رواية نوح الباشا (سفر كرياتور) الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندا الشرقاوي

  رواية نوح الباشا (سفر كرياتور) الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندا الشرقاوي 

-أنا جيت محدش هيتحرك من هنا ………..
رفعت نظرها إليه ،القت نظرة سريعة ثم خفضت مرّة أخرى،أقترب مُعتصم من نوح بلهفة وقلق ،ثم قال
-كُنت فين دا كله وتلفونك مقفول.
رفع نوح يده اليُمنى وكان بها بعض الأوراق ،ورفع له منكبيه ببساطة ،وتقدم منهم ووضع الورق أمام موج وهى تنظر إليه بعدم فهم ،هتفت قائلة بمشاعر جافة 
-ايه دا؟؟ 
جلس نوح ثم وضع قدم على الأخرى ،ورفع قميصه إلى ساعديه ،وقال بثقة
-مش هقولك دليل برئتي والشغل دا،أنا كُل اللي حصل أصلًا ميدخُلش دماغي بجنية،وقلة ثقتك دي نقص عندك مش عندي .
الورق دا في اسماء الناس اللي كانوا معايا على المركب وقبل ما تنطقي وتقولي أفرض زورت ،لا الورق سليم وكمان في ورق السفر بتاع ابوكي ،لأن بالصدفة سافرنا عند نفس الراجل .
اقترب مُعتصم وهو يشُعر بالغرابة من أين آتى بهذه الأوراق ،وهتف
-جبت الورق دا منين؟؟؟ 
"منذ ثلاث ساعات "
"في بحري "
وقف نوح أمام أحد المنازل القديمة ،التي أهلكتها الرطوبة ،وسقطت مُعظم الشرف السكنية ،دهانها اللذي تَشقق وظهر القلب البُنى،تقدم ووجد ثلاث درجات يهبطهم حتى يدلف إلى مدخل المنزل،كانت أحدّهم مَشقُوقة ،وضع قدمه لكن انزلقت سريعًا ،وسند نفسه إلى الحائط .
تقدم إلى الداخل ،ثم وقف أمام أحد الشُقق الأرضية ،دق الباب عدة مرات،جاء صوت رجلٌ مُسن من الداخل يردف 
-حاضر يالي على الباب ،الدنيا مطارتش .
فتح الباب ذلك المُسن الذي يتكأ على عصاه الخشبية ،ويرتدي نظارة طبية ،ضيق العجوز عينه وقال 
-خير يابني أنت مين؟ 
ابتسم نوح ابتسامه واسعه وقال 
-ازيك يا عم زكريا !؟ 
-بخير الحمد لله يابني .
-ممكن أدخل عاوز اتكلم معاك في موضوع مُهم ،مش هاخد من وقتك أكتر من عشر دقايق.
رد عليه زكريات وهو يفتح له ضلفة الباب 
-اتفضل .
دلف نوح إلى الداخل ،ثم جلس ،واراد زكريا أن يضيفه بكوبًا من الشاي لكن شكره نوح على حسن استضافته 
وبدا يقُص عليه رحلته وبدأ زكريا أن يتذكره .
رد زكريا وهو يعدل نظارته
-افتكرتك أنت الولا اللي كُنت هتخانق معاه علشان مصمم يسافر هو وصحبه على نفس المركب ،صح؟؟ 
ضحك نوح وقال
-بالظبط كده ، قلبك أسود أوي ياعم زكريا 
ثم استطرد
-أنا محتاج منك خدمه وهديك اللي أنت عاوزه .
-اؤمر 
-حضرتك زمان كُنت بتكتب اسماءنا كُلنا في ورقة واسم المركب وكمان اليوم والتواريخ صح 
-صح
-عاوز الورق دا ،ينفع 
ابتسم العجوز ولم يسال عن السبب بل قال له في هدوء 
-عنيا بس كده
ثم نهض ببطء، متكئًا على عصاه، يسند جسده الواهن إلى الحائط، وخطا خطواتٍ متثاقلة نحو الداخل. 
غاب دقائق قليلة، لم يُسمع خلالها سوى حركته الخافتة في الغرفة،ثم عاد يحمل في يده أوراقًا صفراء قديمة، وقد بدت عليها آثار الزمن
مدّها إليه قائلًا
— تفضل، هذه أوراق السنة كلها
تناول نوح الأوراق بكلتا يديه، ونظر إلى العجوز بعينين يملؤهما الامتنان، ثم قال بصوتٍ خافت
— شكرًا 
أومأ العجوز برأسه في صمت، بينما بدا نوح يقلب الأوراق صفحةً صفحة، متفحصًا ما فيها بعنايةٍ شديدة كأنما يبحث عن شيءٍ بعينه. 
كانت عيناه تجولان بين الأسماء والتواريخ، وتتوقفان عند كل سطر بدقة.
وفجأة، توقفت أنامله عند ورقةٍ بعينها،حدّق بها طويلًا وقد انعقد حاجباه في تركيز،كانت تضم اسمه، وإلى جواره اسم مُعتصم شعر بقلبه يخفق أسرع فأعاد قراءة السطور مرةً أخرى ليتأكد.
ثم أخذ يتأمل بقية الأسماء المسجلة في الصفحة نفسها، فاكتشف أن أعمار من كانوا معهم في تلك السنة كانت صغيرة جميعهم كانوا أحداثًا لم يتجاوزوا سنّ الصبا عندها تغيّر وجهه قليلًا، وضعها على جنبً .
                     " الآن "
-دا اللي حصل وبالصدفه لقيت اسم ابوكي في ورق تاني كان بعد سفري ب ٣ شهور ،الورق عندك اهو وأنتِ حره عن اذنكم .
وأسرع نوح من حركته ليتجه إلى المكتب ،دلف وأغلق الباب سريعًا ليرتمي أرضًا وقلبه ينهش مما حدث ،وبدأ يتذكر باقي الحديث الذي لم يُخبرها به نظرًا لعدم سوء حالتها. 
"منذ ثلاث ساعات" 
ثوانٍ ووجهه حديثه إلى زكريا وقال 
-عم زكريا هو في حد كان مسافر في نفس السنة وحصل اشتباك على المركب ومات فيها واحد !!؟ 
تغير وجهه زكريا ،وبدأ يسعل بقوة ،أسرع نوح إليه بالماء التي بجانبه ،وبدا بتدليك ظهره بهدوء ،حتى يقدر على أخذ نفسه ،وقد كان .
ارتشف زكريا من الماء وقال 
-أنت عرفت الكلام دا إزاي؟؟
-عاوز اعرف ايه اللي حصل ؟ 
بدا زكريا يروي القصة 
-يابني هو كان راجل مش كبير أوي قول أول الاربعين كده بس الزمن كان جاي عليه أوي ،و معندوش غير بنته ،وكان عاوز يسافر قولتله ماشي،وسفرته وكانت سفريه غم،حصل خناقة بين الرجالة على المركب ،قام الراجل زي اي راجل شهم يحوش ،بس للأسف واحد من الرجالة غزه بالمطوه في قلبه .
ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماته كأن الهواء نفسه تجمّد في المكان، تصلّب نوح في موضعه، وشحب وجهه فجأة واتسعت عيناه في ذهولٍ لم يستطع إخفاءه. 
شعر كأن الأرض تجمدت تحته، وأن الكلمات التي سمعها لم تكن مجرد حكاية، بل صاعقة نزلت على صدره،انحبس صوته في حلقه، وتيبّست أصابعه حول الأوراق التي كان يمسك بها، حتى كادت تسقط من بين يديه وقال
-اييييه؟؟ 
-هو دا اللي حصل وساعتها خوفنا ندخل في سين وجيم يابني المركب كملت ورجعت أنا بالراجل تاني على مصر ،كفنته أنا وكام واحد من الرجاله وطلعنا على بيت اهله وقولنا انه مات موته ربنا وإكرام الميت دفنه وطلع التسريح ودفنا واهله غلابه مشكوش أصلا ،إلا بنته كانت بتجري ورا النعش وإلا تكشف تشوفه.
"الآن "
مسح على وجهه بحزن على ما عانت به زوجته وهى في هذا السن ،بالطبع منزعج منها لكن لم يقدر على قول الحديث حتى لا يجرحها أكثر .
مر اليوم  على الجميع ثقيلاً كأنّه عام كامل،معتصم وليلى سيغادران، والحزن بداخلهم عليهم،موج صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب عليها، كعادتها حين تضيق بها الدنيا، تحبس دموعها خلف جدرانٍ اعتادت أن تشهد ضعفها.
أمّا نوح بقى  في المكتب، يتظاهر بالانشغال، يحدّق في الأوراق دون أن يقرأ حرفًا يحاول إقناع نفسه أن المسافة حلّ وأن الابتعاد أهون من المواجهة.
وذاك  أوّل يوم يبيت فيه الاثنان بعيدًا عن بعضهما.
ليلٌ ثقيل سيهبط على البيت،السرير في غرفة موج سيبدو أوسع مما يجب، والهدوء في المكتب سيخنق نوح أكثر مما يريحه،كلاهما سيحاول النوم، وكلاهما سيبقى مستيقظًا…
                                        **************
في الحارة ….
كانت تقف أميرة في الشرفة وتمسك في يدها حبل زينة رمضان وعلي يقف في الشُرفة آلتيّ امامها ،قامت بربط الحبل في قطعه من الخشب قم القتها في شُرفة علي .
نظر إليها وقال 
-اله اله بقينا نروح الجيم بقا على كده 
نظرت له بتعالِ وتفاخر وقالت 
-طبعًا يابني بدأت أشيل عشرة كيلو ف تحسن .
-أمال أنتِ هتقوليلي ،نشيطة طول عمرك  ياميرو 
-اه ياخويا بس أنت اللي أعمى 
جاء ليتحدث لكن قاطعه صوت طفل في الشارع يقول 
-ما تخلص ياعم علي عاوزين نربط الزينة بقا أنت قاعد تحب في البلكونة 
-ياض يا حوكشة أنت لازم تقطع عليا كده ،روخ بول لعم سامح يطلع من بلكونة نوح الباشا علشان يربط الحبل دا عنده 
ركض الصبي وهو يقول
-هوا يا ابو علي . 
خرج سامح من الشرفه وقال
-سامع صوتك من جوه والله ولا كانك قاعد معايا .
-حبيبي يا سموحه خد بقا اربط من عندك 
-هات 
                                             *************
استيقظت موج على أشعة الشمس التي تسللت إلى غُرفتها فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقلٍ في قلبها وهي تتذكّر ما حدث بينها وبين نوح في الليلة الماضية،بقيت لحظاتٍ تحدّق في السقف، وكأنها تحاول أن تعيد ترتيب أفكارها وتستجمع شجاعتها.
نهضت بهدوء، واتجهت إلى الحمّام وقفت تحت الماء الدافئ، تشعر وكأن قطراته تغسل عنها شيئًا من الحزن والندم كانت تستعيد كلماتها القاسية ونبرة صوتها المرتفعة وأدركت في أعماقها أنها أخطأت وأن العناد لا يبني بيتًا ولا يحفظ مودة
بعد أن انتهت ارتدت ثيابًا نظيفة وفرشت سجادة الصلاة، وأدّت صلاة الصبح بخشوع أطالت السجود، تدعو الله أن يصلح ما بينها وبين زوجها، وأن يمنحها الحكمة والسكينة.
ثم جلست قليلًا وضعت يدها برفق على بطنها وربّتت عليها بحنان، وكأنها تخاطب صغيرها الذي لم يتظهر له ملامح بعد همست له بكلماتٍ دافئة، تعده بأن تكون أمًّا صالحة، وبأن تحافظ على بيته وأبيه شعرت حينها بأن مسؤوليتها أكبر من غضبٍ عابر، وأن عليها أن تبادر بالصلح،وتعتذر كانه امامها أنها فكرة في إجهاضه 
تنفّست بعمق، وقررت أن تعتذر لنوح وأن تبدأ يومًا جديدًا بروحٍ مختلفة نهضت، ورتبت شعرها وارتدت ملابسها بعناية، ثم اتجهت إلى المطبخ لتُعِدّ الفطور كانت تريد أن يكون صباحهما بداية صفحةٍ بيضاء، تُكتب بحبٍّ وصبرٍ وتفاهم
بدأت تعد الطعام وتتنقل في المطبخ بخفة الفراشة ،أعدت البيض المقلي والمسلوق ،ووضع الكثير من أنواع الجبن لأنها تعلم كم يعشق الجبن نوح ،بعد دقائق بدأت تُحول الطعام إلى السفرة ،ثم اتجهت إلى المكتب قامت بالدق أولًا لكن لم يظهر اي رد ،بدأت في فتح الباب لكن أغلقته عندما أستمعت لصوت باب الفيلا .
ركضت سريعًا لكن قابلها هو بخوف وقال 
-براحة براحة .
أسرعت في الحديث وقالت 
-نوح أنا اسفه عارفة إني كنت غبيه وكنت صعبة وحقك حته إنك تطلق…
وضع إبهامه على فاها وقال 
-هششش… كُل سنة وأنتِ طيبة ،رمضان مُبارك عليكِ 
صدمت من الحديث ،كانت تتوقع أن يُبخها فهي أخطأت كثيرًا 
-نوح أنا .. 
-أنتِ ايه ،خلاص اقفلي الصفحه علشان منجرحش بعض أكتر من كده وأياكي ثم اياكي تشكي فيا يا موج تاني 
ثم أخر يده الأخر من خلف ظهره ظهر فانوس يتلألأ بين كفيه ، كان فانوسًا تقليديّ الطراز مصنوعًا من النحاس المصقول، تتداخل على جوانبه نقوشٌ عربية دقيقة، محفورة بعناية كأنها خيوط ضوء متشابكة.
ابتسمت ابتسامه واسعه وعانقته بقوة ،أغلق يده عليها كاد أن يكسر عظمها بين يده من كثره الإشتياق . 
                          ************ 
دق جرس الباب ،كانت أميرة تقف أمام المرأه تتزين لأن علي قادم للجلوس معاها ،ركضت إلى الباب وقامت بالفتخ والابتسامه تملئ وجهها لكن دهشت وقالت 
-علاء!!!!!!! 

•تابع الفصل التالي "رواية نوح الباشا" اضغط على اسم الرواية

تعليقات