رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد الثالث والعشرون" الجزء الثاني "
❈-❈-❈
- فاروق…
قالتها بأنفاسٍ مسلوبة، وهي تحاول أن تقاوم…
ألا تنجرف أمام قُبلاته التي تُربكها، وألا يخونها جسدها ،حاولت أن تتراجع على الفراش بجسدها لكن ثبتها يُحطها بذراعيه بقوة وعاد يقُبل شفتبها،غفوة عقل وزمان شعر بها الإثنين،لم تُدرك متي وكيف اصبح شبه عاري، مثلها، مدت يديها تحاول تثبيت المنشفه على جسدها، لكن يديها لمست جسده
… شعر به ترتجفان على صدره العاري، كأن أصابعها تبحث عن مخرج وفي الوقت ذاته تتشبث به...
- فاروق…
همست مرة أخرى، لكن الصوت خرج هذه المرة أقرب إلى أنين مكبوت، ليس احتجاجًا بقدر ما هو شبه استسلام بدأت ترضخ له بتردّد ..شعر بذلك.. رفع رأسه قليلاً، عيناه تلتقطان آخر بقايا مقاومتها في عينيها... تفوه بإشتياق:
عهد... ليه مُترددة... لو..
كان صوته خشناً، مشوباً بلهفة يكاد يختنق بها، لكنه ترك لها الباب مفتوحاً… أو هكذا بدا.
حاولت... وحاولت أن تجمع كلمة"توقف" أن تدفعها من حلقها الجاف...
لكن الحرف الأخير توقف بحلقها قبل أن يكتمل، تحول إلى نفس متقطع حين انزلقت يده على خصرها، تحت حافة المنشفة التي لم تعد تُخفي شيئاً يُذكر...
جسده خانه مرة أخرى؛ انحنى نحوها رغمً عنها،
شعرت بحرارته تحاصرها من كل الجهات،كأن عمودها الفقري لم يعد ملكها... بضربات قلبه السريعة تنتقل إلى صدرها كموجات متصارعة...
في لحظة غباء أو ضعف.. لم تفرق بعد.. رفعت يدها فوق عُنقه، أصابعها تتشبث بشعره من الخلف، ليس لتدفعه بعيدًا… بل لتُقربه أكثر...
قبلها ينبض بعنفٍ هذه المرة، كأنه يعاقبها على ترددها، أو هو يعاقب نفسه على عدم قدرته على التوقف...
المنشفة شبه انزاحت... لم يعد هنالك حاجز بين أجسادهما... لم يعد هناك مجال للكذب على النفس؛ الجسد قال كلمته، والعقل غرق في ضبابٍ كثيف من الرغبة والرفض أصبح يندثر... همست إسمه بحشرجة
- فاروق…
ارتفعت نحوه رغمًا عنها، كأن بينهما خيطًا خفيًا يشدها إليه كلما حاولت الابتعاد.
ابتلع ريقه وهو يحدق بها، وقد لاحظ ارتجاف أنفاسها، إتكئ فوق جسدها أكثر ببطئ… خطوة محسوبة، وكأنه يخشى أن تتبدد تلك اللحظة لو تسرع وإعترف أنه يعشقها من أول لقاء...كاد فعلًا أن يعترف بصوت منخفض يحمل نبرة لم تعتدها منه:
عهد أنا....
لكن يبدوا أن ذلك الإعتراف سيتأجل بعدما صدح رنين هاتف،
شهقت عهد كأنها كانت تغرق وعادت أنفاسها مرة أخري، رنين الهاتف كان كالصفعة المفاجئة، قاسية وغير متوقعة...
انتفضت قليلاً تحت ثقله، عيناها تتسعان لحظة وهي تعود إلى الوعي... رفع هو رأسه ببطء، وكأن حركته تكلفه جهداً هائلاً، ثم مد يده نحو الهاتف الذي كان بمعطفه فوق الفراش..تضايق كان الهاتف يهتز بعناد.
-هشوف مين اللى بيتصل
قال ذلك بصوت خشن، محاولاً أن يبدو طبيعياً، لكن النبرة خانته؛ كانت ممزوحة بالغيظ والإحباط.
نظرت عهد إلى الشاشة التي أضاءت وجهها بالضوء الأزرق البارد.
ده محسن.
همست، وكأنها تكتشف ذلك للتو.
تنهد بعمق، ثم اعتدل قليلاً، لكنه لم يبتعد تمامً. ظل جسده قريبّا يحتضنها بلا حراك، كأنه يخشى أن يتركها تهرب إذا تحرك خطوة واحدة...
تحدثت بحرج:
مش هترد عليه.
نظر نحوها ونحو الهاتف الذي مازال يومض برنين، فكر بعد الرد والعودة الى ذلك التوهان الذي كان به معها قبل لحظات، لكن هي بدأت تنزاح من أسفله، وبالفعل نجحت في ذلك، حتى أنها بحجلٍ ويدٍ مرتعشة عادت تلف المنشفة حول جسدها سريعًا، وكأنها تحتمي بها من ارتباكها أكثر مما تحتمي بها من عينيه...
تدارك فاروق ذلك، فابتعد قليلًا إلى الخلف فورًا، يمرر كفه فوق شعره في توتر واضح، وكأنه يحاول أن يستعيد اتزانه
مد يده فلمس خدها بأطراف أصابعه، حركة خفيفة كأنها لمسة ريشة... وتحدث بهدوء:
مش هسيبك تهربي تاني، يا عهد...
أومأت براسها بصمت وهي تنهض من فوق الفراش، غادرت الغرفة، لا تود البقاء ولا السماع لما قد يقوله... كأنها تهرب، من ماذا لا تعرف، لكن ما برأسها الآن أن تختفي من أمام عيناه...
شعر فاروق بشيء ينقبض في صدره وهو يراها تغادر بهذه السرعة، كأنها انتُزعت من أمامه فجأة... ظل و مكانه لحظة، ينظر الى باب الغرفة الذي أغلقته خلفها، بينما لا تزال حرارة قربها عالقة في الهواء...
مرر كفه على وجهه بضيق خفيف، وقام بالرد على الاتصال أنهاه سريعًا ثم نهض جذب ثيابه إرتداها في عجاله ثم خرج من الغرفة توجه الى غرفة عهد، تنهد بعمق،قبل أن يضع يده فوق مقبض الباب وفتحه ببطء.
بينما عهد في الجهة الأخرى كانت تسير بخطوات متعجلة، تكاد تتعثر من
شدة ارتباكها، وقلبها يدق بعنف كأنها ركضت مسافة طويلة... وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة أنفاسها، وهمست لنفسها بلوم:
ليه… كل ما يقرب كده… بحس إني بضيع.
لم يكن سؤالاً، بل إتهامً، ولوم.. وزم لذلك الضعف.
جلست على حافة السرير، المنشفة ملفوفة بإحكام هذه المرة، كأنها درعٌ هش.
نظرت نحو الباب الذي إنفتح... ودخول فاروق الذي توقف على بعد خطوة واحدة فقط.
قال بصوت هادئ، لكنه يحمل إصرارًا واضحًا:
عهد.
تجمدت مكانها، لكن لم تستطع أن تقف.
اقترب أكثر جلس على ساقيه أمامها ضم يديها بين يديه، ثم تحدث بصوت دافئ:
إحنا لازم نقعد مع بعض ونتكلم بصراحة.
تحدثت بنهي دون أن تنظر إليه:
بس أنا مش مستعدة أسمع منك.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، مزيج من الصبر والتحدي، قائلًا:
كفاية هروب يا عهد، في شعور بينا موجود، سواء اعترفنا بيه أو فضلنا نهرب منه..الكوت مش هيريحنا.... أنا لازم أمشي دلوقتي..بس الكلام بينا متأكد هيريحنا إحنا الاتنين.
توقف لحظة، كأنه يمنحها فرصة لتتكلم، لكنها ظلت صامته وعيناها معلقتان في الفراغ بعيد عنه
تنهد فاروق وقال بهدوء حاول أن يخفي ما فيه من ثقل:
أنا لازم أمشي دلوقتي… بس الكلام بينا لسه ما خلصش.
التفتت بعينيها نحوه أخيرًا، وكأن تلك الجملة أيقظتها من شرودها. نظرت إليه نظرة حيرة واضحة، ثم تحدثت بصوت خافت:
ويمكن… ما ينفعش يبتدي أصلًا.
لم يغضب، بل ابتسم ابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من الإصرار، قائلًا بشبة يقين:
لا… ابتدى من زمان يا عهد، إحنا بس اللي كنا عاملين نفسنا مش شايفين.
ارتبكت عهد، وأخفضت عينيها سريعًا، بينما تشعر بأن قلبها يخفق بقوة أكبر مما ينبغي...
أما فاروق فظل لحظة ينظر إليها، كأنه يحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته، ثم ترك يديها ونهض متجهًا نحو الباب...
وقبل أن يخرج… توقف لثانية دون أن يلتفت، وتحدث بصوت هادئ:
على فكرة… الهروب ما بيغيرش الحقيقة.
غادر، نظرت نحو يديها اللذان قبل لحظات كانتا بقبضة يديه تشعر بدفئ، تبدل الى برود...
أنفاسها لا تزال متسارعة، لكنها الآن أنفاس وحدها...
الغرفة صامتة إلا من صوت ساعة حائط بعيدة تقرع الثانية بعد الثانية، كأنها تحسب الثواني التي مرت منذ أن غادر
نظرت إلى يديها، لا تزالان ترتجفان قليلًا..
لمست شفتيها بأطراف أصابعها، كأنها تتحقق إن كانت تلك القبلات حقيقية أم حلمً محموم...
شعرت بطعم مالح خفيف… دمعة سقطت دون أن تلاحظ متى بدأت...
لم تعرف إن كانت تشعر بالراحة لأنه غادر.. او الافتقاد لقوتها التي بدأت تتلاشي...
تقاوم...وتقاوم ان تظل ثابتة
وكل شيء حولها غير متزن حتي هي غير متزنه
❈-❈-❈
بالجامعة
أثناء خروجه من إحدى قاعات المحاضرات، كان الممر مزدحمًا بالطلاب... ضجيج الأحاديث وضحكاتهم يملأ المكان... بينما يشق طريقه وسط الزحام، وقعت عيناه على غزال صدفة…
كانت تسير مع مجموعة من زملائها، بينهم شابان يتحدثان معها...
توقفت خطواته دون أن يشعر.
ضغط على فكه قليلًا، وشعور بضيق غريب يزحف إلى صدره حين اقترب أحدهم منها أكثر من اللازم، حتى كاد يحتك بها بسبب الزحام...
قبض كفه دون وعي، وعيناه تتابعان المشهد بحدة.
لم يعجبه قرب ذلك الشاب منها… ولا ضحكتها التي بدت عفوية وهي ترد على شيء قاله.
شعر بوخزة غريبة في صدره، وكأن شيئًا بداخله يرفض هذا المشهد تمامًا... لوهلة لم يُفكر وتوجه نحوها، لكن توقف حين وقف أمامه إحد اساتذة الجامعة يتحدث معه عن شيء خاص بالتدريس، زفر نفسه وعيناه تراقبها وهي تمُر من أمامه، حتى أن راسه دارت معها، استغرب زميله قائلًا:
فى حاجة شاغلة عقلك، إنت مش منتبه لكلامي.
تنحنح قائلًا :
لاء معاك كنت بتقول إيه.
أخبره زميله بما كان يريد.. أومأ له قائلًا:
تمام، هبعتلك البحث عالنت، لازم أمشي دلوقتي.
وافق زميله، عاد يسير بالممر عيناه تبحث عنها، لكن إختفت، شعر بضيق وأكمل سير نحو سيارته... شعر بضيق، وأكمل سيره نحو سيارته بخطوات أسرع مما اعتاد.
كان يحاول إقناع نفسه أن الأمر لا يستحق كل هذا الانشغال… لكنها ظلت في رأسه؛ ضحكتها، قرب ذلك الشاب منها، والطريقة التي كانت تسير بها وسط الزحام دون أن تنتبه لنظراته التي لاحقتها...
وصل إلى سيارته، أخرج المفاتيح، لكنه توقف قبل أن يفتح الباب...
مرر يده على عنقه بتوتر، وزفر نفسًا طويلًا كأنه يحاول طرد ذلك الشعور الذي استولى عليه فجأة... تحدث لنفسه بضيق ولوم:
مالك يا كنان البت دي آخر واحدة عقلك يفكر فيها... كفاية إنها تربية أم صبري.
وضع المفتاح بالمقود ثم غادر ناهيًا ذلك الشعور.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
مساءً
بشقة والد عهد
دلفت عهد ترسم بسمة خفيفة على شفتيها، وما إن رأت والدتها حتى خف توترها قليلًا...
واستقبلتها بلهفة قائلة:
لما اتصلتي الضهر وقولتي الطيارة هتتأخر قلقت… قولت أكيد حصل حاجة.
اقتربت عهد منها، قبلت رأسها بحنان قائلة بنبرة مُطمئنة:
لا يا ماما… بس كان في تأخير بسيط، بسبب صيانة للطيارة، كمان الطقس كان اتبدل فجأءة بس الشركة اتصلوا على الارصاد الجوية وقالت مش هيأثر عالطيران.
تنهدت ميرفت براحة، ثم أمسكت بيدها تقودها إلى الداخل قائلة:
المهم إنك وصلتي بالسلامة.. أنا من ساعتها قلبي مش مرتاح.
جلست عهد على الأريكة وهي تخلع حذاءها بتعب واضح، ثم قالت بنبرة مازحة تخفف بها الجو:
هو أنا أول مرة أسافر يعني.
رمقتها ميرفت بنظرة عتاب رقيقة قائلة:
مهما سافرتي برضوا قلبي بيفضل قلقان عليكِ.
ابتسمت عهد بصمت، لكنها سرعان ما شردت للحظة…
تسلل إلى ذهنها ملامح فاروق، قبل يومين وصوته حين قال: "كفاية هروب يا عهد…"
أصبحت تتهرب منه.. حديث مقتضب بينهما.
لاحظت والدتها شرودها فسألتها بفضول:
مالك.. سرحتي في إيه كده.
انتبهت عهد سريعًا، وهزت رأسها قائلة:
ولا حاجة… بس السفر كان مرهق شوية... فين ياسين.
اقتربت ميرفت وجلست بجوارها، ثم قالت بنبرة هادئة تحمل شيئًا من التلميح:
أكيد الإرهاق مش من السفر بس… واضح إن في حاجة شاغلة بالك.
رفعت عهد عينيها نحوها، ترددت لحظة…
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تحاول التهرب من الإجابة.. لكن في داخلها…
كانت تعرف جيدًا ما الذي يشغل عقلها توهت بالسؤال:
فين ياسين، نام ولا إيه.
أجابتها ميرفت:
لاء، بس نزل هو وباباكِ يجيبوا طلبات من السوبر ماركت زمانهم راجعين، خليكِ مرتاحة وأنا هحضر العشا نتعشا سوا.
أومأت عهد برأسها، واتكأت على الأريكة تتنفس ببطء، كأنها تحاول أن تفرغ صدرها من كل ما يتراكم داخله مررت يدها فوق جبينها، وأغمضت عينيها لحظة… لكن ما إن فعلت حتى تسلل إلى ذاكرتها تلك اللحظات من جديد.
صوته… قربه… والطريقة التي قال بها:
"كفاية هروب يا عهد…"
فتحت عينيها سريعًا كأنها تحاول طرد الفكرة من رأسها... في تلك اللحظة، صدح صوت باب الشقة يُفتح، تلاه صوت ياسين العالي من المدخل
ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجه عهد، ونهضت من مكانها تستقبلهم
دخل ياسين ثم خلفه توفيق يحمل بعض الأكياس، وما إن رآها حتى ترك ما بيده على الطاولة واتجه إليها سريعّا
احتضنها بحماس طفولي جعلها تضحك رغم إرهاقها، وقال وهو يبتعد قليلًا ليتفحص وجهها:
واحنا فى السوبر ماركت قولت لـ بابا توفيق إني شوفتك نازله من العربية اللى مرسوم عليها طيارة.
ابتسمت له كذالك تبسم توفيق من خلفه وهو يضع الأكياس على الطاولة قائلاً بنبرة هادئة:
حمد لله على السلامة يا عهد.. كويس إنك رجعتي بدري مامتك كان عقلها هيطير.
اقتربت منه قائلة:
الله يسلمك يا بابا... ماما قلبها ضعيف.
غصّ قلب توفيق…
يعلم أن ما يعتصر صدره هو ميرفت ليس مجرد ضعف في القلب، بل خوفٌ حديث لم يبرح مكانه..يكفيهما...
فقدان فرح ترك في روحهما جرحًا لم ولن يندمل لاحقًا… جرحًا جعلهما يشعران بالخوف من تكرار ذلك الأسي...
تبادل نظرة صامتة مع ميرفت… كلاهما يحاول التضرع بالصبر، وكأن الصبر هو الشيء الوحيد الذي بقي لهما ليحتميا به.
بعد قليل
نهضت عهد قائلة:
ياسين شكله هينام.
تثائب ياسين وهو يفرك عينيه يقاوم النعاس. تفوهت عهد:
يلا يا ياسين، كفاية سهر خلينا نرجع بيت جدك محي... عندك حضانة بكره.
طاوعها ياسين بالفعل، غادر الإثنين...
بمجرد خروجهما من الشقة، تبدل حال
ميرفت وتوفيق... الذي ضم ميرفت قائلًا بأسي:
عهد صعبانة عليا أوي.
تنهدت ميرفت بدموع قائلة:
متأكدة إنها بتكتم في قلبها، بتحاول تهرب من الحزن بالسفر...، حياتها فجاة اتلخبطت... متأكدة إن فاروق ميعرفش انها بتشتغل، وخايفة من مواجهه تحصل بينهم... هي متحملة وممكن فى لحظة تنفجر... لمحت لها قبل كده عن فاروق انه موافق انها تشتغل كمضيفة طيران، قالت لى هو عارف انها كانت بتشتغل، فمش جديدة... بس لو فعلًا ميعرفش المواجهة بينهم هتكون صعبة.
رغم ذلك قولت لها تاخد أجازة وبلاش تجهد نفسها... قلبي واجعني قوي عليها... زي ما يكون مش قادرة تتخطي فراق فرح.. اتحملت مسؤولية ياسين، حتى جوازها من فاروق ضغطة على نفسها
ضمها توفيق بحنان مواسيًا:
يمكن علشان كده اتمسكت بـ ياسين زيادة… حست إنها لازم تعوضه عن فرح، وياسين كمان متعلق بيها... حتى من قبل وفاة فرح.
اومأت ميرفت بتوافق، تنهد توفيق وتحدث
بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
فاروق مش وحش… أنا حاسس إنه بيحبها بجد..مش حكاية حفظ عِشرة بينا... كمان سبق وإتحمل مرض فرح للنهاية.
نظرت إليه ميرفت بتردد قائلة:
فعلُا فاروق إبن أصول...واتحمل مرض فرح، بس أوقات الحب بيوجع القلب أكتر ما بيداوي.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ…
صمت يحمل خوف وقلق أبوين يعرفان أن ابنتهما تخوض معركة داخل قلبها وحدها...
قطع الصمت توفيق وهو يتنهد بهدوء:
إحنا لازم نفضل جنبها… من غير ما نضغط عليها. لما تحب تتكلم… هتيجي لوحدها.
أومأت ميرفت برأسها، لكن دمعة أخرى انزلقت من عينيها وهي تهمس:
نفسي أشوفها مرتاحة.
طيب توفيق قائلًا:
عهد جواها صراع بين التزامها بـ ياسين، وقبولها إنها بقت زوجة... فجاة لقت نفسها بتفاضل بين قناعتها، فرح مكنتش أخت بس بالنسبة لها، عهد طول عمرها مكنش لها اصدقاء قريبين، غير فرح... كانوا أخوات وسر بعض... عهد كانت أقوي دايمًا، وده اللى مازالت بتحاول تظهره، رغم جواها هشاشة ووجع.. مفيش غير شئ واحد هو اللى هيطلع كبت الحُزن اللى جواها... إنها تحب فاروق، أو بالأصح تعترف إنه بدأ يخترق جدران قلبها.
❈-❈-❈
بالسعودية
يبدو أن زيارتها لذلك المكان الطاهر أعطتها هدوءًا نفسيًا كانت في أمس الحاجة له… تمددت على الفراش، وأغمضت عينيها، تشعر وكأنها وُلدت من جديد...
شيء ما… بل أشياء مختلفة بدأت تتوغل فيها، تُعيد ترتيب مشاعرها وأفكارها التي عانت صراعها طويلًا. ابتسمت على نحو خافت حين جال في رأسها سباقات الإسكواش… غرورها الذي دائمًا يرفض الهزيمة، الذي لا يتحمل أن يفوز أحد عليها، الذي يدفعها لتكون الأفضل دائمًا…
لكن هذه المرة، لم تكن الأمور كما تعتقد...
كانت قد هُزمت سابقًا، نعم… لكنها أدركت أن ما اعتبرته هزيمة في الماضي لم يكن سوى درس، تجربة… نقطة انطلاق لفهم نفسها أكثر، لقوة صبرها وقدرتها على مواجهة ما هو أصعب..
أغمضت عينيها بعمق، وشعرت بحرية غريبة تتسلل إلى قلبها، حرية تسمح لها بأن تعترف لنفسها بكل ما شعرت به… بكل خوفها… بكل ضعفها…
وبينما هي مستغرقة في ذلك الشعور، صدح رنين هاتفها... نهضت وجذبته تبسمت حين رأت هوية المتصل، فكرت لحظات قبل أن تقوم بالرد أخيرًا.. لتسمع حديث نديم الهادئ:
أوعي تكوني نسيتي تدعيلي فى الحرم المكي.
ابتسمت وهي تتكئ بكتفها على طرف الفراش، وعيناها تلمعان بشيء من المشاكسة قائلة بنبرة خفيفة:
وكنت عاوزني أدعي لك بإيه.
ضحك بخفوت، تلك الضحكة التي تعرفها جيدًا، وقال بعد لحظة صمت قصيرة:
بأي حاجة… دعوة حلوة كده من قلبك.
رفعت حاجبها بخبث، وكأنها تراه أمامها لا تسمعه فقط قائلة بدلال:
لأ… الدعوة لازم تبقى محددة، أصل ربنا بيحب الوضوح.
تنهد ببطىء، قائلًا بنبرة أعمق قليلًا:
طب ادعي إن ربنا يرزقني بالراحة.
توقفت ابتسامتها لحظة… شعرت أن صوته يحمل ما هو أبعد من المزاح.
جلست على حافة الفراش، ومررت أصابعها في خصلات شعرها وتحدثت بهدوء:
الراحة دي حاجة كبيرة يا نديم… مش سهلة.
صمت لثانية، ثم تحدث بصوت خافت كأنه يبوح بسر:
عارف… بس يمكن ربنا يكتبها ليا… على إيدك.
ارتجف شيء خفيف في قلبها، لكنها أخفته سريعًا خلف نبرة ساخرة خفيفة:
ما هو أنا مش مكتب توظيف للدعوات.
ضحك هذه المرة بوضوح، قائلًا:
لا… بس إنتِ الوحيدة اللي لو دعتلي… ممكن الدعوة تتقبل.
ساد صمت قصير بينهما… صمت دافئ لا يشبه الحرج.
نظرت نحو نافذة الغرفة، الى ذلك الضوء الخافت الذي انعكس على الزجاج، ثم تحدثت أخيرًا بنبرة أهدأ:
خلاص يا نديم… دعيت لك.
سألها سريعًا، وكأنه طفل ينتظر مفاجأة:
ودعيتي لى بإيه... ومتنسيش تدعي لنفسك كمان.
تبسمت، وعيناها تلمعان بشيء لم تفصح عنه قائلة:
دعيت لنفسي كمان.
بفضول تسأل:
ودعيتي لنفسك بإيه.
أجابته بمراوغة:
دي بيني وبين ربنا… لما تتحقق هتعرف.
ساد بينهما حديث مُتشعب، ربما لأول مرة يسير بتلك الراحة… بلا حذر، بلا كلمات محسوبة، وكأن المسافات التي كانت تفصل بينهما تذوب تدريجيًا مع كل جملة تُقال...
تنقلت كلماتهما بين أشياء بسيطة؛ سألها عن رحلتها، عن الزحام حول الكعبة، عن اللحظة التي رأت فيها البيت الحرام لأول مرة..
أجابته وهي تصف له المشهد، صوتها يحمل دهشة خافتة ما زالت عالقة بداخلها قائلة بهدوء:
الإحساس هنا غريب… كأن الدنيا كلها بتصغر فجأة.
رد بصوت مائل للتأمل:
يمكن عشان الإنسان يفتكر حجمه الحقيقي.
ضحكت بخفة قائلة:
واضح إنك بقيت فيلسوف فجأة.
ضحك قائلًا!
لأ… بس يمكن كنت محتاج حد يوصفلي المكان كده.
توقفت لحظة، ثم قالت بشيء من الفضول:
إنت عمرك ما روحت.
اجابها بأمنية:
لا… لكن نفسي أروح.
سكت قليلًا ثم أضاف بنبرة أهدأ:
أكيد هروح… كلامك شجعني،وبقيت مستعد جدًا.
لم تسأله مستعد لِماذا… لكنها شعرت أن خلف تلك الجملة قصد.
تحدثا بعدها عن أشياء عادية… عن الرياضة، عن الأصدقاء، عن مواقف طريفة حدثت لهما.
وكلما طال الحديث، كانت تكتشف جانبًا آخر منه؛ هدوءه، خفة دمه حين يريد، وطريقته الغريبة في الإصغاء وكأنه يلتقط أدق ما تقوله...
أما هو، فكان يستمع لها وكأن صوتها يحمل شيئًا يطمئنه… شيئًا لم يعترف به حتى لنفسه.
ومع مرور الوقت، أدركت فجأة أنها لم تنتبه للوقت أصلًا.
ابتسمت وهي تقول:
عارف إحنا بقالنا قد إيه بنتكلم.
ضحك نديم قائلًا:
بصراحة… مش عارف.
ثم أضاف بنبرة خفيفة لكنها صادقة:
بس واضح إن الكلام معاكِ… الوقت بيمُر بسرعة من غير ما احس بيه.
صمتت لحظة… شعرت بدفء غير معتاد يتسلل إلى قلبها...
لكنها قالت بمشاكسة لتكسر ذلك الشعور:
ولا يمكن الوقت مُر عشان إنت رغاي.
ضحك بتأكيد مرح قائلًا:
يمكن… بس أول مرة أبقى مبسوط بالرغي كده.
ساد صمت قصير… صمت ليس ثقيلًا، بل مريح…
كأن كليهما أدرك أن تلك المكالمة البسيطة فتحت بابًا لم يكن أحدهما يتوقعه.
بعد وقت من الحديث إنتتهى الاتصال، تنهدت بهدوء نفسي... ارتسمتط ابتسامة صغيرة على وجهها، مزيج من الاطمئنان والإصرار قرار كانت تبوح به لنفسها:
المرة دي، أنا مش هاهرب من حقيقة مشاعري.
بدأت تتخيل نفسها في المرة القادمة، على نفس الأرض المُباركة لكن بصُحبة نديم...بالتأكيد سيكون شعور آخر.
بينما نديم أغلق الهاتف وتمدد على الفراش، اجتاحه شعور غريب بالهدوء… هدوء لم يعتده منذ فترة...
رغم أن حديثهما كان خاليًا من أي اعترافات صريحة أو كلمات كبيرة، إلا أن شيئًا ما فيه كان مختلفًا… بسيطًا وصادقًا في الوقت نفسه...
حدق في سقف الغرفة، بينما عادت إلى ذاكرته نبرة صوتها حين كانت تضحك… وطريقتها في المراوغة بالكلام، وكأنها تتعمد ألا تمنحه إجابة واضحة...
همس لنفسه بنصف ابتسامة:
مراوغة… حتى في الدعاء.
تنهد بعمق، ثم شبك ذراعيه خلف رأسه.
لأول مره كان الحديث بينهما طويلًا جدًا، ولا يحمل أسرارًا … مجرد كلام عابر عن السفر والذكريات وبعض المزاح...
ومع ذلك… شعر وكأن شيئًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدره قد انزاح قليلًا...
أغمض عينيه لحظة، فارتسمت صورتها في خياله… تلك الابتسامة التي يستطيع أن يسمعها حتى عبر الهاتف.
همس بخفوت كأنه يعترف لنفسه فقط:
يمكن عشان الكلام بينا لاول مرة بدون تحفُظ من أي طرف.
ظل مستلقيًا هكذا، مستسلمًا لذلك السكون الذي تسلل إليه بهدوء…
وكأن تلك المكالمة القصيرة أعادت ترتيب شيء ما داخله… دون أن يفهم كيف أو لماذا... لكن تركت أثرًا خفيفًا في روحه، كنسمة باردة تمر في ليلة هادئة... وإحساس دافئ…
كأن الحياة، ولو لوقت قصير... صارت أبسط قليلًا.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
صباحً
ازاح كنان الستائر عن زُجاج الشُرفة، نظر الى الخارج، صدفة توجه بصره نحو تلك الاستراحة التي بالحديقة، رأي خروج غزال منها، استعرب ذلك فمازال الوقت باكرًا، ظل ينظر نحوها زاد استعرابه خروجها من المنزل بهذا الوقت الباكر
لم تكن تبدو مرتبكة… بل تسير بهدوء كأن الأمر طبيعي.
لكن داخله لم يقتنع بذلك الهدوء.
ضاقت عيناه قليلًا، وقد بدأ الشك يزحف إلى رأسه، بينما ظل واقفًا خلف الستائر يراقبها حتى اختفت من أمام عيناه... لا يعلم سبب لذلك الشعور بالفضول، لكن نفض ذلك حين سمع صوت أصبح يألفه جيدًا...
ترك الستائر
وذهب الى حمام الغرفة... إقترب من أحد الجوانب وقف جوار ذلك القفص الحديدي المناسب لحجم وحركة ذلك الطائر...
نظر له قائلًا:
بتكاكي عالصبح بدري كده ليه، مش قدامك الأكل.
مال الطائر برأسه نحوه، ورفرف بجناحيه داخل القفص، كأنه يحتج أو يطالبه بشيء آخر...
ابتسم كِنان ابتسامة خفيفة وهو يفتح باب القفص قليلًا ليعدل وعاء الماء، ثم تحدث بمرح:
إشتاقت للصياعه فى الشوارع ونفش ريشك، إنت اللى بدأت يا أبو عُرف أحمر، مش خربشت لى عربيتي إستحمل بقي معيشك عيشه مكنتش تحلم بها عند ام صبري، أكيد كانت بتأكلك الطبيخ البايت الفاسد... أنا هنا مدلعك قفص وجنبك چاكوزي، ده غير أصناف الأكل بأكلك ببض وجبنة، يلا عيشلك يومين أنا بفكر أعمل عليك وليمة وفتة وملوخية ملوكي، بس تكبر كمان شوية...
أغلق باب القفص وربت عليه بتأكيد غلقه قائلًا:
يلا أنا هسيبك تفطر وانزل اتريض شوية فى الجنينة، بلاش تكاكي كتير.
بينما كانت غزال قد عادت بعد أن اشترت عيشًا ساخنًا من الفرن، ومعه جبن وبعض الأطعمة الأخرى.
دلفت إلى الاستراحة، وضعت الأكياس فوق الطاولة القريبة من المدخل، ثم تحدثت إلى نفسها بصوت خافت:
هروح المطبخ أديهم العيش اللي جبته لهم معايا من الفرن… وأرجع هنا أفطر.
توقفت لحظة تفكر، ثم أضافت وهي تنظر إلى الأكياس:
وبعدها أبقى أنضف الاستراحة… وأشوف كمان موضوع الزرع اللي حوالين الاستراحة ده.
أخذت نفسًا هادئًا، ثم استدارت متجهة نحو المطبخ، دون أن تعلم أن عيونًا كانت تراقب خروجها قبل دقائق… وأن فضولًا غريبًا نحوها بدأ يستيقظ في رأس كِنان.
أثناء خروجها، لاحظت بؤرة المياة الضحلة القريبة من الإستراحة شهقت قائلة:
مُصيبة أنا نسيت حنفية المية شغالة من إمبارح، والمكان بقى بركة ماية وطين... عادت للإستراحة وضعت العيش على طاولة وخرجت مُسرعة، أغلقت صنبور المياة، ثم وقفت لحظات تنظر الى تلك البركة الصغيرة.. بحِيرة ماذا تفعل كي تصرفها... وضعت يدها على رأسها وهي تتمتم بحيرة:
يا نهار أبيض… أعمل إيه دلوقتي بس؟
ظلت لحظات تنظر إلى الماء المتجمع، تحركه بمقدمة حذائها قليلًا، وكأنها تحاول دفعه بعيدًا… لكن دون فائدة تُذكر...
تنهدت بضيق، ثم بدأت بأقتراح حلول لنفسها:
لو جبت جاروف… ولا حتى مقشة يمكن أعرف أطلع المية دي بره.
رفعت عينيها تتفحص المكان حولها بحثًا عن شيء يساعدها، لكنها توقفت فجأة…
فقد سمعت صوت خطوات قريبة تأتي من جهة الحديقة... توترت، لكن فكرت سريعًا ذهبت الى الاستراحة وأخذت العيش وكادت تتوجه نحو المطبخ... لكن
بنفس الوقت خرج كِنان من المنزل بخطوات واسعة، يتريض كعادته في الصباح...
كان يقفز بخفة فوق العشب المبتل من الندى ، قفزة تليها أخرى، مستمتعًا ببرودة الهواء.
قفز مرة…
ثم ثانية…
وثالثة…
ولم ينتبه لتلك البركة الصغيرة من الماء أمامه.
قفز القفزة الرابعة…
هبطت قدماه مباشرة داخل بركة المياه الضحلة، فانزلقت قدمه قليلًا، وتناثرت المياه الملوثة بالتراب حوله في كل اتجاه...
تجمد للحظة وهو ينظر إلى حذائه المبتل وسرواله الذي أختفي لونه وأصبح لونه اسود بسبب الطين الذي يصل حتى منتصف ساقيه...
لوهلة فكر بغباء:
هي السما مطرت بالليل ولا ايه...
لكن نظر حوله، المياة متجمعه في تلك البؤرة فقط اذن ليس هنالك مطر، لكن ما سبب تلك البركة.
في نفس اللحظة كانت غزال قد خرجت من الاستراحة، توقفت مكانها وهي ترى المشهد...
شهقت أولًا… ثم لم تستطع منع نفسها...
انفجرت ضاحكة.... ضحكة صافية خرجت دون تفكير، وهي تضع يدها على فمها محاولة كتمها، لكن دون جدوى...
بينما كِنان… سمع صوت ضحكتها رفع رأسه ببطء نحوها، وعيناه تضيقان قليلًا... نظر إليها ثواني بصمت، وخرج من البؤرة والماء يقطر من حذائه... ومنظر ثيابه الملوثة شعر بغضب ثم رفع صوته يتسأل بعصبية ساخرًا:
مين اللى ساب الحنفية شغالة، ده إهمال انا هعرف مين و...
حاولت غزال كتم ضحكتها وهي تقول معتذرة بين الضحكات:
والله… والله ما كنت أقصد!
شعر بغيظ من ضحكها.. تعصب وهو يصفع تلك المياة الضحلة بقبضة يده قائلًا بغضب:
مش قصدك إيه المكان بقى بحيرة وأنا اللي وقعت فيها زي الأهبل.
تناثرت قطرات الماء حوله أكثر، فزادت هي ضحكًا رغم محاولتها السيطرة على نفسها، واضعة يدها على فمها ..
إغتاظ منها أكثر وتفوه بغضب:
إنتِ هنا مجرد ضيفة والمفروض تلتزمي أداب الضيافة... ومتتعديش حدودك هنا فى البيت، يعني آخر حدودك الإستراحة وبس، بلاش تتصرفي كأنك صاحبة مكان.
•تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية