رواية المشهد الاخير الفصل الثاني 2 - بقلم ملك عبد الله احمد
مش هـتجوز أنا… سـمعتوا؟ مش هـتجوز.
_أنتِ بترفضي أوامر أبوكي يا نـدى؟!
اتهبلتي يا بت!
رفعت عيني فيه، لأول مرة من غير خوف لأول مرة من غير ما ابصّ في الأرض.
_ آه… ومش هـتجوز.
أبويا فين ده؟ إنت بتهزر معايا؟
ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة، مكسورة من جوايا:
_هو فيه أب يعمل اللي إنت بتعمله؟
يعني إيه أصحى من يوم وليلة تقولي حضّري نفسك
كتب كتابك النهارده؟
أنا إيـه؟ سـلعة؟
اشتريتني بكام يا ترى؟!
صوته علا، والغضب مالي المكان.
_ لاااا!
إنتِ شكلك فعلًا اتجننتي على الآخر!
يخسارة تربيتي فيكِ!
إنتِ مُطالبة تسددي كل اللي عملتهولك يا بت!
لولايا مكنتيش دلوقتي في المكان ده، فاهمة؟!
سِكت لحظة قربت منه خطوة وصوتي بقى أوطى
بس أوجـع.
_ أنا ما طلبتش منك حاجة.
ما طلبتش تيجي بيا الدنيا عشان تفضل طول عمرك تفكرني إنّي دَين.
الأب مش بيصرف عشان يستردّ تمـن
الأب بيحب.
بيأمّن.
مش بيبيع.
دموعي نزلت، بس المرة دي ما مسحتهاش.
_ لو المكان اللي أنا فيه تمنه حريتي يبقى خده.
أنا أرجع صفر… بس أرجع بني آدم.
_شوفت البِت اللي بتنكر كلّ فضلي عليها؟!
اسمعي كويس إنتِ هتتجوزي النهارده، يعني هتتجوزي.
ومش كده وبس… لااا.
إنتِ كمان هتروحي معاه بيتك الجديد، من غير ما تبصي وراكِ.
إنتِ مبقاش ليكِ مكان هنا فـاهمة؟
ياريتكِ ما كنتِ بنتي.
من صِغرك وإنتِ متمردة، مش بتيجي غير لوي الدراع.
عمري ما افتخرت بيكِ… ولا مرة.
بالعكس كنت دايمًا شايفك ملِكيش قيمة.
كل ما أقولك
لأ… متعمليش ده.
متروحيش هناك.
متدخليش المجال ده.
تعاندي وتسمعيش الكلام كأنه مش ليكي.
كبرتي على أبوكي؟
وبقى ليكِ حرية رأي؟
فاكرة إنك بقيتي قدّي؟
أنا النهارده هِدفن غرورك وهحطك تحت رجلي.
وأقسم بالله… لو بس حاولتي تعاندي لو فكرتي ترفعي عينك في عيني تاني—
هتشوفي مني وشّ عمرك ما شُفتيه.
في اللحظة دي الوجـع ما بقاش لحظة عابرة ده بقى مدينة كاملة سكنت جوا صدري وكل نفس باخده فيها بيجرحني من غير دم.
الإحساس المخزي ده مش مجرد شعور ده زي إني كنت ماشية على حافة سور عالي جدًا، مش سور عادي
سور مبني من قراراتي، من اختياراتي، من ثقتي اللي كنت فاكرة إنها ثابتة.
وتحت السور مش أرض لكن بحر من الإزاز المكسور
قطع صغيرة، لامعة، خادعة.
زمان كنت بفقد توازني أوقات، رجلي تتهز، قلبي يخبط
بس كنت بلحق نفسي في آخر لحظة
أرجع أقف، أتنفس، وأكمل.
المرادي؟
لا.
المرادي الوقعة ما كانتش زلة.
كانت سقوط كامل، سقوط من ارتفاع الثقة للوهم
من أمـان مزيف لحقيقة جـارحة.
قربت منه…
خطوة واحدة كانت كفاية تكسّر المسافة بينّا، زي اللي اتكسر جوايا من سنين.
غرست عيني في عينه مش علشان أتحداه لكن علشان يشوف لأول مرة حجم الخراب اللي سابه ورا ضهره.
قلت، وصوتي كان طالع من مكان أعمق من قلبي:
— اسمعني!
أنا بـكرهـك…
ومش ندمانة إني قولتها.
رغم إن قلبي كل يوم كان بيحارب عشان ميظهرش ده.
كنت بحارب نفسي علشان أبررلك، ألاقي لك عذر
أقول يمكن متقصدش، يمكن اتوجعت، يمكن الدنيا قست عليك…
بس إنت؟
إنت قطعت كل طريق كان ممكن يوصلني ليك.
أنت أنـاني… وأنـاني حتى على نفسك.
كنت فاكرة إن أقسى جملة ممكن أقولها خلصت
لكن القهرة كانت أكبر مني:
— ياريت كنت موت مع ماما وسبناك لوحدك في الدنيا.
الجملة خرجت مني زي طلقـة حتى أنا اتفاجئت من كلامي!
اتراجعت خطوة..
مش ضعف، لكن علشان لمحت الدموع بتتمجع في عينه.
لحظة صمت تقيله على قلبي حـاول يرفّ حـاول يلين
بس عقلي سبقني
لا هو بيمثل… زي كل مرة هيرجع يقنعني، دموعه دي جزء من العرض، وأنا لو صدّقت، هرجع أقـع على نفس الإزاز اللي شوّهني قبل كده.
شدّيت نفسي…
ملامحي كانت جامدة، قاسية كإني بحط وشّ تاني غير وشي وسِبتُه.
كنت بمشي…
ومع كل خطوة بخطيها، كانت دموعي بتنهمر من غير ما أستأذنها، ولا أقدر أوقفها.
إحساس بالـقهر بالـحزن بوجـع مستوطـن جوايا.
لـيه؟!
ليه كل حاجة حلوة بتسبني؟
ليه ماما اتوفت وسابتني أواجه الدنيا دي لوحدي؟
ليه أخبط في كل حاجة لوحدي؟
ليه مفيش صدر أستخبى فيه لما أتوجع؟
ليه أهلي ما حبّونيش؟
ليه بابا ما حبّنيش؟
ليه بيكرهني كأني مش من دمه؟
أنا بنتـه… صـح؟
طب ليه ولا مرة حسّيت بده؟
ليه دايمًا كان حنين على الغريب و أنـا لاء؟
ليه كنت بشوف حبـه لغيري وأنا واقفة قدامه…
موجودة بس مش متشافه؟
محستش بوجوده في حياتي…
ولا مرة حسّيت إن ليّ أب
يـسندني…
يـختارني…
أو حتى يخـاف عليّا.
أنا كنت موجودة بس عمري ما كنت أولوية.
__________•
فاضل أربـع ساعات على كتب الكتاب
أربع ساعات بس، والدنيا كلها مقلوبة فوق دماغي.
مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
إزاي كتب كتاب فجأة؟
وإزاي همشي معاه بعدها علطول؟
هو أصلًا مين ده عشان أثق فيه؟
حتى لو عمران شخص كويس حتى لو مكانته كويسة
أنا معرفهوش.
إزاي من يوم وليلة أبقى مراته؟
إزاي أروح أحضر خطوبة بنت عمي وأرجع ألاقي نفسي أنا العروسة؟
أنا مش عايزة أتجوز.
مشفتش حاجة تطمّن قلبي مشفتش موقف يخلّيني أقول
آه… ده أقدر أستند عليه.
أنا عايزة أتجوز وأنا واثقة، واثقة إن جوزي يحبّني
مش بس يتحمّلني.
يحب ابني، مش يشوفه عبء.
أنا مش محتاجة بيت جديد أنا محتاجة أمـان.
محتاجة حـضن صادق.
محتاجة حد يشوف ضعفي وما يستخدموش ضدي.
يمكن المشكلة مش في الجواز…
المشكلة إني فاقدة للحنـان وفاقدة الثقـة.
وخايفة أروح لمكان جديد وأفضل برضه وحيدة.
بس في إحساس جواياصغير، بس عنيد
بيقولي إن في حاجة غلط الموضوع مش طبيعي
مش صدفة مش لَخبَطة ظروف.
لا… ده مترتّب.
وأنا ذكيـة بلمـح بسرعـة.
والتفاصيل الصغيرة عمرها ما بتعدّي عليّ كده وخلاص.
قومت، جبت دفتر وكذا قلم وقعدت على الأرض
مش قعدة عروسة قعدة محقّقة.
وكتبت في أول الصفحة:
عـمـران
– دكتور في مستشفى بابا.
– فجأة بقى شريك بنسبة كبيرة.
– مش من هِنا… كان مسافر ورجع.
– مصري بس عايش برّه.
تمام أول مـسار
شافني كام مرة؟
مرتين؟ تلاتة؟
والمقابلات كانت رسميّة جدًا مفيهاش كلمة زيادة.
إزاي واحد بالكاد يعرفني يبقى مستعجل بالشكل ده؟
حتى لو وقع في حبي —وده افتراض ضعيف جدًا —
فين العلامات؟
فين الإشارات؟
فين أي حاجة تسبق قرار زي ده؟
النقطة التانية شـهـد
لما جه وقعد مع شهد أول مرة إزاي مشفش الفرق؟
إزاي ما لاحظش إن في اختلاف رهيب بينّا؟
شهد دكتورة في المستشفى.
شخصيتها مختلفة وحضورها واضح.
وهو شريك يعني عارف كويس أهم الدكاترة هناك.
يبقى إزاي حصل اللبس؟
ولو مفيش لـبس يبقى كان قـاصد.
التـوقـيـت غلـط
قرار جواز في نفس اليوم تقريبًا؟ قراءة فاتحة.دبل
فين أهله؟ فين قرايبه؟ حتى حد كبير يمثله؟
مش معقول كلهم مش موجودين.
ومش معقول واحد بالمكانة دي يعمل خطوة زي دي لوحده.
مثلاً في اتفاق بينه وبين بابا.
اتفاق أكبر من مجرد جواز في مصلحة متبادلة.
شراكة… مقابل حاجة في ضغط حصل فجأة.
موقف اضطرهم يستعجلوا أنا مش الاختيار الأول.
أو… أنا اختيار محسوب جدًا أنا مش بهوّل أنا بربط نقط.
– شراكة كبيرة فجأة، تقرّب عائلي سريع،استعجال غير منطقي، غياب أهله،مفيش مشاعر واضحة.
كل ده مش صدفـة دي خطـة.
وفي النص في حلقة مفقودة.
حاسّة إنها مربوطة بحاجة قديمة أو بحاجة حصلت قبل ما أعرف.
قفلت الدفتر، وبصّيت في السقف.
لو هم فاكرين إني هبقى مغلوبة على أمري وابقى ساكتة
يبقوا غلطانين.
تعبت… حاسة إن دماغي بتدور حوالين نفسها، وكل الأفكار بتتخبط…
مش قادرة أوصل لحاجة مش قادرة أفهم أوافق ولا أرفض حتى لو هدفع التمن.
وسط شرودي، جالي مسدج أخدت الفون بإرهاق وفتحته:
_أنتِ عارفة إنك خدمتيني كتير يا نـدى، مش أنا بس
أنتِ هتحققي أمنية شخص بيتمناكِ.
كمان، كم ساعة وهتيجي معايا كزوجة.
أوعـدك إنك مش هتندمي أوعـدك هتتفاجئي بحلم عمرك ما حلمتيه… بس هيتحقق.
ثقي فيا، واوعـدك إني عمري ما هخذلك.
ضربات قلبي عليت الخوف اتملك مني خوف من مجهول من عدم أمـان
بس فيه حاجة جوايا صغيرة بتقولي انجرفي ورا كل ده.
مش عارفة ده فـضول ولا حـدس ولا حاجة تانية.
لكن الأكيد إني عايزة أعرف إيه الـحلم ده؟
________•
فين العروسـة يا جماعة… حد يناديها عشان الوقت!
صوت المأذون بيعلى والكل منتظرني
لكن وأنا بخطو رجلي على باب المكان عيني بتدور
بتحاول تمس كل شيء حواليّا
أشخاص قليلة تتعد على صوابع الإيد
مفيش روح كأن المكان جاي تعزيـة مش فـرح.
الموضوع رسمي… رسمي بشكل بحت.
كل واحد واقف على أعصابه، كأن الوقت نفسه عدّاد بيجري في انتظار منتظرين يشوفوا شغلهم، لا أكتر ولا أقـل.
دخلت بهدوء…
وقعدت قصاد عمران، وجنب بابا
المشهـد يأسر الواحد من بعيد.
أي بنت كانت تحلم باللحظة دي… ده الظاهر بس الحقيقة كانت قاسية
قاعده بتمنى زوال الوقت، قاعده جنب شخص المفروض يكون ركن الأمان ليّ مش الركن البغيض اللي قلبي مش قادر يلاقي فيه أي راحة، الركن اللي نفسي أسيبه وأبعد عنه…
بدأت الإجراءات بشكل رسمي، وكأننا بنتفق على صفقة قدامي البائـع والـمشتري… وأنا الـضحية.
بعد دقائق، لقيت نفسي بمسك القلم عشان أوقع، وأبقى فعلاً زوجة!
مضيت وأنا قلبي بيدق من الخوف، وإيدي بتهتز.
بصيت للورقة، وبصمتي عليها مش مجرد حبر دي بداية حياتي اللي مش اخترتها، بداية صفقة بيعت فيها رغباتي ومشاعري بلا استئذان.
وفي لحظة قصيرة، كل اللي حلمت بيه كل اللي تمنيت أبنيه لنفسي كله اختفى بين خطوط توقيعي، وأنا بس واقفة عاجزة… بس بشوف النهاية اللي مش ملكي.
"مُبارك ليكم، ربنا يبارك في زواجكم… آمين!"
المباركة الوحيدة اللي سمعتها كانت من المأذون، حتى بابا وعمي اقتصرو على الصمت بس مش مهم، عادي مش فارقة يا نـدى
أنتِ متعودة… سيبك وشوفي حياتك اللي هتبدأ!
_ ها يلا يا نـدى… نمشي!
_ هجيب حاجاتي من فوق الأول… ثواني.
_حاجتك كلها نزلت وبقت في عربية جـوزك.
بصتله بخزي من إهانته الواضحة ليّ، لكني ابتسمت وقربت منه بهدوء ظاهري.
_ سـلام يا بابا… بنتك نـدى خلاص اتجوزت وهتروح بيت جـوزها.
تفتكر ممكن يجي يوم وكل واحد فينا يرد حقه لتاني؟
_يعني إيـه؟!
_كل إنسان مؤذي في الحياة، لازم يجي وقت ويرد حقوق اللي آذاهم… سواء في الدنيا أو الآخر.
وأنا هستناك يا بابا… سواء في الدنيا أو الآخرة.
_ أنا جاهزة يا عمران.
نزلنا بصمت تقيل.
كل خطوة كانت بتشد قلبي لتحت، وكل نظرة حوالينا بتأكدلي إني فعلًا ما كانش ليا مكان هناك.
وصلنا للعربية ركبت من غير ما أبص له بس كنت حاسة بعينه بتلاحق كل حركة مني.
اتجاهلت لكن بعد شوية بصيتله بشك وغموض وقلت:
— يا أهلاً بدكتور عمران!
اتسعت ابتسامته، وبصلي بنص عين:
— يا أهلاً بزوجتي العزيزة.
هزّيت إيدي بلامبالاة، لسه مش مستوعبة كلمة زوجتي.
كمّل بابتسامة باردة:
— مبارك لأجمل زوجين في الدنيا.
ضحكت بسخرية:
— هو أنت فاكرني داخل عليّ اللعبة دي؟
اتجوزتني عشان يا حرام حبيتني؟
ياااه على حبك العظيم اللي لامسني!
بكره هكتشف لعبتك تمام.
رد بثقة مستفزة:
— وبكره ليه يا عسل؟ دلوقتي هتكتشفي.
غمزلي وكمل:
— هي دايمًا تقول إنك ذكية جدًا…
طلعِتِ ذكية يا زوجتي العزيزة.
عقدت حواجبي:
— هي مين؟
قال ببساطة:
— خالتي.
— خالتك تعرفني منين؟
ابتسم ابتسامة غامضة:
— دي أكتر واحدة عارفاكِ فينا.
صرخت بزهق:
— هو أنت بتتكلم بالألغاز ليه؟ حد ماسك لسانك؟
— بس يا عسل واسكتي… أهو وصلنا.
بصيت حواليا:
— وصلنا فين؟ ده بيتك؟
— لأ.
— أمال بيت مين؟ موديني فين؟
تنهد بضيق:
— ما تسكتي بقى صدعتيني.
لفيتله بحدة:
— ما أصدعك! في المشكلة مش مراتك؟
بصلي من فوق لتحت وقال ببرود:
— يا حبيبتي… أنا مش بحب الزن والصداع.
واحد طول النهار في شُغل و عمليات وبيجي هلكان
يعني عايزة مراتي صامتة طول الوقت، تقول حاضر ونعم.
بصيتله بقرف:
— حبك برص يا شيخ.
سبته ومشيت ناحية باب البيت وخبطت.
مش عارفة باب مين بس أي حد يفتح ويخلّصني منه.
اتفتح الباب.
ظهرت ست قدامي بصيتلها ثواني رجعت بصيت لعمران
مستنية يفهمني مين دي.
الصمت طال مفيش حد بيتكلم وأنا عيني بتتنقل بينهم.
لكن لاحظت حاجة.
نظرتها!
مذهولـة،مصدومـة وعـينها مليانة دمـوع.
الوقت بقى بيمشي ببطء غريب.
وفجأة نطقت:
— نـدى؟!!!
قلبي دق بعنف، اتكلمت بتلقائية:
— حضرتك تعرفيني؟!!
في اللحظة دي حسيت بحركة ورايا كان عمران وقف قريب جدًا، صوته خرج هادي بس مشدود بطريقة قلقتني:
— تـعرفـك دي مـامتك يا نـدى.
الدنيا لفت بيّا، الكلمة ارتطمت في ودني كأنها نـــ,ار.
لفيت له بصدمـة حـادة:
— ماما مين؟
ماما… ميّتة.
•تابع الفصل التالي "رواية المشهد الاخير" اضغط على اسم الرواية