رواية المشهد الاخير الفصل الرابع 4 - بقلم ملك عبد الله احمد
مامتك متهمة يا نـدى ولو ظهرت، أبوكي هيدخلها السجـ'ن!
الكلمة نزلت عليّا زي قلم على وشي مش بس وجعتني، لأ صحّتني على كابوس مكنتش مستعدة أعيشه.
بصيت له وقلبي بيدق بعنف، كأني مستنية يكمل ويضحك ويقولي إنه بيهزر بس ملامحه كانت جامدة وشه مفيهوش هزار، ولا حتى تردد
بلعت ريقي بصعوبة، وسألته بصوت خرج مهزوز مني:
_متهمة بإيه؟
اتنفس ببطء وبص بعيد عن عيني للحظة، كأنه بيختار كلماته بحذر:
_الأفضل تسمعي منها مش مني أنا اتحكالي آه وسمعت
بس إنتِ محتاجة تفهمي منها وتشوفي هتعملي إيه.
سكتُّ ثانية يمكن ثانيتين…
وبعدين قلت فجأة، من غير ما أدي لنفسي فرصة أفكر:
_ تعال نروح عندها.
لفّ عليّا بسرعة، وبصلي بتركيز:
_جاهزة؟!
خدت نفس عميق وبصيت في عينه بثبات حاولت أستعيره من أي حتة جوايا:
آه… إنت معايا.
___________•
_أخبط؟!!
بصلي لحظة كإنه مستني مني كلمة تانية، أي حاجة تطمنه.
لكن أنا كنت واقفة قدامه ثابتة أو يمكن بُمثل الثبات.
_ أنا عادي يا عمران، حقيقي الموضوع بس فضول بالنسبالي.
اتنهد بخيبة أمل، وهز راسه بخفة.
رغم عدم مبالاتي اللي بايناله جوايا كانت حرب
حرب بين قلبي وعقلي.
قلبي بيقول كفاية قسوة.
وعقلي بيصرخ فاكرة؟! فاكرة كل حاجة؟!
أنا مش مستنية انتصار ولا حتى اعتذار.
أنا بس مستنية الحرب تخلص حتى لو نهايتها هزيمة.
نفسي الإحساس ده يزول أي حنية، أي ضعف، أي لحظة لين ممكن تخليني أرجع لنقطة الصفر.
مش عايزة أنسى اللي مريت بيه مش عايزة الزمن يخففه لدرجة إني أبرر.
عايزة أفتكره عشان لما قلبي يحاول يحنّ، أفتكره وأسنده على الوجع وأقوله لأ.
لأن في وجع لو اتنسى بيتكرر.
اتفتح الباب بلهفة
آه، نفس اللهفة اللي كنت بشوفها دايمًا حواليّ
بس ولا مرة كانت ليا ولا مرة اتحققت رغم لوعتي عليها.
وقبل ما نقف قصاد بعض شدّتني في حضنها.
حضن مفاجئ… سريع كإنها خايفة أهرب أو أختفي أو أبعد تاني من غير رجوع.
أنا عشت اللحظة دي… عشتها فعلًا.
الحلم اللي كنت بعيشه في خيالي سنين بيتحقق قدامي من غير مقدمات من غير اعتذار من غير حتى كلمة.
لمست الإحساس اللي اتمنيته كتير.
لمسته بإيديا وبقلبي.
بس طلع بشع.
طلع مش آمن مش دافي مش الحنية اللي كنت برسمها في خيالي كل ليلة.
كان حضن مليان خوف مش حب.
مليان احتياج مش احتواء.
جسمي كان في حضنها، بس روحي واقفة بعيد بتتفرج.
استنيت الأمان ييجي استنيت قلبي يلين استنيت دموعي تنزل راحة بس اللي نزل كان وجع قديم اتفتح من أول وجديد.
يمكن عشان الحضن اللي بييجي متأخر ما بيعرفش يمحي سنين الحرمان.
يمكن عشان في حاجات لما بتيجي بعد ما القلب يتكسر ما بترجعوش زي ما كان، بتأكدله بس إنه اتغير.
خرجت بهدوء من حضنها فكّيت إيدي كإني بفك رباط قديم وقولت بنبرة عادية:
_ممكن نتكلم… لو فاضية؟!!
ابتسمت بسرعة:
_ أكيد يا عيوني، أكيد… أفضالك عمري كله.
كلماتها كانت بتقع عليّا ،ناعمة، دافية بس أنا كنت بمشي فوقها بحذر كإن كل كلمة ممكن تكسرني لو صدّقتها.
دخلنا بهدوء ومش هنكر طريقة نطقها، رعشة صوتها كان فيهم مشاعر قادرة تهز أي قلب.
بس وضعنا ما يسمحش أضعف ما يسمحش أنسى.
وقفت قدامها ثابتة أو بحاول.
_مش فارق معايا ليه سبتيني، وليه ظهرتي دلوقتي
حتى مش فارق معايا المشاعر اللي بتظهريها دي.
"كنت بقولها وأنا بحاول أصدق نفسي."
_ ممكن أكون مقدّرة ومش بشك في حزنك، ولا ندمك، ولا حرمانك ليّ.
بس زي ما أنا قدرت إنتِ كمان قدّريني.
نفسي اتقطع وأنا بكمل:
_أنا عشت بدونك سنين على اعتقاد إنك…
"بلعت باقي الكلمة مش قادرة أقولها مش قادرة أعيدها حتى لنفسي."
_شوفت بعيني القسوة والظلم من أهلي.
كنت محتاجة لكِ ومكنتيش موجودة.
قربت مني.
مسكت إيدي حركة بسيطة بس جسمي كله اتشد.
كنت هسحبها هفك إيدي بسرعة لكن نظرات عمران.
كانت هادية، ثابتة كإنه بيقولي اسيبيها تتكلم.
اسمعي مرة واحدة بس من غير ردع!
اترددت ما قربتش وما بعدتش.
سابتها تمسك إيدي بس فضلت حافظة المسافة اللي جوايا.
_حقك على عيني… حقك عليّا والله.
أنا عارفة، عارفة إني ظلمتك، وإنك اتظلمتي بسببي ومش داخلة أطلب سماح، ولا جاية أستعطف قلبك أنا بس كنت محتاجة أشوفك.
محتاجة أحكي لك اللي حصل لو عايزة تصدّقي براحتك.
ولو شايفة إني بكدب من حقك.
والله ما هزعل عشان أنا عارفة حجم الأذى اللي جواكِ
عارفة قد إيه التعب متراكم في صدرك وقد إيه وجعك مش سهل يتغفر بكلمتين.
أنا بس كنت محتاجة أقف قدامك مرة وأقولك الحقيقة
حتى لو جيت متأخر حتى لو جيت بعد ما كل حاجة اتكسرت.
_ قولي… أنا جيت عشان أسمعك.
هتغاضى عن كل اللي فات هتغاضى عن الأذى وهسمعك للآخر.
سكتت لحظة وكأنها بتلم شتات قلبها قبل ما تتكلم.
وبعدين خرج صوتها مكسور، بس مليان نـ'ار سنين.
_ إنتِ اتحرمتي من أمك طول السنين دي، وأنتِ فاكراني ميّتة…
طب وأنا؟
أنا اتحرمت من بنتي سنين طويلة
محرومة من بنتي أنا، بنتي يعني النفس يعني الحياة.
أنا اللي حملتك تسع شهور بين ضلوعي أنا اللي استحملت وجع الحمل وتعبه وفي نفس اللحظة كنت بحلم بوشك
أنا أول واحدة شافت ضحكتك الحلوة أنا اللي عشت أول صرخة وأول لمسة وأول مرة قلتي ماما.
فاكرة الإحساس ده؟
يمكن لأ بس أنا عمري ما نسيته.
وفجأة تتاخدي من حضني تبعدي عني يتقالي إن خلاص مفيش بنتك.
إزاي كنتِ عايزاني أفرّط فيكِ؟
إزاي أعيش وكأني معنديش روح؟
أنا غلطت… آه غلطت.
يمكن هربت، يمكن خوفت، يمكن ضعفت قدام ظروف أكبر مني.
بس عمري ما اخترت أسيبك كنت كل يوم بصحى وأسأل نفسي هي كبرت؟ بقت عاملة إيه؟ لسه بتضحك بنفس الطريقة؟
كنت بحلم بيكِ وأصحى على فراغ حضني.
أنا مش بطلب منك تنسي ولا بطلب منك تسامحي دلوقتي.
أنا بس عايزاكِ تعرفي إن البعد كان عقاب ليا زي ما كان عليكِ
وإن قلبي طول السنين دي ما بطلش ينادي باسمك حتى وإنتِ فاكراني ميّتة.
_ ليه هربتي؟!!
السؤال خرج مني زي صرخة متكدّسة فيه سنين الشك وسنين الفقد.
"رفعت عينيها ليّ وكان الرد أقسى "
_هـربت… لما غـ'رست السـكيـ'نـة في بـطـ'ن أبوكي.
_إيــــه؟!
"الكلمة خرجت مني مخنوقة كأن الدنيا اتسحبت من تحت رجلي".
حطّت إيدها على وشّها بتخبّي دموعها، شهقاتها، وكسرتها:
_كنت تعبت يا نـدى استحملت لآخر طاقتي.
ولما الطاقة خلصت محستش بنفسي غير وأنا عايزة أوجعه زي ما وجعني.
أبوكي طول عمره غريب المشاعر.
عمرك عرفتي هو بيحبك فعلًا؟ ولا بيقرب منك عشان يملكك؟
كان إنسان متناقض يمشي ورا كلام الناس يصدّق أي حد يشككه في بيته في مراته… في عرضه.
ولا مرة وثق فيّا ولا مرة طبطب.
كل يوم نفس الاتهام أنتِ أكيد بتخونيني أنتِ أكيد بتلعبي عليّا أنتِ أكيد مش حامل في بنتي.
اتجوزنا وكنا عايشين عادي لحد ما نزل عمك ومراته واستقروا معانا.
ومن ساعتها الحياة اتقلبت بقيت خدامة في بيتي.
لـيه؟
عشان أنا مش بشتغل وهما بينزلوا كل يوم.
مكنش مفروض عليّا أعمل ده بس من الـذل ومن القهر
كنت بعمل.
مرات عمك؟ حية… بتتلوّن.
كانت بتفتعل أي حاجة عشان تسمع صرخي كل يوم وكانت بتستمتع بضربي.
تطعُن في شرفي قدام جوزي وهو يصدقها.
كل يوم كنت بموت حتة لحد ما جه اليوم اللي مـ'ات فيه أبويا.
أبويا يا نـدى مـ'ات ومنَعوني أحضر دفـ'نتـه.
لـيه؟
عشان الهانم عندها حفلة في البيت ومحتاجة حد يخدم الضيوف.
وأبوكي وافق.
هنا حاجة اتكسرت جوايا للأبد مش قهر بس ولا ذل .
ده كان دفن لكرامتي وأنا لسه عايشة.
دخلت المطبخ والسـكيـ'نـة كانت قدامي.
مش فاكرة مسكتها إزاي ولا مشيت بيها إزاي.
فاكرة بس عينيه وهو بيبص ليّ بصدمة وفاكرة إيدي وهي بتغرز كنت معمية مش شايفة غير سواد.
مش حاسة غير بـنـ'ار بتاكل صدري.
أول ما الـ'دم نزل رجعت للواقع فجأة، صوت صراخ وهرج البيت كله بيتقلب حواليها، كأن الدنيا اتقلبت فوق دماغها.
في اللحظة دي فهمت إن كل الحدود اتكسرت.
كل حاجة كل خطوط أحمر اتخطيت.
خدتك من هناك وهربت مش مهم كنا هنروح فين
المهم… إننا نكون أنا وأنتِ بعيد عن كل الجحيم ده.
"ضحكت بس ضحكة فيها سخرية وحزن، مريرة"
وقالت: بس اتمسكت واتعرف مكاني
لسه فاكرة كل كلمة، كل صوت، كل حركة.
لسه فاكرة إزاي اللحظة دي غرست نفسها في قلبي
كل ثانية كانت كأنها عمر كامل.
__•
_ كنتِ فاكرة إني هسيبك يا نوران!!
أنتِ طلعت واطية أوي… بقى عايزة تموتي جوزك وتاخدي بنتي وتهربي؟
عارفة أنا ممكن أعمل فيكِ إيه دلوقتي؟
هقتلك! آه والله… زي ما سمعتِ كده، هقتلك ووادفنك مكانك!
ومش بس كده لأ… تؤ تؤ هدفن بنتك جنبك!
اتجمدت صوتي خرج مخنوق: أنت بتقول إيه؟
حرام عليك سبيني أمشي والله ما عايزة منك حاجة
هاخد بنتي وامشي بس سبيني دي بنتك عايز تقتلها ليه؟
ضحك بقسوة:
_ومين قاللك إني ضامن إنها بنتي تبقى غبية يا بيت؟
فاكرة إنك هتعملي عملتك وتهربي؟
حقي هيتاخد منك ضعف الضعف اللي إنتِ عملتيه!
السكون لف اللحظة…
سؤالي وقف على طرف شفايفي: انت عايز إيه مني؟
_تقتلي أنتِ وبنتك… أو تسيبها وتدخلي السجن.
قلبي اتوقف شوية، النفس اتقطع بس مع صوت الخوف اللي جوّايا قولت:
هسيبها… هسيبها والله هدخل السجن وهاخد عقوبتي والله بس متعملش فيها حاجة
_ أو استني… أنا غيرت رأيي.
"الجو اتجمد حوالينا بصيت ليه بارتباك، ولسه بحاول اسيطر على نفسي"
_أسمعي كويس يا نوران…
تمشي من هنا وتبعد نهائي لو رجعتي مش بس هتتعرضي للخطر بنتك كمان هتتأذى، هتدخلي السجن ومش بس كده…
"التهديد كان واضح كل كلمة كانت وزنها الموت"
_مش بس هقتلك هثبت إنك مريضة نفسية وهتفضلي طول عمرك في مستشفى المجانين.
الكلمة الأخيرة نزلت على قلبي زي حجر ضخم، بتسحقني من كل ناحية.
كانت فرصة واحدة فرصة البقاء على قيد الحياة لبنتي ولنفسي
فرصة لازم تمغشي فيها من غير ما تطلع كلمة، من غير ما ارجع…
الخيارات ما بقتش حرية بقت مسألة حياة أو موت.
وقفت قدامها عيناي مـولّـ'عين، صوتي اللي بيرتعش من الغضب والحزن:
_هو أنتِ بتتكلمي جد؟!! أنتِ سبتيني عشان كده؟!
تنفّست بعمق كأنّي بأشد الهوا كله جوّه صدري المليان وجـع وقـهرة:
_إنتِ بتقولي إيـه ها؟ إيه الكلام ده اللي أنا سامعاه دلوقتي ده؟!
خطوت خطوة لقدام رجلي بتتهز:
_إنتِ ظهرتِ نفسك عشان تسمعيني كلام ميدخلش عقل أي حد!
دموعي بدأت تنزل من غير ما أحس:
_يعني إيه… يعني إيه ده؟! هو الدنيا وحشة أوي كده؟ فضلتي تهربي وتنقذي نفسك وتسيبي بنتك؟!
_أنتِ أنـانية… أنـانية فـاهمة… فـاهمة؟!
وصمت لحظة لكن الصمت كان أتقل من أي كلمة وبعدها انفجرت:
_عدّى أكتر من عشرين سنة معرفتش تيجي تظهري مجربتيش تشوفي عشرين سنة عارفة إن عندك بنت ومحنش قلبك تيجيلي؟!
_أنـا… أنا كنت عايزة أحميكي بس ما كنتش أعرف أعمل إيـه.
_إنتوا بتقولوا إيـه… بتقولوا إيـه؟!
•تابع الفصل التالي "رواية المشهد الاخير" اضغط على اسم الرواية