتجف حنقاً، وهي تتلفت حولها بخوف قاتل، ليس منه كشخص، بل خوفًا على سمعتها، او أن تسمعهُ إحدى الزميلات ، فتنطلق الهمسات عليها والإشاعات كالنار في الهشيم عنها وعن هذا المتصابي الذي يلاحقها من بعد زواج شقيقتها، والتي أعطاها الله عوضها ونالت السعادة التي تستحقها أخيرًا، هل يعقل أن تذهب إليها وتخبرها فيتعكر صفو زواجها للمرة الثانية بسببها، إذن لمن تشكوه؟ او تجد من يوقفه؟ وهي لا تملك حتى اللسان الفصيح الذي يتحدث عن قضيتها !
ـ الراجل ده واقف هنا ليه؟
وكأن الله قد سمع النداء ليستجيب عاجل وفورا، فيأتي إليها بالنجدة من حيث لا تدري، حيث تفاجأت بخليفة امامها، يهدر بها مباغتا عليوة بالقبض على تلابيب قميصه القطني الملون، والذي انتفض بدوره يحاول نزع يده:
ـ ايه ده ايه ده؟ بعد يا جدع انت، انت حد مس طرفك بكلمة والمصحف اطلبلك الأمن.
لم يعيره خليفة اهتمامًا، بل انصب تركيزه مع تلك المسكينة التي اغرقت عينيها الدموع برؤيته كالغريق الذي أتاه طوق النجاة:
ـ الراجل ده واقف هنا ليه يا رغد؟
ـ ده ده ده اصله اصل...
هكذا صارت تلجلج كلماتها وقد تضاربت مشاعرها ما بين فرح بظهوره وخوف من قتل هذا الاحمق وهي بالفعل تريد الانتقام منه ولكن لا تستطيع البوح، لتضاعف من مأساتها، حتى شعرت بالعجز عن التعبير بكلمة وافية، إلا أن هناك من كان يتابع الموقف من أوله، ويتحين الفرصة ليتكفل بالرد:
ـ معلش لو هتدخل بس الراجل ده بيعاكس الآنسة بقاله مدة وهي شكلها بتعاني منه، سامحيني يا رغد .
التفت الأخيرة نحو مصدر الصوت لهذا الشاب الذي بدأ وكأنه جاء لينضم معهما, ليجبر خليفة على التساؤل أيضا:
ـ انت مين يا ولدي؟
ـ انا أيمن ولد الحج حسانين ، زميل رغد في الكلية ومن نفس البلد، وانا آسف مرة تانية، بس بصراحة كل مرة بشوف الكائن ده بيعترض الطريق على رغد، بيبقى نفسي اشق رأسه نصين عشان يحل عنها
جاءت الأخيرة من الشاب بعصبية حتى كاد أن يتبسم له خليفة لولا صياح عليوة الذي صار يشعر بالحصار
ـ تشق راس مين؟ ياض يا عيل انت والنعمة لاخلص عليك وانت واقف، اوعي سيبني انت كمان
كان يقصد خليفة بالاخيرة وهو يقاوم أن ينزع نفسه من ذراعيه، إلا أن الاخير إبى أن يتركه قبل ان يضع بصمته:
ـ يعني بتعاكس البت وبتتعرضلها بقالك ايام.... طلبتها ونولتها يا عليوة، خد دي؟
رافقت الاخيرة ضربة قوية بقبضته فك عليوة طيرت بها عدد من صف أسنانه الامامية ليصرخ هو :
ـ سناني، الطقم اللي مكلفني بالالفات طيرتهولي من تاني، الحقوني يا نااس
.............................
أثناء سيره بين أروقة مكاتب الشركة في اتجاه مكتب المديرة لعرض الاوراق المطلوب الحسم فيها في المشروع الجديد، ينعاد نفس السيناريو الذي اصبح يواجهه يوميا.
ليس غبيا هو حتى يغفل عن حدة النظرات الموجهة نحوه، من موظفين وزملاء كانوا له كالاخوة في البداية, ثم تحولت مشاعرهم الى حقد واضح رأي العين امامه، همهمات ووسوسة بعضها تصل الى اسماعه وتخترق أذنه من شرها.
هو لم يفعل شيء سوى أنه ينجح بخطوات تفوق الجميع، ربما العذر الوحيد هنا هو الفرص التي تقدم له وتميزه عنهم!
وصل إلى غرفة المديرة التي يقصدها، ليطرق بقبضته طرقة بسيطة وتوقف بعدها ليفتح الباب بعد سماعه الاذن بالدخول، وجدها مشغول. كالعادة منكفئة على بعض الأوراق ، امراة يجد منها دائما التحفيز وفرص التقدم التي تميزه بها، تستحق التقدير منه، رغم انه كثيرا ما يشعر بالاختناق في حضورها ولا يعرف السبب.
ـ اتفضل يا معاذ، انت هتفضل واقف كدة كتير
تفوهت بها تعتدل بجلستها لتريح ظهرها على كرسيها تطالعه بجرأة وعملية, ليضطر ان يستجيب ويجلس امامها قائلا:
ـ انا جبت لك الملفات اللي طلبتها يا فندم ،
زمت فمها تتناولهم منه, تلقي نظرة خاطفة عليهم، قبل ان تلقيهم في جانب قريب منها على سطح المكتب ، ثم توجه اهتمامها الكامل نحوه:
ـ تمام اوي انا هبقى اشوفهم بعدين,؟ المهم انت عامل ايه النهارده؟
اجابها بعملية لا تخلو من ضيق
ـ تمام يا فندم، كنت عايزك بس تبصي على الملفات وتقولي لو عندك ملاحظات.
ردت بحزم:
ما انا قولتلك هبص عليهم بعدين يا معاذ ولو في ملحوظات هقولها يا سيدي، المهم انت مالك مقلوب كدة؟ حصل حاجه وحشة في المشروع؟
نفى سريعا بهز رأسه، ثم أطرق صامتا لبعد اللحظات حتى تشجع يفصح عما بداخله:
ـ معلش يا فندم انا بس.... كنت عايز استفسر، ليه مخلتيش زميلي عثمان في المكتب، يمسك المشروع الجديد وهو أفضل مني وأكثر خبرة مني؟
ـ افضل ولا اكثر خبرة، انا اللى احكم مين يمسك الشغل ومين يترقي، محدش يعدل عليا، هو انت عثمان اشتكالك؟
ـ لا يا فندم بس انا شايفة متغير معايا وبصراحة حقه.
ـ مفيش حد عنده حق عندي يا معتز، بلاش نظرتك الساذجة دي للأمور، انت بشمهندس مجتهد وانا واثقة فيك, دا غير. ان مفيش مرة خذلتني، دوس ومهمكش من أحقاد اللي حواليك، دي ياما هتقابلك في شغلك.
، رغم أن كلماتها بها شيء من المنطق إلا انه لا يمكنه تغافل ذلك الشعور بالذنب، لا يدري أن كانت هذه المرأة تملك قلبا أم لا؟ ولكن لما العجب؟ فهذه بالتاكيد رؤية أصحاب الأموال والشركات التي تبحث عن التقدم والنجاح غير مبالية شيء اسمه العواطف
ـ متنساش النهاردة عندنا اجتماع غدا مع مسؤولي المشروع الجديد .
ها هي تعيد لتؤكد على ما ظنه مجرد مزحه:
ـ انا اسف يا فندم بس انا مالي باجتماع الغدا والاتفاقات، انا مجرد مهندس يعني دور تنفيذي.
ردت بإصرار لا يقبل النقاش:
ـ للمرة التانية انبه عليك يا معاذ انا اللي يحدد حدود الدور المطلوب منك في العمل، يعني مش هقعدك صورة وسط المجموعة، ياريت تحضر وبلاش جدال.
اومأ صامتا ليستأذن دون أن يعطيها إجابة واضحة، ثم استأذن ذاهبا وما ان قام بفتح الباب للخروج حتى كاد أن يصطدم بإحداهم، والتي تبين هويتها من الوهلة الاولى، ليتراجع مرتدا للخلف سريعا يفسح لها حتى تدلف، يتلقى تحيتها بابتسامة فاترة:
ـ ايه ده معاذ؟ ازيك عامل إيه؟
اومأ بعجالة وبرد روتيني:
ـ حمد لله كويس، عن اذنكم
وغادر سريعا لتتجه هي نحو تلك التي تتابعهم، متسائلة:
ـ هو ماله؟ خارج كدة ولا اكنه متخانق.
ردت مريم بشرود وهي تتلاعب بقلمها:
ـ هامه كلام اللي في الشركة وقال جاي يطلب مني اوزع الفرص على زميله مغاه، الغبي ؛ لحد دلوقتى مش فاهم ولا حاسس بيا.
تبسمت روان بمكر لتجلس امامها وتسألها بفضول:
ـ وانتي ناوية تعملي إيه؟ هتفضلي كدة محلك سر تنتظري على ما يفهم ولا يحس؟
بنظرة لاح فيها التحدي وتصميم حازم ردت مريم :
ـ انا خلاص قررت، النهاردة لازم تبقى كل حاجة على نور ما بينا
........................
عاد من عمله يلج إلى المنزل بملامح مجهدة، يخلع سلاحه وجاكيته بهدوء، وعيناه تبحث عنها تلاقئيا، حتى تلقتا أذنيه الشئ العجيب وهو ضحكتها التى ولأول مرة يسمعها بهذه الدرجة من الوضوح ، فكاد أن يكذب اسماعه، ظنا انها واحدة غيرها، حتى تأكد من نبرة الحديث بعد ذلك
ليتجه نحو الجهة التي يأتي منها الصوت داخل غرفة المعيشة ، ليجدها متكئة بارتياح على ذراع الأريكة، تترتدي بيجاما قطنيه ملتصقة بها وبدون اكمام، وبنطالها الصغير حتى الركبة المكشوفة، تطوح ساقها في الهواء، والهاتف امام عينيها تتحدث عبر خاصية الفيديو كول باندماج مع صغيرتيها التي تسمع منهما باهتمام.
رؤيتها فقط تحرك الشغف داخله نحوها وبقوة، وقد كان يظن أن افتنانه بها سوف يذهب بمجرد الحصول عليها نظرا لتاريخهما السابق ولكن ما يحدث معه هو العكس ، كيف يجتمع الكره مع الافتنان؟ بالفعل لا يعرف.
انتبهت اليه فبدا عليها الارتباك حتى كادت ان تنهي المكالمة, الا أنه لم يعطي لها فرصة للتوتر، وقد اقترب بابتسامة "هادئة" يجلس بجوارها ويلتصق بها ليظهر وجهه إلى الصغيرتين يخاطبهما بمرح:
ـ هاي ازيكم يا بنات عاملين إيه ؟
كان رد فعلهما في البداية هو الاجفال، ثم رد التحية بخجل، ليباغت والدتهما بسحب الهاتف من يدها برفق لا يخلو من فرض سيطرة، ويضع وجهه أمام الكاميرا ليباشر الحديث بود وتباسط حتى خفت الرهبة بينهما وتحولت الردود منهما إلى ضحكات صاخبة،
ـ إيه الضحك الجميل ده؟ مش ناويين تيجوا تزورونا ولا إيه؟"
اتى ردهما بترحيب وحماس اشعل قلب والدتهما التي كانت تتابع باهتمام شديد، حتى اذا انهى ليعطيها الهاتف ويتركها تعود إلى الحديث مرة أخرى تواصل المكالمة بحرية وقد ترك لها المجال متوجها إلى غرفته، لتذهب
اليه بعد انتهاء المكالمة
وجدته يخلع عنه قميصه القطني فتقدمت تخاطبه بلهجة ممتنة وبعض الأدب:
ـ حمد لله على سلامتك.. معلش مكنتش أعرف إنك جيت, بس البنات كانوا فرحانين إنك كلمتهم.
اومأ يجلس على طرف الفراش ليخلع حذائه يتمتم بترحيب وهدوء مريب:
ـ وانا كمان كنت فرحان وانا بكلمهم، دول قمامير ربنا يبارك فيهم، لكن هما بيكلموكي منين، مش غلط التليفونات عليهم في السن ده؟
ردت بعدم انتباه وهي ترفع الملابس التي قام بخلعها لتعلق السترة اولا على المشجب قبل أن تلتقط الباقي استعداده لوضعه في سلة الغسيل:
ـ لا طبعا أبوهم عارف كدة كويس، آخرهم ياخدو تليفونوا ساعة ولا ساعتين يلعبوا فيه
ـ يعني هما اللي اتصلوا ولا انتي اللي اتصلتي؟
ـ انا طبعا اللي كلمت خليفة وخليته يعطهمولي.
هكذا أخبرته وبكل بساطة، فلم تنتبه إل ملامح وجهه التي تصلبت كالحجارة،، وعينيه اصبحت كالجمرتين ، فخرج صوته منخفضا لدرجة "فحيح الأفعى"، وهي الدرجة الأخطر في غضبه.
ـ يعتي انتي اتصلتي بخليفة وخدتي واديتي في الكلام معاه لحد ما عطاكي البنات؟
ابتلعت رمقها بتوتر شديد شاعرة بالخطر لتبرر بارتباك وغباء قد يوفضي إلى قتلها:
ـ وفيها إيه؟ خليفة واض عمي قبل ما يبقى جوزي..... قصدي طليقي، يعني شيء عادي...... اااه
صدر تأوهها الاخير بألم مفاجئ حين حطت كفتيه تقبضا على ساعديها بقوة يهزهزها بعنف هادرا بها بغضب كالإعصار:
ـ عادي انك تكلمي طليقك وكمان تغلطي فى صفته دلوقتى قدامي، انتي لو قاصدة أن اخلص عليكي مش هتجبيها بسهولة كدة، أعمل فيكي ايه عشان تميزي وتفهمي؟
افزعها بوحشيته حتى تجمدت أوصالها تحاول بدفاعية واهية:
ـ وانا غلطت في ايه عشان تعمل معايا دا كله؟ انا بس كلمت بناتي وخليفة يبقى ابوهم وبرضك ابن عمي حتى لو انت مش عاجبك كدة
زمجر يجذبها إليه بعنف حتى صار وجهه لا يفرق عنها إلا أنشات قليلة يهمس كازا على اسنانه، بانفاس كالنيران تحرق بشرتها، وتبث المزيد من الرعب داخلها:
ـ ميت مرة اقولك أن مينفعش اغير من الواقع، لكن الأكيد هو ان اغير منك انت يا هالة وغصب عنك لازم تنفذي اللي أقوله، استهتارك وغرورك في الغلط دا يدفن وينتسى، بناتك عايزة تكلميهم فيه الف طريقة غير والدهم، انما لو مصرة يبقى بلاها احسن
دفعها في الاخيرة يلقيها بقوة على الفراش القريب منها، لتصرخ بتوجع قبل ان تلتف إليه مستفسرة بعدم استيعاب:
ـ'قصدك ايه يا كمال؟ انت ممكن تحرمني منهم؟
رد يؤكد لها بتجبر وتهديد لا يقبل الجدال:
ـ لو عوزت هعملها بضمير راضي جدا عشان ساعتها هيبقى بسببك وانتي عارفه كدة كويس، وبرضو محدش هيقدر يقف قصادي
بصق كلماته وتحرك مغادرا الغرفة صافقا الباب خلفه بعنف، يتركها بحالة من الصدمة والانهيار، تدرك أن الخطأ الصغير مع مجنون مثله قد يكلفها عمرها أو الحرمان الاكيد من صغيريتيها، ما هذا الحظ الذي اوقعها في يد مختل مثله؟ يملك السطوة والقوة والغيرة العمياء.
.............................
وصل حمزة إلى بهو مبنى الإدارة، تتبعه اعتماد التي كانت تسبق خطواتها دقات قلبها المتسارعة، القلق ينهش قلبها على شقيقتها وزوجها الذي سمعت بما فعله مع ذلك البائس، ذيل الكلب الذي لا يعتدل ابدا، تخشى أن تكون إصابته خطيرة ويتأذى بسببه زوجها .
ما إن لاحت لها أختها تخرج من باب مكتب عميد الجامعة، حتى انطلقت نحوها كالسهم، غير آبهة بنظرات الموظفين أو هيبة المكان.
ارتمت في حضنها بلهفة طاغية، وتشبثت بها وكأنها تستمد منها الأمان أو تمنحه لها، في مشهد عاطفي صامت لم يقطعه سوى خروج زوجها، ومن خلفه عليوة الذي كان يفيض حنقاً و"يرطرط" بكلمات تملأ الطرقة ضجيجاً.
ـ ربنا هو اللي هجيلي حقي، منك ومن كل عمايلك معايا، وبرضو مش هسكت، هوصل الامر لقضايا كتير مش قضية واحدة، طقم سناني اللي طيرتهولي للمرة التانية ولا الإهانة، انا لا يمكن اسكت
هتف به حمزة ينهره:
ـ اقفل خشمك دا بدل ما اجي واخلص عليك انا كمان
كاد عليوة أن يجادل ولكن أفزعه حمزة بنظرة حادة الجمته ليغادر مواصلا الغمغمة وادعاء المظلوميه.
ليقترب حمزة من شقيقه كي يستفسر منه، ولكن لفت انتباهه هذا الشاب الغريب الذي كان واقفا بينهما وعيناه منصبة على رغد بلهفة واضحة حتى انتفض على لمسة من خليفة الذي ربت بدعم على كتف ذراعه:
ـ بارك الله فيك يا بطل، كلامك هو اللي حسم الدنيا جوا قدام العميد
كاد حمزة أن يسأل ولكن خليفة سبقه مردفا:
ـ دا ايمن ولد الحج حسانين يا حمزة، هو اللي شهد باللي يعرفه قدام العميد قوا موقفنا وخلاه ياخد جزاته من الطرد والتهزيق، هو راجل مهزق ويستاهل
نظر حمزة إلى الشاب بإعجاب يشد على يده:
ـ ربنا يبارك فيك يا ولدي، ونعم الرجال.
قدمت اليه اعتماد الشكر ايضا قبل ان تعاتب شقيقتها التي بالكاد أصبحت تتمالك نفسها بعد تلك اللحظات العصيبة:
ـ بس انتي يا رغد غلطانة، كان لازم يا حبيبتي تتكلمي وتقولي عن النجس ده، واحنا كنا قطعنا رجله من بدايته ووفرنا عليكي الهم والمرارة دا كله.
لاح التردد والعجز على ملامح رغد، وكان الكلمات انحشرت بحلقها ولا تملك القدرة على البوح، فأتى الرد من أحد آخر :
ـ انسة رغد حساسة، اكيد خافت لا يحصل مشاكل، او الصدام مع واحد عديم الدم زيه.
ختم بنظرة دافئة نحوها حتى أصاب الباقين بالدهشة ، يشاهدون الامر بصمت، وقد خرج صوتها اليه بخجل:
ـ ممتشكرة، مممتشكرة جدا ياااا ايمن،
تلقى كلماتها بلهفة واضحة وكأن سماع اسمه منها جائزة له:
ـ متشكرنيش يا رغد ، انا اصلا ما صدقت افش غليلي فيه العفش ده، كل مرة ببقى حاضر ومتابع وشايف زعيقك معاه بس مش سامع ولا عارف دا صفته ايه عندك عشان ادخل أو اللم نفسي ، لكن والله ما يعملها تاني ليبقى هو الجاني على روحه.....
ـ يا سيدي ولا احنا كمان هنسمح له يكررها، ع العموم برضو كتر خيرك وتشكر يا سبع
خاطبه بها حمزة بمرح ليضيف عليه خليفة بابتسامة :
ـ ويشكر ابوه اللي طلعلنا راجل، والله لو اشوفه لا اشكره بنفسي.....
ـ هخليه يجيلكم البيت عشان تتعرفوا عليه ينفع ؟
قاطعه متسائلا ليجفل الجميع بسرعته، ويضطر حمزة الرد عليه بابتسامة متسعة ؛
ـ ينفع يا ايمن، وان ما شلتوش الارض نشيله في عنينا، يا سلام..... يا مرحب بيكم يا سيدي.
. ...............
داخل. مشفى القرية
خرجت مزيونة من غرفة التحاليل التي قامت بالعديد منها بناء على طلب الطبيبة منها، بإجراء روتيني وفحصوات تقوم بها طوال فترة الحمل للإطمئنان على الجنين
كانت قد أتت برفقة ليلى التي تركتها وطفلها على مقاعد الانتظار التي تطلعت عليها فور خروجها ولكن للاسف لم تجدها ، لتدور على باقي الانحاء حتى صعقت برؤية الصغير بصحبة اخر من دون ابنتها
عرفان!
غمغمت اسمه وقلبها سقط بين اضلعها من الرعب تهرول بخطواتها البطيئة نحوه ، وقد كان واقفا حاملا الصغير أسفل إحدى الأشجار المرتصة في حديقة المشفى
انتبه على قدومها فتهللت اساريره بابتسامة لزجة يستقبلها :
ـ يا مرحب يا مرحب، جدتك الحبلة وصلت يا مؤيد
بوجه محتقن عاجلته مزيونة بغضبها:
ـ الواد معاك ليه يا عرفان؟ وأمه راحت فين وسابتهولك؟
تحدث ببروده المعتاد:
ـ باه باه، بالراحة كدة يا ست، الواد مش جاعد مع حد غريب، دا قاعد مع جده، لو ناسية تفكرك عيونه اللي طالعة شبهي.....
وختم بضحكة سمجة زادت من استفزازها، وهو يواصل:
ـ على العموم انا مش خاطفه يعني، دا امه سابته معايا على ما تروح الحمام وتأجي تاخده، حبيبة ابوها متأمنش على حد غريب، عطته لابوها،
ـ ياريتها عطته الغريب احسن، المخبلة الهبلة
غمغمت بها مزيونه تلتف نحو الجهة التي بها غرفة المراحيض، تضرب كفا بالآخر بقلة حيلة، تتوعد لابنتها المتسببة في تلك المفاجأة الغير سارة
غرقت في حديث نفسها حتى صارت غافلة عن شرار النظرات التي كانت تنطلق من عيني عرفان الممتلئة بالحقد والحسرة، على تلك الفرسة التي ذهبت من تحت يده، إلى غيره ليستمتع بها وينجب منها
عند خاطره الأخير، استدرك يوجه اللوم لها:
ـ ضحكتي عليا وفهمتيني انك قطعتي خلف عشان تخلصي مني واتجوز عليكي
التفت إليه بعدم تركيز تسأله:
ـ انت بتقول إيه؟
رد عرفان بنبرة ذهب عنها العبث، تغص بمرارة:
ـ بقول على اللعبة اللي لعبتيها عليا زمان عشان ابعد عنك وملمسكيش، ادعيتي انك بقيتي شجرة ناشفة مفيش منها رجا، لكن مع غيري الشجرة زهزهت ونورت، وزرعت كمان.....
أشار في الاخير على حملها، فانتفضت بحركة لا ارادية تضع كفها على بطنها، وكأنها تحمي جنينها من سهام النظرات الموجهة نحوه، لترد على كلماته:
ـ احسنلك ان مفتحش يا عرفان، ولا اجيب سيرة الايام السودة والظلم اللي عيشت فيه انا وبتي في بيتك، دي صفحة وقفلتها، انت عيشت حياتك واتجوزت وخلفت بدل العيل تلاتة وانا على زمتك، جه الدور بقى ان ربنا يعوضني، بلاش كمان تستكرها دي عليا
لم يرد وتجمدت عيناه في النظر إليها، رافضا الواقع وما آل إليه بسبب غباءه
ـ انا جيت يا بوي، امي انتي طلعتي؟
جاءت الكلمات من ليلى التي حضرت عائدة من المرحاض لتتنفس والدتها الصعداء، ثم تتوجه إلى أحد مقاعد الانتظار وتنتظر ابنتها حتى تنتهي من لقاء والدها وتأتي بالصغير بعد عدة دقائق
فتلقفته مزيونة منها بنظرة عاتبة توجهها نحوها، لتجعل ليلى تنتبه على خطأها:
ـ انتي زعلتي يا امي عشان عطيت مؤيد لجده عرفان...
- جده؛
دوت الكلمة تدور في رأسها، صدقت ابنتها في الوصف وكذلك هو، وليس من حقها هي أن تعترض على صلة الدم تلك ولا عن علاقة ابنتها التي تحسنت مع والدها من وقت زواجها،
قطع شرودها حين عادت ليلى بالسؤال:
ـ مالك يا امي ساكتة؟ اناا كنت بسألك لو زعلتي عشان عطيت مؤيد لوالدي، بصراحة كنت هموت وادخل الحمام، وابويا لما اطوع يمسكه اتكسفت أحرجه وارفض
اومأت مزيونة اليها بنفي واستسلام للأمر الواقع:
ـ لا يا بنتي مزعلتش ولا حاجة، دا برضو في النهاية ابوكي وجده زي ما قولتي، بس شيء طبيعي اتنكد انا لما اشوفه يعني!
قالت الاخيرة بمرح خفف عن ليلى، لتضيف عليها بالمزاح وتضحكها حتى ظهر فجأة حمزة من العدم يباردهم بحديثه:
ـ مسار الخير، الراجل العفش اللي اسمه عرفان شايفة وانا جاي طالع من الوحدة؟ هو كان هنا بيعمل ايه؟
همت مزيونة بالرد، ولكن سبقتها ليلى:
ـ ابويا جه سلم عليا انا ومؤيد يا عم حمزة مقعدتش كتير، هما خمس دقائق ومشي .
ـ اممم
زم حمزة بفمه يصدر هذا الصوت، ليتدراك ويغالب حنقه نحو هذا الرجل من اجلها:
ـ ماشي يا بنتي، على العموم حقه برضو.
ياللا بقى، انا كمان خلصت مشواري في المحافظة وقولت اجي اطمن عليكم، هو انتو دخلتو للدكتورة ولا لسة ؟
إجابته مزيونة وهي تداعب الصغير بحجرها:
ـ لا ما هي على وصول, اصلها عند واحدة بتولد قريب من هنا، أدينا مستنين، المهم عملت ايه في موضوع خليفة ورغد مع عليوة الهم
ضحك حمزة متذكرا ما حدث يخبرها:
ـ كل خير ان شاء الله، رغد بت حلال، وشكلها كدة ربنا بيحبها، عشان كدة بيوقف معاها ولاد الحلال .
ـ سألته ليلى:
ـ ليه يا عم حمزة؟ هو ايه اللي حصل بالضبط؟
هم أن يجيبها ولكن منعه حضور الطبيبة التي تبسمت لهما جميعا وحمزة الذي تهللت اساريره في انتظارها، غافلا عن ملامح زوجته التي تحولت في لحظة، تباغته بلكزة قوية من مرفقها على خصره، فتأوه متوجعا:
ـ اااه، ايه الغباوة دي يا مزيونة؟؟ دي عملة تعمليها
صاحت بهمس تكز على اسنانه:
ـ عشان تقفل خشمك ده ومتضحكش لواحدة تاني غيري، انا منبهه عليك من الاول متهزرش ولا تضحك معاها, طب عقابا ليك مش داخل معايا يا حمزة
نفض رأسه بعدم استيعاب:
ـ هو مين اللي مش داخل معاكم! انا جاي عشان اطمن على ولدي يا مزيونة، ميبقاش عقلك صغير
استفزتها أكثر كلماته حتى انقلبت معها لعند، ترفع مؤيد وتضعه بين يديه مقررة:
ـ ماشي يا حمزة انا فعلا عقلي صغير، اقعد استنانا انا وليلى على ما نخلص كشف الدكتورة
ـ وه وه
صار يردد بها حمزة بعدم تصديق وهو يضم الصغير جيدا بين ذراعيه، مخاطبا لها:
ـ اعقلي يا مزيونة، انا الراجل الكبير اقعد استناكم بالعيل برضو؟
تبسمت بمكر تلف ذراعها على ساعد ابنتها التي تعجبها مناكفتهما، مستسلمة لسحبها لها:
ـ ليه يا كبير؟ هي شيلة العيل بقت عيبة مثلا ؟ طب كنت قدم حبة وانت تشوف عرفان اللي بتعيب عليه وهو واقف بواد بته من غير كسوف، ولا هو اجدع منك يعني؟
تجمد حمزة محله بصدمة، يتابعها تنصرف من امامه بعد أن ورطته برعاية الصغير، ليغمغم نحو الاسم الذي يستفزه :
ـ هو نهار باين من اوله، بقى اللي يشوف بوز الاخص عرفان يشوف خير تاني واصل على باقي اليوم، بومة بومة
.................
في احدى غرف المنزل وقد اتخذ مكانا له داخلها فى ركن منعزل، جسده ممدد بتراخي على أريكة عصرية رائعة، لكن عينيه لا تعكس أي راحة، الغرفة يملؤها ضباب كثيف من سجائره التي يشعلها الواحدة تلو الأخرى، وكأنه يحاول بناء جدار من الدخان بينه وبين العالم,
هذه المرأة التي تهلك روحه بأفعالها، حتى وهو المسيطر ويملك زمان أمرها بيده، إلا انها وبسهولة شديدة تخرجه عن طوره وتجعله انسان اخر لا يعرفه، يعلم أنه مهما حاول ترويضها بشتى الطرق لن ينجح معها الا العنف والقسوة ليتها تفهم من البداية وتوفر عليه خوض الطريق الصعب
ـ كمال ... ممكن ادخل؟
دوى صوتها برقة وادب غريب عنها، لتجبره على الالتفاف اليها برأسه ، يتابعها تخطو إلى داخل الغرفة ببطء، ترتدي قناع براءة لا يليق بها، تقترب بخطوات هادئة, عيناها تلتمع برجاء مُصطنع وهي تنظر إليه
يبدو أن التهديد الذي خرج منه في لحظة غضب قد أتى بنتيجته معاها:
ـ انا عارفة ان ليك حق في غضبك، بس انا لسة مخدتش على الوضع الجديد، اكيد مع الوقت هتعلم، وهراعي الحاجات اللي متعجبكش عشان مكررهاش.
يحدق بها مضيفا عينيه بصمت مريب، يعرف بها أكثر من نفسها، و لا يصدق ندمها أو نيتها في الإصلاح من الأساس، فهو على يقين تام أن محاولاتها مجرد اتقاء لشره، وهذا ما بدا له جليا من نظرتها المرتبكة
ليقطع حبل أفكارها وهو ينفث دخانه بعيداً، ثم قال بصوت رخيم وهادئ يحمل نبرة أمر:
ـ تعالي اقعدي هنا يا هالة.
سمعت منه تطالع الأريكة التي كان متسطحا عليها. بالكاد تتسع لشخص واحد بوضعية مريحة، فقالت بصوت خفيض ونبرة تحمل الدهشة والاستنكار:
"أقعد فين والكنبة عرضها رفيع زي ما أنت شايف! ولا عايزني اقعد على الارض....... زي الجارية!
لم يبتسم، ولم يرفع عينه عنها، بل تحدث يفحمها
ـ انا مش ضعيف عشان اعوض نقصي بذل واحدة ست حتى لو كانت الست دي تبقى مراتي....
ختم عبارته وبحركة بطيئة وحاسمة، اعتدل في جلسته، مفسحاً لها مساحة ضيقة جداً بجانبه، مساحة تجبرها أن تكون ملتصقة به تماماً، لا مجال فيها لأي مسافة جسدية، وأشار بيده للفرق الصغير الذي تركه، فقال بلهجة لا تقبل الجدل:
ـ اقعدي هنا.
سمعت تنصاع منفذه أمره، لتجلس في هذا الجزء الصغير، تنفيذا لرغبته، القرب هو الوسيلة الوحيدة التي يجد فيها سلوته, ليزداد تأكيدا انها أصبحت ملكه، حتى وقلبها لم يصل إليه بعد ، وعقلها الغبي يقف حاجزا له، لكنه ابدا لن يتركها تبتعد عنه:
ـ جيتي عشان تصالحيني يا هالة؟
اومأت تهز رأسها بموافقة انما عينيها المتهربة منه هي الوحيدة التي تكشفها،وتفضح كذبها :
- انا بس مش عايزك تزعل ولا تقلب على البنات، دا انا ما صدقت أنهم فرحوا بيك ، ودي حاجة كبيرة قوي عندي.
لم يصدر منه أي رد فعل، بل بدأ وكأنه تمثال امامها، لا يفرقه عن الأحياء سوى زوج العيون التي تخترقها من تلك المسافة القريبة جدا، غير مباليا بتوترها ولا قلقها،
حتى خرج صوته قائلا:
ـ قربي يا هالة وبوسيني
تعقد حاجبيها تقترب بوجهها منه بعدم تركيز، تكذب اسماعها:
ـ مش فاهمة، بتقول ايه؟
رفع جذعه قليلا ليقابل وجهها تماما حتى أصبح لا يفرق عن وجهها سوى انشات بسيطة يقول:
ـ بقولك تبوسيني يا هالة، ولا انا حد غريب عنك وهتتكسفي مني؟
بالفعل شعرت بحصاره لها، حتى وإن كانت غير قابلة بتلك الخطوة إلا أنه لا يترك لها فرصة للتملص او الهروب، لتضطر مجبرة إلى طاعته، وتقرب وجهها في نية لتنفيذ الامر، ولكن وقبل أن تفعل فاجأها بقوله:
ـ عايزها بنفس يا هالة، مش حاجة والسلام .
عضت على باطن خدها بغيظ شديد، ولكنها استطاعت أن تخفي ذلك، واقتربت تعطيه القبلة التي أمرها بها برقة كنعومة الفراشات، ولكن تلقاها هو كشرارة اشتعلت في غابات قلبه الجافة, ليتشبث مثبتا رأسها بكفه من الخلف، يمنعها أن تبتعد عنه، بلهفة الغريق إلى التمسك بالحياة، وعنفوان الأمواج التي تضرب الصخور, بشوق كاسح لا يتوقف ولا يتأثر حتى برفضها، وتمثيلها المكشوف انها استسلمت اليه، أو رفعت راية الاستسلام لعشقه المريض بها، نعم هي مرضه الذي لا يريد أن يشفى منه ابدا
..............
في العاصمة
توقفت مريم بسيارتها تغلق بابها بعنف والغضب يأكلها أثناء حديثها عبر الهاتف مع احدهما:
ـ بقولك معبرنيش ولا حضر العزومة من اصله، ساعة كاملة وانا ملطوعة في انتظاره ، طب حتى يفتكرو العملاء اللي وعدته بيهم ولا ملصحة العمل ......... بلاش تلفي وتدوري في الكلام يا روان، دي اسمها جليطة وقلة زوق وإنا لا يمكن اعديهاله.......... هو انا لسة هفكر اعمل ايه؟ انا سيبت كل حاجة وجاية لحد عنده، وخليها جنان في جنان......... بطلي ولوله يا روان انا وصلت اصلا، بعدين ابقى اكلمك
انهت المكالمة وتوجهت إلى حارس العمارة الذي انتقض واقفا برؤيتها:
ـ افندم يا هانم، طالعة لحد هنا في العمارة؟
ردت تلقي نظرة سريعة على المبني، قبل ان تحسم وتخبره:
ـ طالعة لواحد من سكان العمارة هنا اسمه معاذ، عايزة اعرف هو في اي دور بالظبط وشقته رقم كام!
تفتكروا المنيلة دي هتعمل ايه؟
•تابع الفصل التالي "رواية لأجلها" اضغط على اسم الرواية